العدد الحالي: آذار/مارس 2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

المحاسبون والسياسيون التأثيرات والمصالح المتبادلة: 
أدلة من الدول المتقدمة والنامية

حمادة السعيد المعصراوي

باحث دكتوراه في مجال المحاسبة والتمويل

مر العالم بالعديد من الأزمات المالية والاقتصادية، التي أدت إلى إنهيار العديد من المؤسسات والشركات العملاقة حول العالم، فمنذ الكساد العظيم في عام ١٩٢٩ مروراً بأزمة يوم الإثنيين الأسود في الولايات المتحدة الأمريكية في حقبة الثمانييات من القرن الماضي حتى الأزمة المالية لمجموعة النمور الأسيوية والتي بدأت من تايلاند في ١٩٩٧ وسرعان ما انتقلت إلى دول أخرى مثل إندونيسيا، وماليزيا، والفلبين، وهونج كونج، وما تبع ذلك من تأثر العالم كله، مروراً بالإنهيارات المالية للعديد من الشركات العالمية في بداية الألفية الثالثة وأبرزها إنهيار شركة إنرون للطاقة (Enron) والتي بلغ حجم خسائر المستثمرين بها ٧٠ بليون دولار، وقد بلغ نصيب الإستثمارات العربية من هذه الخسارة بليون دولار، وما تبعها من انهيارات لشركة المراجعة التابعة لآرثر أندرسون (Arther Anderson) إضافة لما حدث من إختلاسات وتلاعبات في شركات متعددة، وصولا إلى الأزمة المالية العالمية والتي حدثت في عام ٢٠٠٨، والتي بدأت كأزمة للرهن العقاري في الولايات المتحدة الأمريكية والتي سرعان ما انعكست أثارها السلبية على أسواق المال وإقتصاديات دول العالم المختلفة. 

السؤال المطروح أين كان مراجعو الحسابات قبل حدوث هذه الإنهيارات؟ وما الآراء التي أبدوها في تقارير المراجعة قبل إنهيار هذه الشركات؟ ولماذا لم يتحفظ المراجعون أو يبدوا آراء عكسية عن التقارير المالية لتلك الشركات؟ لماذا لم يحذر مراجعو الحسابات المستثمرين؟ فهل المحاسبة والمراجعة مستقلة عن العوامل السياسية والإقتصادية والقانونية حتى يمكن توجيه هذه الانتقادات لها؟ في الواقع إن العوامل السياسية تحوي بداخلها العوامل الاقتصادية والقانونية، فالذي يشرع القوانين هم السياسيون، وفي نفس الوقت الذي يختار طبيعة النشاط الاقتصادي هم السياسيون، وفي نفس الوقت فالذي اتخذ قرار في ١٦٦ دولة بتبنى المعايير الدولية لاعداد التقارير المالية IFRS بشكل كامل أو جزئي هم السياسيون، وبالتالي يرى الباحث أن العوامل السياسية من أهم العوامل المؤثرة على العمل المحاسبي، وقد لاحظ الباحث أن بعض المراجعين تحولوا إلى فئة كبار السياسين في دولهم مثل بيير بيتيجرو Pierre Pettigrew وزير خارجية كندا السابق والذي كان يعمل في شركة Deloitte للمحاسبة والمراجعة، وكيفن رود KEVIN RUDD رئيس وزراء أستراليا السابق والذي كان يعمل في شركة KPMG للمحاسبة والمراجعة، وإن كان هذا هو الحال في الدول التي بها حريات سياسية، ففي الدول الأخرى تلعب الشركات الحكومية التي يديرها قيادات معينة من السياسيين والأحزاب الحاكمة في تلك الدول دور كبير في الإقتصاد، ومن ثم فإن هذه القيادات تقوم بإعداد التقارير المالية، وفى نفس الوقت تختار مراجعي الحسابات لتلك الشركات في الغالب، وبالتالي تؤثر على جودة المعلومات المنشورة في التقارير المالية، وفى نفس الوقت فإن الحكومات في تلك الدول تتولى تنظيم مهنة المحاسبة وإصدار معايير المحاسبة والمراجعة، وبالتالي يمكن القول إن هناك علاقة متداخلة بين المحاسبين والسياسيين سيتم تناولها كما يلي:

• التأثيرات والمصالح المتبادلة بين المحاسبين والسياسيين عند إعداد معايير المحاسبة والمراجعة. 

• التأثيرات والمصالح المتبادلة بين المحاسبين والسياسيين عند ممارسات المحاسبة والمراجعة. 

أولا: التأثيرات والمصالح المتبادلة بين المحاسبين والسياسيين عند إعداد معايير المحاسبة والمراجعة

 إذا كانت المحاسبة علما اجتماعيا يتفاعل مع التغيرات والمستجدات التي تحدث في المجتمع فلابد أن تتطور مع التغيرات التي تحدث، ولما كانت نظرية المحاسبة تساهم في ترشيد التطبيق المهني للمحاسبة عن طريق إرساء المبادئ العلمية المتعلقة بتحديد أسس القياس، وعرض العمليات المالية، فتكون الخطوة التالية لترجمة هذه المبادئ إلى تطبيق عملي يتم عن طريق إصدار المعايير المحاسبية (يحيى أبو طالب، ٢٠٠٩). فعملية إعداد معايير المحاسبة عملية مركبة ومنظمة تساهم فيها أطراف وجهات عديدة، فهي عملية منظمة لأنه لا يُترك للشركات إعداد معاييرها المحاسبية الخاصة، بل إن شرط تحقيق المصلحة العامة يجعل منها عملية منظمة على مستوى الدولة. كما إنها عملية مركبة حيث تعتبر بمثابة قرار اجتماعي تساهم فيها، وتتأثر بها، جهات وأطراف عديدة بحيث تسفر عن معايير يمكن أن تحقق مصالح كافة الأطراف المعنية وعلى الأخص حماية المستثمرين في الأوراق المالية التي تصدرها الشركات (زكريا الصادق،١٩٨٩). ويجب عند إعداد المعايير المحاسبية مراعاة الظروف الاقتصادية، والسياسية، والقانونية، والبيئية المحيطة بالمجتمع. 

قامت العديد من الدول بتشكيل جهاز أو أجهزة لبناء المعايير المحاسبية كأداة لتنظيم السياسة المحاسبية في المجتمع وتساعد تلك المعايير في توفير نماذج للقياس والإفصاح تسترشد بها الشركات وغيرها من الوحدات المحاسبية الأخرى عند إعداد وعرض القوائم المالية، وعلى الرغم من أن قضية صناعة المعايير المحاسبية تشكل أهمية قصوى لأي مجتمع لما لها من آثار مباشرة على قرارات التخطيط والاستثمار والتمويل والرقابة على استخدام الموارد في الأنشطة الاقتصادية، ومع هذا فإن صناعة المعايير ليست عملية بسيطة وسهلة بحيث يمكن لكل دولة أن تصنع لنفسها مجموعة من المعايير تتصف بدرجة عالية من الجودة، فتحقيق ذلك يتوقف على حجم البنية الأساسية المحاسبية لدى الدولة وتتكون البنية الأساسية المحاسبية من مجموعة من المكونات الهامة (مدثر ابو الخير، محمد السهلى،٢٠٠٥، ص ٦٨-٦٩) هي:

١- وجود كيانات قوية ذات مصلحة في تنظيم المعايير كهيئات تداول الأوراق المالية، والبنوك وغيرها. 

٢- وجود تنظيم مستقل ومتكامل لتطوير وصناعة المعايير المحاسبية، يتضمن بصفة أساسية مجلس مستقل لاتخاذ القرار، مجلس استشاري متخصص لتقديم المشورة والدعم، مركز للبحوث والدراسات المحاسبية لتطوير المعايير، ومجلس لإصدار التفسيرات التطبيقية اللازمة.

٣- وجود ممارسة مهنية قوية متمثلة في المحاسبين ومكاتب المحاسبة.

٤- وجود مجتمع مهتم بالمحاسبة كالجامعات ومراكز البحث العلمي.

٥- وجود موارد مالية وبشرية كافية.

لذلك فالدول التي تتوافر فيها هذه المقومات كالولايات المتحدة الأمريكية؛ تقوم فيها المهنة بتنظيم نفسها، وتقوم بدور فعال في صياغة معايير المحاسبة والمراجعة، في حين أن الدول التي لا تتوافر فيها هذه المقومات تلعب مهنة المحاسبة دور محدود في صياغة واعداد معايير المحاسبة والمراجعة وعادة ما تقوم الحكومات في هذه الدول بإصدار معايير المحاسبة والمراجعة في صورة قرارات أو قوانين حكومية دفعة واحدة، وفى كلتا الحالتين يستطيع السياسيون التأثير في صناعة معايير المحاسبة والمراجعة. 

وقد حاولت دراسة (Benston&Hartgraves ,2002) تحليل ما حدث لشركة انرون والدروس المستفادة من الإنهيار المفاجئ لهذه الشركة، خلص الباحثان إلى أن من أهم الأسباب التي أدت إلى انهيار الشركة قيامها بالتوسع في إنشاء الوحدات ذات الهدف الخاص Special Purpose Entities وعلى الرغم من توصية لجنة تداول الأوراق المالية SEC منذ عام ١٩٩٠ لمجلس معايير المحاسبة المالية FASB إلى ضرورة دمج القوائم المالية للوحدات ذات الهدف الخاص في القوائم المالية للوحدات الاقتصادية المستفيدة منها، إلا أن المجلس تجاهل ذلك الطلب لذلك حملت الدراسة كل من مجلس معايير المحاسبة المالية FASB وهيئه تداول الأوراق المالية SEC والمعهد الأمريكي للمحاسبين القانونيين مسئولية ما حدث لشركة إنرون والشركات الأخرى بسبب عدم إصدار قواعد ومعايير ملزمة للاعتراف والإفصاح عن الالتزامات التي تنتج عن التمويل من خارج الميزانية، كما أشارت الدراسة إلى مجموعة من الأسباب الأخرى التي ساعدت على الانهيار منها المحاسبة عن القيمة العادلة وكذلك عدم وجود إفصاح كافي عن المعاملات مع الأطراف ذوى العلاقة. وفي نفس الاتجاه أوضحت دراسة (Hartgraves &Benston ,2002) أنه لم يرد أي إشارة محاسبية صريحة عن الوحدات ذات الهدف الخاص في الإصدارات المحاسبية الرسمية خلال ٢٠ عاما من ظهور وإنتشار الوحدات ذات الهدف الخاص؛ فمنذ الثمانينيات وخلال التسعينيات انتشرت الوحدات ذات الهدف الخاص بشكل كبير دون أن يصدر من مجالس معايير المحاسبة المختلفة أي توجيه واضح وصريح يذكر في هذا الشأن، وحاولت الدراسة مناقشة الإصدارات المحاسبية المختلفة التي ربما يكون لها صلة بالمعالجة المحاسبية الخاصة بالوحدات ذات الهدف الخاص مثل المعيار ١٢٥ الصادر عن مجلس معايير المحاسبة المالية الأمريكي عام ١٩٩٦ والذي عدل بالمعيار ١٤٠ الذي ركز على الدور الضيق للوحدات ذات الهدف الخاص دون المناقشة الجوهرية للمخاطر المترتبة على هذه الوحدات وخلصت الدراسة إلى أن الانهيار المفاجئ لشركة إنرون كان السبب الرئيسي في اهتمام جهات إصدار المعايير المختلفة بقضية المحاسبة عن الوحدات ذات الهدف الخاص. فقد أظهرت الدراستين مدى القصور والتباطؤ والذي ربما يرجع لضغوط خارجة عن إرادة جهات إصدار المعايير في أن تستمر ٢٠ عاماً من ظهور هذه الوحدات دون أن تستجيب بإصدار معايير محاسبية للافصاح عنها، وهذا يدفعنا إلى بحث هذه الضغوط لتلافيها في المستقبل لتكون إستجابة جهات إصدار المعايير في أسرع وقت ممكن.

إن المستثمرين خسروا مائة مليار دولار بسبب عمليات التدقيق الخاطئة أو المضللة أو الاحتيالية في السنوات الست التي سبقت إنهيار شركة إنرون، في خريف عام ٩٨٨، ألقى النائب ارثر ليفيت Arthur Levit رئيس لجنة الأوراق المالية والبورصة في عهد الرئيس كلينتون خطابا يهاجم "لعبة الأرقام"، وقال"المحاسبة يجري إفسادها" فقد كان هدف ما يسمى بشركات المحاسبة الخمسة الكبرى: برايس ووترهاوس كوبرز، ديلويت آند توش، إرنست ويونغ، كيه بي إم جي، وآرثر أندرسن.. كان إضعاف الرقابة الفيدرالية وعرقلة الإصلاح المقترح، والسيطرة على المنظمين الفيدراليين الذين وقفوا في طريقهم (mayer,2002). في عام ٢٠٠٠، كان النائب آرثر ليفيت Arthur Levitt وهيئة تداول الأوراق المالية SEC يدرسان إصلاحات كبيرة في نظام المراجعة والتدقيق في الولايات المتحدة الامريكية، الأمر الذي كان يتطلب تفكيك وظائف المراجعة والإستشارات المقدمة من قبل شركات المحاسبة والمراجعة، وفي ذلك الوقت أصبح النائب آرثر ليفيت هدفاً لما أسماه فيما بعد "“intensive and venal lobbying campaign”حملة ضغط مكثّفة ومُرهقة" (Lobaton, 2002) فقد أقنعت صناعة المحاسبة ٤٦ عضوًا في الكونجرس بالإتصال أو كتابة رسائل إلى ليفيت تتساءل عن القاعدة المقترحة، وجادل معظمهم بأن شركات المحاسبة كانت موضع ثقة، وفى نفس الوقت تلقى هؤلاء الأعضاء ملايين الدولارات من مساهماتهم في الحملة من شركات المحاسبة الخمسة الكبرى وقد ساهم الخمسة الكبار والمجمع الامريكي للمحاسبين القانونيين (AICPA) بأكثر من ٣٨ مليون دولار تبرعات في العملية السياسية بين عامي ١٩٨٩-٢٠٠١. في مواجهة هذا الضغط السياسي، تراجع النائب آرثر لفيت إلى حد كبير، وفي وقت لاحق استنتج النائب آرثر لفيت أن هذا أكبر خطأ ارتكبه بشأن لجنة تداول الأوراق المالية (Mayer,2002). 

وقد جاء في صحيفة الجارديان البريطانية أن إفلاس إنرون، وهو الأكبر في تاريخ الولايات المتحدة، مدمراً للغاية للطبقة السياسية الأمريكية وسط شك في أن تبرعات الشركة السياسية السخية أسفرت عن تفضيل خاص، وقال جون ماكين، عضو مجلس الشيوخ الجمهوري الذي كان متحمساً لإصلاح تمويل الحملات الانتخابية: "لا يوجد أي دليل على الإطلاق على أن إدارة بوش قامت بأي شكل من الأشكال بأي شيء غير لائق".لكن ماكين وليبرمان قالا: إن مساهمات إنرون الواسعة في الحملة إلى الرئيس الأمريكي جورج بوش، وكذلك أعضاء الكونغرس، أثارت أسئلة، وقال ماكين: "إننا جميعًا ملطّخون بالملايين والملايين من الدولارات التي ساهم بها التنفيذيون في إنرون، الأمر الذي يخلق شكلاً غير لائق".منذ عام ١٩٩٠، أسهمت إنرون وموظفوها بمبلغ ٥.٧٧ مليون دولار في الحملات السياسية، حوالي ثلاثة أرباعها للمرشحين الجمهوريين، تم إنفاق نصف الأموال في انتخابات عام ٢٠٠٠، حيث كان الرئيس بوش أحد المستفيدين الرئيسيين (Tran,2002). 

وفي أعقاب انهيار شركة إنرون، عبر باري ميلانكون رئيس المعهد الأمريكي للمحاسبين القانونيين المعتمدين عن خوفه من أولئك الذين يحاولون فرض حلول سياسية على مهنة المحاسبة، بأنهم سوف يبالغون في رد فعلهم، وقال ميلانكون: "نحن نعيش في نظام السوق الحرة"، والناس ليسوا معصومين عن الخطأ، ثم خرج الرئيس الأمريكي جورج بوش الأبن في مؤتمر صحفي ليعلن إقرار قانون Sarbanes–Oxley بالقول لقد أنتهت حقبة معايير المحاسبة منخفضة الجودة والأرباح الزائفة من قبل الشركات، وتلا ذلك نشر مجلس معايير المحاسبة الأمريكي (FASB ) مشروعاً لإمكانية تبنى مدخل المبادئ في إعداد معايير المحاسبة المالية الأمريكية بدلاً من مدخل القواعد بعدما تعرضت المعايير الأمريكية لإنتقادات شديدة. 

وعلي الرغم من إقرار قانون ساربينز - أوكسلي، وتناوله بعض المخاوف التي تمت مناقشتها في عام ٢٠٠٠ فقد منعت المصالح المتبادلة بين المحاسبين والسياسيين إقرارها في ذلك الوقت.

وفي أعقاب أزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة الأمريكية اتهم المرشح الرئاسي الأمريكي جون ماكين معايير محاسبة القيمة العادلة بالتسبب في الازمة، تم عقد أكثر من قمة لقادة مجموعة الدول العشرين (واشنطن ٢٠٠٨، بتسبيرج ٢٠٠٩، تورنتو ٢٠١٠، سول ٢٠١٠، كان ٢٠١١) جددوا فيها دعمهم لمجموعة واحدة من معايير المحاسبة الدولية، واقتربت معايير المحاسبة المالية الدولية والأمريكية (IFRS F,2011)، وعلى سبيل المثال كانت هناك مجموعة من التوصيات في ختام اجتماع قمة مجموعة العشرين G20 المنعقدة عام ٢٠٠٨ في واشنطن ( فيلب دانجو، ٢٠١٣، ص ٢١) كما يلي: 

- يجب على هيئات معايير المحاسبة الرئيسية الموجودة بكافة أنحاء العالم العمل بشكل مكثف من أجل إيجاد مجموعة واحدة من معايير المحاسبة عالية الجودة تستخدم على نطاق العالم. 

- يجب على الجهات التنظيمية وجهات الإشراف، والجهات التي تتولى وضع معايير المحاسبة أن تعمل، حسب ما هو ملائم، مع بعضها البعض ومع القطاع الخاص على أساس مستمر للتأكد من التنفيذ والتطبيق المتسق مع المعايير المحاسبية عالية الجودة. 

- يجب على هيئات معايير المحاسبة الرئيسية على نطاق العالم أن تعمل على تعزيز الإرشادات الخاصة بتقييم الأوراق المالية، وأن تأخذ أيضاً في الاعتبار تقييم المنتجات المعقدة غير القابلة للتحول إلى نقد، خاصة في أوقات التوتر الاقتصادي. 

- يجب على الجهات التي تتولى وضع معايير المحاسبة إحداث تقدم كبير في عملها لمعالجة نقاط الضعف في مجال المحاسبة ومعايير الإفصاح الخاصة بالأدوات خارج الميزانية العمومية. 

- يجب على الجهات التنظيمية والجهات التي تتولى وضع معايير المحاسبة تعزيز الإفصاح المطلوب بشأن الأدوات المالية المعقدة من قبل الشركات للمشاركين في السوق.

 - ومن أجل تعزيز الاستقرار المالي ينبغي تقديم مزيد من الدعم لنظام حوكمة الجهة التي تتولى وضع معايير المحاسبة الدولية، ويشمل ذلك مراجعة عضويتها، سيما من أجل ضمان الشفافية، والمساءلة.

أما بالنسبة للدول الاوربية التي كان يسود فيها معايير مختلفة، فذلك تغير بقرار سياسي من البرلمان الأوربي حين أصدر قراراً رقم ١٦٠٦ في ١٩ يوليو ٢٠٠٢ بتطبيق معايير المحاسبة الدولية بالنسبة لكل سنة مالية تبدأ في الأول من يناير ٢٠٠٥ وما بعدها، حيث يجب على الشركات التي تخضع لقوانين دولة عضو في الاتحاد الأوربي أن تقوم بإعداد قوائمها الموحدة طبقا لمعايير المحاسبة الدولية " إذا كانت أسهمها في تاريخ القوائم المالية مقيدة في البورصة أو مقدمة للقيد في سوق رأس المال لدولة عضو في الاتحاد الأوربي ( the European Parliament,2002)، وتبنت ١٦٦ دولة حول العالم المعايير الدولية لإعداد التقارير المالية IFRS بقرارات سياسية في الغالب، ويرجع ذلك إلى أن العديد من الجهات الدولية مثل الأمم المتحدة ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي مدعومة من الشركات متعددة الجنسيات تقوم بالضغط على كثير من حكومات هذه البلدان، من أجل تبني المعايير الدولية لإعداد التقارير المالية لتحصل على المنح والقروض، وفى نفس الوقت فإن تبني مجموعة واحدة من معايير المحاسبة حول العالم يصب في مصلحة شركات المحاسبة والمراجعة الأربع الكبرى التي تسيطر وتقوم بمعظم خدمات المحاسبة والمراجعة لكثير من الشركات في غالبية الأسواق المالية حول العالم. 

ثانيا: التأثيرات والمصالح المتبادلة بين المحاسبين والسياسيين عند ممارسات المحاسبة والمراجعة

يمكن النظر للعلاقات والروابط السياسية للمديرين التنفيذيين وأعضاء مجلس الإدارة على أنها ذات قيمة مضافة للشركات، فهذه الروابط السياسية تعود بالعديد من الفوائد على الشركات منها تخفيض تكلفة رأس المال بشقيه المملوك والمقترض والحصول على عقود حكومية مربحة، وفى نفس الوقت سهولة حصول الشركة على التراخيص الخاصة بالعمل داخل الدولة أو الإستيراد من الخارج، إلا أن ذلك في المقابل يزيد من تكاليف الوكالة ويضر بمصالح حقوق الأقلية (mohammed et al.,2017)، ومن ثم تقوم العديد من الشركات في دول العالم المتقدمة والنامية على حد سواء بالعديد من الخطوات والإجراءات التي تمكنها من أن يكون لها روابط سياسية. على سبيل المثال في الدول المتقدمة تقوم الشركات بالتبرع للحملات الانتخابية للسياسيين، وفي نفس الوقت تقوم الشركات بتعيين السياسيين في مجالس إدارتها، في حين تتميز الدول الأقل ديمقراطية بإنتشار طبقة من النخبة من رجال الأعمال ذوى الروابط السياسية، وسيادة القانون الضعيفة، والفساد المستشري، والحماية الضعيفة للمستثمرين مما ينتج عنها تكاليف وكالة كبيرة وتقوم الشركات في هذه الدول التي يقودها رجال أعمال ذوي روابط سياسية بالاحزاب الحاكمة بالتبرع للحملات الإنتخابية للسياسيين أو التبرع للمشروعات الاقتصادية والاجتماعية ذات الصبغة السياسية، وفي نفس الوقت تقوم الشركات بتعيين السياسيين في مجالس إدارتها، ويكون السؤال المطروح: ما تأثير هذه الروابط السياسية للشركات على الممارسات المحاسبية؟

مما لا شك فيه أن الروابط السياسية تنعكس على جودة التقارير المالية المنشورة، فقد أكدت العديد من الدراسات أن الروابط السياسية للشركات ترتبط بشكل إيجابي بتشويه التقارير المالية المنشورة، وتقليص الشفافية المحاسبية، فالمستويات العالية من الشفافية قد تعرض فضائح سياسية وقانونية، فيستطيع المديرين ذوي الصلات والروابط السياسية استغلال موقعهم في نهب موارد الشركات أو سوء إستخدامها على الأقل، والتي تخفيها لاحقا عن طريق تشوية البيانات المنشورة، وذلك من أجل قمع المعلومات حول النتائج الاقتصادية السيئة الناتجة عن المحسوبية والفساد السياسي (Hu et al., 2017). 

 فقد وجدت دراسة (Piotroski& Bushman,2006) أن الأرباح تكون أقل تحفظا في الشركات العاملة في بلدان يكون للحكومات دور كبير في الاقتصاد، وكشفت دراسة (Habib et al., 2018) عن أن الأدلة التجريبية تقدم دليلاً قوياً على ضعف جودة التقارير المالية للشركات المرتبطة بالسياسين، مقارنة بالأقران غير المتصلين بهم، في حين وجدت دراسة (Cheng et al.,2015) أن الشركات ذات الروابط السياسية في الصين خلال الفترة من ٢٠٠٣ إلى ٢٠٠٩ لا تتطلب صرامة في المراقبة على معلوماتها، وبالتالي فمن المرجح أن تختار الشركات مراجعي الحسابات ليسوا من كبار شركات المحاسبة والمراجعة، مع العلم أن الدراسة قامت بقياس الروابط السياسية من خلال ثلاث مقاييس هي الملكية المباشرة للدولة، والمديرين التنفيذين ذوي الروابط السياسية، والملكية غير المباشرة للدولة. وكشفت دراسة (Khan et al.,2016) عن أن قيام شركات المحاسبة الأربع الكبرى بمراجعة الشركات ذات الروابط السياسية في بنجلاديش تحد من تكاليف الوكالة، وبالتالي يمكن القول أن شركات المحاسبة الأربع الكبرى يمكن ان تكون أداة رقابية هامة على الشركات ذات الروابط السياسية في الأسواق الناشئة، ومن ثم يجب على المراجعين زيادة جهود وأتعاب المراجعة للشركات ذات الروابط السياسية.

 وفي نفس الاتجاه وجدت دراسة (Wahab et al.,2015) أن هناك علاقة إيجابية بين الروابط السياسية للشركات الماليزية وأتعاب المراجعة، وأتعاب الخدمات الأخرى بخلاف المراجعة خلال الفترة من ٢٠٠١ إلى ٢٠٠٣. كذلك وجدت دراسة (Hu et al.,2017) أن الشركات الصينية ذات الروابط السياسية ترتبط بتقارير مراجعة ذات رأي إيجابي في المناطق الأقل تطوراً، وحماية للمستثمر، كما أن التأثير السياسي يكون أقل في المناطق التي يوجد بها الكثير من البنوك غير المملوكة للدولة أو البنوك الأجنبية، وحيث توجد عقوبات أكبر على الفساد السياسى. ووجدت دراسة (Petkevich et al.,2017) أن الشركات الامريكية التي يقع مقرها الرئيسي في المناطق الأكثر فسادا تدفع أتعاب مراجعة أكبر، ولا تتأخر تقارير المراجعة الخاصة بها، وفي نفس الوقت فإن تقارير المراجعة تحمل رأي إيجابي. في حين وجدت دراسة (Mohammed et al.,2017) أن هناك علاقة إيجابية بين التحفظ المحاسبي وإستقلالية مجلس الإدارة، الا ان الروابط السياسية للشركات يكون لها آثار سلبية على هذه العلاقة وذلك من خلال دراسة تطبيقية على عينة من الشركات المقيدة في سوق المال الماليزي خلال الفترة من ٢٠٠٤ إلى ٢٠٠٨. واستهدفت دراسة (Bhandari et al.,2018) دراسة العلاقة بين الأيديولوجية السياسية للمديرين التنفيذين وجودة التقارير المالية للشركات في الولايات المتحدة الامريكية، وأشارت نتائج الدراسة إلى أن المديرين التنفيذيين الذين ينتمون إلى الحزب الجمهوري يبدون استحقاقاً أقل تقديراً، ومن ثم تقارير مالية أعلى جودة وأتعاب مراجعة أقل مقارنة بنظرائهم من الديمقراطين والمستقليين. 

نخلص مما سبق إلى أن العلاقة بين المحاسبين والسياسيين متداخلة ومستمرة في الدول النامية والمتقدمة على حد سواء، وإن كانت هذه العلاقة تتوقف على البيئة المؤسسية والقانونية ومستوى حوكمة الشركات وقوانين حماية المستثمرين في كل دولة من الدول، فيستطيع المديرون ذوي الروابط والصلات السياسية تحقيق منافع كبيرة لهم من الشركات التي يديرونها دون انكشاف أمرهم. ويحقق المراجعون منافع مالية كبيرة تتمثل في أتعاب المراجعة وخدمات أخرى بخلاف المراجعة، وينبغي على المراجعين أخذ الروابط السياسية في الاعتبار عند تخطيط عملية المراجعة وتحديد أتعابها، وفى نفس الوقت ينبغي على المحلليين الماليين والمستثمرين أخذ الروابط السياسية في الاعتبار عند الحكم على جودة التقارير المالية.

قائمة المراجع

  1. زكريا محمد الصادق،"تطور بحوث المحاسبة في علاقتها بمناهج البحث العلمي"مجله التجارة والتمويل،كليه التجارة جامعه طنطا،العدد الأول،السنة التاسعة، ١٩٨٩.
  2. يحيي محمد أبو طالب،" دراسات في نظرية ومعايير المحاسبة المصرية والدوليةً"، كليه التجارة-جامعه عين شمس،بدون ناشر، ٢٠٠٩.
  3. مدثر طه أبوالخير ومحمد بن سلطان السهلي،"صناعة معايير المحاسبة الدولية: التطور ودور المجالس والهيئات الوطنية والدولية"،مركز الدراسات والمعلومات هيئة المحاسبة والمراجعة لدول مجلس التعاون الخليجي ٢٠٠٥، متاح على www.gccaao.org
  4. مدثر طه أبو الخير، "جوده معايير المحاسبة المالية بين المبادئ والقواعد وتفضيلات المهتمين:دراسة تحليليه وتجربيه ميدانيه"، المجلة العلمية التجارة والتمويل،كليه التجارة - جامعه طنطا، العدد الأول، ٢٠٠٩.
  5. فيلب دانجو،" ممثل فرنسا في مجلس معايير المحاسبة الدولية ) )IASBيرد على انتقادات فرنسية حول معايير التقارير المالية الدولية IFRS"، مجله المحاسبون، الهيئة السعودية للمحاسبين القانونيين العدد ٧٥، يونيو ٢٠١٣. 

 

  1. International Financial Reports Standards Foundation., " Annual نسخة للطباعة