العدد الحالي: شباط/فبراير 2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

اقتصاد الظل الرقمي - تقفي الأثر الألكتروني -

د. سامر مظهر قنطقجي

رئيس التحرير

 if a product is free, it means that you are the product

 

إذا كان المُنتَج مجاناً؛ فاعلم أنك المُنتَج نفسه

 

الاقتصاد الموازي أو اقتصاد الظل هو اقتصاد لم تُدرج بياناته ضمن الإحصائيات الرسمية، ولم تنعكس آثارها في حسابات الناتج المحلي، لأنه اقتصاد يقع خارج نطاق مظلة الحكومة.

قد يبلغ حجم الاقتصاد غير الرسمي أو الإقتصاد الموازي أكثر من ٣٠٪ من الناتج المحلي الإجمالي كما في جنوب شرق أوروبا، وأكثر من ٤٠٪ في بلدان رابطة الدول المستقلة، وأكثر من ٦٠٪ في جورجيا. وأكثر من ٧٥٪ كما هو حال مصر حيث بلغ الاقتصاد غير الرسمي ٢.٢٠ ترليون جنيه مقابل ٢.٨٠ تريليون حجم الناتج المحلي. 

ولا يعني ذلك أن اقتصاد الظل هو اقتصاد مشين أو غير جائز أو غير صحيح؛ فقد يكون القصور سببه تقصير الحكومات، أو شدة تسلطها بقوانين جائرة كالضرائب أو بزيادة إجراءات التراخيص مما يؤدي بالناس للإحجام عن الانخراط في الاقتصاد الحقيقي؛ وقد يكون ذلك سببه إهمال العاملين فيه - عن قصد أو غير قصد -، وذلك بعدم اهتمامهم بالقطاع الرسمي، مع أن منتجاتهم وخدماتهم في النهاية قد تدخل ضمن الاقتصاد الرسمي.

عرفت الشعوب هذا النوع من الاقتصاد قبل أن تعرف الاقتصاد الرسمي، وقد أدرجت الدول إحصائياتها الرسمية في القرن الماضي بغية احتساب مقدار ناتجها المحلي ودخلها القومي.

يشمل اقتصاد الظل أولئك العاملون في مجال تقنية المعلومات من مبرمجين ومهندسي نظم وما شابهه؛ الذين يعملون عن بعد من خلال الانترنيت كالـ Free Lance أو الذين يقدمون خدماتهم واستشاراتهم، أو يستثمرون في مواقع في مختلف أنحاء العالم، أو في تطبيقات Applications لا يمكن أن تكون إلا في مخازن Apple أو Google، أو كبرامج تباع دون أن يكون لها أثر في الاقتصاد المحلي. 

ومع سيادة اقتصاد المعرفة الذي يمثله الاقتصاد الرقمي في النصف الثاني من القرن الماضي ازدادت أهمية البيانات وعلا شأنها خاصة عندما صارت معلومات، ويقصد بالبيانات؛ البيانات الخام، أي قبل إجراء أية معالجة عليها، وبإضفاء المعالجة - يدوية كانت أم آلية -؛ فتغدو معلومات ذات قيمة أكبر من البيانات.

ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي والإيميل وما شابهها من خدمات رقمية، كان لابد للشركات المقدمة للخدمات من ضبط عملياتها بالتعرف على عملائها؛ بالطلب منهم تقديم بيانات عنهم، ثم توسعت عمليات الجمع وتقاطعاتها لتشمل كل شيء عن أولئك العملاء. ثم توسعت شريحة الاستهداف ليغدو جميع الناس عملاء مستهدفين بغض النظر عن ماهياتهم.

لقد ازدادت عمليات سرقة البيانات بشكل كبير، وتبلورت جلية مؤخراً إثر:

  1. فضائح ويكيليكس حيث تم تسريب وثائق ضخمة من مواقع حكومية ونشرها للعلن. 
  2. فضائح فيسبوك وشركائها في انتخابات الرئاسة الأمريكية الأخيرة، وتم توجيه اللوم لدول بذاتها؛

فصرنا أمام جيوش إلكترونية تتبع الدول تلاحق الناس من مواطني تلك الدول ومن غيرهم من الشخصيات العالمية بكل أصنافهم وتخزن بياناتهم - وهذا عمل ليس بجديد بل الجديد تغيّر أدواته -. وقد تواطأت دول وشركات، في بيع وشراء بيانات الناس، وتم ذلك أحياناً مقابل غض البصر عن بعض السلوكيات لتبادل المصالح، أما الخاسر الأكبر فهي خصوصية الناس.

فلماذا تنبه الناس إلى قضية البيانات وركزوا على سماسرتها؟

إن سنن الله في الأرض تبدأ بسنة التدافع بين الصحيح وما خالفه، وصولا إلى سنة التمييز، التي عادة ما تحط رحالها في سنة بقاء الأصلح وزوال الفاسد منها؛ كقيام شركات كشركة آبل، ومقاطعات كبعض الولايات في الولايات المتحدة الأمريكية، وكدول ككندا، وتجمعات دولية كالاتحاد الأوربي، بالوقوف في وجه المعتدين على حقوق الناس والمستهترين بها لينشأ تيار معاكس لهم سواء بدافع المصلحة أو الشهرة أو بدوافع إنسانية.

لقد صار للبيانات أسواق تُباع فيها وتُشترى، وصار في تلك الأسواق سماسرة تتوسط أعمال بيع وشراء البيانات، حيث تستخدم شكل خوارزميات تزود الشركات من خلالها بتفاصيل عن المستهلكين؛ فتحدد آليات التأثير في أفعالهم والتنبؤ بها، ونماذج الميل والاستعداد عندهم، وقياس الاتجاه العام، فبيانات أي شخص بمعزل عن الأخرى ليست ذات قيمة كبيرة، كما لو كانت البيانات مجتمعة.

ويمكن التمييز بين نوعين من السلوك في هذا الاتجاه فإن: 

  • كانت عمليات جمع البيانات المتاجر بها تمت دون موافقة أصحابها فهي أشبه بالبضائع المسروقة التي تباع في الأسواق السوداء وهذه عمليات تنتمي للاقتصاد الأسود كما هو حال المخدرات والمسروقات والمراهنات والمحرمات عموماً. 
  • كانت قد تمت بموافقتهم؛ إنما تباع وتشترى خارج إطار الإحصاءات الحكومية فهي تتم في أسواق الظل وتنتمي لاقتصاد الظل.

للذك فإن وصف (تيم كوك) الرئيس التنفيذي لشركة آبل بأن ذلك من اقتصاد الظل غير دقيق؛ فقد يكون أيضاً من الاقتصاد الأسود، وقد أوضح (تيم) بعض طرق بيع البيانات وأكثرها انتشاراً بقوله: إذا اشتريت منتجاً من بائع تجزئة عبر الإنترنت، فما لا يخبرك به بائع التجزئة قيامه ببيع أو نقل المعلومات حول مشترياتك إلى سمسار البيانات، وهي شركة موجودة فقط لجمع معلوماتك وبيعها إلى مشترٍ آخر. ويختفي أثر ذلك قبل أن تعرف أن هناك أثراً. وهذا سلوك يحتاج دراسة وتمحيصاً لأن فيه تجسس وتصرف بملكية الغير دون إذن منه.

وهناك طرق تتبعها بعض الشركات، مثال ذلك إذا أراد مشترك الانسحاب من Oracle's Datalogix، التي تزود فيسبوك بحوالي ٣٥٠ نوعاً من البيانات، يطلب منه إرسال طلب مكتوب، مرفقاً بنسخة من أوراق هويته الحكومية في البريد العادي لمدير الخصوصية في أوراكل، وبذلك تكون هذه البيانات متاحة لاستخدام طرف ثالث.

ويجب أن لا نتجاهل ما يفعله الهاكرز أفراداً وشركات سواء بدوافع تخصهم أو بدوافع من قبل بعض الحكومات في جمع المعلومات بطريقة غير شرعية ولأهداف غير سليمة.

سماسرة البيانات:

سماسرة البيانات هم متقفو الأثر الإلكتروني، تتشابه طبيعة عملهم مع السماسرة المعتادين الذين يتقاضون مالاً مقابل اتمام بعض الصفقات. رأسمالهم البيانات التي تحتاجها الشركات التجارية الباحثة عن المستهلك المناسب لمنتجاتها؛ فيوفرون لها المعلومات الشخصية عن المستخدمين أكثر مما يعرفها المستخدم عن نفسه؛ فالسماسرة يتتبعون مسار ظل المستخدمين، ويتحرون آثارهم الرقمية التي يخلفونها على الشبكة، جامعين بيانات ضخمة للمستخدمين حول العالم. 

وتقسم البيانات إلى: معلومات شخصية للمستخدمين، وتفضيلاتهم التي تجمع عن طريق «كوكيز المتصفح» أو بتتبع تاريخ التصفح على مختلف المواقع. ثم تخزن البيانات على خوادم ضخمة تضم تاريخ كل فرد على الانترنت.

مخاطر سماسرة البيانات:

يكمن الخطر في:

  • أن هناك أشخاصاً يعلمون كل شيء عنك ويمكنهم توجيه تفضيلاتك بإظهارها على صفحتك على هيئة إعلانات، أو كمحتوى سواء من أصدقائك أو من الصفحات العامة التي تتابعها. 
  • تنميط البشر ودفعهم للاهتمام بالأشياء نفسها وتحويلهم إلى شرائح محددة من المستهلكين يمكن دفعهم لاستهلاك ما تريده الشركات العملاقة، سواء كان الاستهلاك مادياً، أو ثقافياً، أو سياسياً.

والطريقة الأسهل للسيطرة على مجموعات من البشر، هي في تحويلهم إلى شرائح محددة يمكن توقع ردود أفعالهم. تلك الشرائح التي يمكن أن نراها بشكل واضح على الشبكات الاجتماعية تنقسم بين من يجاري التيار العام والمعارض للتيار العام، والمعارض للاثنين والساخر من الجميع، والمراقبين من بعيد.

وبحسب هذا التقسيم، تصبح عملية توقع ردود الأفعال بسيطة ويمكن حسابها بدقة. كما تصبح عمليات البيع والشراء، وتدوير البشر في آلات الاستهلاك، وحساب المخاطر والاحتمالات، أسهل بكثير على الشركات.

حجم اقتصاد الظل الرقمي:

يكسب سماسرة البيانات المليارات من بيع تفاصيل حياة الناس؛ فقد زادت هجرة أموال الإعلانات من التلفزيون إلى العالم الرقمي بشكل كبير، ويعود الفضل في ذلك إلى عمل سماسرة البيانات. وتوقعت وكالة (زينيث) للتسويق الإعلامي بأن يصل حجم الإنفاق الإعلاني على الهواتف الذكية إلى ١٣٤ مليار دولار عام ٢٠١٨، بعد أن هرعت العلامات التجارية إلى شبكات فيسبوك وسناب شات وغوغل.

وقد وثّق تقرير صدر عام ٢٠١٤ عن لجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية كميات المعلومات التي يملكها بعض سماسرة البيانات عن كل مواطن أمريكي، فوجد أن قاعدة بيانات أحد سماسرة البيانات فيها معلومات عن ١.٤ مليار معاملة استهلاكية وأكثر من ٧٠٠ مليار عنصر بيانات مجمعة، بينما غطت قاعدة بيانات وسيط بيانات آخر تريليون دولار من معاملات المستهلكين، ويضيف سمسار آخر لقواعد بياناته ٣ مليارات سجل جديد كل شهر.

وتمتلك شركة السمسرة Acxiom محتوى يصل حجمه لـ ١٠٪ من مستخدمي الانترنت حول العالم، وتتحكم شركة «ديجتال لوجيكس» بحجوم مشابهة، وهي تقدم خدماتها لشركات كـ (بيبسي وفورد وغوغل وفيسبوك).

- فيسبوك كمثال -

وقعت إدارة فيسبوك عام ٢٠١٣ اتفاقية مع عدد من شركات سماسرة البيانات Datalogix, Epsilon, Acxiom, BlueKai تسمح لهم بالوصول إلى صفحات مستخدمي فيسبوك ونشر إعلاناتهم عليها مباشرة. واعتبرت إدارة فيسبوك هذه الخطوة ضرورية لتحسين ورفع جودة الخدمة التي يتلقاها المستخدم. وبذلك يتحكم سماسرة البيانات في المحتوى الإعلاني الذي يشاهده المستخدم على صفحته الخاصة بعد أن كان دورهم محصوراً في جمع البيانات. 

يستخدم فيسبوك وأخواته نشاط ٢.٧ مليار شخص - وهذا عدد مستخدمي التطبيقات التابع للشركة - وجميع معلوماتهم الشخصية، بما في ذلك صورهم، ومحادثاتهم، ودائرة معارفهم القريبة والبعيدة. 

وبتطور مجال الذكاء الاصطناعي صارت عمليات جمع المعلومات وتحليلها أسهل، وكما تطور نظام اتخاذ القرارات بشأنها؛ مما يجعل من تلك المعلومات عند اندماجها مع تقنيات الذكاء الاصطناعي أمراً مخيفاً بسبب قدرته التأثيرية اقتصادياً وسياسياً في يد شركات التواصل الاجتماعي، وقد يجعلها أحياناً أقوى من الحكومات ذاتها. 

يوضح الشكل التالي عائدات فيسبوك السنوية السنوية من ٢٠٠٧-٢٠١٧. وقد انتهى عام ٢٠١٨ بزيادة أرباح قدرها ٣٠٪ عن عام ٢٠١٧ رغم ما تعرضت له من فضائح. 

المصدر: موقع Statista، الرابط.

حلول ومقترحات:

١- خضع كبار سماسرة البيانات، كشركات Axciom و Experian و Oracle و Criteo، إلى التدقيق في أوروبا، وذلك بعد أن قامت مجموعة Privacy International للخصوصية بتقديم سلسلة من الشكاوى في شهر نوفمبر الماضي طالبة من المنظمين التحقيق فيما إذا كانت تلك الشركات قد أوقفت عملها الأساسي بعد تطبيق قانون اللائحة العامة لحماية البيانات الأوروبية GDPR. ويطال القانون الشركات التي لديها عملاء ومستخدمين في الاتحاد الأوروبي بغض النظر عن مقر الشركة. 

وبموجب القانون الجديد سيحق للأفراد ما يلي:

    • الحق في الوصول: يحق للأفراد طلب الوصول إلى بياناتهم الشخصية، والسؤال عن كيفية استخدام بياناتهم من الشركة بعد جمعها. ويجب على الشركة تقديم نسخة من البيانات الشخصية مجاناً بصيغة الكترونية إذا طلب ذلك.
    • الحق في النسيان: يحق للأفراد طلب حذف أو وقف استخدام بياناتهم في أي وقت. وقد تلقت غوغل حوالي ٦٥٠ ألف طلب حذف بيانات شخصية، ومنعها من الظهور على محركات البحث من متضررين من هذا الأمر. 
    • الحق في إمكانية نقل البيانات: يحق للأفراد نقل بياناتهم من مزود خدمة إلى آخر. ويجب أن يحدث ذلك في صيغة مستخدمة بشكل شائع قابل للقراءة.
    • الحق في المعرفة: ويشمل جمع البيانات من الشركات، وإبلاغ الأفراد قبل جمع ما يخصهم من بيانات. ولابد من موافقة المستهلك بذلك الجمع بحرية وليس بأسلوب ضمني؛ كأن لا يُسمح للمستخدم بالحصول على خدمة الموقع دون موافقته دون أية خيارات إضافية.
    • الحق في تصحيح المعلومات وتغييرها: ويضمن إمكانية تحديث الأفراد لبياناتهم سواء كانت قديمة أو غير كاملة أو غير صحيحة. 
    • الحق في وقف الاستخدام أو منعه: يمكن للأفراد طلب عدم استخدام بياناتهم للمعالجة، فيمكن تخزينه فقط دون استخدام. 
    • الحق في الاعتراض: يتضمن حق الأفراد في وقف معالجة بياناتهم واستخدامها للتسويق المباشر دون أية استثناءات، وتتوقف أي معالجة أو استخدام بمجرد طلب ذلك، ويجب توضيح هذا الحق للأفراد في بداية أي طلب اتصال. 
    • للأفراد الحق في معرفة أي اختراقات تضر بالبيانات الشخصية للفرد: وذلك بإبلاغه خلال ٧٢ ساعة من علمه بالانتهاك.

أما العقوبات فصارمة على الشركات والمؤسسات التي لا تلتزم بالقانون؛ لأن الغرامات تصل إلى ٤٪ من الدخل السنوي للشركة، أو ٢٠ مليون يورو. فشركة غوغل التي يصل دخلها السنوي إلى نحو ١٠٠ مليار دولار، يمكن أن تضطر إلى دفع غرامة ٤ مليارات دولار، في حالة المخالفة الصارخة للقانون. وفعلاً فرضت هيئة حماية البيانات الفرنسية في ٢٢-١-٢٠١٩ غرامة قدرها ٥٧ مليون دولار أمريكي على شركة غوغل لخرقها قواعد الخصوصية الخاصة بالاتحاد الأوروبي على الإنترنت، وهي أكبر عقوبة تفرض على عملاق التقنية الأمريكي. أما السبب فكان افتفار أكبر محرك بحث في العالم إلى الشفافية والوضوح في الطريقة التي يطلع بها المستخدمون على تعاملها مع البيانات الشخصية، إضافة لفشلها في الحصول على موافقتهم بشكل صحيح على الإعلانات المخصصة. 

وبالمقابل ألزمت ولاية فيرمونت الأميركية شركات المتاجرة بالبيانات للتسجيل رسمياً لديها، والالتزام بمعايير حماية الخصوصية والبيانات. وذكر نائبها العام أنه ستكون هناك رسوماً محددة على طلب البيانات، بهدف حمايتها والحفاظ عليها؛ حيث سينظم القانون عمل شركات البيانات في أربعة محاور أساسية: 

  1. توحيد وتخفيض الرسوم التي تدفع عند الاستعلام عن المستهلك، 
  2. حماية المستهلك من الاحتيال، 
  3. التأكد من وجود أنظمة حماية للبيانات، 
  4. ضمان الالتزام بالشفافية للمستهلك عند التعامل مع الشركات المختلفة.

٢- أوضح (تيم كوك)، أن هذه المشكلة قابلة للحل، وأنها ليست معضلة كبيرة جداً أو صعبة للغاية؛ فدعا الكونغرس الأمريكي لسن تشريعاً شاملاً للخصوصية ينهي اقتصاد الظل لسماسرة البيانات، وقال: إن أحد أكبر التحديات في حماية الخصوصية كون الانتهاكات غير مرئية.

وبرأيه فالقوانين لوحدها غير كافية لضمان أن الأفراد يمكنهم الاستفادة من حقوق الخصوصية الخاصة بهم. حيث لابد من إعطائهم أدوات تمكنهم من اتخاذ إجراء، كما ينبغي تسليط الضوء على الجهات التي تتاجر بالبيانات وراء الكواليس؛ فللابتكار والأفكار والميزات الرائعة قدرات تأثيرية تسير جنباً إلى جنب مع خصوصية المستخدم.

٣- تنوي الحكومة اليابانية أن تصبح مخترقاً أبيضاً، والمخترق الأبيض هو من يمارس ما يعرف بالقرصنة الأخلاقية. 

يهدف المعهد الوطني للمعلومات وتقنية الاتصالات في اليابان لتعزيز أمن الدولة الإلكتروني، وتحقيقًا لتلك الغاية، سيبدأ المعهد ابتداء من شهر فبراير ببذل شتى الجهود لاختراق أجهزة الموطنين المتصلة بالإنترنت؛ يشمل ذلك: كاميرات الويب والراوترات وأي أجهزة متصلة بإنترنت الأشياء، وسيستمر على هذا المنوال لمدة أقصاها خمسة أعوام، حسب ما قالته هيئة الإذاعة اليابانية، وسيُخطر المعهد المستخدمين الذين اُخترقت أجهزتهم بنجاح، ويُبلغهم بالحاجة إلى تعزيز أمنهم الرقمي، وصرح أحد باحثي المعهد (دايسوكي إينو) لهيئة الإذاعة اليابانية: أن المعهد سيحمي كافة البيانات التي يجمعها، وتشمل البيانات معلومات خاصة كالصور والفيديوات المأخوذة عبر كاميرات ويب المتصلة بإنترنت الأشياء. ولكن هل ستكون قواعد البيانات المجموعة في منأى عن الهاكرز المحترفين الذين لا يقف في وجههم عائق معين؟؛ لأنها ستكون صيداً ثميناً.

بعد عرض تحليلنا الاقتصادي، لابد من عرض رأينا الفني بصفتنا محلل نظم ومبرمج وممارس منذ عام ١٩٨٧: إن تقديم منتج على شكل Application فيه خدمات معينة، كخدمة الخرائط GPS مثلاً، الذي تستخدمه تطبيقات عديدة، كـ UBER، فإن جمع المعلومات من قبل شركة خدمة الخرائط أو أوبر عن عملاء الشركة هو عمل مفيد لها ولهم في الوقت نفسه؛ فهي تحسن منتجها وتطوره، كما تقدم لهم مقترحات ذكية يستفيدون منها. كذلك فإن قائمة مشتريات العميل من مركز شراء (مول) عبر التسوق الالكتروني، عملية مفيدة لإدارة المول لإدارة مشترياتها ومخازنها، ومفيدة للعميل باقتراح ما اعتاد شراؤه عادة مما يخفف عليه عبء البحث والتحديد، أو اقتراح العروض المشابهة لما يشتريه عادة. لكن المعلومات التي جمعت وتراكمت هي التي يُعاد استخدامها بالبيع أو بتوجيه الإعلانات للمستفيدين منها. وهذا ما تحاول قوانين GDPR وغيرها ضبطه، إضافة  لتقنيات تمكن المستخدم من التحكم ببياناته، لكن ذلك لن يمنع الشركات من ابتكار خوارزميات تتجاوز كل ما سبق. فسباق الذكاء قائم لا يتوقف إلا عند من أراد الانسحاب منه.

حماة (حماها الله) في الخامس من جمادى الآخر ١٤٤٠ هـ الموافق الحادي عشر من شباط (فبراير) ٢٠١٩ م