العدد الحالي: نيسان/ أبريل 83-2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

أبو حامد الغزالي وتربية السلوك الاقتصادي

وعد شكوة

مدرسة لغة عربية ومدققة لغوية

أبو حامد الغزالي وتربية السلوك الاقتصادي

تطوف بنا رحلة العمر على محطات كثيرة، والسعيد هو العاقل الذي يفهم حكمة الظواهر التي تحيط به فيسعى لتهذيب روحه وتربية نفسه بسلوكيات أخلاقية رفيعة يستمد ضياءها مما يبصره غيره عتماً، ويتمتع بما يظنه الآخرون جحيماً، والفطن الحكيم البليغ الأديب هو القادر على توضيح تلك الفضائل وتقديمها ذخيرة لعقول الأجيال القادمة علّها تجدُ أذناً صاغية وقلوباً واعية.

إليكم ما سيتحفنا به العلامة الجليل والأديب الاقتصادي أبو حامد الغزالي.

فضائل الجوع وذم الشبع:

قال (صلّى الله عليه وسلّم) "المؤمن يأكل في معي واحد والمنافق يأكل في سبعة أمعاء" (البخاري: 5393)، وقال عمر رضي الله عنه: إياكم والبطنة فإنها ثقل في الحياة, نتن في الممات، وقال لقمان لابنه: يا بني إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة وخرست الحكمة وقعدت الأعضاء عن العبادة، وقال أبو سليمان لأن أترك لقمة من عشائي أحب إلي من قيام ليلة إلى الصبح, وقال أيضاً: الجوع عند الله في خزائنه لا يعطيه إلا من أحبه.

كان سهل بن عبد الله التستري يطوي نيفاً وعشرين يوماً لا يأكل, وكان يكفيه لطعامه في السنة درهم, وكان يعظم الجوع ويبالغ فيه حتى قال: لا يوافي القيامة عمل برّ أفضل من ترك فضول الطعام إقتداءً بالنبي (صلّى الله عليه وسلّم) في أكله, وقال: لا أعلم شيئاً أضرّ على طلاب الآخرة من الأكل, وقال وضعت الحكمة والعلم في الجوع ووضعت المعصية والجهل في الشبع.

فوائد الجوع وآفات الشبع:

للجوع عشرة فوائد هي:

- الفائدة الأولى: صفاء القلب وإيقاد القريحة وإنفاذ البصيرة. فإنّ الشبع يورث البلادة ويعمي القلب ويكثر البخار في الدماغ شبه السكر حتى يحتوي على معادن الفكر فيثقل القلب بسببه عن الجريان في الأفكار وعن سرعة الإدراك, بل الصبي إذا أكثر الأكل بطل حفظه وفسد ذهنه وصار بطيء الفهم والإدراك. وليس يخفى أنّ غاية المقصود من العبادات الفكر الموصل إلى المعرفة والاستبصار بحقائق الحق, والشبع يمنع منه والجوع يفتح بابه.

- الفائدة الثانية: رقّة القلب وصفاؤه الذي به يتهيأ لإدراك لذّة المثابرة والتأثر بالذكر فكم من ذكر يجري على اللسان مع حضور القلب, ولكن القلب لا يتلذذ به ولا يتأثر, حتى كأن بينه وبينه حجاباً من قسوة القلب, وقد يرقّ في بعض الأحوال فيعظم تأثره بالذكر وتلذذه بالمناجاة. وخلو المعدة هو السبب الأظهر, قال أبو سليمان: إذا جاع القلب وعطش صبا ورق, وإذا رق شبع وغلظ فإذا تأثر القلب بلذة المناجاة أمر وراء تيسير الفكر واقتناص المعرفة فهي فائدة ثانية.

- الفائدة الثالثة: الانكسار والذل وزوال البطر والفرح والأشر الذي هو مبدأ الطغيان والغفلة عن الله تعالى, فلا تنكسر النفس ولا تذل بشيء كما تذل بالجوع, فعنده تسكن لربها وتخشع له وتقف على عجزها وذلها وما لم يشاهد الإنسان ذلّ نفسه وعجزه لا يرى عزّة مولاه ولا قهره, وإنما سعادته في أن يكون دائماً جائعاً مضطراً إلى مولاه مشاهداً للاضطرار بالذوق ولأجل ذلك لما عرضت الدنيا وخزائنها على النبي (صلّى الله عليه وسلّم) قال: " أشبَعُ يومًا، وأجوعُ يومًا.  وقال ثلاثًا، أو نحوَ هذا:  فإذا جُعتُ تضرَّعتُ إليك، وذكرتُك، وإذا شبِعتُ شكرتُك، وحمِدتُك" (المنذري: 168/4).

- الفائدة الرابعة: أن لا ينسى بلاء الله وعذابه ولا ينسى أهل البلاء, فإن الشبعان ينسى الجائع وينسى الجوع والعبد الفطن لا يشاهد بلاء من غيره إلا ويتذكر بلاء الآخرة فيذكر من عطشه عطش الخلق في عرضات القيامة ومن جوعه جوع أهل النار حتى أنهم ليجرعون فيُطعمون الضريع والزقوم ويسقون الغساق والمهل. فينبغي أن يكون العبد في مقاسات بلاء أو شاهد بلاء, وأولى ما يقاسيه من البلاء الجوع فإن فيه فوائد جمّة فذكر الجائعين والمحتاجين إحدى فوائد الجوع فإن ذلك يدعو إلى الرحمة والإطعام والشفقة على خلق الله عز وجل والشبعان في غفلة عن ألم الجائع.

- الفائدة الخامسة: وهي من أكبر الفوائد, كسر شهوات المعاصي كلها والاستيلاء على النفس الأمّارة بالسوء فإنّ منشأ المعاصي كلها الشهوات والقوى ومادة القوى والشهوات لا محالة الأطعمة فتقليلها يضعف كل شهوة وقوة, وهذه ليست فائدة واحدة بل هي خزائن الفوائد. ولذلك قيل: الجوع خزانة من خزائن الله تعالى وأقل ما يندفع بالجوع شهوة الكلام, فإن الجائع لا يتحرك عليه شهوة فضول الكلام فيتخلص به من آفات اللسان كالغيبة والنميمة والفحش والكذب وغيرها.

- الفائدة السادسة: دفع النوم ودوام السهر, فإن من شبع شرب كثيراً، ومن كثر شربه كثر نومه, ولأجل ذلك كان بعض الشيوخ يقول عند حضور الطعام: معاشر المريدين لا تأكلوا كثيراً فتشربوا كثيراً، فترقدوا كثيراً فتخسروا كثيراً. وأجمع رأي سبعين صديقاً على أن كثرة النوم من كثرة الشرب, وفي كثرة النوم ضياع العمر وفوت التهجد وبلادة الطبع وقساوة القلب, والعمر أنفس الجواهر وهو رأس مال العبد فيه يتجر والنوم موت فتكثيره ينقص العمر.

- الفائدة السابعة: تيسير المواظبة على العبادة فإن الأكل يمنع من كثرة العبادات لأنه يحتاج إلى زمان يشتغل فيه بالأكل وربما يحتاج إلى زمان في شراء الطعام وطبخه ثم يحتاج إلى غسل اليد والخلال ثم يكثر تردده إلى بيت الماء لكثرة شربه والأوقات المصروفة إلى هذا لو صرفها إلى الذكر والمناجاة وسائر العبادات لكثر ربحه.

- الفائدة الثامنة: يستفيد من قلّة الأكل صحّة البدن ودفع الأمراض فإن سببها كثرة الأكل وحصول فضلة الأخلاط في المعدة والعروق, ثم المرض يمنع من العبادات ويشوش القلب ويمنع من الذكر والفكر وينغص العيش ويحوج إلى القصد والحجامة والدواء والطبيب, وكل ذلك يحتاج إلى مؤن ونفقات لا يخلو الإنسان منها بعد التعب عن أنواع المعاصي واقتحام الشهوات وفي الجوع ما يمنع ذلك كلّه.

- الفائدة التاسعة: خفّة المؤنة فإن من تعوّد قلّة الأكل كفاه من المال قدر يسير، والذي تعود الشبع صار بطنه غريماً ملازماً له آخذاً بمخنقه في كل يوم فيقول ماذا تأكل اليوم؟ فيحتاج إلى أن يدخل المداخل فيكتسب من الحرام فيعصي أو من الحلال فيذلّ, وربما يحتاج إلى أن يمد أعين الطمع إلى الناس وهو غاية الذلّ والقماءة, والمؤمن خفيف المؤنة. قال بعض الحكماء إني لأقضي عامّة حوائجي بالترك فيكون ذلك أروح لقلبي, وقال آخر إذا أردت أن أستقرض من غيري لشهوة أو زيادة استقرضت من نفسي فتركت الشهوة فهي خير غريم لي, وكان إبراهيم بن أدهم رحمه الله يسأل أصحابه عن سعر المأكولات فيقال إنها غالية فيقول أرخصوها بالترك.

- الفائدة العاشرة: أن يتمكن من الإيثار والتصدّق بما فضل من الأطعمة على اليتامى والمساكين فيكون يوم القيامة في ظلّ صدقته, فما يأكله كان في خزائنه الكنيف وما يتصدّق به كان خزانته فضل الله تعالى, فليس للعبد من ماله إلا ما تصدّق فأبقى أو أكل فأفنى أو لبس فأبلى فالتصدّق بفضلات الطعام أولى من التخمة والشبع.

فهذه عشرة فوائد للجوع يتشعّب من كل فائدة فوائد لا ينحصر عددها ولا تتناهى فوائدها, فالجوع خزانة عظيمة لفوائد الآخرة, ولأجل هذا قال بعض السلف: الجوع مفتاح الآخرة وباب الزهد والشبع مفتاح الدنيا وباب الرغبة.

 

كتاب (إحياء علوم الدين) لمحمد أبي حامد الغزالي

دار الخير للنشر بدمشق، 1993، الجزء الثالث، الصفحات 213-222، بتصرف.