العدد الحالي: أيار/ مايو 2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

الدبلوماسية في عصر العولمة

حمزة عبد الرحمن عميش

باحث في القانون الدولي والعلاقات الدولي

تقع العولمة في قلب الثقافة الحديثة، وتقع الثقافة الحديثة في قلب العولمة، وهي علاقة متبادلة بين الإثنين، فلا ثقافة حديثة بلا عولمة، ولا عولمة بلا ثقافة حديثة. ويثير مفهوم العولمة الكثير من النقاش والجدل، ابتداء من التعريف بالمفهوم مروراً بتحديد أبعاد العولمة ومظاهرها، وطبيعة القوى الفاعلة والمحركة لها، إضافة إلى رصد وتحليل تأثيرها على الدول والمجتمعات وبخاصة دول العالم الثالث. 

 برزت العولمة بشكل واضح خلال عقد التسعينات، وسرعان ما تحولت إلى قوة من القوى المؤثرة في حقائق ووقائع الحياة المعاصرة.

 والعولمة هي أيديولوجيا تعبر بصورة مباشرة عن إرادة الجانب الأقوى للهيمنة على العالم، من خلال استخدام ثورة التقنيات الحديثة والاتصالات.

 وقد حددت العولمة وسائل لتحقيق هذا المبتغى من خلال:

  1. استخدام السوق العالمية أداة للإخلال بالتوازن، في نظم الدول وبرامجها الخاصة الاجتماعية والاقتصادية.
  2. إعطاء كل الأهمية والأولوية للإعلام لإحداث التغيرات المطلوبة على الصعيدين المحلي والدولي.

 وقد ساعد في انتشارها:

أولاً: الثورة العلمية: جاءت الثورة المعلوماتية كثمرة نتجت عن الثورة الصناعية التي سبقتها، وقد ساهمت هذه الثورة المتمثلة في الانترنت في إعطاء حركة العولمة دفعة قوية، وساهمت في انتشارها وساعدها في ذلك سرعة الاتصالات وسهولتها، وسرعة الحصول على المعلومة وتوفرها، فأصبح العالم قرية كونية صغيرة؛ فنجد في الانترنت آلاف الدوريات والمجلات والكتب، ومراكز الحكومات والمنظمات والأفراد، في تجمع أقل ما يقال عنه؛ أن العالم غدا أمام ناظريك.

ثانياً: السياسة: أدى انهيار الاتحاد السوفيتي إلى جعل العالم أحادي القطبية، فيما يخص الشأن الدولي، دون وجود منافس يعيد التوازن، فأخذت أمريكا الدفاع عن مصالحها دون أن تقيم وزناً لأي دولة، أو منظمة دولية، فقامت بتهميش الأمم المتحدة، وتجاهلت أي قرار يتعارض مع مصالحها، إلى أن غدت أمريكا كحاكم ديكتاتوري يتحكم في شؤون العالم ويتظاهر بالديمقراطية، مشهرة سلاح العقوبات الاقتصادية أمام من يقف في وجه مصالحها، وتكافئ من يسعى لإرضائها من الدول الطامعة.

ثالثاً: الاقتصاد: أقل ما يقال في هذا المجال هو زيادة عدد الشركات المتعددة الجنسيات، والتي أصبحت أحد أهم رموز العولمة.

رابعا: العلم: إن التطور العلمي في جميع المجالات أعطى العولمة مظهراً مميزاً وذلك من خلال ظهور علوم جديدة مثل علم الهندسة الوراثية، وعلوم الحاسوب، وعلوم الفضاء، وقد ساهمت هذه العلوم في تطوير أجيال من الأقمار الاصطناعية، وسهلت وأعطت الإعلام قوة كبيرة في عصر العولمة.

الأبعاد السياسية للعولمة 

أما عن الأبعاد السياسية للعولمة فإننا لا نتطرق لشرحها تفصيلا لضيق المقام، ولكن يمكن أن نشير إشارة سريعة لما يتعلق بهذه الأبعاد:

من المعلوم أن السياسة هي الشيء الوحيد الذي كان محصوراً داخل نطاق الدولة إلا أنه يمثل سيطرة الدولة في السياسة والحكام على كافة تعلقاتها ومع التطرق للعولمة فقد أصبح الأمر على عكس ذلك، خاصة أن العولمة ليست مقصورة على الجوانب الاجتماعية والثقافية والاقتصادية فقط بل تشمل أيضا الجوانب السياسية.

وهذا هو السبب الرئيسي وراء محاربة العولمة من جانب بعض الدول وذلك بسبب أن تلك العولمة السياسية تمثل تدخلا خارجيا في شئون الدولة من ثم سوف يظل المجال السياسي هو الأكثر مقاومة للعولمة، مما يعني أن العولمة السياسية في مضمونها سوف تمثل مرحلة تالية للعولمة الاقتصادية، وأنها سوف تفرض رغما عن العديد من الدول والحكومات وبالتالي سوف يتم إعادة النظر فيما يتعلق بالمفاهيم القديمة مثل الدولة القومية وكذلك السيادة الوطنية ومفهوم قوة الدولة ومفهوم الأمن.

كذلك سيتم ظهور مجال سياسي عالمي يحل محل تلك السياسة التي كانت مرتبطة بمفهوم سيادة الدولة وتحكمها، وما يحدث الآن خير دليل على ذلك فقد تبين أن الدول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وتحت ستار الأمم المتحدة تقوم بالتدخل في شئون بعض الدول وذلك بإيفاد بعثات للتفتيش عليها والتأكد من تطبيق بعض القوانين والأحكام التي تلائمها الأمر الذي يمهد لظهور مجال سياسي جديد يتركز حول العالم السياسي.

والدولة القومية هي نقيض للعولمة، وأن الدولة كانت دائماً الوحدة الارتكازية لكل النشاطات والقرارات والتشريعات، وأضحت الدولة القومية مجرد وحدة ضمن شبكة من العلاقات والوحدات الكثيرة في العالم؛ فالقرارات التي تتخذ في عاصمة من العواصم العالمية، سرعان ما تنتشر انتشاراً سريعاً إلى كل عواصم العالم، والتشريعات التي تخص دولة من الدول تستحوذ مباشرة على اهتمام العالم بأسره.

ويتمثل تأثير العولمة على سيادة الدولة؛ فقدرات الدول تتناقص تدريجياً بدرجات متفاوتة فيما يتعلق بممارسة سيادتها في ضبط عمليات تدفق الأفكار والمعلومات والسلع عبر حدودها، وعلى الرغم من القيود التي تحاول العولمة فرضها على الدولة القومية لتحد من قدراتها على ممارسة سيادتها بالمعنى التقليدي، وعلى الرغم من أن الدولة لم تعد هي الفاعل الوحيد أو الأقوى في النظام العالمي، إلا أنه لا يوجد ما يدل على أن هذه التحولات ستؤدي إلى إلغاء دور الدولة أو صنع بديل لها حيث سيبقى للدولة دور مهم في بعض المجالات وبخاصة بلدان العالم الثالث.

الدبلوماسية والعولمة 

الدبلوماسية كلمة مشتقة من اليونانية وتعني دبلوما، وما معناه: الوثيقة التي تطوى على نفسها، التي كانت تصدر عن شخص في البلاد وتخول حاملها امتيازات خاصة. 

دخلت هذه الكلمة المعاجم الدولية منذ أواسط القرن السابع عشر، حيث حلت محل كلمة المفاوضة، وتطور مدلول الدبلوماسية مع الزمن، وأصبح يشير إلى معان شتى يمكن أن يتضمنها التعريف العام التالي:

"الدبلوماسية: هي فن وعلم إدارة العلاقات الدولية".

 ويذكر الأستاذ الدكتور فؤاد شباط: أن أصل الكلمة مشتق من الفعل اليوناني (دبلوم) ومعناها:يطوي، لأنه في أيام الإمبراطورية الرومانية كانت كل جوازات السفر وأذون المرور تختم بواسطة خاتم معدني مزدوج وتحاط بطريقة معينة، وكانت هذه الأذون والجوازات تسمى دبلوماسي.

أشكال الدبلوماسية:

تأخذ الدبلوماسية عدة أشكال من حيث الأطراف التي تتعامل بها:

  • الدبلوماسية الثنائية: أي الدبلوماسية بين دولتين.
  • الدبلوماسية الجماعية: وهي التي تقوم بين مجموعة من الدول عن طريق المؤتمرات أو المنظمات الدولية.

وتأخذ إدارة العلاقات الدولية أشكال السرية والعلنية؛ فالسرية التي تجري بين الكواليس وتكتم نتائجها كلها أو بعضها عن الغير، أو عن رعايا الدول المتفاوضة. أما العلنية فهي التي تتضح نتائجها فور انتهائها حتى ولو جرت بشكل غير علني.

ويوجد دبلوماسية "السلم" تقوم هذه الدبلوماسية على المفاوضة بين الدول المعنية، وهناك نوع آخر من الدبلوماسية تتجلى في تحقيق الدولة لأغراضها عن طريق إتباع وسائل الزجر والعنف، بما في ذلك الحرب والتي يعتبرها البعض استمراراً للنشاط الدبلوماسي في ميدان آخر غير ميدان المفاوضات، واعتماد السفراء وسيلة للتفاوض عرفه العالم منذ وجوده، فالتاريخ حافل بأمثلة وشواهد من هذا القبيل، وأن السفراء تمتعوا منذ القِدم بحماية خاصة وامتيازات معينة، في وقت لم تكن قواعد القانون الدولي قد ظهرت للوجود على النحو الذي نراه اليوم وكانت هذه الامتيازات تستند قديماً إلى أحكام الدين أو المجاملة أو المعاملة بالمثل، بينما هي اليوم تستمد قواعده من القانون الدولي. 

وفي العصر الإسلامي، قد اعتمد السفراء في أول الأمر وسيلة، لنشر الدعوة فقد بادر - النبي صلى الله عليه وسلم - إلى إرسال الرسل داعياً الملوك والأمراء للإسلام، وتبعه الخلفاء الراشدون فاستخدموا الرسل إما لنشر الدعوة الإسلامية قبل بدئ الجهاد أو لتبادل الأسرى وإنهاء القتال بعد اندلاع الحرب.

 وأقر الإسلام بدءاً من النبي - صلى الله عليه وسلم - مبدأ الحصانة الدبلوماسية، والرواية معروفة كيف أنه لم يهدر دم رسل مسيلمة الكذاب الذين رفضوا شهادة أن محمد رسول الله، وأصروا على أن موفدهم هو الرسول.

ويمكننا تقسيم تاريخ الدبلوماسية إلى مرحلتين:

الأولى: تشمل العهد القديم والقرون الوسطى حتى القرن الخامس عشر كان التمثيل ذا صفة عارضة.

الثانية: تبدأ من القرن الخامس عشر، حيث أصبح التمثيل الدبلوماسي يتصف بصفة الديمومة والاستمرار، وقد بدأت طلائع هذا النوع من الدبلوماسية في إيطاليا، ولا سيما في مدينة البندقية، وظلت الحال تتأرجح بين قبول مبدأ الدبلوماسية الدائمة والمؤقتة، حتى جاءت الثورة الفرنسية والحروب التي تلتها فقضت على عزلة الدول، وأقامت بينها علاقات منتظمة، وأخذ العالم يفكر جدياً منذ ذلك الحين، بفرض نظام موحد على الجميع بشأن حقوق الدبلوماسيين الأجانب وامتيازاتهم، فعقد مؤتمر فينا عام ١٨١٥ م، ونتج عنه اتفاقية تتناول مهام الدبلوماسيين الأجانب، وتتالت المؤتمرات حتى تمكنت لجنة القانون الدولي التابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة من وضع مشروع اتفاقية للعلاقات الدبلوماسية، وقد أقرت هذه الاتفاقية في مدينة فينا في ١٨ نيسان عام ١٩٦٦م، هي تشكل القانون المتعامل به في هذا المضمار.

تأثير العولمة على الدبلوماسية:

تؤثر العولمة على الدبلوماسية من خلال: تآكل مفهوم السيادة التقليدي. وتعدد اللاعبين على الساحة الدولية. وثورة المعلومات والاتصالات. وتحدي التخصص. والتحدي الإعلامي.

أولاً: تآكل مفهوم السيادة التقليدي:

هل يمكننا أن نعتبر أن السيادة ما زالت القلعة الحصينة التي لا يمكن اختراقها؟

إن جميع الدول كانت حصناً حصيناً تستطيع بما لديها من الأجهزة الاختفاء وراء هذه الأجهزة، وتفرض سوراً لا يمكن اختراقه لا سياسياً ولا قانونياً ولا إعلامياً.

 وبمقتضى السيادة كانت تفعل كل ما تشاء مسخرة بذلك كل إمكانياتها البشرية والمادية للحفاظ على سيادتها، حتى وجد في بعض الدول تُهم متعلقة بانتهاك السيادة، هذا المبدأ الفضفاض التي تلعب من خلاله أجهزة الدولة للسيطرة على مقدرات الدولة، ولا يمكن القول بقبول السيادة عائقاً يحول دون انتشار مفهوم حقوق الإنسان..والأفكار الآن تأتي كلها من الأثير ويستحيل على أي دولة أن تمنع تغلغلها بالوسائل التقليدية.

 إن عدة قرارات مهمة انتزعت من يد الدول، قرارات كانت تتعلق بالتضخم وسعر الصرف وحجم الصادرات والواردات، وانتقلت من وزارة الاقتصاد إلى السوق الوطني، لم يعد بوسع الدول أن تمارس سيادتها على كيانات اقتصادية من نوع جديد يقع مركزها خارج الدولة، وخطوط إنتاجها في دولة أخرى وتدفع الضرائب لدولة أخرى، فالدولة لم تعد قادرة أن تأوي إلى جبل السيادة ليعصمها من طوفان العولمة، ولم يعد بوسع الدبلوماسيون أن يواجهوا كل المشاكل التي يواجهونها والتي يعجزون عن حلها بإشهار راية السيادة.

ثانياً: تعدد اللاعبين على الساحة الدولية:

كان الدبلوماسيون في الماضي يقيمون في الدولة المضيفة، ولا يتعاملون إلا معها إلا أن الدول لم تعد اللاعب الوحيد في المجتمع الدولي، وتزايدت أهمية المنظمات الدولية، ولم يعد بوسع أي نشاط دبلوماسي لدولة ما أن تدير شؤونها الخارجية بفعالية ما لم تتقن التعامل مع هذه المنظمات. 

ومع ظهور الشركات العملاقة متعددة الجنسيات، التي هي أغنى بكثير من معظم دول العالم ولها نفوذ واسع أكبر من الدول في بعض الأحيان، ولا تستطيع أية دولة مهما كبرت أن تتجاهل هذه القوة المؤثرة.

ومن ناحية أخرى لعبت الجمعيات الأهلية دوراً هاماً لا نستطيع أن ننكر دورها الهام وتأثيرها القوي على وسائل الإعلام ومراكز صنع القرار مما دفع الدبلوماسيين على تعلم واتقان لغة التعامل مع هؤلاء اللاعبين التي تختلف تماماُ عن لغة الدبلوماسيين التقليدية.

ثالثاً:ثورة المعلومات والاتصالات:

 إن المتغيرات التي جاءت مع هذه الثورة أصبحت واضحة للعيان ويكفي أن نتحدث عن أثرين لهما علاقة مباشرة بالعمل الدبلوماسي:

  1. إن مهام الدبلوماسي الأولى هي: متابعة التطورات في الدولة المضيفة في وسع أي شخص مسؤولاً كان أو غير مسؤول أن يعرف عن طريق المحطات الفضائية أو عن طريق الانترنت ما يدور في أي عاصمة قبل أن يشرع الدبلوماسي في إعداد تقريره، وبوسع أي شخص أن يحصل على أي تصريح صادر من أي رئيس دولة بمجرد صدوره أو قبل صدوره عن طريق الانترنت.
  2. أما الأمر الثاني: فيتعلق بسهولة الاتصالات بين المسؤولين في العواصم بنظرائهم مباشرة دون الحاجة إلى قنوات دبلوماسية ومثل هذه الأعمال تهدد الركن الأساسي من أركان الدبلوماسية التقليدية ألا وهي مهمة نقل الرسائل بين حكومات الدول. 

رابعاً: تحدي التخصص:

لا توجد وزارة خارجية واحدة في العالم كله لا تشكو من النقص المتزايد في الاعتماد.

ومعنى ذلك: أن على الدبلوماسي الواحد في هذه الحقبة أن يقوم بكل الذي كان يقوم به عدة دبلوماسيين في الماضي.

وهناك الآن توجه قوي نحو إعطاء عدد من الأعمال المرتبطة بالدبلوماسية إلى القطاع الخاص، كحراسة المقار الدبلوماسية، في كثير من الدول توكل إلى الشركات الخاصة، بعد أن كان يقوم بها جنود من الدولة المضيفة، وفي عصر التخصيص لا يكفي أن يكون الدبلوماسي ملماً بقواعد الإدارة العامة بل لا بد أن يكون خبيراً بأسرار العمل التجاري. وتلجأ بعض الدول الغربية إلى إعارة دبلوماسيها للعمل فترة معينة في شركات القطاع الخاص أو إلى استعارة أفراد من القطاع الخاص للعمل في الجهاز الدبلوماسي. 

إن القضايا التي تحاصر الدبلوماسي تشمل:

  • اجتذاب الاستثمار إلى دولته.
  • التفاوض حول معدلات الضريبة.
  • حل القضايا التجارية.
  • بيع صادرات دولته.

وهذا كله يحتاج إلى لغة جديدة هي لغة العمل التجاري، ولا نرى هذا التوجه بين معظم الدول العربية، بينما نراه واضحاً في دول جنوب شرق آسيا والدول الأوربية.

خامساً: تحدي العمل الإعلامي:

الدبلوماسية والإعلام يرتبطان بعلاقات وثيقة ومتعددة ومتشعبة وكلاهما يؤديان وظائف اتصالية مع الفضاءات الخارجية، وكلاهما يشكل الاهتمام بالرأي العام محور ودائرة نشاطهم. 

ومثلما ساهمت التطورات التكنولوجية في زيادة فعالية العمل الدبلوماسي وتوسيع نطاقه أصبح اليوم حاملاً لدور حضاري في حقل العلاقات بين الشعوب والمجتمعات العالمية. 

إن التقدم والاندماج الذي حدث بين الصناعة الإعلامية والاتصالية قد ضاعف من أهمية الدور الذي يلعبه الإعلام والتأثير الذي يضطلع به في إعادة تشكيل المرحلة العالمية الجديدة، بعد أن أصبح اليوم صناعة (تكنوضوئية ) حاملة لمفردة التغير والعبور إلى عصر الانفجار الضوئي.

لذلك فإن كل من الدبلوماسية والإعلام يشتركان بدور تكاملي في تأدية وظيفتهما الاتصالية الحضارية في حياة المجتمعات والأمم؛ فالإعلام يستطيع تقديم نفسه (كوجبة معلوماتية ) من منطلق أن وظيفة الاعلام هي البحث عن الحقائق ونشرها للرأي العام عبر قنواته المختلفة، وأن الدبلوماسي يحتاج إلى جمع أكبر قدر من الحقائق والمعلومات التي يستطيع على ضوئها تأدية وانجاز مهمته بصورة صحيحة وايجابية، كما أن الدبلوماسي المؤهل والمدرب بوسعه أن يكون صانعاً ومنتجاً للحدث الإعلامي والسياسة الخارجية الناجحة لا بد وأن يقف وراءها ويتبعها دبلوماسية وإعلام ناجحان.

خاتمة ورأي

إن تعامل الدبلوماسي مع الإعلام، بكافة أجهزته ومستوياته أصبح يتطلب امتلاك قدرات ومواهب خاصة بفنون وأصول علوم الاتصالات الجماهيري، كما يتوجب على المشتغل بالعمل الدبلوماسي أن يتمتع بقدر كبير من الثقافة الموسوعية، الاستعداد الفطري للتعامل مع مجريات الأحداث والتطورات بصدر رحب والتحلي بالصفات اللازمة التي تمكنه من تأدية مهمته العلمية بشفافية وبصورة مثلى.

والتغير الذي أحدثته ثورة الاتصالات بوسائطها المتعددة أحدث تغيراً جذرياً لخارطة المفاهيم ولمجرى العلاقات وفضائها الكوني، إن هذا التغير حتم على جميع الدول والحكومات إعادة النظر في سياساتها الخارجية والداخلية، وتعديل تشريعاتها ونظمها القانونية، ومسارعتها للذهاب بأشرعة التحديث والتطوير والمواكبة لجديد التقدم العلمي الذي يحدث في كل ساعة ولحظة.

وإن هذه المسارعة في حقول العمل الإعلامي والدبلوماسي تأتي انطلاقاً من إدراكها لأهمية الدور الذي تلعبه الدبلوماسية في حقل السياسة الخارجية والدولية والتأثير الذي يمثله ويطلع به الإعلام في عملية الاتصال والتخاطب مع الرأي العام العالمي، كونه يصب في جبهة الدفاع عن البعد السيادي للهوية والخصوصية الوطنية، والتعبير عن أهدافها ومصالحها وحضورها الدولي.

إن الإعلام في هذه المرحلة لم يعد إعلام السلطة بل أصبح إعلاماً تجارياً محضاً ولا يزال سفراء بعض الدول يحتجون لدى وزراء الخارجية على ما تنشره وسائل الإعلام، وهذا العمل يعطي انطباعاً عن عقلية لا تستطيع مجاراة التطور العلمي لعصر العولمة، وبما أن الوسائل الإعلامية لا تريد شيئاً سوى المعلومة التي تنافس في عرضها جميع الوسائل الإعلامية الحديثة.

والمشكلة التي تواجه الدبلوماسيين أنهم لا يملكون الشئ الوحيد الذي يريده الإعلام إلا بإذن وعبر تسلسل إداري ويكون الموضوع قد انتهى وأصبح طي النسيان إلى أن تصل الموافقة.

إن الإعلام المعاصر يتجه يوماً بعد يوم إلى جذب المتابع من خلال البحث والتنقيب عن العيوب، واعتماد أسلوب النقد الخادع، هذا ما لا يستطيع الدبلوماسيون والدول تحمله؛ فالدبلوماسية أداة مهمة من أدوات التعامل الدولي، ويجب على الدبلوماسيين البدء من جديد والتزود بالمهارات الجديدة. 

 نجحت الدبلوماسية في عدد من الدول في التعامل مع عصر العولمة وليس هناك ما يحول دون نجاحها في بقية العالم، إلا أن الزمن لا ينتظر أحداً وعلينا التحرك بسرعة المتغيرات نفسها إذا أردنا أن يكون لنا رأي في الدبلوماسية العالمية الجديدة.