العدد الحالي: شباط/فبراير 2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

أنواع الودائع في البنوك الإسلامية والتكييف الفقهي لها

د. عبد الغنيِّ العمومري

دكتوراه في الدراسات الإسلامية

يقوم المدخرون بوضع أموالهم في البنوك الإسلامية على شكل ودائع، تتخذ هذه الودائع أشكالا متعددة، كما تختلف من ناحية التكييف الفقهي.

المطلب الأول: الودائع البنكية - تعريفها وأنواعها

الودائع لغة: جمع وديعة، وهي من فعل (ودع) الذي يدل على الترك والتخلية، والدَّعة: تعني الترك، والوديع: الرجل الساكن، والموادعة: المصالحة والمتاركة:

  • فأما اشتقاقها من (الترك)؛ فلأنها متروكة عند المودع. 
  • وأما اشتقاقها من السكون، فكأنها ساكنة عند المودع مستقرة.
  • وأما اشتقاقها من الخفض والدعة، فكأنها في دعة عند المودع.

والوديعة شرعا: عرفها الشربيني بأنها: (تقال على الإيداع وعلى العين المودعة، من وَدَع الشيء يُدع إذا سكن لأنها ساكنة عند المودع، وقيل من قولهم: فلان في دَعَة، أي راحة، لأنها في راحة المودع ومراعاته وحفظه). 

أما أنواعها فمنها:

  • الودائع تحت الطلب أو (الحسابات الجارية). 
  • ودائع الاستثمار أو (الوديعة لأجل). 
  • الوديعة الادخارية.

الفرع الأول: الودائع تحت الطلب 

الودائع تحت الطلب هي إحدى العمليات المصرفية المعاصرة، وتندرج في عرف المصارف تحت عدة مسميات مثل: الودائع الجارية أو الحسابات تحت الطلب.

ويقصد بها: (الحسابات التي يقوم أصحابها بفتحها في البنك لإيداع أموالهم بغرض الحفظ والصون، أو لأغراض التعامل اليومي والتجاري، دون الاضطرار إلى حمل النقود).

أو هي تلك النقود التي يعهد بها الأفراد والهيئات إلى البنك، على أن يتعهد هذا الأخير بردها، أو برد مبلغ مساو لها إليهم لدى الطلب.

وقد يسلم المصرف للعميل دفتر شيكات، يسمح له بموجبه وبحسب إجراءات معروفة بالسحب متى شاء من حسابه، بحيث لا تزيد المبالغ عن مقدار المال الذي تم تسليمه للمصرف غالبا. 

وقد يدفع صاحب المال للمصرف مصاريف يسيرة، مقابل الاحتفاظ بالحساب الجاري على هذا النحو. 

وإذا ما نصت أنظمة المصرف أو تعليماته أو عقوده على مزايا يتمتع بها أصحاب هذه الودائع، مثل نسبة معينة من الربح قد تحددها إدارة المصرف في نهاية كل دورة مالية، أو جوائز بالقرعة، أو أولوية لأصحاب الودائع في الحصول على قروض من المصرف، فإن مثل هذه المزايا لا تخلو من شبهة الربا، وخاصة إذا كانت معلنة مسبقا على أساس ثابت مؤكد.

وبهذا يتبين أن الودائع تحت الطلب هي حسابات ليس هدفها الاستثمار، وإنما هي حسابات لغرض حفظ الأموال وصيانتها من السرقة أو الهلاك، أو لغرض تسهيل التعامل التجاري والمعاملات المصرفية الأخرى التي تقدمها هذه المصارف لعملائها. لذا فإن هذه الحسابات ليس لها أي علاقة بالمضاربة أو المشاركة، ولا تستحق أي عائد أو ربح في المصارف الإسلامية، بل إنه قد يتقاضى المصرف عليها أجراً أو عمولة في مقابل ما يمنحه لأصحابها من امتيازات.

الفرع الثاني: ودائع الاستثمار

عرفها أحمد حسن أحمد الحسني على أنها المبالغ النقدية التي يودعها أصحابها في المصرف لأجل معين قد يكون سنة مثلا أو ستة شهور أو ثلاثة شهور ولا يحق لهم سحبها أو سحب جزء منها، ولا يلتزم المصرف بردها إلا بعد انقضاء أجلها. ويعطي المصرف التجاري عادة فائدة ربوية لأصحاب هذه الودائع تتزايد كلما زاد الأجل.

أما في المصارف الإسلامية، فودائع الاستثمار هي الأموال التي يودعها أصحابها لدى المصرف الإسلامي بغرض الحصول على عائد، نتيجة قيامه باستثمار تلك الأموال، وتخضع هذه الأموال للقاعدة الشرعية: "الغنم بالغرم".

ويرى رفيق يونس المصري أن الودائع الاستثمارية قد تكون:

  • تحت الطلب أو مؤجلة لآجال معلومة: قصيرة أو متوسطة أو طويلة. 
  • في كل أوجه الاستثمار أو مخصصة في استثمار معين. 
  • حصة الربح فيها مختلفة باختلاف الأجل. 
  • مشروطة بمدة بعد الإيداع (أسبوع مثلا)، ومدة قبل السحب (أسبوع مثلا)، لا يسري فيها حساب الحصة من الربح. وتعتبر هذه المدة بمثابة المدة التي يتمكن فيها المصرف من وضع الوديعة موضع الاستثمار. 

ولا يجوز أن تمنح الودائع الاستثمارية فوائد ثابتة، سواء سميت بهذا الاسم أو بأي اسم آخر: أرباح، جعالة، حوافز.

وتأتي الوديعة الاستثمارية أو الوديعة لأجل في المرتبة الثانية بعد الوديعة تحت الطلب لدى المصارف التجارية، إذ تتراوح نسبتها في الغالب بين ٢٠ بالمئة و٣٠ بالمئة من إجمالي الودائع لديها. أما بالنسبة للمصارف الإسلامية فتعتبر أهم مصدر لموارده الخارجية والسند الأساسي لعملياته الاستثمارية.

ويكون الهدف من هذه الودائع بالنسبة للعميل، هو المشاركة في العمليات الاستثمارية التي يقوم بها البنك الإسلامي، وذلك للحصول على عائد عليها. ويقوم البنك بدور النائب أو الوكيل عن المودعين باستثمارها في الأوجه المناسبة، وبالطرق التي يرتضيها، دون تدخل من المودعين، بعد أن يكون قد أخذ الموافقة المسبقة منهم بذلك عن طريق وضع نص بهذا المعنى في الطلب المقدم منهم لفتح حساب الاستثمار المشترك.

الفرع الثالث: الوديعة الادخارية

يعرفها أحمد حسن أحمد الحسني على أنها المبالغ النقدية التي يقتطعها الأفراد من دخولهم ويدفعونها إلى المصرف ليفتح لهم بها حسابا ادخاريا، يحق لهم سحبه أو سحب جزء منه في أي وقت. ويدفع المصرف التجاري للعميل المدخر فائدة ضئيلة على أساس أدنى رصيد له في حساب التوفير خلال الشهر.

 وتعد الودائع الادخارية أحد أنواع الودائع لدى المصارف الإسلامية، وهي تنقسم إلى قسمين وهما:

  • حساب الادخار مع التفويض بالاستثمار: ويستحق هذا الحساب نصيبا من الربح، ويحسب العائد من الربح أو الخسارة على أقل رصيد شهري، ويحق للمتعامل الإيداع أو السحب في أي وقت شاء. 
  • حساب الادخار دون التفويض بالاستثمار: وهذا النوع لا يستحق ربحا ويكون حكمه حكم الحساب الجاري.

وتعتبر الوديعة الادخارية في المصارف الإسلامية مثل الوديعة تحت الطلب، أي يحق للعميل المدخر أن يسحب وديعته أو جزءا منها في أي وقت يشاء، ولا يأخذ عليها أية أرباح.

وفي حالة إعطاء العميل المدخر أرباحا على وديعته، فإن المصرف الإسلامي يقسم المال المودع في حساب التوفير إلى قسمين: 

  • القسم الأول: مال معد للسحب منه وهذا يعتبر قرضاً حسناً.
  • القسم الثاني: مال معد للاستثمار والمصرف يستثمره عن طريق المشاركة على أساس عقد المضاربة الشرعية، كما هو الحال في الوديعة الاستثمارية، ويحصل صاحب وديعة الادخار مع التفويض بالاستثمار على نسبة من الأرباح المتحققة على أساس أدنى رصيد له في حسابه خلال الشهر. كما أنه يشارك المصرف في الخسارة لو حدثت لأن الغنم بالغرم.

ويحق لصاحب الوديعة الادخارية في المصرف الإسلامي، أن يسحب وديعته التي فوض المصرف باستثمارها في أي وقت يشاء. لأن عقد الشركة غير لازم، وسحب المودع لأمواله يعتبر فسخا للشركة، وتراعى حينئذ الظروف المناسبة للمصرف.

المطلب الثاني: التكييف الفقهي للودائع المصرفية

الفرع الأول: التكييف الفقهي للحسابات الجارية 

اختلفت آراء الفقهاء والباحثين المعاصرين في التكييف الفقهي للحسابات الجارية وذلك على النحو الآتي:

القول الأول: أنها قرض

وهذا قول أكثر الفقهاء والباحثين المعاصرين، وهو رأي مجمع الفقه الإسلامي وجاء فيه: (إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره التاسع بأبي ظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة من ١-٦ ذي القعدة ١٤١٥هـ، الموافق ١-٦ نيسان (أبريل) ١٩٩٥م، بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع الودائع المصرفية (حسابات المصارف)، وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله، قرر أن: الودائع تحت الطلب (الحسابات الجارية)، سواء أكانت لدى البنوك الإسلامية أو البنوك الربوية هي قروض بالمنظور الفقهي، حيث إن المصرف المستلم لهذه الودائع يده يد ضمان لها وهو ملزم شرعاً بالرد عند الطلب، ولا يؤثر على حكم القرض كون البنك -المقترض- مليئاً):

القول الثاني: أنها وديعة بالمعنى الفقهي.

وقال به بعض الباحثين المعاصرين. ودليلهم في ذلك أن المودع عندما يدفع المال في الحساب الجاري للمصرف لا يقصد أبداً أن يقرض المصرف، ولا أن يشاركه في الأرباح العائدة من استغلال لمال المودع ومال غيره، وإنما مقصوده أي المودع حفظ ماله، ثم طلبه عند الحاجة إليه. وهذا مقتضى عقد الوديعة؛ فلا يسمى فعله إقراضاً.

الفرع الثاني: التكييف الفقهي لودائع الاستثمار

في هذا النوع من الحسابات، يودع العميل ماله في المصرِف بقصد توكيله في استثمار رأس المال، وذلك بتوظيفه عن طريقه أو عن طريق إحدى الشركات، وهذا العمل من الناحية الفقهيّة يُكيّف على أنه (عقد مضاربة) حيث يـُشكِّل العميل (المودِع) صاحب المال، والمصرِف المضارب، وهذا ما جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي السالف الذكر رقم ٨٦ (٣/٩)، والذي نص: [الودائع التي تسلم للبنوك الملتزمة فعليا بأحكام الشريعة الإسلامية بعقد استثمار على حصة من الربح هي رأس مال مضاربة، وتنطبق عليها أحكام المضاربة (القراض) في الفقه الإسلامي التي منها عدم جواز ضمان المضارب (البنك) لرأس مال المضاربة].

ويرى أحمد حسن أحمد الحسني أنه من خلال تكييف ودائع الاستثمار على أنها (عقد مضاربة)، يتبيّن أنه لا حرج في التعامل مع المصارف على هذا الأساس، ويبقى النظر في نوع النشاط الذي يمارس المصرف الاستثمار فيه:

- فإن كان نشاطاً مباحاً جاز التعامل مع المصرف، والاستثمار فيه.

- وأما إذا كان نشاطاً محرما فلا يجوز.

الفرع الثالث: التكييف الفقهي للودائع الادخارية

سبقت الإشارة إلى أن الودائع الادخارية تنقسم إلى قسمين:

  • ودائع الادخار دون التفويض بالاستثمار.
  • حساب الادخار مع التفويض بالاستثمار.

كما سبقت الإشارة إلى التكييف الفقهي لكل واحد منهما.