العدد الحالي: تشرين 1/اكتوبر 2018       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

كفاءة بيت المال لاعتماده نظرية الإيرادات

د. سامر مظهر قنطقجي

رئيس التحرير

دور الدولة في الاقتصاد:
إن دور الدولة (أو التدخل الحكومي) في النشاط الاقتصادي وحدوده قد شَغل حيّزاً واسعاً بين النظرية والتطبيق. فهناك من رفض التدخل الحكومي بتاتاً فجعل من الدولة حارساً للمصالح رافعاً شعار الحرية الاقتصادية، والمنافسة، ليضمن تحقيق أهداف المجتمع. وهناك من أيّد التدخل الحكومي الكامل فأعطى الدولة حق التدخل في كل شيء. وهناك من يرى ضرورة تحقيق الانسجام بين آليات التدخل الحكومي وآليات السوق على نحو يُكمل كل منهما الآخر دون تعارض.
فأصحاب الرأي الأول يرون في دور الدولة حارساً لقواعد اللعبة الاقتصادية، أما أصحاب الرأي الثاني فيرون في دور الدولة المتدخلة اللاعب الأساسي وأحيانا الوحيد. ويبدو أن المدرسة النقدية الأمريكية قد سقطت، ونجحت المدرسة الكنزية جزئياً لأنها نادت بتدخل ورقابة الجهات الحكومة.
لقد تبنت النظم الحاكمة مختلف الأشكال السابقة، وقد فشل تطبيق التدخل الشمولي فشلاً ذريعاً في نهاية القرن الماضي بخروج هذا الأنموذج نهائياً من السوق. وأثبتت الأزمات المالية العالمية نهاية أنموذج الحرية الاقتصادية المطلقة بعدما عجزت محددات السوق عن التحكم الذاتي بنفسها. ويعتبر الأنموذج الثالث المرشح الأفضل، لكن حدوده ضبابية المعالم. فما هو مدى التدخل الحكومي بآليات السوق حتى يُحافَظ عليه دون خلل أو أزمات عاصفة؟
إن الحد الأدنى لما يشترك به الناس كلهم يعتبر الحد الأدنى لمسؤولية الدولة تجاه أفرادها، وقد حدد رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله: "الناس شركاء في ثلاثة الماء والكلأ والنار"( ). ويُستدل بذلك على رعاية الدولة أو من يُمثلها للمصالح الأساسية للمجتمع، حيث يشترك الناس عموماً بما يتوفر من ماء وطعام وأدوات تساعد في تأمين الطاقة بمختلف أشكالها.
وقد كره ابن خلدون( ) دخول الحكومات في مجال الاستثمار لما فيه من ضرر للرعية وإفساد للجباية. ويتمثل معنى السلطان وفق المفهوم المعاصر بالحكومة، وتتمثل الجباية بواردات الدولة من الأموال. فالحكومات تسعى لتعويض عجز ميزانياتها من خلال:
-    فرض المكوس (أي الضرائب) على مبيعات التجار للرعايا وعلى الأسواق، أو زيادة المكوس إذا كانت قدِ استحدثت من قبل.
-    مقاسمة العمال والجباة، وامتكاك (أي امتصاص) عظامهم.
-    ممارسة التجارة والزراعة، وهو ما يستقيم معه رخاء الدولة ومصالح الرعية، وليس الوفاء بحاجة بيت المال.
ويدين ابن خلدون هذا السلوك من قِبَل الحاكم ويصفه بأنه "غلطٌ عظيمٌ وإدخالٌ للضرر على الرعايا من وجوه متعددة".
لذلك فإن لتحديد دور الدولة أثره في رسم معالم حاجتها للأموال من أجل القيام بدورها. وإن تخصيص الكلام عن المجتمع الإسلامي مرده الفروق الجوهرية لهذا المجتمع عن غيره من المجتمعات. فجميع العلاقات في المجتمع الإسلامي تقوم على أساس التكافل، كالعلاقة بين أفراده، بينما يسود الصراع الطبقي المجتمعات غير الإسلامية، حيث العلاقات كلها مبنية على أساس المصلحة فقط، وتستوجب هكذا علاقات التصارع بين الفرقاء لتعارض مصالحهم.
إن شكل العلاقات في المجتمع الإسلامي يحكمها تطبيق الشريعة الإسلامية وضرورة الالتزام بها، مما يعني قيام نظام مرتبط بتطبيق الشريعة الحاكمة بل ويتأثر به.
وإن ما يهمنا في هذا المقام هو الكلام عن الشأن الاقتصادي، تتشكل المؤسسات المالية  الأساسية لأي مجتمع إسلامي (الشكل أ) من:
-    مؤسسة بيت المال: وتمثل السياسات المالية في إدارة إيرادات ونفقات الدولة.
-    مؤسسة الوقف.
-    مؤسسة الزكاة: وهي الركن الثالث من أركان الإسلام.

تمثل المؤسسة الأولى الجانب الحكومي، والمؤسستين الأخريين المجتمع المدني. وتتكامل هذه المؤسسات بالتكافل، وهي ليست علاقة صراع. مثال ذلك:
يُناط بالحكومة تدبر شؤون الناس ومنها شؤون الحرب والتسليح، وعلى بيت المال أن يُنفق من إيراداته الذاتية. ويترتب على المجتمع المدني بمؤسساته دعم الحكومة عند اللزوم، فمؤسسة الوقف تقوم بذلك من خلال وقف الأغنياء لجزء من أموالهم لصالح ذلك الإنفاق العام كأن يوقف شخص ما عقاراً لتمويل الحرب. كما أن مؤسسة الزكاة فيها مصرف خاص يسمى في سبيل الله، علماً أن مصارف الزكاة محددة في القرآن الكريم وهي من ثوابت الشريعة الإسلامية ولا يحق لحاكم أو محكوم أن يلغيها.
كما يُناط بالحكومة رعاية المصالح الصحية والطبية لأفرادها ودفع الفقر عنهم، وتتكبد لأجل ذلك المبالغ الضخمة، لكن مؤسسة الوقف تدعم هذا الإنفاق بشكل واضح في المجتمع الإسلامي، كما أن جلّ مصارف الزكاة تتوجه لدعم هكذا إنفاق. ونفس الشيء يقال عن كفالة الغارمين والمدينين وغيرها، الشكل (ب).

يُضاف لما سبق من الخصوصية، حرمة الربا، مما يجعل السياسة النقدية التقليدية في مهب الريح، كما أن حرمة الضرائب تجعل السياسة المالية التقليدية مشلولة تماماً، ويحتاج هذا الأمر تفصيلاً ليس الآن محله.
فالسياسة المالية للدول التي تتبع الأنظمة غير الإسلامية تتمثل بالضرائب التي تجبيها من الناس فتقوم بخفضها ورفعها تبعاً للظروف الاقتصادية السائدة لمعالجة الآثار السيئة، وبذلك يعتبر المواطن في تلك البلاد قد سدد ما عليه من تكاليف اجتماعية. بينما في المجتمع الإسلامي فإن زكاة أمواله هي بمثابة المشاركة الفعالة في التكاليف الاجتماعية التي يُسهم بها، لذلك فإن تبرير تحريم الضرائب أمر عادل لطبيعة النظام الخاضع لتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية.
والفارق بين حالتي السياستين الماليتين في المجتمعات الإسلامية وغير الإسلامية أنه لو قصرت الدولة عن القيام بواجبها لظلم الحكومات أو لضعف تدبيرها فإن الأحكام سارية المفعول في المجتمع الإسلامي، حيث يتحول فرض الكفاية إلى فرض عين بين الأفراد تحت مظلة التكافل.  
اختلاف المنهج يتطلب اختلاف الطريق
ليس المقصود تغيير العالم من حولنا بل المقصود التزامنا بمنهج يراعي الثقافة العامة والتزامات الأفراد بمعتقداتهم حيث لا يقدرون على الخروج عنها ولو اضطروا لسداد التكاليف الاجتماعية مرتين أو أكثر، فالتهرب من سداد الضريبة مشكلة قانونية آثارها قابلة للسيطرة، (الشكل ج). بينما عدم سداد الزكاة يُخرج المرء عن دينه ويذهب بمعتقده وهذا ما لا يمكنه تحمل آثاره وتبعاته، الشكل (د).

إن تحديد موارد تخص بيت المال ومؤسسته دون التطفل على الناس تجعل القائمين عليه مضطرون إلى إدارته بكفاءة عالية تسمح لهم رسم التدخل في حياة الناس والإشراف على مصالحهم.
أما الاقتصاد التقليدي فكلما تمادى في توسّعه بالنفقات احتاج لمزيد من الإيرادات، وبسبب سهولة فرض الضرائب وتحصيلها وغياب الرقابة في تبرير فرضها فإن أغلب الحكومات وغالبا في البلدان النامية منها تميل لهذا الحل. وتتلخص هذه الإستراتيجية بنظرية النفقات.
لذلك يعتمد الاقتصاد الإسلامي العقلانية من خلال ربط الإنفاق بالإيراد المتحقق من خلال إستراتيجية نظرية الإيرادات. والكتاب الذي تقدمه المجلة هدية مع عددها السابع هذا قد أوضح الإيرادات العامة لبيت المال (الخزينة). وبيّن شروط الاقتراض وضوابطه، وشروط التوظيف (أي فرض ضرائب غير الزكاة) وضوابطه. مما يجعل بيت المال (أو وزارة الخزانة) يعمل بمعيار الكفاءة لا التمادي في خلخلة الحياة الاقتصادية، فهو وحدة اقتصادية عليها أن تعمل وتتوسع بحسب نشاطها الذاتي لا التطفلي.
لذلك يمكننا القول: أن الاقتصاد الإسلامي أقام بيت ماله أو وزارة خزانته على أساس ((نظرية الإيرادات)) بأن جعل موارد تخص بيت المال، بينما أقام الاقتصاد التقليدي وزارة خزانته على أساس ((نظرية النفقات))، حيث تقدر موازنة العام القادم النفقات اللازمة، وعلى أساسها يصدر قانون جباية الضرائب من الناس. وكأن الأول يقوم على أساس المثل الشعبي: (على قد بساطك مدّ رجليك) بينما الثاني يقوم على أساس: (مدّ رجليك ثم نمط البساط ونشده ليصل القدمين)، وشتان بين الحالين

------

للمزيد يراجع كتابنا ((سياستا تحصيل الزكاة وإلغاء الضرائب الماليتين))، الذي أصدرته دار شعاع للنشر والعلوم www.raypub.com ، عام 2008.