العدد الحالي: شباط/فبراير 2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

الرقابة الشرعية للدولة في المجال الاقتصادي عند ابن تيمية

د. فريد أمار

أستاذ بجامعة محمد الخامس الرباط

حين يشار إلى ابن تيمية كأحد أقطاب الفكر الإسلامي في القرون السابقة، فقليلا ما ينتبه إلى إسهاماته الاقتصادية من الناحية التنظيرية والإجرائية معا.فبالإضافة إلى إسهاماته في التأسيس المفاهيمي في المجال الاقتصادي (مقالات سابقة في هذه المجلة) نجد أيضا تأسيساته النظرية لمجال وحدود تدخل الدولة في تنظيم الحياة الاقتصادية. فتنظيم المجال الاقتصادي يحتاج إلى ضوابط وقواعد تساهم في تسيير دواليب الاقتصاد في المجتمع، وتدبير أمور الناس ورعاية مصالحهم. 

ولابد لهذه القواعد والضوابط أن تكون مستمدة من الشرع ومقاصده، كما لابد لها من أجهزة تسهر على تطبيقها وتنزيلها على واقع المجتمع. فالدولة حسب ابن تيمية تعتبر أهم الأجهزة التي تناط بها مهمة ضمان الاستقرار الاقتصادي والتوازن الاجتماعي. وقد ميز ابن تيمية بخصوص الدور الرقابي للدولة بين الآليات التنظيمية والرقابية من جهة، والآليات العقابية والزجرية من جهة أخرى كإطار حدده الشرع للحفاظ على سلامة المجتمع وحقوق العباد. ويبقى مبدأ العدل هو الإطار الفلسفي الذي يحدد نظرة ابن تيمية إلى العلاقات بين العباد، بالإضافة إلى جانب الأخلاق والقيم كبعد منظم لهذه العلاقات.

المبحث الأول: دور الدولة في المجال الاقتصادي:

لسنا هنا بصدد الحديث عن مفهوم الدولة والحكم عند ابن تيمية وإن كان من الذين سبقوا فأبدعوا في هذا المجال، لكن ما تجدر الإشارة إليه هو خصوصية طرح ابن تيمية لهذا الموضوع، فقد كان عصره متسما بغزوات التتار والصليبيين. فكانت هذه الظروف تستدعي وقفة نصح وإرشاد وتستدعي مراعاة المصلحة العامة لصد العدوان الخارجي أولا، ثم تنظيم البيت الداخلي فيما بعد، فكان طرح ابن تيمية للدولة ووظائفها يتسم بالمرونة وبعد النظر، فقد دعم الدولة القائمة رغم ضعفها، وحرض الناس على الجهاد من جهة، ووضع رسالة مختصرة تحدد وظائف الدولة وحقوق الراعي والرعية من جهة أخرى من خلال كتابه "السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية"، ثم بعد ذلك كتب رسالة في "الحسبة" تحدد سلطة ولي الأمر في مجال الحياة الاقتصادية لإقامة العدل بين الناس. لقد استطاع ابن تيمية من خلال هذين البحثين أن يجلي مسألة تعد من المسائل التي يدور حولها فلك الاقتصاد المعاصر، وهو مدى تدخل الدولة في المجال الاقتصادي، وإذا كانت هذه القضية معروفة في الفقه الإسلامي من قبل، فابن تيمية حاول أن يجمع الأحكام المتعلقة بهذا الموضوع ليصوغ نظرية عامة تحدد الدور الفعلي للدولة في الاقتصاد، موضحا أنها جهاز مدني من حيث السلطة ومصدرها، ومن حيث علاقة الحاكم بالمحكوم، وليست جهازا قائما على المفهوم اللاهوتي كما عرف في أوروبا في نفس الفترة. كما أنها ليست شرطي أمن يوفر الظروف لكبار الملاك والمستثمرين ويزجر الفلاحين الصغار والعمال كما في النظامين الإقطاعي والرأسمالى، ولكنها جهاز اجتماعي يسعى إلى تنمية الحياة الإنسانية بتنظيم الحياة الفردية والملكية والعمل وضبط العلاقة بين الفرد والجماعة.

المطلب الأول: وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

يرى ابن تيمية أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الإطار الجامع لكل الولايات الإسلامية، فجماع الدين وجميع الولايات (من أهم هذه الولايات، ولاية المال وولاية الحسبة) هو أمر ونهي.

فالله تعالى بعث الرسل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو أمر واجب على كل مسلم قادر، لأنه وإن كان فرض كفاية، فهو يصير فرض عين على القادر الذي لم يقم به غيره.

لذلك كان مناط الوجوب هو القدرة، وذو السلطان هم أقدر من غيرهم على ذلك، فكانت الدولة ومن خلالها ولي الأمر الجهاز الذي يقوم بهذه الوظيفة أكثر من غيره، فالدولة تتوفر على أجهزة تمكنها من القيام بهذا الدور كجهاز القضاء لتدبير الأمر الداخلي، ووظيفة الجهاد للحفاظ على الدين، وللقيام بهذه الوظيفة حدد ابن تيمية قواعد ذهبية تؤطر تصوره لهذه الوظيفة وكيفية أدائها:

أولا: يجمع ابن تيمية بين ثلاثة أمور لابد من توفرها للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ وهي العلم والرفق والصبر، فالعلم قبل الأمر والنهي، والرفق معه والصبر بعده. وإن كان كل من الثلاثة مستصحبا في هذه الأحوال. وقد استوحى هذا الكلام من السلف الصالح كما ورد مرفوعا عن القاضي أبو يعلى في المعتمد "لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا من كان فقيها ينتهي عنه".

فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يكون إلا بالعلم: فالعلم بمقصود الشرع من أوامره ونواهيه ومعرفة أحوال الواقع معرفة متعمقة تجعل مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تراعي المصالح التي قصدها الشرع، وتؤدي إلى أداء حقوق الناس وواجباتهم، والعالم لابد له أن يرفق بالعباد، فالرفق ما كان في شيء إلا زانه وما غاب عن شيء إلا شانه كما يقال، والناس في حاجة إلى ما يبصرهم بأخطائهم ويحسن نصحهم، لا إلى من يعاتبهم ويسرع في معاقبتهم، وهذا ما يستدعي الصبر، فالأمور لا تتغير دفعة واحدة، لكنها تستدعي التدرج والتريث.

ثانيا: يعرف ابن تيمية الأمر بكونه طلب الفعل وإرادته، والنهي بكونه طلب الترك وإرادته، فلابد لكل حي من إرادة وطلب في نفسه، ويقتضي بهما فعل غيره إذا أمكن ذلك، فإن الإنسان حيث يتحرك بإرادته، فشرط تحقق الأمر والنهي حسب ابن تيمية هو الإرادة، فهي التي تدفع الإنسان إلى فعل ما يفعل أو تركه لما لا يريد، فهي الموجهة لحركة الإنسان، لذلك كان تحقيق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر رهين باستجابة الإرادة لهذا الأمر وهذا النهي، فكان لزاما إذن في أداء هذه الوظيفة اعتماد أسلوب الإقناع والترغيب لا أسلوب الإخضاع والترهيب.

ثالثا: "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يجب على كل بعينه، بل هو على الكفاية كما دل عليه القران". والكفاية دليل على شرط القدرة، وهذا الأمر متوفر في الدولة كما سبقت الإشارة إلى ذلك، ولكن الهدف هنا يتحدد من جهة في كون وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تهم كل أفراد المجتمع وإن كانت لا تجب عليهم فرضا بل كفاية. فالمهم إذن هو إشعارهم بهذه الوظيفة ومسؤوليتهم في أدائها أو المساهمة في أدائها، ومن جهة أخرى فإن هذه الوظيفة تستوجب جهازاً منظما وقادرا على أدائها كما يجب، مما يقطع الطريق على وضع تعمه الفوضى ويتعدد فيه المتدخلون في النظام وتضيع الحقيقة.

المطلب الثاني: وظيفة الحسبة

إذا كانت الحسبة من أهم الولايات الدينية عند ابن تيمية، والتي يدور مقصدها حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن أهم شروط توليها: الصدق والأمانة والعدل، وإذا كان في الواقع صعوبة إيجاد من يتوفر على كل الصفات والفضائل، كان لزاما أن يتولى من تكون صفاته أصلح بهذا المنصب، ثم الأقرب فالأقرب.

أما وظائف المحتسب بكونه يمثل الإمام وينوب عنه، فقد حددها ابن تيمية فيما يلي:

١ـ الحفاظ على العبادات: فمن أكبر مهامه، حث الناس على أداء الصلوات مع الجماعة، وفي مواقيتها، ويتعهد الأئمة والمؤذنين؛ فالصلاة عماد الدين ولا يستقيم أمره إلا بها، فنجد مثلا أن الزكاة كثيرا ما يقترن ذكرها بالصلاة كما في قوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾. فالحفاظ إذن على فريضة الزكاة لا يكون إلا بالحفاظ على الصلاة، والمفرط في الصلاة أهون عليه التفريط في الزكاة، وكذلك الأمر بالنسبة لكل العبادات كالصوم والحج...

٢ـ أداء الأمانات ومنع الغش:

فالمحتسب يأمر بصدق الحديث وأداء الأمانات وينهي عن المنكرات من الكذب والخيانة وما يدخل في ذلك من تطفيف المكيال والميزان، والغش في الصناعات والمبيعات والديانات ونحو ذلك. قال تعالى: ﴿ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون﴾. قال تعالى ﴿أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين وزنوا بالقسطاط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين﴾. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ مر على صبرة طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللا فقال: ما هذا يا صاحب الطعام؟ فقال: أصابته السماء يا رسول الله. فقال: أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس "من غشنا فليس منا" وفي رواية "من غشني فليس مني"، وبذلك يخبر النبي عليه السلام بأن الغش لا يدخل صاحبه في أهل الدين والإيمان. وصور الغش كثيرة، فقد يكون في البيوع، وذلك بكتمان العيوب وتدليس السلع، وقد يكون في الصناعات كالذين يصنعون المطعومات أو الملبوسات بالغش في الكيل أو جودة النوع. ومن الصناعات التي ركز عليها ابن تيمية صناعة الكيمياء، حيث يغش أصحابها في النقود والجواهر والعطور وغيرها، فيصنعون الذهب أو الفضة أو العطور كالعنبر والمسك، فابن تيمية يعتبر هذه الصناعات من قبيل مضاهاة خلق الله تعالى وتقليده سبحانه كما في الحديث القدسي "ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي؟ فليخلقوا ذرة، فليخلقوا بعوضة" إلا أن الملاحظ أن مثل هذه الصناعات هي الأكثر انتشارا وأن منتوجاتها هي الأكثر استعمالا بين الناس نظراً لانخفاض ثمنها ووفرتها. ولم يحصر ابن تيمية الغش في هذا المستوى بل تعداه إلى إطاره العام الذي يهم الجانب الديني فاعتبر أن الغش والتدليس في الديانات من أعظم أنواع الغش والتدليس كالبدع المخالفة للكتاب والسنة والإجماع، ومثل الغلو في الدين أو الإلحاد.

٣ـ النهي عن إبرام العقود المحرمة:

"ويدخل في ذلك المنكرات التي نهى الله عنها ورسوله كعقود الربا والميسر ومثل بيع الغرر وكحبل الحبلة والملامسة والمنابذة وربا النسيئة وربا الفضل والنجش وهو أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها، وتصرية الدابة اللبون وسائر أنواع التدليس وكذلك المعاملات الربوية كانت ثنائية أو ثلاثية إذا كان المقصود بها جميعها أخذ دراهم أكثر منها إلى أجل".

والمقصود هنا بالثنائية هو ما يكون بين اثنين مثل أن يجمع إلى القرض بيعا أو إجارة أو مساقاة أو مزارعة لقوله ﷺ في ما صح عند الترمذي: "لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع ولا بيع ما لم يضمن ولا بيع ما ليس عندك" ـ ويدخل في هذا بيعتان في بيعة التي نهى عنها الرسول ﷺ.أما الثلاثية فهي ما يدخل فيه طرف ثالث بين المتعاقدين يسمى محللا للربا، يشتري السلعة منه آكل الربا ثم يبيعها المعطي للربا إلى أجل ثم يعيدها إلى صاحبها بنقص دراهم يستفيدها المحلل. وكل هذه المعاملات حرام بإجماع المسلمين ورغم ما نجد فيه اختلافا بين العلماء في بعض المسائل إلا أن الثابت عند رسول الله ﷺ والصحابة التابعين هو تحريم ذلك كله.

٤ـ النهي عن تلقي التجار في طريقهم إلى الأسواق:

فيرى ابن تيمية أن هذا الأمر من المنكرات التي نهى الرسول ﷺ عنها لما فيه من تغرير البائع الذي لا يعرف قيمة مبيعاته بسعر السوق فقد يبيعها بقيمة أقل غررا وغبنا، لذلك ثبت له الخيار بعد معرفته لسعر السوق بين أخذ الفرق بين ثمن البيع وثمن السوق أو الاكتفاء بثمن البيع الأول. وينطبق القول على كل من باع أو اشترى وكان لا يعرف السعر الحقيقي فيبيع بأقل الثمن أو يشتري بسعر أكبر فهذان جاهلان بالسعر، ولذلك نهى الرسول ﷺ أيضا أن يبيع حاضر لباد وقال: "دعوا الناس يرزق بعضهم بعضا".

٥ ـ منع الاحتكار:

فالاحتكار هو إخفاء ما يحتاج إليه الناس من السلع أو شرائها من السوق حتى يرتفع سعرها ويغلى ثمنها فلا يجد الناس بدا من ابتياعه ولو غلا ثمنه، ولهذا نهى النبي ﷺ عن هذا التصرف فقال: "لا يحتكر إلا خاطئ"، رواه مسلم في صحيحه ـ فالاحتكار ظلم للعباد لذلك يرى ابن تيمية أن على ولاة الأمور إكراه الباعة على بذل ما عندهم لمن يحتاج إليه بثمن المثل، وهذه وظيفة توكل إلى المحتسب، ومن طرق التدخل لمنع الاحتكار والحفاظ على المستوى العادي للأسعار تحدث ابن تيمية عن التسعير واعتبر أنه يكون على وجهين:

أولهما: ما فيه ظلم، وهو عندما يبيع الناس على الوجه المعروف من غير ظلم. وارتفع السعر إما لقلة الشيء أو لكثرة العباد، فهذا إلى الله وإلزام العباد بسعر معين إكراه لا يجوز.

ثانيهما: ما هو عدل جائز، وهو حالة احتكار السلع وبيعها بزيادة فهنا يجوز بل يجب إلزام الباعة بقيمة المثل.

المطلب الثالث: العقوبات الشرعية 

ويتعلق الامر هنا بمسألة تطبيق هذه العقوبات وتقديرها في حالة التعزير، لأن هذا أمر موكول للدولة، ويدخل في صميم اختصاصاتها، فالدولة ومن خلال جهاز القضاء هي التي تسهر على تطبيق العقوبات ضمانا للحقوق وإقامة العدل بين الناس، فإذا كان القاضي هو الذي ينزل الأحكام على المخالفين المستحقين لها، فولاة الأمور ونوابهم هم الذين يوفرون الشروط الضرورية لتنفيذ أحكام القضاء على القوي والضعيف والغني والفقير دون تمييز. لذلك يعتبر ابن تيمية أن تطبيق العقوبات الشرعية من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن الله ينزع بالسلطان ما لا ينزع بالقرآن. لذلك فدور ولاة الأمور إقامة هذه الحدود والحقوق دون تهاون أو تخاذل، وهنا يورد ابن تيمية في كتاب "السياسة الشرعية" قولا لعلي ابن طالب رضي الله عنه:"لابد للناس من إمارة برة كانت أو فاجرة فقيل: يا أمير المؤمنين هذه البرة فقد عرفناها، فما بال الفاجرة؟ فقال: تُقام بها الحدود وتأمن بها السبل ويجاهد بها العدو، ويقسم بها الفيء". وإلى جانب تطبيق العقوبات الشرعية، يخص ابن تيمية بالذكر نوعا من التعازير وهي التعازير المالية، إذ يعتبر التعزير بالعقوبات المادية أمراً مشروعا في مواضع مخصوصة في مذهب مالك في المشهور عنه ومذهب احمد في مواضع بلا نزاع ومواضع فيها نزاع عنه، وعند الشافعي وإن كان تنازع في تفصيل ذلك. فقد ذكر ابن تيمية عدة أمثلة تدل على ذلك من أفعال الرسول ﷺ وأفعال الصحابة. فالتعازير المالية مشروعة، لكن أمر إفرادها بالقول وفصلها عن العقوبات الشرعية " غير المالية" أمر نجد له تفسيرين عند ابن تيمية أولهما؛ أن كثيرا من الولاة يلجؤون إلى تعطيل الحدود الشرعية وتعويضها ببعض العقوبات المالية تخفيفا للعقوبة عليهم وهذا ما يفسد المسلمين كما يقول ابن تيمية "وكثير مما يوجد من فساد أمور الناس إنما هو تعطيل الحد بمال أو جاه". أما التفسير الثاني؛ فهو أهمية العقوبات المالية فيما ليس فيه حد مشروع، فهي تساهم في تقويم وإصلاح أمور الدين والعباد في كثير من الأمور، فالعقوبات المالية كما يقول ابن تيمية منها ما هو من باب إزالة المنكر حيث يقسم العقوبات المالية إلى أقسام ثلاثة؛ إتلاف وتغيير وتمليك الغير

المبحث الثاني: الدولة ومبدأ العدل عند ابن تيمية

إذا كان شيخ الإسلام ابن تيمية قد فصل في دور الدولة في إقامة العدل بين الرعية، وفي دور العقوبات الشرعية على الخصوص في تقويم اعوجاج المجتمع وتنقية من كل مظاهر الظلم، فيبدو أنه لا يكتفي ولا يقف عند هذا الحد، بل يذهب إلى حد اعتبار العدل مبدأ عاما يجب أن يعم الحياة الإنسانية وأن يكون المنظم للعلاقات الاجتماعية، لذلك نلمس أن العدل مبدأ ينتظم في جميع آراء بن تيمية.

المطلب الأول: مفهوم العدل عند ابن تيمية

وإذا كانت الأمور تفهم بضدها، فقد تحدث شيخ الإسلام عن مختلف مظاهر الظلم والقهر التي يتعرض لها الناس سواء من طرف الولاة أو فيما بينهم واعتبر ذلك من الأمور التي تسري في المجتمع فتفسده وتضله، فعارض الكلف السلطانية التي تأخذ من الرعية وكل ما يؤخذ منهم ما يزيد على الزكاة الواجبة أو الخراج الواجب، وما يؤخذ من البائعين على بيعهم، وتارة من المشترين أنفسهم، فكل هذه التصرفات يعتبرها ابن تيمية من الظلم الواقع على الرعية والذي يكون عادة بحجة الحاجة إلى تلك الأموال في الجهاد. وإن كانت هذه الأموال قد أخذت من ذويها بغير حق فقد رأى ابن تيمية أنه لا يجب أن يظلم المكرهون على ذلك شركاؤهم عند لزوم أدائهم بل يجب تحري العدل حتى في حالة وقوع الظلم، إذ لا يجوز أن يظلم بعضهم بعضا، فظلم الآخذ لا يبرر ظلم المأخوذ منه لأخيه، بل عليه التزام العدل في ما يؤخذ منهم سواء كان ذلك بحق أو بغير حق. وفي هذا يقول ابن تيمية: "أما المطالبون بها فهذه كلف تؤخذ منهم بسبب نقودهم وأموالهم، فليس لبعضهم أن يظلم بعضا في ذلك بل العدل الواجب لكل أحد على أحد في جميع الأحوال، والظلم لا يُباح منه شيء بحال حتى إن الله تعالى قد أوجب على المؤمنين أن يعدلوا على الكفار في قوله تعالى: ﴿كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ان لا تعدلوا. اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾. فالله تعالى يربط بلوغ مقام التقوى بالتزام العدل حتى مع الكفار رغم ما بينهم وبين المؤمنين من عداوة وبغضاء، وهذا ما يجعل ابن تيمية يرى أن الذي لا يستطيع أن يرفع الظلم على نفسه وإخوانه، فلا يجب عليه أن يمتنع عن أداء ما فرض عليه ولو ظلما إما لجاه أو رشوة لأن في ذلك مضاعفة الظلم على شركائه؛ حيث يظلمون بدفع قسطهم وقسط شريكهم الذي امتنع عن الدفع فيكون الظلم مكررا بخلاف ما إذا أخذ من كل واحد قسطه فإن النفوس ترضى بالعدل ولو في حالة الظلم، فإن كان الظلم الواقع على أصحاب الأموال سواء كانوا مضاربين أو أولياء اليتامى أو وكلاء وشركاء قد يدفع ظلما أكبر منه فإن ذلك يصبح واجبا لأن حفظ المال واجب وإن لم تكن الطريقة إلا بذلك فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب: وإذا أمكن أن نختصر قول ابن تيمية لقلنا: (تحروا العدل حتى في حالة الظلم) وتحقيق العدل في أضيق صوره قد يكون في شكلين:

أ ـ العدل الذي يؤدي إلى التساوي في الظلم.

ب ـ العدل الذي يدفع ضررا عظيما بوقوع ظلم أخف.

وقد استوحى شيخ الإسلام من حكاية لقمان أصناف الناس في باب الظلم الذي يكون بغير اختيار المظلوم فجعلهم ثلاثة أصناف: العادل والظالم والمحسن.

  • فالعادل: هو الذي ينتصر لنفسه بعد ظلمه وجزاؤه أنه ما عليه من سبيل لقوله تعالى: ﴿لمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل﴾ فلم يكن بذلك ممدوحا أو مذموما.
  • والظالم: وهو المقصود بقوله تعالى: ﴿إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير حق﴾ فهؤلاء عليهم السبيل للعقوبة والاقتصاص.
  • المحسن: وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور﴾، فالإحسان يكون بالصبر على ظلم واقع من جهة، والسماح للظالم من جهة أخرى، وهذا قليل ما يوجد في الناس لأنه من الأمور الصعبة.

وهذه الأصناف الثلاثة هي التي ذكرت في آخر سورة البقرة في أصناف الناس في المعاملات؛ فالمحسن هو المتصدق، والظالم هو المرابي، والعادل هو البائع وانطلاقا من حديث ﷺ؛ فمنهم من ينتصر لنفسه لا لربه وهو الذي فيه جهل وضعف دين، ومنهم من ينتقم لنفسه لا لربه وهم شر الأقسام، أما الكامل فهو الذي ينتصر لحق الله ويعفو عن حقه وهو خلق الرسول ﷺ.

ومن خلال هذه الأصناف يتبين أن المقام العالي في الإسلام ليس هو القصاص أو المطالبة بالحقوق، بل العفو والصفح وهو أعلى المقامات، وفي الأحاديث والآثار نجد الكثير مما يدل على استحباب العفو عند الظلم؛ يقول تعالى: ﴿خذ العفو وأمر بالمعروف وأعرض عن الجاهلين﴾، فهذه الآية فيها جماع الأخلاق الكريمة، فإذا كان الواجب هو إقامة العدل وذلك بإزالة الظلم فإن الأوجب منه والأسمى هو العفو عن الظالم لأن العدل يكون انتصارا للنفس والعفو يكون فيه انتصار النفس.

المطلب الثاني: العدل ومبدأ قيام الدول: قانون البناء والاستمرارية

لم يكن تصور ابن تيمية لمبدأ العدل مقتصراً على فض النزاعات بين الناس ورد الحقوق لأصحابها والضرب على يد الظالم، بل ذهب إلى حد اعتباره إطارا عاما ينظم حركة الأمم والمجتمعات، فجعل منه قانونا اجتماعيا تُقاس به قوة الدول وقدرتها على الثبات، فبالعدل تبنى الحضارات وتدوم، وبالظلم تهدم الحضارات وتزول، لذلك فالدين وحده لا يكفي للبناء والاستمرار إذ لابد من العدل، لهذا يقول شيخ الإسلام: "ولهذا يروى: الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة ولو كانت مؤمنة"، ففي العدل ضمان الاستقرار لأن الحقوق تكون لأصحابها والعقوبة تنزل بالظالم، فيرضى المظلوم بإنصافه ويرتدع الظالم بزجره وفي هذا استقامة أمور الدنيا وإن كانت الآثام والمعاصي منتشرة لأن هذه الأمور مآلها إلى الله فيعذب أصحابها في الآخرة بما شاء، أما الظلم ففيه ضياع حقوق الناس فإذا اشتد انتفض الناس وثاروا وفي هذا زعزعة للاستقرار، كما أن دعوة المظلوم مستجابة عند الله في الدنيا قبل الآخرة؛ فالله ينزل سخطه وعقابه في الدنيا على الظالم خاصة إذا كان مؤمنا، فالعقوبة العاجلة فيها إنصاف للمظلوم وأخذ حقوقه وفيها مثوبة الظالم حيث قال: "وأمور الناس تستقيم في الدنيا مع العدل الذي فيه الاشتراك في أنواع الإثم أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق وإن لم تشترك في إثم، ولهذا قيل أن الله يقيم الدولة العادلة ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة، ويقال الدنيا تدوم مع العدل والكفر ولا تدوم مع الظلم والإسلام، وقال النبي ﷺ: ليس أسرع في الذنب عقوبة من البغي وقطيعة الرحم فالباغي يصرع في الدنيا وإن كان مغفورا له مرحوما في الآخرة وذلك أن العدل نظام كل شيء، فإن أقيم أمر الدنيا بعدل قامت وإن لم يكن لصاحبها في الآخرة من خلاف... ومتى لم تقم بعدل لم تقم وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يجزى به في الآخرة".

خلاصة القول:

لقد استطاع ابن تيمية أن يعطي وصفات دقيقة تعالج ما اعتل من أمور الناس في عصره، فوضع أسس وقواعد تهتدي بها الدول في تدبير أمورها وتسيير دفة حكمها، فاستطاع أن يحسم في نقاش لازال يدور إلى حد الآن وهو حدود تدخل الدولة في أمر الاقتصاد، فتمكن من تجلية دور الدولة كمحور أساسي في تدبير شؤون الاقتصاد، ولم يقف عند حدود تقديم آراء ونظريات بل قدم لوصفات كاملة تختزل دور كل الفاعلين في الدولة حكاما ومحكومين، والشروط اللازم توفرها في كل منهم لكي تستوي أمور الدنيا والدين، لذلك لم يكن اهتمام ابن تيمية بالدولة كمحور اقتصادي اهتماماً عاما، بل ناقش مختلف تفاصيل هذا الدور معرفا بمختلف وظائفها الأساسية المتعلقة بالمجال الاقتصادي، ومشيرا إلى المهام الموكلة إليها كجهاز للحفاظ على التوازن والعدالة. فالدولة عند ابن تيمية تتدخل في المجال الاقتصادي من خلال وظيفتين: أولهما، تدبير الشؤون المالية (جمع الأموال السلطانية، التوزيع، تنمية الموارد، تشجيع الإنتاج...) ثانيهما: الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي من خلال دور الحسبة وتطبيق العقوبات الشرعية، فالدولة إذن لها دور مزدوج وهو أكبر من أن يقوم به فرد أو جماعة، وهذا ما يبرز أهمية دور الدولة وتدخلاتها عند ابن تيمية، إلا أن الشرط الذي ينظم هذا الدور المزدوج هو مدى تحريها لمبدأ وقيمة العدل.

خطاطة: دور الدولة في المجال الاقتصادي عند ابن تيمية