العدد الحالي: يوليو 2017       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

التورق كما تجريه المصارف الإسلامية

د. عبد الباري مشعل

المدير العام شركة رقابة للاستشارات، المملكة المتحدة

التورق كما تجريه المصارف الإسلامية

الحلقة (٢)

المبحث الرابع
تقويم التورق المصرفي المنظم والتورق العكسي
1- مدى توفر ضوابط البيع والشراء:
إن الاعتراض على التورق من هذا الباب ليس عادلاً في نظر الباحث، لأن ذلك وارد في ظل غياب التورق، فما يوجد من اعتراضات على التعامل بالسلع والمعادن في السوق الدولية من حيث الحيازة والقبض وشبهة الصورية في ذلك فضلاً عن الاستثمار في الخارج هو أمر مستقل عن محل النزاع في التورق وإن كان التورق يزيد من حجم هذا التعامل المثير للإشكال.
2- ضوابط مقترحة من باحثين:
يرى أحد الباحثين  ما يأتي:  
القول بإباحة التورق هو الأرجح لكن لا بد من وضع ضوابط حتى لا يستغله بعض الناس لتراكم الدين والبيع بالخسائر من هذه الضوابط: إذا علم أن المشتري يريد التورق لأجل إشباع الرغبات وتراكم الديون فيكره عليه أو يحرم عليه أن يبيعه كما هو الحال في بيع السلاح لمن يستعمله في غير المباح.  أما إذا كان الرجل محتاجاً إلى النقد لأداء ديونه الحالة أو لأجل الزواج أو نحو ذلك ثم لا يجد طريقاً للاقتراض المشروع فهو بين أحد أمرين:
ـ إما الاقتراض من البنوك الربوية بربا صريح واضح.
ـ أو التورق عن طريق شراء بضاعة نسيئة ثم بيعها نقداً.
ويقول باحث آخر : "بالرغم من مشروعية التورق فإن الحكمة تقتضي قصر استخدامه على التمويل الشخصي للأفراد، كبديل للقروض الربوية الشخصية. أو استخدامه في الحالات التي يصعب فيها تمويل العملاء بصيغة إسلامية أخرى بسبب تعقد الإجراءات أو بسبب وجود أنظمة تمنع المصارف من الدخول في مجال معين. أما التورق في مجال تمويل الصفقات التجارية الكبيرة فلا أرى التوسع فيه لأنه يأتي بديلا لما هو أفضل منه من صيغ التمويل الإسلامية المتعارف عليها".
ويرى الباحث أن الضوابط قد تؤدي إلى صورة في مخيلة أصحاب المقترحات تكون جائزة،ـ لكن ذلك لا يغير من حقيقة التورق المصرفي التي تجريه المصارف الإسلامية، ولا حكمه الشرعي كما هو في الواقع. وهذا ما قررته المجامع الفقهية كما سيأتي.
3- قرار مجمع الفقه الإسلامي للرابطة في التورق المصرفي المنظم:
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي في دورته السابعة عشرة المنعقدة بمكة المكرمة، في الفترة من 19-23/101424هـ. الذي يوافقه 13-17/12/2003م قد نظر موضوع "التورق كما تجريه بعض المصارف في الوقت الحاضر". وبعد الاستماع إلى الأبحاث المقدمة حول الموضوع، والمناقشات التي دارت حوله، تبين للمجلس أن التورق الذي ترجيه بعض المصارف في الوقت الحاضر هو: قيام المصرف بعمل نمطي يتم فيه ترتيب بيع سلعة "ليست من الذهب أو الفضة" من أسواق السلع العالمية أو غيرها، على المستورق بثمن آجل، على أن يلتزم المصرف -إما بشرط في العقد أو بحكم العرف والعادة- بأن ينوب عنه في بيعها على مشتر آخر بثمن حاضر، وتسليم ثمنها للمستورق.
وبعد النظر والدراسة قرر مجلس المجمع ما يلي:
أولاً: عدم جواز التورق الذي سبق توصيفه في التمهيد للأمور الآتية:
1- أن التزام البائع في عقد التورق بالوكالة في بيع السلعة لمشتر آخر أو ترتيب من يشتريها يجعلها شبيهة بالعينة الممنوعة شرعاً سواء أكان الالتزام مشروطاً صراحة أم بحكم العرف والعادة المتبعة.
2- أن هذه المعاملة تؤدي في كثير من الحالات إلى الإخلال بشروط القبض الشرعي اللازم لصحة المعاملة.
3- أن واقع هذه المعاملة يقوم على منح تمويل نقدي بزيادة لما سمي بالمستورق فيها من المصرف في معاملات البيع والشراء التي تجري منه والتي هي صورية في معظم أحوالها. هدف البنك من إجرائها أن تعود عليه بزيادة على ما قدم من تمويل. وهذه المعاملة غير التورق الحقيقي المعروف عند الفقهاء، وقد سبق للمجمع في دورته الخامسة عشرة، أن قال بجوازه بمعاملات حقيقية وشروط محددة بينها قراره، وذلك لما بينهما من فروق عديدة فصلت القول فيها البحوث المقدمة.
فالتورق الحقيقي يقوم على شراء حقيقي لسلعة بثمن آجل تدخل في ملك المشتري ويقبضها قبضاً حقيقياً وتقع في ضمانه ثم يقوم ببيعها هو بثمن حال لحاجته إليه، قد يتمكن من الحصول عليه وقد لا يتمكن، والفرق بين الثمنين الآجل والحال لا يدخل في ملك المصرف الذي طرأ على المعاملة لغرض تبرير الحصول على زيادة لما قدم من تمويل لهذا الشخص بمعاملات صورية في معظم أحوالها، وهذا لا يتوافر في المعاملة المبينة التي تجريها بعض المصارف.
ثانياً: يوصي مجلس المجمع جميع المصارف بتجنب المعاملات المحرمة، امتثالاً لأمر الله تعالى، كما أن المجلس إذا يقدر جهود المصارف الإسلامية في إنقاذ الأمة من بلوى الربا، فإنه يوصي بأن تستخدم لذلك المعاملات الحقيقية المشروعة دون اللجوء إلى معاملات صورية تؤول إلى كونها تمويلاً محضاً بزيادة ترجع للممول.
4- قرار مجمع الفقه الإسلامي للرابطة في التورق العكسي: المنتج البديل عن الوديعة لأجل
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده؛ نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أما بعد:
فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي في دورته التاسعة عشرة المنعقدة بمكة المكرمة في الفترة من 22-26/شوال/1428هـ الذي يوافقه 3-7/ نوفمبر/2007م قد نظر في موضوع: (المنتج البديل عن الوديعة لأجل)، والذي تجريه بعض المصارف في الوقت الحاضر تحت أسماء عديدة، منها: المرابحة العكسية، والتورق العكسي أو مقلوب التورق، والاستثمار المباشر، والاستثمار بالمرابحة، ونحوها من الأسماء المحدثة أو التي يمكن إحداثها.
والصورة الشائعة لهذا المنتج تقوم على ما يلي:
1- توكيل العميل (المودع) المصرف في شراء سلعة محددة، وتسليم العميل للمصرف الثمن حاضرا.
2- ثم شراء المصرف للسلعة من العميل بثمن مؤجل، وبهامش ربح يجري الاتفاق عليه.
وبعد الاستماع إلى البحوث والمناقشات المستفيضة حول هذا الموضوع، قرر المجلس عدم جواز هذه المعاملة؛ لما يلي:
1- إن هذه المعاملة مماثلة لمسألة العينة المحرمة شرعا، من جهة كون السلعة المبيعة ليست مقصودة لذاتها، فتأخذ حكمها، خصوصا أن المصرف يلتزم للعميل بشراء هذه السلعة منه.
2- إن هذه المعاملة تدخل في مفهوم" التورق المنظم" وقد سبق للمجمع أن قرر تحريم التورق المنظم بقراره الثاني في دورته السابعة عشرة، وما علل به منع التورق المصرفي من علل يوجد في هذه المعاملة.
3- إن هذه المعاملة تنافي الهدف من التمويل الإسلامي، القائم على ربط التمويل بالنشاط الحقيقي، بما يعزز النمو والرخاء الاقتصادي.
والمجلس إذ يقدر جهود المصارف الإسلامية في رفع بلوى الربا عن الأمة الإسلامية، ويؤكد على أهمية التطبيق الصحيح للمعاملات المشروعة والابتعاد عن المعاملات المشبوهة أو الصورية التي تؤدي إلى الربا المحرم فإنه يوصي يما يلي:
1- أن تحرص المصارف والمؤسسات المالية على تجنب الربا بكافة صوره وأشكاله؛ امتثالا لقوله سبحانه "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِن كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ" [البقرة:278].
2- تأكيد دور المجامع الفقهية، والهيئات العلمية المستقلة، في ترشيد وتوجيه مسيرة المصارف الإسلامية؛ لتحقيق مقاصد وأهداف الاقتصاد الإسلامي.
3- إيجاد هيئة عليا في البنك المركزي في كل دولة إسلامية، مستقلة عن المصارف التجارية، تتكون من العلماء الشرعيين والخبراء الماليين؛ لتكون مرجعا للمصارف الإسلامية، والتأكد من أعمالها وفق الشريعة الإسلامية.
5- قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي رقم 179 (5/19) في التورق المصرفي المنظم: التورق: حقيقته، أنواعه (الفقهي المعروف والمصرفي المنظم)
إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي المنعقد في دورته التاسعة عشرة في إمارة الشارقة (دولة الإمارات العربية المتحدة) من 1 إلى 5 جمادى الأولى 1430هـ، الموافق 26 – 30 نيسان (إبريل) 2009م،
بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع التورق: حقيقته، أنواعه (الفقهي المعروف والمصرفي المنظم)، وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله.
وبعد الاطلاع على قرارات المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة بهذا الخصوص، قرر ما يلي:
أولاً: أنواع التورق وأحكامها:
1- التورق في اصطلاح الفقهاء: هو شراء شخص (المستورق) سلعة بثمن مؤجل من أجل أن يبيعها نقداً بثمن أقل غالباً إلى غير من اشتُريت منه بقصد الحصول على النقد. وهذا التورق جائز شرعاً، شرط أن يكون مستوفياً لشروط البيع المقررة شرعاً.
2- التورق المنظم في الاصطلاح المعاصر: هو شراء المستورق سلعة من الأسواق المحلية أو الدولية أو ما شابهها بثمن مؤجل يتولى البائع (المموّل) ترتيب بيعها، إما بنفسه أو بتوكيل غيره أو بتواطؤ المستورق مع البائع على ذلك، وذلك بثمن حال أقل غالباً.
3- التورق العكسي: هو صورة التورق المنظم نفسها مع كون المستورق هو المؤسسة، والممول هو العميل.
ثانياً: لا يجوز التورقان (المنظم و العكسي) وذلك لأن فيهما تواطؤاً بين الممول والمستورق، صراحة أو ضمناً أو عرفاً، تحايلاً لتحصيل النقد الحاضر بأكثر منه في الذمة وهو ربا.
ويوصي بما يلي :
(أ) التأكيد على المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية باستخدام صيغ الاستثمار والتمويل المشروعة في جميع أعمالها، وتجنب الصيغ المحرمة والمشبوهة التزاماً بالضوابط الشرعية بما يحقق مقاصد الشريعة الغراء، ويجلي فضيلة الاقتصاد الإسلامي للعالم الذي يعاني من التقلبات والكوارث الاقتصادية المرة تلو الأخرى.
(ب) تشجيع القرض الحسن لتجنيب المحتاجين للجوء للتورق. وإنشاء المؤسسات المالية الإسلامية صناديق للقرض الحسن.
6- المعيار الشرعي رقم 30 الصادر عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية فيما يتعلق بالتورق المنظم والتورق العكسي (طبقاً لنص المعيار): (الفقرة 4) ضوابط صحة عملية التورق
4/1 استيفاء المتطلبات الشرعية لعقد شراء السلعة بالثمن الآجل، مساومة أو مرابحة ويراعى المعيار الشرعي رقم (8) بشأن المرابحة والمرابحة للآمر بالشراء، ويجب التأكد من وجود السلعة، وتملك البائع لها قبل بيعها، وفي حال وجود وعد ملزم فإنه يجب أن يكون من طرف واحد، وألا يكون المبيع من الذهب أو الفضة أو العملات بأنواعها.
4/2 وجوب تعيين السلعة تعييناً يميزها عن موجودات البائع الأخرى، وذلك إما بحيازتها أو بيان أرقام وثائق تعيينها مثل أرقام شهادات تخزينها. وينظر المعيار الشرعي رقم (20) بشأن بيوع السلع في الأسواق المنظمة البند 4/2/2.
4/3 إذا لم تكن السلعة حاضرة عند العقد فإنه يجب تزويد العميل ببيانات السلعة بالوصف أو الأنموذج، وكميتها ومكان وجودها، ليكون شراؤه للسلعة حقيقياً وليس صورياً، ويفضل أن تتم العملية بالسلع المحلية.
4/4 قبض السلعة إما حقيقة وإما حكماً بالتمكن فعلاً من القبض الحقيقي، وانتفاء أي قيد أو إجراء  يحول دون قبضها.
4/5 وجوب أن يكون بيع السلعة (محل التورق) إلى غير البائع الذي اشتريت منه بالأجل (طرف ثالث)، لتجنب العينة المحرمة، وألا ترجع إلى البائع بشرط أو مواطأة أو عرف.
4/6 عدم الربط بين عقد شراء السلعة بالأجل وعقد بيعها بثمن حالّ، بطريقة تسلب العميل حقه في قبض السلعة. سواء أكان الربط بالنص في المستندات، أم بالعرف، أم بتصميم الإجراءات.
4/7 عدم توكيل العميل للمؤسسة أو وكيلها في بيع السلعة التي اشتراها منها وعدم توكل المؤسسة عن العميل في بيعها، على أنه إذا كان النظام لا يسمح للعميل ببيع السلعة بنفسه إلا بواسطة المؤسسة نفسها فلا مانع من التوكيل للمؤسسة على أن يكون في هذه الحالة بعد قبضه السلعة حقيقة أو حكماً.
4/8 ألا تجري المؤسسة للعميل توكيلاً لطرف آخر يبيع له السلعة التي اشتراها من تلك المؤسسة.
4/9 ألا يبيع العميل السلعة إلا بنفسه أو عن طريق وكيل غير المؤسسة مع مراعاة بقية البنود.
4/10 على المؤسسة تزويد العميل بالبيانات اللازمة لبيعه السلعة بنفسه أو عن طريق وكيل يختاره.
(الفقرة 5) الضوابط الخاصة بتورق المؤسسة لنفسها
5/1 التورق ليس صيغة من صيغ الاستثمار أو التمويل، وإنما أجيز للحاجة بشروطها، ولذا على المؤسسات ألا تقدم على التورق لتوفير السيولة لعملياتها بدلاً من بذل الجهد لتلقي الأموال عن طرق المضاربة أو الوكالة بالاستثمار أو إصدار الصكوك الاستثمارية أو الصناديق الاستثمارية وغيرها، وينبغي حصر استخدامها له لتفادي العجز أو النقص في السيولة لتلبية الحاجة وتجنب خسارة عملائها وتعثر عملياتها.
5/2 تجنب المؤسسات التوكيل عند بيع السلعة محل التورق ولو كان التوكيل لغير من باع إليها السلعة والقيام بذلك من خلال أجهزتها الذاتية، ولا مانع من الاستفادة من خدمات السماسرة.