العدد الحالي: نيسان/ أبريل 83-2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

خلق النقود الائتمانية في البنوك الإسلامية 
ومعايير العدالة في الإسلام

د. عمر عوض حاج حامد

دكتوراه في الاقتصاد الإسلامي ورئيس قسم الادارة الدولية بجامعة AMA بالبحرين

التوسع النقدي وإصدار النقود الائتمانية أحد بديهيات النظام النقدي والسياسة النقدية، والنظام الاقتصادي الإسلامي في العديد من الدول والتجارب للسياسات النقدية يقوم بخلق الإئتمان من خلال آليات توليد النقود المستخدمة، إلا أن للنقود في التشريع الإسلامي مفهوم محدد وواضح ودقيق، وذلك لارتباط التعامل النقدي بأحد المحرمات في التشريع الإسلامي وهو التعامل بالربا، وهي حرمة واضحة ومتفق عليها ومبينة في مصادر التشريع الإسلامي الأولية والثانوية لذا يرتكز النظام المالي الإسلامي في آلياته وأدواته على حقيقة تحريم الربا. 

كما أن الإسلام كدين ومنهج وتشريع يقوم على العدالة كمعنى أصيل، عدالة التوزيع وعدالة اكتساب الأجر وعدالة القيمة وعدالة الأحكام، وعدالة المعاملات التي تقوم على القيمة العادلة للسلع والخدمات وعدالة معايير القياس المكييل والموزون، وكذلك عدالة النقود وعدالة قيمة النقود، لذا تحاول هذة الورقة بحث مدى تعارض أو توافق خلق النقود كأحد وسائل السياسة النقدية مع مبدأ العدالة الأصيل في النظام الاقتصادي الإسلامي. 

لذا يبرز التساؤلان التاليان:

  • هل خلق النقود يتوافق مع منطلقات ومرتكزات ومبادئ وقيم الشريعة الإسلامية فيما يختص بالعدالة والقيمة العادلة ؟
  • هل يسبب خلق النقود بشكلها المعاصر كممارسة مصرفية وأحد أدوات السياسة النقدية أية إشكالات اقتصادية تهدد الإستقرار الاقتصادي للمجتمع؟

مفهوم النقود ووظائفها

تطور المجتمع الإنساني واستحدث وسائل وأدوات لتسهيل التبادل التجاري والخدمي، مستحدثاً في كل مرحلة طرقاً أسهل وأكثر أماناً، لذا مرت النقود بتطور وإستحداث كبير بدأ منذ ابتكار المقايضة والتبادل إنتهاءاً بالنقود الإلكترونية المستخدمة حالياً، وهذا التطور بالرغم من أنه يبدو تطوراً مذهلاً إلا أنه بدون شك أفقد النقود أحد أهم خصائصها وهو الثمنية. ومنذ الحضارة السومرية في بلاد ما بين النهرين التي هي أول حضارة إنسانية منظمة شرعت القوانين والنظم وأنتجت كل فنون الزراعة والحرف وظهور التخصص والتقسيم الإجتماعي للعمل وظهور أدوات الإنتاج التي خلقت فوائض إنتاجية كان لابد أن تأخذ طريقها للتبادل، وبالتالي الحاجة لأدوات ووسائل للتبادل التجاري مترافقاً مع أهداف ومرامي الإنتاج أكثر من الإشباع، بل تعداه إلى فائض للإنتاج مما خلق الحاجة لأدوات للتبادل التجاري؛ فظهرت النقود كأداة للتبادل ومقياساً ومخزناً للقيم؛ مما يتطلب استخدام قيم معيارية للتبادل ومقبولة من المتبادلين ولها قيمة ذاتية (الثمنية) فاُعتمد الذهب والفضة كمعدنين معياريين للتبادل، يعتقد أن ذلك في الفترة من ٣٠٠٠-٣٥٠٠ ق.م في بلاد ما بين النهرين؛ فأصبحت النقود أي شيء له قيمة ذاتية ومقبول من المتبادلين قانوناً أو عرفاً كوسيط للتبادل وأداة لتسوية الديون وإبراء الذمم.

لذا فإن القيمة هي جوهر فكرة النقود، ينتفي جوهرها بإنتفاء القيمة، ويحدث الاختلال لجوهر النقود حال فشلها في الاحتفاظ بالقيمة، وتغير قيمة النقود يعني اختلال ثمنيتها وفقدانها لأهم خصائصها، وأي ربط لقيمة النقود بالأسعار يجعلها تتأرجح ارتفاعاً وانخفاضاً حسب القوة الشرائية، فوجود قوة شرائية للنقود يعني عدم دقتها في الاحتفاظ بالقيمة مما يعني فقدانها لأهم خصائصها، وهو التحول الأخطر في جوهر النقود، لعل هذة الظاهرة هي التطور الطبيعي لتطور وتبدل جوهر مفهوم النقود وشكلها المتداول ومرّ هذا التطور بعدة أشكال أخذتها النقود بدءاً من النقود السلعية وحتى النقود الالكترونية.

باستعراض ما مرت به النقود من تطور منذ ظهورها كمخزن للقيمة ووسيط للتبادل ووحدة للحساب، فإن النقود تتطور باتجاه فقدانها لجوهرها في كل مرحلة من مراحل التطور، بعيداً عن الثمنية والقيمة، مما يجعل للنقود معنى آخر في المجتمعات الحديثة، ويبدو أن هذا التطور يعمق من أزمة النقود. بدأ هذا التحول منذ ظهور النقود غير المغطاة باعتبارها شكلا ينافي جوهر النقود، مما يجعل قوتها تحدد وفق معطيات أخرى غير الثمنية، ما يجعل قيامها بوظائفها أمراً مشكوكاً فيه؛ بعكس وجود غطاء ذهبي أو غير ذلك؛ مما يعطي النقود خاصية الثبات والإستقرار، ويجعلها مرتبطة بشكل رئيسي بقوتها الشرائية التي ترتفع وتنخفض تبعاً للظروف الاقتصادية ولتقلبات عناصر الإنتاج التي هي في طبيعتها غير متماثلة (العمل ورأس المال والأرض... الخ )؛ فالنقود تحقق هذا التماثل كونها عنصراً مشتركاً يمثل الأثمان النقدية لهذه العناصر من خلال التقييم النقدي للعملية الاقتصادية، وهو العنصر الأساسي في وجود النقود، ويظهر هنا بوضوح الفرق بين مفهوم القياس السلعي والنقدي كمفهومين متباينين وهو المبرر لظهور النقود كمفهوم بديل وكشكل يختلف عن التبادل. يتميز (القياس السلعي) باليسر والعدالة في التقييم ويحقق التوازن المطلوب بين الأسعار الحقيقية والنسبية والأسعار المطلقة أو النقدية، وبذلك تقوم النقود بدورها بصورة جيدة إذ تحقق العدالة وتمنع الغبن والظلم والتطفيف، ويخلق ذلك القبول العام والثمنية، وهذا أمر يتفق مع جوهر التشريع الإسلامي بتحقيق العدالة والإنصاف والقسط، وأي إنحراف للنقود عن هذا المسار يجعلها أمراً يتنافى مع منطلقات الشريعة الإسلامية لذا كان للإسلام نظرة سليمة للنقود تتفق وأحكام التشريع الأخرى، وبظهور النقود الورقية للتداول فقدت النقود أحد أهم خصائص اتفاقها مع التشريع الإسلامي ومبدأ العدالة، فقوة النقود الورقية تنشأ من قوة المصدر وهو الدولة دون وجود قيمة حقيقية، لذا يمكن أن تكون النقود الورقية سلعة تنتجها الدولة عبر أحد مؤسساتها وهو البنك المركزي، وللسلع في الفقه الإسلامي أحكام محددة تجعل تضاداً بينها وبين أحكام الشريعة الإسلامية للنقود؛ حيث يجوز في السلع التبادل والمداينة والرهن والسداد الآجل والأرباح (وأحل الله البيع وحرم الربا) وهذا أمر يحتاج للنظر والدراسة، فانتفاء الغطاء السلعي للنقود يجعلها أمام إشكالية تقييمها، وما هو متبع حالياً لتقييم النقود آلية سعر الصرف بربط وحدات النقد الوطنية بوحدات نقد أجنبية ويعطي هذا الربط القيمة للعملة الوطنية (القيمة المعيارية).

النقود الائتمانية

تطورت النظم المالية والنقدية وظهرت مؤسسات الوساطة المالية (المصارف) وسيطر النقد الورقي القانوني على المعاملات المالية، أدى ذلك لظهور وظائف أخرى للمصارف غير الوساطة المالية - وظيفتها الأساسية - التي تتمثل في عمليتي التمويل والاستثمار وخلق التواصل المطلوب بين وحدات الفائض ووحدات العجز وتوفير الأمان وتقليل المخاطر وتنظيم عمليات الاستثمار لوحدات الفائض والتمويل لوحدات العجز، من خلال موارد حقيقية لوحدات الفائض التي تعكس القيم والثروات الحقيقية لتقوم البنوك بدورها في خلق عمليات وأنشطة اقتصادية وإنتاجية حقيقية، إلا أن الفلسفة والقواعد النقدية الحديثة التي تقوم بشكل رئيسي على القيمة القانونية دون القيم الحقيقية، مما أدى لظهور دور آخر للمصارف وهو خلق النقود، وتمثل النقود المصرفية الإيداعات التي تأخذ شكل الودائع الجارية تحت الطلب وتسجل كرصيد دائن للوحدات الاقتصادية، تشكل ودائع المصارف جزءاً هاماً من عرض النقود وتنقسم إلى الودائع الأولية والودائع المشتقة، التي تولدها المصارف في عملية منح الائتمان، وهذه العملية هي إحدى أدوات السياسة النقدية التي تنفذها المصارف بتوجيه من البنك المركزي لإحداث توسع في العرض النقدي بإلزام المصارف بنسبة إحتياطي نقدي تزيد أو تنقص من مقدرة البنك على اشتقاق الودائع.

وتنفرد البنوك التجارية عن غيرها من المؤسسات المالية بمقدرتها على خلق النقود الائتمانية، وتمثل هذه النقود الشكل الثاني من وسائل الدفع في المجتمع وهي جزء من الرصيد النقدي للاقتصاد ويمكن أن تستخدم لإنجاز المعاملات المختلفة؛ لذا فإن الإيداع المصرفي هو نقطة البداية لإنشاء النقود المصرفية مما يعني أن الأساس لهذه النقود الائتمانية هي الودائع الأساسية دون وجود قيمة فعلية تستند عليها. 

تفتقد النقود الائتمانية لغطاء الإصدار الذي تفتقده كذلك النقود القانونية والتي تمثل الأساس للنقود الائتمانية والتي لها مقدرة تسوية المدفوعات، ولعل افتقاد هذة النقود لأهم الضوابط المرتبطة بالإصدار النقدي من ضرورة تحقيق التوازن بين كل وحدة نقدية مصدرة والعناصر الإنتاجية لتكون بذلك للنقود المصدرة قيمة حقيقية.

تقوم عملية الائتمان على عنصر هام يمثل حجر الزاوية في العملية برمتها وهو ثقة المقرض في طالب القرض وتبنى هذة الثقة على مصدرين: ثقة ذاتية وثقة موضوعية؛ الثقة الذاتية مرتبطة بالمقترض وماله من كفاءة مالية وسمعة ودخل وأصول رأسمالية والثقة الموضوعية تختص بالنشاط المراد تمويله ومدى جدواه الاقتصادية.

تعتمد مقدرة البنوك على خلق الائتمان على ما يحدده البنك المركزي من نسبة إحتياطي نقدي وهي نسبة من أصول البنك ينبغي على البنك إبقاءها لدى المصرف المركزي على شكل احتياطي نقدي هذا من جهة فضلاً عن الودائع التي يحتفظ بها المصرف لدى المصرف المركزي كأرصده دائنة وتقدر الإضافة الصافية من نقود الودائع الى العرض الكلي للنقود بمقدار نقود الودائع مطروحاً منها الرصيد النقدي السائل لدى المصارف، ويطلق على النسبة التي تتضاعف بها نقود الودائع "بمضاعف الائتمان" وهو يساوي مقلوب نسبة الرصيد النقدي الا أنه يجب الإشارة إلى أن هذه المضاعفة قد لا تتحقق لما قد يكون هناك من تسربات نقدية عن طريق تداول جانب من النقود بين الأفراد خارج الجهاز المصرفي وما قد يكون هناك من سيولة نقدية لدى المصارف تزيد من نسبة الرصيد النقدي أو بسبب عدم وجود فرص توظيف لها.

يهدف إحداث الائتمان إلى زيادة مصادر التمويل أمام المنظمين والمشروعات الاقتصادية وتحقيق استخدام أمثل للفوائض النقدية الموجودة في المصارف التجارية لحساب بعض المشروعات الاقتصادية بتوجيهها إلى قطاعات بعينها تحتاج للدعم. كما ينتج إحداث الائتمان أفضل الوسائل لتسيير عملية المبادلة لدعم النشاط الاقتصادي باستخدام أدوات الائتمان، كما يسهم إحداث الائتمان في توفير جزء من الموارد التي تستخدم كغطاء في إصدار العملات الورقية والمعدنية؛ لأن إستخدام وسائل الائتمان في تسوية المدفوعات يقلل من استخدام النقود القانونية.

عوامل تحديد الائتمان 

إنه من خلال فهم مفهوم الائتمان وفهم علاقة الائتمان بالثروة فالعوامل التى تحدد الائتمان يمكن إجمالها في العوامل التالية:

أولاً - العوامل الذاتية

يقصد بالعوامل الذاتية تلك العوامل المتصلة بطبيعة الإقراض المصرفي بالنسبة للبنوك التجارية خاصة ذات الأمد القصير؛ فمن المعروف أن القرض المصرفي قصير الأجل لا يُسحب من البنك دفعة واحدة عند عقده إلا عند حسم الكمبيالات التجارية، أما في حالة الإقراض المباشر فإن المعتاد سحب القرض على دفعات، ويرتبط ذلك بالتحصيلات التي يقوم الفرد بتحصيلها وإيداعها في حسابه المدين، فمن المتبع في البنوك التجارية عندما يمنح البنك القرض يُسمح للمقترض سحب شيكات بشرط ألا يتعدى السقف المرسوم، ويقيد البنك كل مبلغ يتم سحبه من الاعتماد في الجانب المدين من صفحة الحساب كما يقيد ما يودع فيه في الجانب الدائن من الحساب ويعبر الرصيد عن قيمة الدين الفعلي؛ فمثلاً إذا منح البنك عميلاً من عملائه اعتماداً مديناً - أى حساباً جارياً مديناً في حدود ١٠٠٠٠٠ وقام بالسحب والإيداع في هذا الحساب حتى بلغ الجانب المدين ١٢٠٠٠٠ والجانب الدائن ٧٠٠٠٠ فإن مقدار المديونية في هذا الحساب هي ٥٠٠٠٠ وتحسب الفوائد البنكية يومياً أو أسبوعياً حسب الرصيد، من هذا المثال فإن البنك يقبل على هذا الحساب حتى يبلغ رصيد الجانب المدين ١٠٠٠٠٠ وعندما يزيد على ذلك يتوقف عن الدفع حتى يتم إجراء إتفاق جديد. أما الحسابات الجارية المدينة فلا يُنظر إليها مجزأة ولكن يُنظر إليها وحدة واحدة وعلى ضوئها تحدد سياسة البنك الاقراضية كما يقوم البنك المركزي على ضوء سياساته النقدية باستخدامها كإسلوب للتحكم في كمية النقود المعروضة. 

ثانياً - العوامل الاقتصادية

تؤثر التغيرات الاقتصادية على حجم الائتمان، هذه التغيرات تحدث ضمن الدورة التجارية المتمثلة في فترتي الرواج والكساد، ففي فترة الرواج ينشط الاستثمار ويندفع رجال البنوك لعقد القروض، ويتدخل البنك المركزي لتسهيل عمليات الائتمان من خلال ما يعتمده من قروض أو يحسمه من كمبيالات مقدمة من البنوك التجارية، أو ما يتخذه من سياسات نقدية أخرى تساعد على توفير السيولة النقدية للبنوك التجارية مما يساعد على زيادة حجم الحسابات الجارية المدينة، أما في فترة الكساد فإلى جانب الأثر النفسي السيء الذى تتركه على رجال البنوك فإنها تساعد على عدم التوسع في منح القروض وإبقائها على حالها وتقليصها بتصفية بعضها إختيارياً أو إجبارياً، كما أن فترة الكساد تعمل على خفض معدل الفائدة الفعلي على القروض ذلك لأن الفترة تتميز بالفائض الكبير في السلع مما يؤدي للإحجام عن الاقتراض.

ثالثاً - العوامل القانونية النظامية 

مع تقدم أساليب البنوك التجارية وتنوعها في جذب الودائع وتكوين الائتمان إتضحت قدرة البنوك التجارية على تكوين وسائل الدفع ومحوها بما يملك الجهاز المصرفي من قوة وطاقات يمكن توجيهها حسب مقتضيات الأوضاع الاقتصادية والسياسات المالية التى ترسم الدولة حدودها وحسب ما تمليه عليها مقتضيات السياسة النقدية ونتيجة لهذه القدرة في تكوين الائتمان فإن السلطات تقوم بتشريع الوسائل لتشكيل رقابة على المصارف من خلال عدد من القوانين والأنظمة.

الأثر الاقتصادي لخلق الائتمان 

يمكن تصنيف خلق الائتمان كأحد أدوات السياسة النقدية التي تهدف لتمكين أو تحجيم البنوك من خلق الائتمان والتأثير بذلك على العرض النقدي من خلال نسبة الإحتياطي النقدي القانوني وهي تلك النسبة أو الرصيد من النقود التي يُلزم البنك المركزي البنوك التجارية الإحتفاظ بها لديه في شكل نقود سائلة، أو ودائع جارية أو آجلة ويكون الهدف المباشر من الإحتفاظ بهذه الودائع لدى البنك المركزي هو ضمان سلامة أموال المودعين، حيث تستخدم هذه الأموال لإقراض البنوك التي تتعرض لأزمات مالية أو لنقص في السيولة بهدف بقاء مراكزها المالية سليمة وبالتالي يطمئن المودعون على أموالهم، على أن الهدف الآخر لهذه الودائع المقتطعة كاحتياطي قانوني هو التأثير على عرض النقد لدى البنوك التجارية. ففي حالة الإنكماش الاقتصادي يسعى البنك المركزي لتقليل نسبة الإحتياطي القانوني بحيث تتوفر لدى البنوك كمية أكبر من الودائع التي تستخدمها في منح الائتمان وبالتالي التوسع في عرض النقد للخروج من حالة الكساد الاقتصادي. وزيادة عرض النقد ستقلل بالضرورة من تكلفة الأموال على المقترضين من ناحيتين: إحداهما: بسبب المنافسة التي ستحدث نتيجة زيادة أموال البنوك مما يدفع باتجاه تقليل سعر الفائدة لجذب مزيد من المقترضين، والثانية انخفاض تكلفة الأموال على البنوك التجارية، على أن لاستخدام هذه السياسة الكثير من المحاذير، ففي حالات التضخم تكون هذه السياسة فاعلة بشكل أكبر عنها في حالات الكساد الاقتصادي وذلك لإنخفاض الطلب على القروض في حالة الكساد.

الأثر التضخمي لخلق النقود الائتمانية

 لبحث أثر النقود الائتمانية على الاقتصاد يجب بشكل مباشر دراسة أثر عرض النقود على الاقتصاد ككل والعلاقة القوية بين عرض النقود من جهة والأسعار من جهة اخرى وارتباط مستوى الأسعار بالتضخم. بالنظر للتعريف الأمثل للنقود فإن عنصراً ذو قيمة يستخدم في التبادل والمعاملات وخزن القيم وخلق الائتمان، تأخذ النقود مفهوماً جديداً لا يتفق والخصائص الواجب توفرها في النقود، هذه العملية تعطي البنوك التجارية القدرة على خلق النقود بدون تكلفة وتعطي لنفسها بالقانون والسياسات النقدية المتبعة قوة شرائية مما يزيد من عرض النقود، وبالتحليل النقدي وحسب النظرية الكمية للنقود فإن النظرية تفترض عدداً من الإفتراضات تربط بين كمية النقود والمستوى العام للأسعار مبررة إرتفاع الأسعار بزيادة كمية النقود، فالنظرية تبحث في أثر كمية النقود على قيمتها، وتعتبر معادلة التبادل شكلاً من الإثبات على صحة النظرية الكمية، وبالنظر لتأثير خلق النقود على عرض النقود حيث تمثل النقود الائتمانية أحد مكونات عرض النقود ما يعني زيادة عرض النقود، وبالتالي التأثير سلباً على الأسعار بالزيادة وزيادة الآثار التضخمية وانخفاض القوة الشرائية للنقود. 

إن التناغم بين حجم النقود وحجم السلع والخدمات هو الذي يحقق التوازن المنشود في الاقتصاد، بقطاعيه الحقيقي والنقدي، مما يعكس تغطية النقود بحجم مماثل من الإنتاج وبينت ذلك النظرية الكمية للنقود، فمجمل التحليل الكلاسيكي يقوم على التوازن بين القطاع الحقيقي والنقدي المرتبط بعرض النقود الذي يُفترض لتحقيق التوازن؛ حيث يتحقق عرضاً أمثل للنقود وهو المعدل المطلوب لكمية النقود الذي يحقق للمجتمع أقصى قدر من الخدمات التبادلية، وأي زيادة في العرض النقدي عن هذا المعدل الأمثل يؤدي الى آثار تضخمية تدفع بمعدل التضخم إلى الإرتفاع من خلال العلاقة الوثيقة بين معدل التضخم ومعدل الزيادة النقدية، وتزايد كمية النقود في الاقتصاد بمعدلات منخفضة جداً لايؤدي لآثار تضخمية، أما حال زيادة عرض النقود فتتزايد الأسعار بدرجات طفيفة في البداية ولكن سرعان ما تتسق نسبة الزيادة في الأسعار مع حجم زيادة كمية النقود مما يؤدي للأثر التضخمي الذي ما كان ليحدث لو ترافق مع الزيادة النقدية زيادة في الإنتاج تجعل لكمية النقود غطاءاً قيمياً.

ويعتبر التضخم بجميع أنواعه إشكالية اقتصادية حقيقة تلقي بظلالها على جميع المعطيات والمؤشرات الاقتصادية ويتمثل ذلك بشكل واضح في تغير قيمة النقود (القوة الشرائية) الأمر الذي يهدد تطبيق مفهوم العدالة في الإسلام حيث يخلق تغير قيمة النقود إجحافاً وظلماً للدائنين، فانخفاض قيمة النقود يعرض الحقوق للضياع ويعمل على تناقص القيمة الحقيقة للدين مع بقاء القيمة الأسمية على حالها ويجعل أي عائد تعويضي لقيمة الدين شبهة للربا المحرم بشكل قاطع في الإسلام.

مما لا شك فيه ان إحداث نقود الودائع والتوسع في الإئتمان سيؤدي إلى زيادة وسائل الدفع وبالتالي عرض النقود ما يؤدي إلى التضخم والتأثير على الأسعار بالزيادة وانخفاض القوة الشرائية للنقود فيتضرر كل من ذوي الدخول المحدودة والدائنين، كما تهتز وظيفة النقود كمقياس للقيم. 

تعتبر وظيفة إصدار النقود وتحديد وسائل الدفع من الوظائف السيادية ولا يجوز لغير الدولة القيام بها، وللبنوك التجارية بإحداث نقود الودائع والتوسع فيه.

كما أن التوسع في إحداث الائتمان يعتبر أكلاً لأموال الناس بالباطل لأن البنوك التجارية تعمل على التصرف في الوديعة بإقراضها دون إذن مسبق من أصحاب الودائع وتعمل على تحقيق أرباح طائلة نتيجة للفائدة الربوية واستغلال ثقة الناس فيما تصدره من أوامر دفع وعلى إيداع أموالهم فيها. كما أنها تقوم بتحقيق أرباح طائلة نتيجة للاقراض بفائدة مما يعني أن هذة المعاملة معاملة ربوية لا تتفق مع تعاليم الإسلام. 

من المؤكد أن المصارف التجارية لا تقرض إلا الأغنياء مما يزيد غنى الاغنياء؛ فتتركز نتيجة لذلك الثروة في أيدٍ قليلة ويحرم منها الفقراء، والبنوك لا تقرض إلا من تثق في مقدرته على السداد. 

ختاماً يتضح أن خلق النقود الائتمانية (بالصورة التى تمارسها البنوك التجارية) هو أمر ينتافى مع الشرع الإسلامي، وهو بهذه الكيفية منهي عنه، وإذا كان لهذا الأمر أهميته الاقتصادية وفيه صالح الأمة، فيجب أن يتم وفق شروط تتفق مع الشرع الإسلامي يراعي قيم العدالة والإنصاف.