العدد الحالي: ايلول/ سبتمبر 2018       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

حكماء الانهيار..؟ أم حكماء الأزمات..؟ أم حكماء الهاوية..؟ أي حكمة تلك؟ وأي حكماء أولئك؟

د. سامر مظهر قنطقجي

رئيس التحرير

حكماء الانهيار..؟ أم حكماء الأزمات..؟ أم حكماء الهاوية..؟
أي حكمة تلك؟ وأي حكماء أولئك؟
 
كلمة رئيس التحرير
الدكتور سامر مظهر قنطقجي

لا نبالغ أبداً في قولنا بأن الإنسان هو أهم سكان الأرض، ولا شك في أن المبادرات الفردية (التي يقوم بها الإنسان) تعتبر قوام أكثر الأعمال نجاحاً. وهذا لا يُنقص دور الأعمال الجماعية أبداً، بل يدعمها لأنها مزيج من الأعمال الفردية المنسجمة معاً.
إن الرؤى الإستراتيجية الناجمة عن قراءة ما حصل وما يحصل وما سيحصل من قبل إنسان مدرك لما يفعل ولما يؤمن به هي رأس النجاح الشامل المرتكز على عناصر موضوعية.
إن (سوروس، وبافيت) هما من أغنى أغنياء العالم وعوا أزمة ثلاثينيات القرن الماضي وفهموا قواعد لعبة الأسواق بوصفها غابة فرص وتحديات حيث كل شيء فيها مباح من غش وكذب وتدليس وخداع. وهما يمثلان أنموذجاً من نماذج اقتصادية نجت من الأزمة، أما ثالثهم (فولكر) فكان أنموذج بطل قيادة الاقتصاد الأمريكي الكلي بسياساته التي سيطرت على وحش التضخم فساهم في تحسين صورة الاقتصاد الأمريكي حيناً من الدهر.
فقد رأى (سوروس) أن دراسة السلوك البشري وردود الفعل الانعكاسية عند البشر تبين أن الأسواق غير المستقرة جاهزة وناضجة بما فيه الكفاية لصنع فقاعة جديدة. فدورة الازدهار والكساد غالبا ما تحمل في طياتها الائتمان وغالباً لا تقف هذه الدورة في ظل غياب التصورات الأساسية الخاطئة المتعلقة بالائتمان.. فالمقرضون يخطئون في تحديد الجدارة الائتمانية للمقترضين أو في إدراك القيمة المستقبلية للأصول، وبازدياد الإقراض ترتفع أسعار هذه الأصول فيزيدون في الإقراض أكثر فأكثر، ويجتذبون بنجاحهم مقرضين جدد، وهكذا حتى تكتمل دورة الازدهار والكساد.
يَجمع هؤلاء الثلاثة تصيّدهم للفرص ولو أطاح ذلك بغيرهم سواء أكان المتضرر أفراداً أم دولاً، فقد أطاح (سوروس) مثلا باقتصاد بريطانيا العظمى بما فعله بالجنيه الإسترليني على الرغم من كون الجنيه عملة رابع أقوى اقتصاد بلد في العالم، متجاوزاً بذلك هيبة ذلك البلد الذي لا تغيب عنه الشمس، بل وهيبة علمائه وخبرائه.
ورأى (بافيت) أن المشتقات أسلحة وذخيرة دمار شامل لكنه اقتنص ما استطاع قنصه وترك غيره يغرق في وحلها.
وعلى الرغم من أن (سوروس) حذّر من تجمع فقاعة كبيرة بالغة في الضخامة في أواخر التسعينيات. وأن (بافيت) أطلق جرس الإنذار الذي يحذر من الإفراط في الهندسة المالية بعد عدة سنوات من تحذير (سوروس).. فإن (فولكر) بدأت مخاوفه قبل ذلك بكثير، لكنه لم ينشرها على الملأ !!
انهيار الرموز
لقد استغرق انهيار الشيوعية المادية سبعون عاماً، ومدرسة شيكاغو النقدية أحد أهم دعائم ورموز الرأسمالية الجشعة ثمانون عاماً. وهذا هو شأن التجارب الاجتماعية، وكأنهم يتعلمون بالممارسة. فقد شهدت مراحل حياة (فولكر) انحلال اتفاقية بريتون وودز، وثورة المال والائتمان، والتضخم الناجم عن فقاعة المصارف.
- انتهاء منهج مدرسة شيكاغو النقدية:
لقد فهم الحكماء الثلاثة دروس الأزمات واستوعبوها وعلموا مدى انحراف مدرسة شيكاغو النقدية التي قادها أكاديميون مهرة كـ (ملتون فريدمان) حيث شكلت جسراً بين الأزمتين الماليتين العملاقتين انهيار 1929 وأزمة 2008 وخلاصتهما أن للأسواق قدرتها الفعالة على تحقيق التوازن، عكس ما انتهجه (الكينزيون) في التدخل.
تساءل (سوروس)، إذا كانت الأسواق بهذه الكفاءة فلماذا تنهار؟ لقد رأى أن العلاقة بين السلطة المالية والأسواق المالية هي عملية ردود أفعال انعكاسية مستمرة لأن كليهما يتصرف وفقاً لمعرفة منقوصة!.
- انحلال اتفاقية (بريتون وودز):
إن خلل هذه الاتفاقية هو افتراضها الضمني لاستمرار التفاوت الكبير بين أمريكا وبقية العالم من حيث الثروة والقدرة الإنتاجية. فاستغلت الشركات الأمريكية فرق السعر بسبب تقييم الدولار، وقامت بشراء الشركات الأوربية حتى أن ذلك أثار حنق (الرئيس الفرنسي الشهير شارل ديغول) عليها.
وأغرى (عدم التوافق بين كميات الدولار المطروحة والاحتياطي الذهبي) تجار العملات، فالالتزام الأمريكي بـ 35 دولار أمريكي لأونصة الذهب أدى لرفع أسعار الفائدة، وتلك بدورها أدت لتباطؤ النمو الأمريكي.
ويعتقد (سوروس) أن نظام العملات إنما هو عبارة عن مناجم غنية لردود الفعل الانعكاسية اللازمة للتعامل بالأسواق لأنها تُنشئ منافسات بين التجار المستثمرين والحكومة كلٌ حسب إدراكه وشعوره وتنبؤاته بأحوال السوق، وتحاول معظم الحكومات إدارة سعر الصرف لمنع التذبذب في أسعار السلع المتاجر بها في الأسواق، لكن حالما يَثبت سعر الصرف، يكون هدفاً طبيعياً للمضاربين الذين يتحرون القرارات الحكومية.
ومما زاد الطين بلّة فرض الضرائب الذي أدى إلى هروب رؤوس الأموال إلى الفروع الخارجية للبنوك الأمريكية حيث استثمرت في أوروبا دون عناء الضريبة.
إن السياستين السابقتين، أي (سعر الفائدة) و(فرض الضرائب) قد أسهمتا بإيجاد تضخم مستمر مؤداه عجز ميزانية دائم. وللأسف تعايشت كل الدول مع هذا العجز الذي أضحى ظاهرة طبيعية له من يُؤصله ويُدرّسه ويُدافع عنه. بل صار حديث الأوروبيين والأمريكيين منصبٌ على برامج الإنقاذ لأن مستقبل الأداء الاقتصادي عامة، ومنطقة اليورو خاصة ضعيف، والجميع يتوقع استمرار أزمة الدين وعجز الميزاينات.
إني أنصح كل أكاديمي، وباحث، وممارس سواء أكان وزيراً أم حاكماً لمصرف مركزي أم مدير خزينة، أن يقرأ بإمعانٍ وأن يستوعب الدروس، وذلك بإعمال الحكمة والدراية وليس الانبهار الأخاذ الذي يصم الآذان ويعمي الأبصار بما يجعله إمعة مصدقاً لما يراه دون فهم ما وراءه، وللأسف فهذه صفة الفئة الغالبة من الغالبية المتحكمة ومن يسير على خطاها.

فهل غلب الممارس الفارس حقاً؟ للأسف يبدو أن الجواب هو: نعم، فقد غلب (سوروس وبافيت) وأمثالهم (ممن أطلق عليهم الحكماء) غيرهم بدرايتهم للسوق وأحكامه وألعابه ففازوا (بحسب معتقدهم ومقاييس بعضهم)، وغيرهم لم يفعل!.

حماة (حماها الله) بتاريخ ١٣/٠١/٢٠١٣