العدد الحالي: ايلول/ سبتمبر 2018       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

يكون الاقتصاد أخلاقياً بالبرّ .. البرّ صلةٌ ومعروفٌ ، وتكونُ الصّلةُ بالتبرعِ ببذلِ المالِ، أَمّا المعروفُ فبالقولِ والعملِ

د. سامر مظهر قنطقجي

رئيس التحرير

يكون الاقتصاد أخلاقياً بالبرّ
البرّ صلةٌ ومعروفٌ ، وتكونُ الصّلةُ بالتبرعِ ببذلِ المالِ، أَمّا المعروفُ فبالقولِ والعملِ
التعقيب والمقاربة الاقتصادية: د. سامر مظهر قنطقجي

أَمَّا الْبِرُّ، وَهُوَ الْخَامِسُ مِنْ أَسْبَابِ الإلْفَةِ فَلِأَنَّهُ يُوصِلُ إلَى الْقُلُوبِ أَلْطَافًا، وَيُثْنِيهَا مَحَبَّةً وَانْعِطَافاً. وَلِذَلِكَ نَدَبَ اللَّهُ تَعَالَى إلَى التَّعَاوُنِ بِهِ وَقَرَنَهُ بِالتَّقْوَى لَهُ، فَقَالَ: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} لِأَنَّ فِي التَّقْوَى رِضَى اللَّهِ تَعَالَى، وَفِي الْبِرِّ رِضَى النَّاسِ. وَمَنْ جَمَعَ بَيْنَ رِضَى اللَّهِ تَعَالَى، وَرِضَى النَّاسِ فَقَدْ تَمَّتْ سَعَادَتُهُ، وَعَمَّتْ نِعْمَتُهُ. (...)، وَالْبِرُّ نَوْعَانِ: صِلَةٌ وَمَعْرُوفٌ.
تعقيب:
إن التوازن في أنموذج الحياة إنما يكون بتحقيق الحياة الآمنة المطمئنة، وهذا يَلزمه حُسن العِشرة مع الناس، فالإنسان لا يعيش بمفرده، بل هو محتاج لغيره، ويكون أيضاً، بالسعي لآخرةٍ مُنجيةٍ وهذا يحتاج كسب رضى الإله، ومَنْ جمع الأمرين عاش سعيداً وكأنه في نعيم. أما سبيل ذلك فبالإلفة، وأما  مسبباتها فالبرّ، والبرّ صلة ومعروف.
أَمَّا الصِّلَةُ، فَهِيَ التَّبَرُّعُ بِبَذْلِ الْمَالِ فِي الْجِهَاتِ الْمَحْمُودَةِ لِغَيْرِ عِوَضٍ مَطْلُوبٍ. وَهَذَا يَبْعَثُ عَلَيْهِ سَمَاحَةُ النَّفْسِ وَسَخَاؤُهَا، وَيَمْنَعُ مِنْهُ شُحُّهَا وَإِبَاؤُهَا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ} (...) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: {مَا مِنْ يَوْمٍ غَرَبَتْ فِيهِ شَمْسُهُ إلا وَمَلَكَانِ يُنَادِيَانِ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلْفًا وَمُمْسِكًا تَلَفًا}. (...) أَرْبَعَةُ أَخْلاَقٍ نَاهِيكَ بِهَا ذَمًّا وَهِيَ: الْحِرْصُ وَالشَّرَهُ وَسُوءُ الظَّنِّ وَمَنْعُ الْحُقُوقِ. فَأَمَّا الْحِرْصُ فَهُوَ شِدَّةُ الْكَدْحِ وَالإسْرَافِ فِي الطَّلَبِ. وَأَمَّا الشَّرَهُ فَهُوَ اسْتِقْلاَلُ الْكِفَايَةِ، وَالاسْتِكْثَارُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، وَهَذَا فَرْقُ مَا بَيْنَ الْحِرْصِ وَالشَّرَهِ. (...) وَأَمَّا السَّرَفُ وَالتَّبْذِيرُ فَإِنَّ مَنْ زَادَ عَلَى حَدِّ السَّخَاءِ فَهُوَ مُسْرِفٌ وَمُبَذِّرٌ، وَهُوَ بِالذَّمِّ جَدِيرٌ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلاَ تُسْرِفُوا إنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: {مَا عَالَ مَنْ اقْتَصَدَ}. (...) وَاعْلَمْ أَنَّ السَّرَفَ وَالتَّبْذِيرَ قَدْ يَفْتَرِقُ مَعْنَاهُمَا. فَالسَّرَفُ: هُوَ الْجَهْلُ بِمَقَادِيرِ الْحُقُوقِ، وَالتَّبْذِيرُ: هُوَ الْجَهْلُ بِمَوَاقِعِ الْحُقُوقِ. وَكِلاَهُمَا مَذْمُومٌ، وَذَمُّ التَّبْذِيرِ أَعْظَمُ؛ لِأَنَّ الْمُسْرِفَ يُخْطِئُ فِي الزِّيَادَةِ، وَالْمُبَذِّرُ يُخْطِئُ فِي الْجَهْلِ. وَمَنْ جَهِلَ مَوَاقِعَ الْحُقُوقِ وَمَقَادِيرَهَا بِمَالِهِ وَأَخْطَأَهَا، فَهُوَ كَمَنْ جَهِلَهَا بِفِعَالِهِ فَتَعَدَّاهَا وَكَمَا أَنَّهُ بِتَبْذِيرِهِ قَدْ يَضَعُ الشَّيْءَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، فَهَكَذَا قَدْ يُعْدَلُ بِهِ عَنْ مَوْضِعِهِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ أَقَلُّ مِنْ أَنْ يُوضَعَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ مِنْ حَقٍّ وَغَيْرِ حَقٍّ. وَقَدْ قَالَ مُعَاوِيَةُ رضي الله عنه: كُلّ سَرَفٍ فَبِإِزَائِهِ حَقٌّ مُضَيَّعٌ (...).
تعقيب:
إن الصلة تكون بالتبرع وهو باب من أبواب السخاء والكرم، وهو سلوك ينبغي أن يكون محموداً إن كان في وجوه محمودة. والتبرع إنفاق يقوم به القادرون لغير القادرين أو الأغنياء للفقراء، ويكفل هذا الإنفاق دوران عجلة الاقتصاد دون وقوف، ففي ظل الانكماش تحلم الحكومات بتحريك عجلة الاقتصاد بتحفيز الإنفاق، وهذا مما يصعب تحقيقه دون إيمان دافع، فكيف إذا كان المقصود بالإنفاق التبرع لغير عوض مطلوب؟. وتقع الصلة أيضاً بغير التبرع، وقد عدد الماوردي منها أربعة أنواع هي: الْحِرْصُ وَالشَّرَهُ وَسُوءُ الظَّنِّ وَمَنْعُ الْحُقُوقِ، وبيّن أن كلاً منها إنما جنوح عن السواء. ويفسر التمعن بآثار المحمود والمذموم سلوك الاقتصاد الكلي، فبالتبرع يتكافل الناس ويتعاضدون ويزدادون قوة تجاه ما يتعرضون له من أزمات، أما الحرص فيذهب بالناس إلى نسيان إنسانيتهم وكأنهم آلات تكد وتكدح دون مشاعر، بينما الشره يحول الناس إلى مستهلكين شرهين تُخل بالتوازن بسبب ازدياد الطلب بشكل غير طبيعي، أما منع الحقوق فمخرب للعلاقات الاقتصادية، وسبب لسوء الظن، بينما حسن الظن يمثل عماد العلاقات التجارية وسبب توسعها.
وَالْبَذْلُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا مَا ابْتَدَأَ بِهِ الإنْسَانُ مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ، وَالثَّانِي مَا كَانَ عَنْ طَلَبٍ وَسُؤَالٍ. فَأَمَّا الْمُبْتَدِئُ بِهِ فَهُوَ أَطْبَعُهُمَا سَخَاءً، وَأَشْرَفُهُمَا عَطَاءً. (...) وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ الْبَذْلِ قَدْ يَكُونُ لِتِسْعَةِ أَسْبَابٍ. فَالسَّبَبُ الأوَّلُ: أَنْ يَرَى خَلَّةً يَقْدِرُ عَلَى سَدِّهَا، وَفَاقَةً يَتَمَكَّنُ مِنْ إزَالَتِهَا، فَلاَ يَدَعْهُ الْكَرَمُ وَالتَّدَيُّنُ إلا أَنْ يَكُونَ زَعِيمَ صَلاَحِهَا، وَكَفِيلَ نَجَاحِهَا، رَغْبَةً فِي الأجْرِ إنْ تَدَيَّنَ وَفِي الشُّكْرِ إنْ تَكَرَّمَ (...). وَالسَّبَبُ الثَّانِي: أَنْ يَرَى فِي مَالِهِ فَضْلًا عَنْ حَاجَتِهِ، وَفِي يَدِهِ زِيَادَةً عَنْ كِفَايَتِهِ، فَيَرَى انْتِهَازَ الْفُرْصَةِ بِهَا فَيَضَعُهَا حَيْثُ تَكُونُ لَهُ ذُخْرًا مُعَدًّا وَغَنَمًا مُسْتَجَدًّا. (...) وَالسَّبَبُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ لِتَعْرِيضٍ يَتَنَبَّهُ عَلَيْهِ لِفِطْنَتِهِ، وَإِشَارَةٍ يُسْتَدَلُّ عَلَيْهَا بِكَرْمِهِ، فَلاَ يَدَعْهُ الْكَرْمُ أَنْ يَغْفُلَ وَلاَ الْحَيَاءُ أَنْ يَكُفَّ. (...) وَالسَّبَبُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ رِعَايَةً لِيَدٍ أَوْ جَزَاءً عَلَى صَنِيعَةِ، فَيَرَى تَأْدِيَةَ الْحَقِّ عَلَيْهِ طَوْعًا إمَّا أَنَفَةً وَإِمَّا شُكْراً لِيَكُونَ مِنْ أَسْرِ الامْتِنَانِ طَلِيقًا، وَمِنْ رِقِّ الإحْسَانِ وَعُبُودِيَّتِهِ عَتِيقًا. وَالسَّبَبُ الْخَامِسُ: أَنْ يُؤْثِرَ الإذْعَانَ بِتَقْدِيمِهِ، وَالإقْرَارَ بِتَعْظِيمِهِ، تَوْطِيدًا لِرِئَاسَةٍ هُوَ لَهَا مُحِبٌّ، وَعَلَى طَلَبِهَا مُكِبٌّ. (...) وَالسَّبَبُ السَّادِسُ: أَنْ يَدْفَعَ بِهِ سَطْوَةَ أَعْدَائِهِ، وَيَسْتَكْفِيَ بِهِ نِفَارَ خُصَمَائِهِ، لِيَصِيرُوا لَهُ بَعْدَ الْخُصُومَةِ أَعْوَانًا، وَبَعْدَ الْعَدَاوَةِ إخْوَانًا، إمَّا لِصِيَانَةِ عِرْضٍ، وَإِمَّا لِحِرَاسَةِ مَجْدٍ. (...) وَالسَّبَبُ السَّابِعُ: أَنْ يُرَبِّيَ بِهِ سَالِفَ صَنِيعَةٍ أَوْلاَهَا، وَيُرَاعِيَ بِهِ قَدِيمَ نِعْمَةٍ أَسْدَاهَا، كَيْ لاَ يُنْسَى مَا أَوْلاَهُ أَوْ يُضَاعُ مَا أَسْدَاهُ، فَإِنَّ مَقْطُوعَ الْبِرِّ ضَائِعٌ وَمُهْمَلُ الإحْسَانِ ضَالٌّ. (...) وَالسَّبَبُ الثَّامِنُ: الْمَحَبَّةُ يُؤْثِرُ بِهَا الْمَحْبُوبُ عَلَى مَالِهِ فَلاَ يَضَنُّ عَلَيْهِ بِمَرْغُوبٍ، وَلاَ يَتَنَفَّسُ عَلَيْهِ بِمَطْلُوبٍ، لِلِّذَّةِ الَّتِي هِيَ عِنْدَهُ أَحْظَى، وَإِلَى نَفْسِهِ أَشْهَى؛ لِأَنَّ النَّفْسَ إلَى مَحْبُوبِهَا أَشْوَقُ وَإِلَى مَا يَلِيهِ أَسْبَقُ. (...) وَالسَّبَبُ التَّاسِعُ: وَلَيْسَ بِسَبَبٍ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ لِغَيْرِ مَا سَبَبٍ وَإِنَّمَا هِيَ سَجِيَّةٌ قَدْ فُطِرَ عَلَيْهَا، وَشِيمَةٌ قَدْ طُبِعَ بِهَا، فَلاَ يُمَيِّزُ بَيْنَ مُسْتَحِقٍّ وَمَحْرُومٍ، وَلاَ يُفَرِّقُ بَيْنَ مَحْمُودٍ وَمَذْمُومٍ. (...) وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا}. فَنَهَى عَنْ بَسْطِهَا سَرَفًا، كَمَا نَهَى عَنْ قَبْضِهَا بُخْلًا، فَدَلَّ عَلَى اسْتِوَاءِ الأمْرَيْنِ ذَمًّا وَعَلَى اتِّفَاقِهِمَا لَوْمًا.
(...) فَأَمَّا إذَا كَانَ الْبَذْلُ وَالْعَطَاءُ عَنْ سُؤَالٍ فَشُرُوطُهُ مُعْتَبَرَةٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا فِي السَّائِلِ، وَالثَّانِي فِي الْمَسْئُولِ. فَأَمَّا مَا كَانَ مُعْتَبَرًا فِي السَّائِلِ فَثَلاَثَةُ شُرُوطٍ: فَالشَّرْطُ الأوَّلُ: أَنْ يَكُونَ السُّؤَالُ لِسَبَبٍ، وَالطَّلَبُ لِمُوجِبٍ. فَإِنْ كَانَ لِضَرُورَةٍ ارْتَفَعَ عَنْهُ الْحَرَجُ وَسَقَطَ عَنْهُ اللَّوْمُ. (...) وَالشَّرْطُ الثَّانِي: مِنْ شُرُوطِ السُّؤَالِ أَنْ يَضِيقُ الزَّمَانُ عَنْ إرْجَائِهِ، وَيَقْصُرَ الْوَقْتُ عَنْ إبْطَائِهِ، فَلاَ يَجِدُ لِنَفْسِهِ فِي التَّأْخِيرِ فُسْحَةً، وَلاَ فِي التَّمَادِي مُهْلَةً، فَيَصِيرُ مِنْ الْمَعْذُورِينَ وَدَاخِلًا فِي عِدَادِ الْمُضْطَرِّينَ. فَأَمَّا إذَا كَانَ الْوَقْتُ مُتَّسَعًا وَالزَّمَانُ مُمْتَدًّا فَتَعْجِيلُ السُّؤَالِ لُؤْمٌ وَقُنُوطٌ. (...) وَأَمَّا الشُّرُوطُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي الْمَسْئُولِ فَثَلاَثَةٌ. الشَّرْطُ الأوَّلُ: أَنْ يَكْتَفِيَ بِالتَّعْرِيضِ وَلاَ يَلْجَأُ إلَى السُّؤَالِ الصَّرِيحِ؛ لَيَصُونَ السَّائِلَ عَنْ ذُلِّ الطَّلَبِ فَإِنَّ الْحَالَ نَاطِقَةٌ وَالتَّعْرِيضَ كَافٍ. (...) فَأَلْجَأَ إلَى التَّصْرِيحِ بِالْعِبَارَةِ تَهْجِينًا لِلسَّائِلِ فَيَخْجَلُ وَيَسْتَحِي فَيَكُفُّ (...) وَالشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَلْقَى بِالْبِشْرِ وَالتَّرْحِيبِ، وَيُقَابِلَ بِالطَّلاَقَةِ وَالتَّقْرِيبِ، لِيَكُونَ مَشْكُورًا إنْ أَعْطَى وَمَعْذُورًا إنْ مَنَعَ. (...) وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ: تَصْدِيقُ الأمَلِ وَتَحْقِيقُ الظَّنِّ بِهِ ثُمَّ اعْتِبَارُ حَالِهِ وَحَالِ سَائِلِهِ فَإِنَّهَا لاَ تَخْلُو مِنْ أَرْبَعِ أَحْوَالٍ: فَالْحَالُ الأولَى: أَنْ يَكُونَ السَّائِلُ مُسْتَوْجِبًا وَالْمَسْئُولُ مُتَمَكِّنًا. (...) وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ السَّائِلُ غَيْرَ مُسْتَوْجِبٍ وَالْمَسْئُولُ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ. فَفِي الرَّدِّ فُسْحَةٌ وَفِي الْمَنْعِ عُذْرٌ. غَيْرَ أَنَّهُ يَلِينُ عِنْدَ الرَّدِّ لِينًا يَقِيهِ الذَّمَّ، وَيُظْهِرُ عُذْرًا يَدْفَعُ عَنْهُ اللَّوْمَ. (...) وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ السَّائِلُ مُسْتَوْجِبًا، وَالْمَسْئُولُ غَيْرَ مُتَمَكِّنٍ، فَيَأْتِي بِالْحِمْلِ عَلَى النَّفْسِ مَا أَمْكَنَ مِنْ يَسِيرٍ يَسُدُّ بِهِ خَلَّةً، أَوْ يَدْفَعُ بِهِ مَذَمَّةً أَوْ يُوَضِّحُ مِنْ أَعْذَارِ الْمُعْوِزِينَ وَتَوَجُّعِ الْمُتَأَلِّمِينَ مَا يَجْعَلُهُ فِي الْمَنْعِ مَعْذُورًا وَبِالتَّوَجُّعِ مَشْكُورًا. (...) وَالْحَالُ الرَّابِعَةُ: أَنْ يَكُونَ السَّائِلُ غَيْرَ مُسْتَوْجِبٍ وَالْمَسْئُولُ مُتَمَكِّنًا، وَعَلَى الْبَذْلِ قَادِرًا، فَيَنْظُرُ فَإِنْ خَافَ بِالرَّدِّ قَدْحَ عِرْضٍ، أَوْ قُبْحَ هِجَاءٍ مُمْضٍ، كَانَ الْبَذْلُ مَنْدُوبًا صِيَانَةً لاَ جُودًا (...).
ثُمَّ لِيَكُنْ غَالِبُ عَطَائِهِ لِلَّهِ تَعَالَى وَأَكْثَرُ قَصْدِهِ ابْتِغَاءَ مَا عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ (...) وَأَمَّا الْمُعْطِي إذَا الْتَمَسَ بِعَطَائِهِ الْجَزَاءَ، وَطَلَبَ بِهِ الشُّكْرَ وَالثَّنَاءَ فَهُوَ خَارِجٌ بِعَطَائِهِ عَنْ حُكْمِ السَّخَاءِ؛ لِأَنَّهُ إنْ طَلَبَ بِهِ الشُّكْرَ وَالثَّنَاءَ، كَانَ صَاحِبَ سُمْعَةٍ وَرِيَاءٍ، وَفِي هَذَيْنِ مِنْ الذَّمِّ مَا يُنَافِي السَّخَاءَ. وَإِنْ طَلَبَ بِهِ الْجَزَاءَ كَانَ تَاجِرًا مُتَرَبِّحًا لاَ يَسْتَحِقُّ حَمْدًا وَلاَ مَدْحًا.
تعقيب:
يقسم التبرع أو البذل إلى قسمين فإن كان دون طلب فهو أكثر سخاء وشرفاً، ومسبباته تسعة، منها سد فقر أو سداد ذمة وجميعها يُعبر عن الأخلاق الحميدة وسخاء النفس، ويجب أن تكون وسطاً دون السرف وفوق البخل. وإن كان البذل بسؤال وطلب فإن لذلك شروطا في السائل والمسؤول. والباذل يكون تاجراً رابحاً إن قصد بفعله الأجر من الله.
وهنا يتضح معنى الإلفة التي أشار إليها الماوردي لكسب رضى الله ثم رضى الناس، فهو إن قدم تبرعه للناس دون مقابل طالباً الأجر من الله، فإنه سيكسب ودّ الناس ومحبتهم كما سيكسب رضى الله تعالى.
وَأَمَّا النَّوْعُ الثَّانِي مِنْ الْبِرِّ فَهُوَ الْمَعْرُوفُ، وَيَتَنَوَّعُ أَيْضًا نَوْعَيْنِ: قَوْلًا وَعَمَلًا. فَأَمَّا الْقَوْلُ فَهُوَ طِيبُ الْكَلاَمِ وَحُسْنُ الْبِشْرِ وَالتَّوَدُّدُ بِجَمِيلِ الْقَوْلِ. وَهَذَا يَبْعَثُ عَلَيْهِ حُسْنُ الْخُلُقِ وَرِقَّةُ الطَّبْعِ. وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَحْدُودًا كَالسَّخَاءِ فَإِنَّهُ إنْ أَسْرَفَ فِيهِ كَانَ مَلِقًا مَذْمُومًا، وَإِنْ تَوَسَّطَ وَاقْتَصَدَ فِيهِ كَانَ مَعْرُوفًا وَبِرًّا مَحْمُودًا. (...) رَوَى سَعِيدٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: {إنَّكُمْ لَنْ تَسَعُوا النَّاسَ بِأَمْوَالِكُمْ فَلْيَسَعْهُمْ مِنْكُمْ بَسْطُ الْوُجُوهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ}. (...) وَأَمَّا الْعَمَلُ فَهُوَ بَذْلُ الْجَاهِ وَالإسْعَادُ بِالنَّفْسِ وَالْمَعُونَةُ فِي النَّائِبَةِ. وَهَذَا يَبْعَثُ عَلَيْهِ حُبُّ الْخَيْرِ لِلنَّاسِ وَإِيثَارُ الصَّلاَحِ لَهُمْ، وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الأمُورِ سَرَفٌ، وَلاَ لِغَايَتِهَا حَدٌّ، بِخِلاَفِ النَّوْعِ الأوَّلِ؛ لِأَنَّهَا وَإِنْ كَثُرَتْ فَهِيَ أَفْعَالُ خَيْرٍ تَعُودُ بِنَفْعَيْنِ: نَفْعٌ عَلَى فَاعِلِهَا فِي اكْتِسَابِ الأجْرِ وَجَمِيلِ الذِّكْرِ، وَنَفْعٌ عَلَى الْمُعَانِ بِهَا فِي التَّخْفِيفِ عَنْهُ وَالْمُسَاعَدَةِ لَهُ. (...) رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: {إيَّاكُمْ وَالامْتِنَانَ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنَّهُ يُبْطِلُ الشُّكْرَ، وَيَمْحَقُ الأجْرَ. ثُمَّ تَلاَ: {لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأذَى}(...) وَهَذَا آخِرُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْقَاعِدَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ أَسْبَابِ الإلْفَةِ الْجَامِعَةِ.
تعقيب:
لا أحسب أني قرأت في حياتي ألطف من هذا الكلام ولا أجود منه.. لقد قسم الماوردي المعروف إلى نوعين، معروف قولي لا ينبغي الجنوح فيه بل لابد من التوسط فيه منعاً لتشويهه، ومعروف فعلي مقرون بالعمل وهذا تركه غير محدود لأن فيه حب الخير وإيثار الغير.
إن المساواة غاية سعت إليها كل النظم الوضعية، وقلما حققتها، بل هي لم تحققها أبداً، فأنظمة الرق والعبودية والإقطاع والرأسمالية هي أنظمة جانحة، حاولت الشيوعية والاشتراكية تصحيح جنوحها فوقعت في جنوح معاكس، فأخطأت التقدير كما أخطؤوه، وبقيت المساواة حلم غير متحقق. أما النظام الذي رسمه الإسلام فقد تجاوز تحقيق المساواة إلى تحقيق الإيثار، بل وضع لذلك قواعد وضوابط تبدو ترفاً أمام عجز الأنظمة الوضعية عن تحقيق ما دونه، وقد أفاض الماوردي في التفصيل كما سبق بيانه.