العدد الحالي: كانون ثاني/يناير 2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

إحتواء المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار على خصائص الشراكات الاستراتيجية الحديثة

د. أمين قطوش

دكتوراه ادارة أعمال مؤسسات

عند وصول الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة مهاجرا من مكة وجد وضعاً فيه من المشاكل والاختلافات ما يكفي للاطاحة بأي مجتمع قائم.

كان المهاجرون يعانون من الآثار السلبية لاضطهاد قريش وفراق الأهل والبلد إضافة إلى الفقر والحرمان، بينما الأنصار الذين ينتمي معظمهم إلى قبيلتي الأوس والخزرج، فمخلفات الصراع الدموي الذي دام أكثر من ١٠٠ سنة لازالت واضحة عليهم، حتى أنّ آخر معركة كبيرة بين القبيلتين كانت قبل هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم بخمس سنوات فقط، أضف إلى ذلك وجود ثلاثة قبائل يهودية مسيطرة على الاقتصاد وعدد من المشركين الذين لم يدخلوا في الاسلام والعديد من المنافقين.

لكن الرسول صلى الله عليه وسلم استطاع أن يغير كل شيء إلى الأفضل وينطلق بهذا المجتمع من حافة الانهيار إلى قيادة الجزيرة العربية خلال ثمانية سنوات فقط، وذلك عن طريق تبني الكثير من الحلول الابداعية وتنفيذها بفعالية واتقان منقطعي النظير.

من أهم التغييرات الجذرية التي تبناها الرسول صلى الله عليه وسلم سيادة منطق التعاون وتقبل الآخر بدل منطق الصراع، وقد كان هذا جلياً من خلال الصلح الذي أنهى صراع الأوس مع الخزرج، ثم مبادرة المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار. بالنسبة لمجال الأعمال والاقتصاد، فيُعبر فيه عن منطق الصراع بمصطلح التنافس، وقد ساد هذا الأخير إلى غاية ثمانينات القرن الماضي، لكن هذا الأمر تغير عندما ظهرت نماذج للتعاون تنطوي على اتفاق بين مؤسستين أو أكثر يقضي بتقاسم المؤسسات المتعاونة للموارد الضرورية مثل: الموارد المادية، والتكنولوجيا، وشبكات التوزيع وغيرها، وذلك من أجل تحقيق الأهداف الاستراتيجية المسطرة لكل شريك.

سنتطرق في هذا المقال إلى إبراز جملة من خصائص الشراكات الاستراتيجية الحديثة القائمة بين المؤسسات الاقتصادية، ومدى تطابقها مع خصائص المؤاخاة التي قام بها الرسول صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار في المدينة المنورة. 

قبل الشروع في سرد بعض خصائص الشراكات التي احتوت عليها المؤاخاة، يجب الإشارة إلى نقطتين أساسيتين:

أولا: اختـار المهاجـرون والأنـصار إنتـاج منتـج يحـوزون فيـه علـى" ميـزة نسبـية" (comaparative advantage)، وهو مصطلح اقتصادي ظهر مع أعمال الباحث "ريكاردو" حول التجارة الدولية في ثلاثينات القرن الماضي، وفحواه أنّه على  كل بلد أن يتخصص في إنتاج وتصدير المنتجات التي يمكن أن ينتجها بتكلفة أقل نسبياً، وهو ما كانت تتمتع به المدينة من حيث توفر البيئة الملائمة لزراعة النخيل مثل الأراضي والآبار، فضلا عن خبرة أهل البلد في هذا المجال.

ثانيا: يعتبر قرار المؤاخاة الذي اتخذه الرسول صلى الله عليه وسلم قراراً استراتيجياً؛ لأنه يتميز بالخصائص التالية:

  • توجه طويل المدى: حيث يعتبر قراراً لا رجعة فيه، وقد نتج عنه تخصيص موارد معتبرة (ملموسة وغير ملموسة) من أجل انجاحه؛
  • الشمولية والتعقيد: حيث أنّ هذا القرار يمس مجتمع المدينة في مجمله، ولا يختص بجانب معين من أنشطة سكان المدينة، فقد أدى إلى التأثير الايجابي على حياة سكان المدينة قاطبة مثل التفقه في الدين، التطور الاقتصادي، رفع الروح المعنوية وغيرها من المزايا؛
  • حالة عدم اليقين: حيث تم اتخاذ هذا القرار في حالة من عدم التأكد، وذلك بسبب الظروف المعقدة التي كانت تتسم بها المدينة عند تبني قرار المؤاخاة، وهي ظروف صعبة ومعقدة تطرقنا لعدد منها في المقدمة؛ 
  • الشروع في التغيير: وهو التغيير الشامل الذي يمكن أن ينتج عن هكذا قرارات سواء تغيير داخلي مثل طريقة عمل وتعاون الأنصار مع المهاجرين، أو خارجي مثل الشروع في التصدير وتغير العلاقات مع القبائل المجاورة.

١- احتواء المؤاخاة على تعريف الشراكة الاستراتيجية

وفقا لقاموس"le petit robert" فإنّ الشراكة هي "علاقة قائمة بين شريكين" والتعاون هو "المشاركة في انجاز عمل مشترك"، أما مصطلح الشراكة الاستراتيجية فهو مصطلح غير محُدَد المعنى بدقة، حيث نجد أنّ التعريفات المعطاة له متنوعة وغير واضحة وحتى متناقضة في بعض الأحيان. هذا الغموض الذي يعتري هذا المصطلح يرجع إلى حقيقة أنّ هذه الظاهرة جديدة نسبيا وأنّ العديد من هذه المفاهيم المعطاة له تعكس جانبا معينا من الواقع دون الجوانب الأخرى؛ في هذا السياق، يمكن سرد تعريف الباحث "Gulati" الذي يتميز بنوع من الشمولية: " الشراكات الاستراتيجية هي اتفاق إرادي يتم بين المؤسسات، ويشمل هذا الاتفاق التبادل، المشاركة والتطوير المشترك للمنتجات، والتكنولوجيا أو الخدمات".

من خلال هذا التعريف، يمكن اعتبار المؤاخاة شراكة استراتيجية لأنها اتفاق إرادي لم يرغم فيه الرسول صلى الله عليه وسلم أي طرف على قبوله، كما أنّ تبادل المعرفة، المشاركة في العمل والتطوير المشترك لأنشطة جديدة هي عناصر متوفرة في المؤاخاة، وسنتطرق إليها بشيء من التفصيل في قادم هذا المقال.

٢- احتواء المؤاخاة على أنواع الشراكة الاستراتيجية:

حسب طبيعة أهداف ومساهمات الشركاء، يمكن أن نميز بين نوعين أساسين من الشراكات الاستراتيجية: شراكات الحجم وشراكات التكامل، وهما نوعان توفرا في المؤاخاة بدرجات متفاوتة:

أولا: شراكات الحجم (Scale Partnerships): تعود هذه التسمية إلى الباحث ""Hennart حيث تكون مساهمة الشركاء متماثلة سواء كانت موارد أو مهارات، والهدف الأساسي منها يتعلق بتخفيض التكلفة، حيث إنّ توحيد جهود الشركاء على نشاط معين داخل خط الإنتاج يؤدي إلى تحقيق مزايا اقتصاديات الحجم التي تتمتع بها عادة المؤسسات الأكبر حجما، وهو ما حصل حينما تظافرت الجهود المتماثلة للمهاجرين والأنصار من أجل استصلاح مساحات اضافية من الأراضي بهدف الوصول إلى إنتاج كبير (Mass Production)، لذلك انتقل الهدف الإنتاجي للمدينة من هدف تحقيق الاكتفاء الذاتي إلى هدف تصديري لخارج المدينة.

ثانيا: شراكات الربط (التكامل) (Link Partnerships): في هذا النوع من الشراكات، تسمح مساهمة كل شريك بخلق فرص جديدة للشريك الآخر وتكون وضعية الشركاء وأهدافهم غير متماثلة في السوق ومكملة لبعضها البعض، كأن تسعى مؤسسة كبيرة للحصول على معرفة محددة تحوز عليها مؤسسة صغيرة، بينما تسعى هذه الأخيرة للاستفادة من العلامة التجارية للمؤسسة الكبيرة، هكذا شراكات تكون فيها مساهمة الشركاء مختلفة ومكملة. وتشمل نوعية مهارات ومعرفة غير متجانسة عكس شراكات الحجم، كما أن هذا النوع يضم أيضا الشراكات القائمة على تقاسم المهام؛ كأن يقوم الشريك الأول بالإنتاج والشريك الثاني بالتوزيع؛ نلاحظ أن خصائص المؤاخاة تميل أكثر لهذا النوع من الشراكات، حيث أنّ الخلفية الاقتصادية للمهاجرين هي خلفية تجارية كونهم آتون من مكة القائمة على التجارة، بينما يتمتع الأنصار بمهارات زراعية تلائم اقتصاد المدينة القائم على زراعة النخيل وغيرها من المحاصيل، وبالتالي فإنّ طبيعة المساهمات هي غير متماثلة حيث ساهم المهاجرون بمساهمات غير ملموسة تمثلت في المهارات التسويقية ومعرفة السوق والعلاقات التجارية المتميزة مع القبائل المجاورة، بينما ساهم الأنصار بعناصر الإنتاج من أراض ونخيل وآبار وغيرها، بالاضافة إلى الخبرة والكفاءة الإنتاجية، ولعل الحديث النبوي الشريف التالي فيه إشارة واضحة لمنطق هذا النوع من الشراكات: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: " قالت الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم: اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل، قال: لا، فقالوا: تكفونا المؤونة ونشرككُم في الثمرة، قالوا: سمعنا وأطعنا"،حديث صحيح، رواه البخاري.

مقارنة بمجال الأعمال الحديثة، فإنّ الاتفاق الذي أبرم في أواخر الثمانينات بين مؤسستي "جنرال ميلز" و"نستله" General mills, Nestlé اللّتان تنشطان في مجال صناعة المواد الغذائية مثال يحتوي على طريقة التعاون التي نتجت عن مبادرة المؤاخاة، فقد ساهمت "General mills" بمعظم المنتجات بالاضافة إلى المهارات التسويقية، بينما ساهمت Nestlé"" بوسائل الإنتاج وشبكة التوزيع خاصة على مستوى أوروبا.

٣- احتواء المؤاخاة على أثر التعلم 

تعتبر الشراكات الاستراتيجية من أهم الوسائل لتعزيز نقل المهارة والمعرفة من شريك لآخر، فهي تمثل وسيلة للوصول، حيازة، نقل أو تبادل المعارف والمهارات، وفيما يخص المؤاخاة، فقد كان المهاجرون غرباء في المدينة، وبالتالي فإن حاجتهم لشريك يساعدهم على التأقلم مع البيئة المحلية والاندماج في مجتمع المدينة المنورة المختلف كانت كبيرة، كما أنّ عامل الوقت يعتبر حاسما حيث أنّ سرعة التأقلم من شأنها ابقاء المعنويات مرتفعة، لذلك يعتبر الكثير من الباحثين مثل ""Hamel، "Doz" و" “Prahalad الشراكات الاستراتيجية طريقا مختصرا للتعلم، بينما الأنصار الذين يعتبرون حديثي العهد نسبيا بالاسلام، فقد استفادوا من المهاجرين من ناحية التفقه في الدين الاسلامي؛ أثر التعلم المتبادل أيضا كان واضحا من خلال استفادة المهاجرين فيما يخص تعلم مهارات زراعة النخيل، وتعلم الأنصار المهارات التسويقية التي يتمتع بها المهاجرون.

خاتمة

تطرقنا في هذا المقال بصفة مختصرة إلى بعض الخصائص التي احتوت عليها المؤاخاة التي قام بها الرسول صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار، وهي فكرة مبدعة أدت إلى الكثير من النتائج الايجابية سواء من حيث المجال الاقتصادي أو الاجتماعي وغيرهما من المجالات، وهي فكرة قامت على منطق التعاون بدل منطق الصراع الذي ساد بين القبائل العربية لفترات طويلة جدا قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم، كما أنها فكرة سلطت الضوء على عبقرية الرسول في توليد الأفكار المبتكرة في شتى المجالات.

المراجع

  • البرنامج التلفزيوني للداعية "عمرو خالد": "السيرة حياة"، الحلقة 03 و04، رمضان 2018.
  • M.Cartier, H.Delacour, O.Joffre: "Maxi fiche de stratégie", Dunod, Paris, France, 2010.
  • François Chesnais: "Multinational Enterprises and the International Diffusion of Technology", in Giovanni and al (Eds.) Technical Change and Economic Theory, London and New York, 1998.
  • Gulati R: "Alliances and networks", Strategic Management Journal, Vol19, J.L. Kellogg Graduate School of Management, Northwestern University, Evanston, Illinois, U.S.A. 1998.
  • P. DUSSAUGE, B. GARRETTE and W. MITCHELL: "LEARNING FROM COMPETING PARTNERS", Strategic Management Journal, HEC , France, 2000.
  • Malo, M.C., Elkouzi N: "Alliance stratégique et apprentissage: collectif des entreprises d’insertion du Québec et Comité économie sociale inter CDEC ", Nouvelles pratiques sociales, vol 14, N°2, 2001.
  • Strategor:" politique générale de l'entreprise", 4éme édition, Dunod, Paris, France 2004.