A- A A+ : حجم الخط

آلية تحديد سعر التوازن العادل في الاقتصاد الإسلامي

الدكتور فؤاد بن حدو

ليّة العلوم الاقتصاديّة، علوم التجاريّة، علوم التسيير، بلقايد وهران، دولة الجزائر

وفقاً لمنظور قانون العرض والطلب ( نظرية الأثمان)

تعتبر معرفة العوامل التي تحدد السعر في السوق من بين الأمور الاقتصادية التي عرفت اعتناءا كبيراً من قبل العديد من المفكرين والاقتصاديين ابتداءا من الفليسوف ارسطو وانتهاء بالفريد مارشال. وقد كان للعرب والمسلمين من قبل اسهامات علميّة جيدة ونيّرة فيه نظرأ لاهميته الكبيرة. فقد انتهى التحليل الاقتصادي إلى ان السعر يتحدد بعاملين اساسين هما العرض والطلب. 

بناء على ما تم ذكره تتجلى لنا معالم هذه الورقة البحثية الموسوم بـ: آلية تحديد سعر التوازن العادل في الاقتصاد الإسلامي وفقاً لمنظور قانون العرض والطلب ( نظرية الأثمان). وللأجابة عنها قمت بتقسيمها إلى مباحث هي: السوق وضوابطه في النظام الإسلامي، والطلب وآلية تحديده، والعرض وآلية تحديده، وسعر التوازن العادل وطريقة تحديده في السوق.

السوق وضوابطه في النظام الإسلامي

أولاً- تعريف السوق: 

لغةً: السوق من كلمة ساق يسوق، وهو حدو الشيء. أما اصطلاحاً فهو أوسع من مجرد مكان، فهو أي وسيلة يتلاقى من خلالها البائع والمشتري لنقل ملكية السلعة إلى المشتري وملكية الثمن إلى البائع وفيه تبادل عناصر الإنتاج وتحدد الأسعار.

في الماضي كانت السوق تشير إلى مكان جغرافي معين، أما اليوم فلا توجد حدود للسوق، لأن وسائل الاتصال الحديثة تمكن المشتري والبائع من الاتصال الواحد بالآخر حتى بدون ان يرى الواحد منهم الآخر. ومنه ما جاء في قول الله تعالى:﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ ۗ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا ﴾، وقوله تعالى:﴿ وَقَالُوا مَالِ هَٰذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ ۙ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا ﴾. وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: ﴿ لا يَبيعُ بعضُكم على بَيعِ بعضٍ، ولا تَلَقَّوُا السِّلَعَ حتىٰ يُهبَطَ بها إلى السوق﴾، وعن أمير المؤمنين سيدنا عمر ابن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: ﴿ لا يَبِعْ في سُوقِنَا إلاَّ من تَفَقَّهَ في الدِّين ﴾.

ثانياً- أسس وضوابط السوق في الاقتصاد الإسلامي:

أسسه: أرسى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أسس السوق الإسلامي عند هجرته إلى المدينة المنورة لبناء الدولة الإسلامية فكان أول ما بناه هو المسجد لتربية النفوس على الفضيلة والإيمان. ثم سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن السوق فدلوه على سوق لليهود، فأمر بإشادة سوق خاص للمسلمين وقال: ﴿ هٰذَا سُوقُكُمْ. فَلاَ يُنْتَقَصَنَّ وَلاَ يُضْرَبَنَّ عَلَيْهِ خَرَاجٌ﴾. وهذا دليل صريح على وجوب استقلالية أسواق المسلمين، وحرمة انتقاصها باحتكار أو فساد أو غش، وما إلى ذلك، وفيه أيضا دليل على حرمة فرض الرسوم والضرائب على الأسواق.

ضوابطه:  وضع نظام الاقتصاد الإسلامي بناء على النصوص جملة من الضوابط للحفاظ على حقوق الناس وأموالهم في السوق وهي على النحو التالي: الأمر بالعدل في الكيل والميزان، النهي عن أكل الربا، الصدق في المعاملة، النهي عن تلقي الركبان وبيع الحاضر للبادي، النهي عن النجش، عدم البيع على بيع الغير، النهي عن بيع الغرر، النهي عن بيع الدين بالدين، النهي عن بيع المعدوم، النهي عن بيعين في بيعية، النهي عن بيع الأمور المحرمة، والاحتكار،...وغيرها.

نظرية الثمن ( السعر) عند العرب والمسلمين: كالعادة نجد دائما أن المسلمين كانوا سباقين ومبدعين في العديد من العلوم، فقد تكلموا عن قانون العرض والطلب في كتبهم وها هو حجة الإسلام أبو حامد الغزالي الشافعي رحمه الله (ت ١١١١م) ينقل ما نصه: يبيع على قدر أسعاره ان نقص سعره زاد زبونه؛ كما أنه ان زاد سعره نقص زبونه. وهذا النص يعتبر إشارة واضحة إلى ان نقص السعر يترتب عليه زيادة في الطلب (زاد زبونه) وزيادة في السعر يؤدي إلى نقص الطلب ( نقص زيونه)، ويقول في موضع آخر من نفس الكتاب: من قنع بربح قليل كثرت معاملاته، واستفاد من تكررها ربحا كثيرا، وهذا تأكيد منه على فهم قانون العرض والطلب. نجد كذلك مساهمة أخرى للإمام أحمد ابن تيمية الحراني الحنبلي رحمه الله (ت ١٣٢٨م): في موضوع قانون العرض والطلب حيث يقول ما نصه: فإذا كان الناس يبيعون سلعهم على الوجه المعروف من غير ظلم منهم وقد ارتفع السعر إما لقلة الشيء وإما لكثرة الخلق، فهذا إلى الله.... وهذا النص فيه إشارة واضحة إلى أن السعر قد يتغير فينخفض بسبب قلة العرض ( قلة الشيء) أو يرتفع بسب بزيادة الطلب ( كثرة الخلق ). كذلك نجد للمؤرخ عبد الرحمن لابن خلدون المالكي رحمه ا لله (ت ١٤٠٦م): اسهامة في هذا الموضوع حيث يقول: فتفضل الأقوات عن أهل المصر من غير شك فترخص الأسعار. كما يقول: إذا قلت وعزت غلت أثمانها، وفي موضع آخر من الكتاب يقول: يكثر ناقلوها فتكثر وترخص أثمان ، وفي هذا إشارة واضحة من ابن خلدون إلى أن وجود فائض في العرض ( فتفضل الأقوات، فتكثر وترخص الاثمان ) يؤدي إلى اتجاه السعر نحو الإنخفاض. وفي حالة وجود عجز في العرض (قلت وعزت) يؤدي إلى إرتفاع السعر. 

 

 

الطلب وآلية تحديده

أولاً- مفهوم الطلب: الطلب هو: الكمية التي يرغب المستهلكون في شرائها من سلعة ( أو خدمة) معينة بثمن معين خلال فترة زمنية معينة. وبالتالي فهو يشتمل على عنصرين أساسيين هما: الرغبة في الحصول على السلعة أو الخدمة، والقدرة على شراء تلك السلعة أو الخدمة.

ثانياً- قانون الطلب: يبين قانون الطلب العلاقة بين سعر السلعة والكمية المطلوبة، حيث يعتبر سعر السلعة متغيراً مستقلاً، والكمية المطلوبة منها متغيراً تابعاً. وينص قانون الطلب على: أنه كلما كان السعر أقل كلما كانت الكمية المطلوبة أكبر، وكلما كان السعر أكبر كلما كانت الكمية المطلوبة أقل، أي ان العلاقة بينهما هي علاقة عكسية. بمعنى أن المتغيران يسيران في اتجاهين متعاكسين. وبالتالي فهذا القانون يوضح العلاقة بين الكمية المطلوبة من سلعة معينة وفي فترة زمنية محددة وثمن تلك السلعة بافتراض ثبات العوامل المستقلة الأخرى التي يتأثر بها الطلب، وهي بحد ذاتها محددات الطلب على حالها من دون تغيير. 

ثالثاً- محددات الطلب: هناك عوامل أخرى غير سعر السلعة تؤثر على مقدار ما يطلبه المستهلك من السلعة، ومن أهم هذه العوامل نذكر ما يلي:

  1. دخل المستهلك: إن زيادة دخل المستهلك تمكنه من شراء كميات أكبر من السلع، نتيجة تمكنه من زيادة الإنفاق على طائفة واسعة من السلع. لذا يعتبر الطلب على معظم السلع ذا علاقة موجبة بالدخل، وكلما زاد دخل المستهلكين كلما زادت النفقات على الاستهلاك، فيزداد الطلب على معظم السلع وفقا لذلك.
  2. الأذواق: إن الأذواق أو نمط التفضيل لأغلب الأفراد تتغير بسرعة لأسباب عديدة. فالزيادة في شدة رغبة الشخص لسلعة ما تؤدي إلى زيادة طلبه على السلعة. ويحدث العكس إذا انخفضت أذواق المستهلك. 
  3. أسعار السلع البديلة والمكملة: عندما تؤدي سلعتان وظيفة واحدة، أو تفي باحتياج واحد فإنهما سلعتين بديلتين، فالسلع البديلة هي التي تكون مرتبطة إلى حد ان الزيادة في سعر أحداها سوف تسبب زيادة في الطلب على السلعة الأخرى. وتكون هناك علاقة مباشرة بين سعر السلعة والطلب على السلعة البديلة، إذا تغير سعر السلع البديلة يؤثر على اختيارات المستهلكين فمثلاً: إذا زاد سعر القهوة فإن الكمية المطلوبة من الشاي سوف يرتفع. أما السلع المكملة فهي السلع المرتبطة ويتم استهلاكها معا. وبالنسبة لهذا النوع من السلع فإن هناك علاقة عكسية بين سعر إحداهما والطلب على السلعة الأخرى. فمثلا: إذا زاد سعر السكر فإن الكمية المطلوبة من الشاي سوف تنخفض.
  4. توقعات أسعار السلعة: تؤثر هي الأخرى في قرارات المستهلكين الحالية، فعلى سبيل المثال: فإنه في ظل زيادة التوقع عن إرتفاع أسعار السيارات في الشهر القادم فإن هذا يؤدي إلى زيادة الحافز لدى بعض الناس للشراء الآن قبل إرتفاع الأسعار، وعلى العكس من ذلك إذا توقع الناس إنخفاض سعر سلعة ما، فإن الكمية المطلوبة منها تنخفض. 
  5. اختلاف عدد السكان والتركيب السكاني: تؤدي زيادة عدد المستهلكين مع بقاء الأحوال الأخرى ثابتة إلى زيادة الطلب على السلع الضرورية والعكس صحيح، كما ان اختلاف التركيب السكاني يؤدي إلى اختلافات واضحة في احتياج السكان من السلع المختلفة كالتركيب الريفي، أو الديني أو الحضري.
  6. عوامل أخرى: إن لكل سلعة مؤشرات خاصة تدفع إلى طلبها فاشتداد الحر يدفع إلى الطلب على مكيفات الهواء، وسقوط المطر يساهم في الطلب على المظلات.

رابعاً- منحى الطلب وجدوله:

جدول الطلب: يعد جدول الطلب أحدى الوسائل الفنية لوصف العلاقة بين الكمية المطلوبة والسعر.

منحنى الطلب: يمكن عرض علاقة السعر بالكمية في شكل جدول وعندها يحول جدول الطلب إلى منحنى الطلب.

وكمثال على ذلك: لدينا جدول طلب افتراضي.

سعر الوحدة

7000

6000

5000

4000

3000

2000

1000

الكمية المطلوبة (وحدة)

1

2

3

4

5

6

7

إن منحى الطلب يكون على الشكل التالي:

الشكل رقم (٠١): منحى طلب المستهلك

pastedGraphic.png

المصدر: من إعداد الباحث

 ويلاحظ على منحى الطلب انه يتجه من اعلى إلى اسفل باتجاه اليمين موضحاً بذلك العلاقة العكسية بين السعر والكمية.

العرض وآلية تحديده

أولاً- مفهوم العرض: يعرف العرض بأنه: مجموعة الكميات المختلفة من سلعة (أو خدمة) ما التي يرغب ويقدر المنتج على عرضها للبيع عند سعر محدد وفي فترة زمنية معينة

ثانياً- قانون العرض: يبين قانون العرض العلاقة بين سعر السلعة والكمية المعروضة منها، حيث يعتبر سعر السلعة متغيراً مستقلاً، والكمية المعروضة منها متغيرا تابعاً. وينص قانون العرض على: أن الكمية المعروضة من سلعة أو خدمة ما تتغير تغيرا طرديا مع السعر فتتمدد بإرتفاعه وتنكمش بإنخفاضه.(المتغيران يسيران في الاتجاه نفسه)، وبالتالي فهذا القانون يوضح العلاقة بين الكمية المعروضة من سلعة معينة وفي فترة زمنية محددة وثمن تلك السلعة بافتراض ثبات العوامل المستقلة الأخرى التي يتأثر بها العرض، وهي بحد ذاتها محددات العرض على حالها من دون تغيير. 

ثالثاً- العوامل المؤثرة في العرض: هناك عوامل أخرى غير سعر السلعة تؤثر على مقدار ما يعرضه المنتج من السلعة، ومن أهم هذه العوامل نذكر ما يلي:

  1. أسعار السلع الأخرى: أن إرتفاع أسعار السلع الأخرى، مع بقاء سعر السلعة ثابتا، يغري منتجي السلعة إلى التحول نحو إنتاج تلك السلع، لأنها أكثر ربحا من السلعة التي ينتجونها.
  2. أسعار عوامل الإنتاج: تتأثر تكاليف الإنتاج بأسعار عوامل الإنتاج، فإرتفاع بعض أو كل أسعار عوامل الإنتاج يقود إلى إرتفاع تكاليف الإنتاج.
  3. المعرفة والمستوى التكنولوجي: يؤثر المستوى الفني للإنتاج من خلال سريان تأثيره إلى تكاليف إنتاج السلعة، ومنذ القدم وحتى الوقت الحاضر كانت التكنولوجيا سببا في زيادة عرض السلع.
  4. رغبة المنتجين في الاحتفاظ بالسلعة: إن زيادة رغبة المنتجين في الاحتفاظ بالسلعة يعني تقليل عرضها. وتبرز هذه الرغبة في القطاع الزراعي، في حالة السلع التي يود المزارعون المنتجون لها في الاحتفاظ بها لاستهلاكهم الذاتي، لذا فإن عرض السلعة يتناسب عكسيا مع رغبة المنتجين في الاحتفاظ بها.
  5. الإعانات والضرائب: ان رغبة الحكومة في التأثير على عرض سلعة معينة يدفعها إلى التدخل من خلال الضرائب والإعانات التي تفرض أو تقدم لمنتجيها.
  6. الزمن: تحتاج بعض السلع إلى مرور مدة زمنية معينة لإنتاجها، مثل معظم المحاصيل الزراعية، لذا فإن عرض السلعة لا يستجيب مباشرة في حالة إرتفاع سعرها.

رابعاً- منحى العرض وجدوله:

جدول العرض: هو العلاقة بين الأسعار وكميات سلعة معينة، في سوق معينة، وفي مدة زمنية معينة. وتكون الكمية متعددة على السعر، وان المتغيرات الأخرى التي تؤثر على الكمية ثابتة.

منحنى العرض: يمكن عرض علاقة السعر بالكمية في شكل جدول هندسي وعندها يحول جدول العرض إلى منحنى العرض.

وكمثال على ذلك: لدينا جدول العرض افتراضي.

سعر الوحدة

7000

6000

5000

4000

3000

2000

1000

الكمية المعروضة (وحدة)

7

6

5

4

3

2

1

إن منحى العرض يكون على الشكل التالي:

الشكل البياني رقم (٠٢): منحى عرض المنتج 

المصدر: من إعداد الباحث

يلاحظ على منحى العرض أنه يتجه من أعلى إلى أسفل باتجاه اليسار موضحاً بذلك العلاقة الطردية بين السعر والكمية.

سعر التوازن العادل وطريقة تحديده في السوق

أولاً- تحديد سعر التوازن وكمية التوازن في السوق: يتحدد السعر كما رأينا من خلال قانون العرض والطلب. فسعر السلعة أو الخدمة يتحدد بتفاعل قرارات المستهلكين والتي تمثل طلب السوق، مع قرار المنتجين والذي يمثل عرض السوق. وللتوضيح أكثر سنقوم بدمج الجدولين السابقين جدول الطلب، وجدول العرض في جدول واحد، وعرض شكلهما كذلك في منحنى بياني موحد لغرض معرفة كيفية استخراج وتحديد سعر التوازن وكمية التوازن في السوق.

الجدول رقم (٠٣): جدول توازن السعر والكمية

السعر (دينار)

الكمية المطلوبة

الكمية المعروضة

الطلب (D)

العرض(S)

اتجاه ومؤشرات

السعر

فائض (+)

عجز 

(-)

فائض (+)

عجز

 (-)

7000

1

7

-

6-

6+

-

إنخفاض

6000

جميع الحقوق محفوظة لمجلة الاقتصاد الاسلامي العالمية 2019