العدد الحالي: شباط/فبراير 2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

تقسيط الدين في البيع

د. فاطمة الفرحاني

دكتوراه معاملات مالية إسلامية

يكون البيع في الفقه الإسلامي معجل البدلين "يدا بيدا" وهو الأصل، أو مؤجل البدلين وهو "بيع الكالئ بالكالئ غير الجائز، أو أحد البدلين مؤجل والآخر معجلا، فإذا عجل المبيع وأجل الثمن فهو بيع النسيئة "التقسيط"، وإذا أجل المبيع وعجل الثمن فهو بيع السلم، وعليه فالبيوع المؤجلة تعني تأجيل أحد البدلين أو كلاهما، وقد أجازت الشريعة الإسلامية تأجيل أحد البدلين عندما أجازت السنة النبوية بيع السلم وبيع النسيئة.

الموضوع الذي أحببت التكلم فيه هو تقسيط الدين في البيع إذن: ما مفهوم تقسيط الدين في البيع؟ وما هو حكمه في الفقه الإسلامي وذلك في نقطتين كما يلي:

مفهوم تقسيط الدين في البيع

أولا: مفهوم التقسيط لغة

التقسيط: القسط الحصة والنصيب والجمع أقساط، وقسط تقسيطا إذا جعله أجزاء معلومة.

ومن ثَم تقسيط الدين جعل الدين حصصا وأنصبة معلومة.

ثانيا: تقسيط الدين في البيع اصطلاحا

جاء في مجلة الأحكام العدلية: التقسيط تأجيل أداء الدين مفرقا إلى أوقات متعددة معينة، هذا التعريف هو تعريف التقسيط الشرعي، وأما في اللغوي فهو: تجزئة الشيء إلى أجزاء وذلك كتأجيل دين بخمسمائة قرش إلى أسابيع على أن يدفع منه مائة قرش كل أسبوع.

يفهم من هذا أن في كل تقسيط يوجد تأجيل وليس في كل تأجيل يوجد تقسيط، وبناء على ذلك يوجد بين التأجيل والتقسيط عموم وخصوص مطلق، والتقسيط هو المطلق الأخص منها والتأجيل العموم المطلق.

وعرفه عبد الستار أبوغدة: "بيع الأجل أو التقسيط هو: البيع الذي يتفق فيه العاقدان على تأجيل الثمن إلى موعد محدد في المستقبل، وقد يكون الدفع جملة واحدة أو على أقساط ولابد من معلومية الأجل، ولا مانع من اشتمال الثمن على زيادة عن ثمن البيع الحال ولكن لا يزيد مقدار الثمن المؤجل إذا لم يدفع في الموعد".

ومن ثَم فتقسيط الثمن في البيع هو: تأخير أداء ثمن المبيع على أقساط محددة وآجال معينة، فيوجب استحقاق كل قسط في زمن مستقبل معين.

من خلال التعاريف السابقة يتبين أن خصائص بيع التقسيط هي كالآتي:

١- السلعة حالة.

٢- الثمن مؤجل.

٣- التسديد يكون على أقساط.

حكم تقسيط الدين في البيع

بيع التقسيط بيع مؤجل، يؤجل فيه الثمن كله أو بعضه على أقساط معلومة لآجال معلومة، والبيع المؤجل الثمن جائز بالإجماع.

ومما يدل على جواز تقسيط الدين في البيع:

أولا: ما جاء في القرآن الكريم

قوله تعالى: ﴿ وَأَحَلَّ اللَّـهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ﴾، كل بيع حلال إلا بيع فيه ربا، وهو دليل على جواز بيع التقسيط مع زيادة في الثمن المؤجل عنه.

وكذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ﴾، لم يشترط هنا سبحانه وتعالى أن تكون المداينة بسعر الوقت الحاضر، ومعلوم أن الدين في الغالب يصحبه الزيادة في الثمن.

ثانيا: ومن الأحاديث النبوية الشريفة

روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اشترى من يهودي طعاما إلى أجل معلوم، وارتهن منه درعا من حديد»، ومن المعلوم أن اليهودي لا يمكن أن يبيع إلى أجل دون أن يزيد في الثمن.

وقوله صلى الله عليه وسلم كذلك: « من أسلف في شيء ففي كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم».

وفي قرار المجمع الفقه الإسلامي بشأن البيع بالتقسيط:

قرار رقم(٥٣/٢/٦).

١- تجوز الزيادة في الثمن المؤجل عن الثمن الحال، كما يجوز ذكر ثمن المبيع نقدا وثمنه أقساط لمدة معلومة، ولا يصح البيع إلا إذا جزم العاقدان بالنقد أو التأجيل، فإن وقع العقد مع التردد بين النقد والتأجيل بأن يحصل الاتفاق الجازم على ثمن واحد محدد، فهو غير جائز شرعا.

٢- لا يجوز شرعا في بيع الأجل التنصيص في العقد على فوائد التقسيط مفصولة عن الثمن الحال، بحيث ترتبط بالأجل سواء اتفق العاقدان على نسبة الفائدة أم ربطاها بالفائدة السائدة.

٣- إذا تأخر المشتري المدين عن دفع الأقساط عن المواعيد المحددة، فلا يجوز إلزامه على الدين بشرط سابق أو بدون شرط؛ لأن ذلك ربا حرام.

٤- يحرم على المدين المليء أن يماطل في أداء ما حل عليه من الأقساط، ومع ذلك لا يجوز شرعا اشتراط التعويض في حالة التأخر عن الأداء.

٥- يجوز شرعا أن يشترط البائع بالأجل حلول الأقساط قبل موعدها عند تأخر المدين في أداء بعضها مادام المدين قد رضي بهذا الشرط عند التعاقد.

٦- لا حق للبائع في الاحتفاظ بملكية المبيع بعد البيع، ولكن يجوز للبائع أن يشترط على المشتري رهن المبيع عنده لضمان حقه في استيفاء الأقساط المؤجلة.

وقرار رقم: ٦٤/٢/٧ بشأن، بيع التقسيط: "البيع بالتقسيط جائز شرعا، ولو زاد فيه الثمن المؤجل على المعجل".

 ومن ثَم فالبيع بثمن مؤجل جائز، سواء كان مؤجلا لأجل واحد أو لأقساط؛ لأنه لا فرق في الحكم الشرعي بين ثمن مؤجل لأجل واحد، وثمن مؤجل لآجال متعددة، أما فيما يخص الزيادة لا يوجد نص صريح في جوازها، ولقد اختلف الفقهاء فيها، لكن الجمهور مجمعون على جوازها، وقد صرحوا بأن للزمن حصة من السعر وذلك في مواطن عديدة.

مثل ما جاء في بداية المجتهد: " جعل للزمان مقدار من الثمن".

وفي بدائع الصنائع: "لأن البيع عقد مبادلة على طريق المقابلة والمساواة في البدلين، ولهذا لو كانا نقدين، يجوز، ولا مساواة بين النقد والنسيئة؛ لأن العين خير من الدين، والمعجل أكثر قيمة من المؤجل".

ويقول صاحب الوجيز: "الخمسة نقدا تساوي ستة نسيئة".

وفي مجموع الفتاوى لابن تيمية: "فإن الأجل يأخذ قسطا من الثمن".

بالتالي يستنتج أنه يجوز الزيادة في الثمن إذا كان الأجل.

ثالثا: المعقول

الأصل في الأشياء الإباحة، وبما أن عقد البيع مبني على تراضي واتفاق المتعاقدين على الثمن ما لم يخالف الشرع، فالخفض أو الزيادة في السعر بسبب تأجيل الأداء لا مانع فيه ما لم يؤدي إلى محظور شرعي؛ لأن المقصود من البيع بالتقسيط مراعاة الحاجة وتحقيق اليسر والسماحة والمنفعة لكلا الطرفين.

وتتجلى أهمية هذا النوع من البيع، في الفائدة الممنوحة لكل من البائع والمشتري:

فالبائع يزيد في مبيعاته، ويعدد من أساليبه التسويقية، فيبيع نقدا وتقسيطا، وفي حالة التقسيط يستفيد من الزيادة في الثمن من أجل التقسيط، أما المشتري يستطيع الحصول على السلعة، والاستمتاع بها واستهلاكها واستعمالها، قبل أن يمكنه دخله أو ثروته من ذلك، فهو يشتري بالتقسيط ويسدد الثمن نجما.