العدد الحالي: اكتوبر 2017       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

التورق كما تجريه المصارف الإسلامية

د. عبد الباري مشعل

المدير العام شركة رقابة للاستشارات، المملكة المتحدة

الحلقة (3)

المبحث الخامس
توجيه الخلاف التورق المصرفي المنظم بين المانعين والمجيزين (وجهة نظر الباحث)

- تشرفت بالمشاركة في دورة مجمع الفقه التاسعة عشرة في إمارة الشارقة وكان لي مداخلة في الجلسة المخصصة لمناقشة التورق المنظم. وقد حرصت أن أخاطب كلاً من الباحثين القائلين بالجواز وبالتحريم للتورق طبقاً للأبحاث المشاركة في الجلسة وعددها خمسة عشر بحثاً كنت قد اطلعت عليها ووقفت عند بعض النقاط التي توجه النزاع في المسألة بعد أن لمست وجود غموص في تحرير محل النزاع ساوردها فيما يلي من فقرات .
- من يرى حرمة التورق الفردي فلا شك أنه يرى حرمة التورق المنظم بنوعيه. والسبب هو أن التورق يشبه العينة، من حيث إنه توطؤ بين البائع والمشتري للحصول على نقد معجل بنقد مؤجل أكثر منه، والسلعة غير مقصودة للطرفين. وهذا أقوى في التورق المصرفي منه في التورق الفردي، وبالتالي فإن المنظم سيكون أولى بالتحريم. وهذه أهم حجة يستدل بها المانعون. وهذه الفريق من الباحثين لا ينبغي من الناحية المنهجية أن يشارك في المناقشة الفقهية لحكم التورق المصرفي المنظم لأن القول بالتحريم عنده من لوازم قوله بتحريم الفردي.
- إن الاستدلال بأنه لا يوجد قبض للسلع أو أنها مستندات وأوراق وأن السلع غير مرئية للطرفين فتلك حجج في غير محل النزاع.  لأنه قد يتحقق القبض الشرعي الحقيقي أو الحكمي وكلاهما جائز في قرارات مجمعي الفقه ، ثم إن عدم وجود القبض الشرعي لا يؤدي إلى حرمة التورق فقط بل وإلى حرمة البيع مطلقاً.
- من يرى جواز التورق الفردي فله أن يحرم أو يجيز التورق المنظم، لكن ليس له أن يستخدم حجة القائلين بتحريم التورق الفردي في تحريم التورق المنظم. لأنه في هذه الحال يناقض نفسه، ويلزمه حينئذ أن يقول بتحريم التورق الفردي أيضاً وهو ليس قائل بذلك. والمنهج الصحيح أن يعلل التحريم بعلل جديدة لا توجد إلا في التورق المنظم ومقلوب التورق وحدهما ولا يشترك معهما التورق الفردي الجائز.
- إن هيكل منتج التورق المنظم يقوم على عدة عناصر منها: أن المشتري المستورق لا يبيع السلعة بنفسه، وإنما يتوكل عنه البائع في ذلك. وإن البائع يشتري السلع من السمسار– أ ويبيعها للسمسار- ب (الذي يفترض أن يكون على علاقة بالسمسار-أ) وكالة عن المشتري في السوق الدولية دون أن يدفع الثمن للسمسار-أ لوجود مهلة يومي عمل طبقاً لنظام السوق الدولية، وتكون النتيجة أن يدفع للسمسار عمولته فقط. وكذلك هيكل التورق العكسي لا يلزم من البنك كوكيل أن يدفع مبلغ الشراء فعلاً للسمسار-أ لمهلة اليومين، التي لا تنقضي قبل أن يقوم البنك ببيع السلعة نقداً في السوق على سبيل التورق لنفسه.
- إن هيكل التورق المنظم السابق ذكره يقوم على ركيزة أساسية تتمثل في الوكالة عن المشتري بالبيع، وهذه الوكالة ملزمة في السوق الدولية، وهذا سبب التحريم في نظري في قراري المجمعين السابقين ذكرهما وما عدا ذلك ليس في محل النزاع. غير أن هذه الوكالة لا تعد سبباً للتحريم طبقاً لمعيار التورق الصادر عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية إذا كان إذا كان النظام (نظام السوق) لا يسمح للعميل ببيع السلعة بنفسه إلا بواسطة المؤسسة نفسها. وهذه نقطة خلاف جوهرية بين المجمعين وهيئة المحاسبة [البند 4/7 معيار التورق).
- نص على تحريم التورق أو كراهته في حال الوكالة الملزمة الشيخ تقي عثماني رئيس المجلس الشرعي لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية المصدرة لمعيار التورق آنف الذكر، ونص كلامه : وإن هذا التوكيل إن كان مشروطا في البيع الأول، بأن زيدا اشترى البضاعة من المصرف بشرط أن يقوم ببيعها في السوق، فإن هذا العقد فاسد، لأنه يبيع بشرط التوكيل، ومثل ذلك العقد المشروط فاسد عند جمهور الفقهاء. أما إذا كان عقد البيع خاليا من هذا الشرط ثم وكل زيد المصرف بعقد مستقل، فليس العقد فاسداً، ولكنه لا يخلو من كراهة، وذلك لأن المصرف هو الذي يدفع المبلغ الأقل إلى زيد (بصفته وكيلا بالبيع) وهو الذي يأخذ المبلغ الأكثر عند حلول الأجل، وإن كان الأخذ والعطاء بصفتين مختلفتين وبعقدين مستقلين مما يخرج العملية من الربا الصريح، ولكن هذا الفرق الدقيق لا يبعده من مشابهة التمويل الربوي. وفي كثير من الأحوال لا يتمثل هذا الفرق الدقيق إلا في صورة توقيع على الأوراق ليس له كبير أثر في عالم الواقع. ا ه. وهذا يؤيد ما ذهب إليه المجمعان من التحريم بسبب الوكالةـ، والواقع يشهد للوكالة الملزمة، التي لا تجد مخرجا ًلها إلا في توجيه هيئة المحاسبة في معيار التورق آنف الذكر.  
- ورأي الشيخ عثماني في التوكيل الذي يشتمل عليه مقلوب التورق كما يأتي : "فإن اشترى المتورق البضاعة نيابة عن المصرف، ثم اشتراه لنفسه بدون أن يرجع إلى المصرف وينشئ معه البيع بعقد مستقل، فإن هذه العملية لا تجوز أصلاً، لأن الوكيل لا يتولى طرفي البيع، ولأنه يجب الفصل بين الضمانين في البضاعة وأما إذا رجع الوكيل المتورق إلى المصرف بعد شراء البضاعة، ثم عقد معه البيع بإيجاب وقبول، فالعقد ليس باطلا، ولكن لا يخلو من كراهة، لأنه يقرب العقد إلى الصورية. وينبغي لهيئات الرقابة أن تمنع مثل هذا التوكيل، حتى تعود عملية التورق إلى أصلها". ا ه. ولا يخفى أن هيئة المحاسبة قد نصت على: " تجنب المؤسسات التوكيل عند بيع السلعة محل التورق ولو كان التوكيل لغير من باع إليها السلعة والقيام بذلك من خلال أجهزتها الذاتية". [البند 5/2 معيار التورق].
- إن هيكل التورق المنظم كما يجري تطبيقه في المصارف الإسلامية مرتب إلى الحد الذي تنتفي معه قدرة العميل على التصرف بالسلعة إلا عن طريق توكيل البنك ببيعها وخلال فترة يومي عمل. وهذا يرجح عدم شرعية هذا النوع من التورق طبقاً للبند رقم 4/6 من معيار التورق آنف الذكر الصادر عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية ونصه: ""عدم الربط بين عقد شراء السلعة بالأجل وعقد بيعها بثمن حالّ، بطريقة تسلب العميل حقه في قبض السلعة. سواء أكان الربط بالنص في المستندات، أم بالعرف، أم بتصميم الإجراءات". ا ه.
- إن سلب العميل من القدرة الفعلية على قبض السلعة كان سبباً في التحريم طبقاً لقرارات المجمعين، وهيئة المحاسبة وهذا المرجح في الفهم الدقيق لما تنفذه المصارف الإسلامي تحت مسمى التورق المصرفي المنظم. ويشمل ذلك التورق المصرفي ومقلوبه.
- أضف إلى ذلك ما يترتب عليه من دوران السلعة بين ثلاثة أو أربعة أطراف ورجوعها في كل حال إلى بائعها الأول دون أن تجد فرصة للخروج من هذه الحلقة المغلقة، فهذا مما يقوي شبه التورق بالعينة من الجوهر، ومن ثم بالربا وآثاره العملية، وسوف تسمح هذه الآلية المحكمة من نشوء طبقاً من التجار الذين يقتاتون على هذا النوع من العمليات كما هو الحال في طبقة الربويين، وسوف يؤدي إلى انعدام الميزة الأكثر جاذبية للتمويل الإسلامي وهي تحريك الإنتاج مع كل عملية تمويل، وهنا سيكون الأمر مقتصراً على كمبة محددة من السلع تدور في هذه الحلقة محدثة أهراماً من الديون لا تسند إلى ما يقابلها. ولعل هذه الفكرة هي التي يدندن عليها الاقتصاديون في رفضهم للتورق المصرفي من منظور مقاصد الشريعة وأثره في أن تؤول عملية التمويل الإسلامي في آثارها إلى الصورة التي هي عليها في التمويل الربوي وآثاره المدمرة.
- ولكن هذه الفكرة الاقتصادية الجميلة لم تؤد إلى زعزعة رأي الدكتور نزيه حماد الذي نص على جواز التورق المصرفي المنظم رغم ما فيه من توطؤ بين الأطراف المشتركة فيها وعلى نحو ملزم بغرض تحقيق هدف مشروع وهو السيولة.  ونص ما جاء في بحثه بشأن جواز التورق المصرفي الآتي: " أما عن التطبيقات المعاصرة للتورق، فقد بيّنا توجه كثير من المؤسسات المالية الإسلامية المعاصرة إلى التعامل بالتورق المصرفي المنظم كبديل شرعي للقرض الربوي، الذي تقدمه البنوك التقليدية من جهة، وكبديل عملي منسق مبرمج للتورق الفردي، الذي يكلف المتورق عادة خسائر مالية فادحة، وكثيراً من المشقة والعناء من جهة أخرى، وأنه يقوم على قاعدة التورق الشرعي وآليته، غير أنه يجري وفق منظومة تعاقدية مستحدثة أفضل، تكفل حصول العميل على السيولة النقدية المطلوبة في الوقت المرغوب، من غير تعرض للصعوبات والخسائر البالغة التي تكتنف عملية التورق الفردي عادة، وذلك عن طريق شراء المصرف للعميل سلعة أو أكثر من سوق السلع الدولية (التي تتسم أسعارها بالثبات النسبي، لتقيه مخاطر التقلبات الحادة في أسعار غيرها) ثم بيعها نقداً لطرف ثالث بالنيابة عن العميل بعد ثبوت ملكيتها له، بغية توفير النقد المطلوب له. وقد تبين لنا بعد المناقشة المستفيضة للتورق المصرفي المنظم أن حكمه الشرعي – إذا وقعت سائر عقوده ووعوده على الوجه الشرعي – هو الجواز والمشروعية، شرط أن تباع السلعة أو السلع التي يشتريها العميل لطرف ثالث، لا علاقة للمصرف به، وألا تؤول المعاملة بأي وجه من الوجوه إلى رجوع السلعة إلى بائعها بثمن معجل أقلّ مما باعها به نسيئة" .  

مصادر البحث
1- آدم، موسى آدم،" تطبيقات التوّرق واستخداماته في العمل المصرفي الإسلامي"، أبحاث مؤتمر دور المؤسسات المصرفية الإسلامية في الاستثمار والتنمية، جامعة الشارقة. الأربعاء والخميس 26-28 صفر 1423 هـ الموافق 7- 9 /5/2002م.
2- حماد، نزيه، التورق: حكمه وتطبيقاته المعاصرة، أبحاث دورة مجمع الفقه الإسلامي الدولي، الدورة التاسعة عشرة، الشارقة، (دولة الإمارات العربية المتحدة) من 1 إلى 5 جمادى الأولى 1430هـ، الموافق 26 – 30 نيسان (إبريل) 2009م.
3- قرارات مجمع الفقهية الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي. مكة المكرمة.
4- قرارات مجمع الفقه الإسلامي الدولي، جدة.
5- قره داغي، علي محيي الدين، "حكم التورق في الفقه الإسلامي"، أبحاث مؤتمر دور المؤسسات المصرفية الإسلامية في الاستثمار والتنمية، جامعة الشارقة. الأربعاء والخميس 26-28 صفر 1423 هـ الموافق 7- 9 /5/2002م مشعل، عبدالباري، المرابحة بصفة البنك مشترياً، أبحاث ندوة البركة الثامنة والعشرين، 24/9/2007.
6- عقماني، تقي، أحكام التورق وتطبيقاته المصرفية، أبحاث دورة مجمع الفقه الإسلامي الدولي، الدورة التاسعة عشرة، الشارقة، (دولة الإمارات العربية المتحدة) من 1 إلى 5 جمادى الأولى 1430هـ، الموافق 26 – 30 نيسان (إبريل) 2009م.
7- المعايير الشرعية، هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية.
8- المنيع، عبد الله، "التأصيل الفقهي للتورق في ضوء الاحتياجات التمويلية المعاصرة"، أبحاث مؤتمر دور المؤسسات المصرفية الإسلامية في الاستثمار والتنمية، جامعة الشارقة. الأربعاء والخميس 26-28 صفر 1423 هـ الموافق 7- 9 /5/2002م.
9- النشرات الدعائية لمنتجات التورق في المصارف.