العدد الحالي: آذار/مارس 2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

الإدارة السوداء: ماهيتها ومحدداتها

د. أسامة عبود أحمد

قسم ادارة الموارد البشرية - أكاديمية السادات للعلوم الإدارية- مصر

قد يعتقد الإنسان جهلاً أو عمداً بما يرتكبه من سلوك مهني أو حياتي خاطئ في منظمات الأعمال أو غيرها من هذه السلوكيات هي الأنسب والأفضل لمثل هذه المواقف وقد يخلق العديد من المبررات لمثل هذه السلوكيات ويحاول جاهداً أن يقنع الجميع بما فيهم نفسه أنه على صواب، يقول الله تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ﴿١١﴾ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـكِن لَّا يَشْعُرُونَ ﴿١٢﴾ (سورة البقرة).

 لذلك كان لابد من إيجاد آلية ومنهج علمي يمكن من خلاله التنبؤ والتيقين من أن هذه السلوكيات المنتهجة والمؤداة ستودي إلى الفشل والإنحراف التام عن الأهداف المرجوة ومن ثم محاولة إصلاحها وتغيرها من بدايتها قبل الوصول إلى النتائج التي يمكن أن تكون كارثية لأن تكلفة علاج الأخطاء في مراحلها الأولى أقل بكثير جداً من تكلفة تحمل نتائج وعواقب هذه الأخطاء التي قد تكون مدمرة. 

الإدارة السوداء مصطلح جديد وواسع ويحمل الكثير من المعاني وهو الوجه الآخر للإدارة الواعية التي تعد من أبرز المفاهيم العصرية لتحقيق النجاح والريادة والإبداع بدءاً من إدارة الذات مروراً بإدارة المؤسسات وإنتهاءاً بإدارة المجتمعات لذا بات من الضروري إدراك أبعاد هذه المفاهيم ودرجة تأثيرها في الوصول إلى الغايات، فالإدارة الواعية هي التي تحسن إستغلال الطاقات لتحقيق الأهداف المرجوة، أما الإدارة السوداء فهي نوع خاص وسلبي من الإدارة الواعية وتمثل في حد ذاتها خطوة إستباقية للقدرة على التنبؤ والحكم إلى ما ستؤول إليه الأحداث والأشخاص من خلال قواعد ومعايير علمية ناتجة عن التحليل المتعمق للأشخاص والتنظيم ويمكن من خلالها الإدراك والتنبؤ والحكم على هؤلاء الأشخاص هل هم حقاً جديرون بأماكنهم؟ وهل التنظيم يسير في الإتجاه الصحيح؟ أم أنه يتجه نحو السقوط والإنهيار؟.

إن أساس الإدارة الواعية هو وضوح الرؤية فيما نريد أن نحققه وكيفية تحقيق هذه الرؤية وأن تكون رسالتنا في الحياة الوظيفية أو العامة ولاسيما الخاصة ماثلة أمام أعيننا حتى نصيغ الأهداف المشروعة ووسائلها بحيث تتسم هذه الأهداف بالحيوية والغعالية وقد تتم هذه الخطوات، إلا أن المنظمة تتجه إلى الخلف لأن ما يعلن ويتم على المدى القصير يختلف تماما عما يُبطن ويتم على المدى البعيد؛ فقد تكون الخطة المعلنة والخطوات المتخذة والأهداف الموضوعة والأشخاص المكلفين بتنفيذها سواء الرؤساء أو المرؤوسين عبارة عن حلقات من النجاح في سلسلة الفشل، فالوضع أشبه بالذي يجري على جهاز الجري في المكان فهو يبذل مجهود وقد يكون مجهوداً جباراً، لكنه في الحقيقة لا يتقدم خطوة إلى الأمام ولا يتحرك من مكانه وفي النهاية ما عليه إلا التوقف أو السقوط دون تحقيق أي تقدم يُذكر.

وتُعرّف الإدارة السوداء بأنها إتخاذ إجراءات إدارية تؤدي إلى إنهيار المؤسسة على المدى القريب أو البعيد على أحد المستويات الإدارية أو على جميع المستويات الإدارية.

ففي محاولة جادة لإلقاء الضوء على طبيعة الإدارة كعلم، وما الذي يجعلها إدارة سوداء مع التركيز على الموارد البشرية لأنها أساس العملية الإدارية وجزء لا يتجزأ منها كما أن العنصر البشري يصعب التنبؤ بسلوكه وردة فعله وهو العامل الأبرز والأهم في نجاح التنظيم أو فشله وانهياره، نجد أن الإدارة تُعرف: بأنها تنفيذ العمل بواسطة مجهود آخرين من خلال مجموعة من الأفراد يتعاونون للقيام بأعمال محددة في منشأة معينة، وذلك من خلال استخدام الموارد المتاحة لتحقيق غايات معينة. 

وتعتبر الإدارة علم تطبيقي أكثر من كونها علم نظري وأبرز ما فيه هو التعامل مع العنصر البشري، وهو علم يعتمد في مفاهيمه ومبادئه على الكثير من العلوم الأخرى مثل علم النفس وعلم السلوك التنظيمي الذي يهتم بسلوك الأفراد داخل المؤسسات والجماعات وعلم الإجتماع والقانون والاقتصاد ولابد للإدارة من وجود هدف أو عدة أهداف يُراد تحقيقها، والإدارة الناجحة هي الإدارة القادرة على استغلال جميع عناصر الإنتاج والموارد المتاحة وتسخيرها لتحقيق حاجات المجتمع أو المؤسسة ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب فالإدارة هي علم وفن:

علمٌ: يعتمد على قواعد وأسس ونظريات علمية تحكم العمل الإداري وتسيره.

فنٌ: يعتمد بشكل أساسي على الموهبة الشخصية والمهارات والخبرات المكتسبة.

وترتبط الإدارة بشكل أساسي بوجود الجماعة، وبوجود موارد يُراد استغلالها أكفأ إستغلال، وأهداف يُراد تحقيها، ولها وظائف أساسية تشمل: التخطيط والتنظيم والرقابة والتوجيه. والإداري يقوم بهذه الوظائف الأساسية بغض النظر عن المستوى الذي تكون عليه الوظيفة التي يقوم بها على الرغم من أن هناك أولوية وأهمية نسبية لهذه الوظائف تختلف باختلاف المستوى الإداري لهذه الوظيفة.

وأهم ما يميز الإدارة هي؛ العمومية؛ أي أن الإداري يمكنه أن يدير أي منشأة مهما كان طبيعة عملها وهذا ما يجعل من الإدارة مهنة مستقلة بذاتها عن الوظائف الأخرى، ويطلق عليها في مجال القطاع العام اسم الإدارة العامة، وهي تتكون من جميع العمليات التي تستهدف تنفيذ السياسة العامة مثل الوزارات والمرافق الحكومية العامة التى تهدف إلى جعل حياة الناس أسهل وأسرع وأوفر وأكثر رفاهية ورضا، وفي مجال القطاع الخاص يُطلق عليها إدارة الأعمال ويكون الهدف منها تعظيم الربحية، كما أن هناك إدارة المؤسسات غير الهادفة للربح مثل المؤسسات الخيرية والخدمية والتطوعية.

فالإدارة والتنمية وجهان لعملة واحدة؛ فالتنمية تحتاج لوضع خطط تتسم بالكفاءة والمرونة والاستخدام الأمثل للموارد البشرية والمادية المتاحة وما يتطلبه ذلك من قدرة إدارية فعلية للأجهزة الموكل إليها تنفيذ هذه الخطط ومتابعتها.

ولكن الإدارة السوداء تستخدم كل هذه الأساليب والتعريفات إنما في الاتجاه العكسي سواء أكان بشكل علني أو بالخفاء، ولكن الاتجاه الأغلب يعتمد على الخداع والتضليل والتمويه والخفاء، ولكن يمكن التنبؤ بها ومعرفتها والتأكد منها من خلال عشرة محددات أو مؤشرات أبرزها كالآتي:

  1. عدم الأمانة (عدم وجود خطة تفصيلية للعمل): لابد من وجود خطة علمية للعمل تشمل جميع التفاصيل عن الإمكانات المتاحة والواقعية وكيفية التطوير وآلياته والجدول الزمني الملزم لهذا التطوير، وما هو حجم النتائج المحقق خلال كل مرحلة مع الأخذ بالأعتبار المرونة وجميع العوامل الخارجية المؤثرة وأن تكون قابلة للقياس. أما في الإدارة السوداء فلا يوجد خطة من الأساس أو خطة عمل عشوائية أو سطحية تعتمد على الشعارات وإثارة العواطف والنتائج غير المحددة والإجراءات غير الواضحة؛ فمثلاً توضع أهداف كلية وملامح عامة على مدى زمني متوسط أو بعيد نسبياً دون توضيح كيفية وإمكانية التحقيق، وغالباً تكون من إعداد غير متخصصين أو أشخاص غير معروفين أو ليس لهم تاريخ يذكر، ولابد لهذه الخطة أن تكون لخدمة الأهداف العامة التي تشمل الجميع وليس لأهداف شخصية تخدم شخص أو عدة أشخاص ولابد لهذه الخطة أن تكون طموحة وتهدف إلى تحقيق التقدم والتطور الفائق وليس خطة جامدة عقيمة تحقق تقدم بسيط أو إعتيادي أو بالكاد تحافظ على ثبات نفس المستوى المحقق، فالخطة هي الفارق بين النجاح والفشل.
  2. نطاق الإشراف الخطأ: أهم ملامح الإدارة السوداء هو التخلي عن الكفاءات واستبدالهم بأهل الثقة وتسكين المناصب الإدارية الهامة والمفصلية بمن لا يستحق وغير الجديرين بها واعتماد معايير إدارية فاشلة مثل الأقدميات والولاءات واستدعاء أشخاص من خارج المنظمة وتسكين غير المتخصصين، وعدم وجود وصف وظيفي ومتطلبات وظيفية معروفة ومعلنة لهذه المناصب وعدم وجود نظام رقابي لمتابعة ومحاسبة هذه المناصب ومن يشغلها.
  3. عدم استقلالية القرار الإداري: هناك فرق شاسع بين المدير والسكرتير؛ فكل شخص في موقع المسؤولية لابد له من مساحة حرية في العمل لاتخاذ القرارات وتنفيذها على درجة عالية من الفعالية والكفاءة وتخضع لنظام السلطة والمحاسبة طبقاً لخبراته وجداراته وكفاءته الإدارية والتنظيمية، أما إذا تحول جميع المديريين إلى متلقي تعليمات وأوامر حتى لو كانت خطأ من شخص واحد على قمة هرم السلطة وما عليهم إلا تنفيذها حرفياً دون أدنى حق للإعتراض أو التعديل عليها؛ فستصاب المؤسسة بالجمود والترهل والعجز وهي المراحل التي تسبق الفشل التام والإنهيار.
  4. القيادة المشوهة: لابد للقائد من سمات عامة، ويجب أن تتوفر فيه إضافة إلى قدراته الإدارية والوظيفية، أن لا يكون هناك فرق شاسع في العمر بين القائد أو الرئيس والمرؤوسين وهذا معيار مهم جداً؛ فيجب أن يكون القائد من نفس سن المرؤوسين ومن نفس تفكيرهم ولابد أيضاً أن يكون لهذا القائد تاريخ وظيفي (مهني وأكاديمي) معروف للجميع وله تجارب متراكمة يشهد بها أغلب المنصفين وغير أصحاب المصالح؛ فالقائد يعرف من تاريخه، ويجب أن يكون جزءاً من طبيعة النظام المطبق وعلى احتكاك مباشر به وليس مُسقطاً على النظام من جهة أخرى، أو قادم إليهم من خارج المنظمة أو من مجال يختلف تماماً عن طبيعة عمله.
  5. جماعات الضغط ذات سلوك غير مبرر: إن وجود جماعات ضغط ترتبط مع بعضها من خلال تنظيمات رسمية وغالباً غير رسمية تعمل مع بعضها البعض من خلال تحقيق أهداف شخصية أو فئوية أو تأخذ اتجاهات منحرفة وبعيدة جداً عن الالتزام باللوائح والقوانين وتعمل جاهدة للإخلال بالنظام ويكون لها مطالب تصاعدية وغير منسجمة مع النظام العام وغير مرتبطة ببعضها البعض. وتسعى هذه الجماعات دائماَ لأن تكون كتلة تكرر دائماً مثل هذه الأحداث والتوترات وتكون أغلب أو جميع مطالبها تتعارض مع المصلحة العامة وغير مستحقة، وقد تلجأ إلى العنف في بعض الأوقات أو تعطيل سير العمل، فترك هذه الجماعات وإغفال وجودها والتستر عليها وعدم تفكيكها مؤشر هام جداً من مؤشرات الإدارة السوداء.
  6. انعدم الشفافية: انعدم الشفافية والكذب والخداع بالبيانات والمعلومات معيار هام جداً للإدارة السوداء؛ كأن تكون هذه البيانات والمعلومات غير معلنة أو مشوهة أو منقوصة أو مبهمة أو مجتزأة أو إجمالية، وأن تكون هناك صعوبة أو خطورة في الحصول عليها، وبغض النظر عن الدواعي والمبررات لمثل هذه السلوكيات التي هي الأصل؛ فلا يمكن تبريرها.
  7. تشتت وانعدام المسؤولية: وجود عدة جهات تقوم بنفس الدور أو أن يقسم الدور على عدة جهات مختلفة ومتشعبة أو تكون الجهات المعنية بأداء أدوارها تقوم بأدوار مختلفة تماماَ عن أدوارها وأن لا يكون هناك أي مراجعة أو محاسبة لهذه الأدوار أو إعادة تقييم وأن يكون انتقاد هذه المنظومة أو محاولة هيكلتها أو إصلاحها تحفه مخاطرة كبيرة.
  8. رأس المال الجسدي: لابد للقائد أو المرؤوس أن يكون لديه جميع المقومات الجسمانية والعقلية للمهام الوظيفية المكلف بها سواء كانت هذه الوظائف مهنية أو إدارية، ولابد في المناصب الإدارية والقيادية الهامة أن تحدد الحالة العقلية والنفسية والجسمانية الواجب توفرها في القادة، لأن أي خلل في هذه القدرات الجسدية سيترتب عليه خلل في الأداء والمهام الوظيفية وقد يؤدي إلى إحداث أو تدمير جزئي أو كلي في المؤسسة.
  9. استحباب الأسلوب العاطفي: لا يمكن أن تخلو الحياة من المواقف الإنسانية ولابد أن يكون البعد الإنساني حاضراً وبقوة في أغلب المعاملات والقرارات؛ لكن أن يتم استخدام الأسلوب العاطفي وتهييج وتجييش المشاعر من أجل تبرير الفشل والتهرب من المسئولية وشحن التابعين من أجل موقف معين أو سلوك معين أو تحقيق مكاسب شخصية أو تبرير أفعال خاطئة أو إجرامية فهذه سمة مميزة من سمات الإدارة السوداء وعلامة واضحة من علاماته.
  10. تجاهل الإدارة من موقع الأشخاص: إن معرفة تاريخ الشخص وقيمه وعاداته ورغباته ومعتقداته والظروف المحيطة به في نشأته وحاضره تمكن بكل سهولة من التنبؤ بشكل دقيق بسلوكه في كافة المواقف المختلفة تحت كافة الظروف؛ أي أنه إذا أمكن التنبؤ بسلوك الشخص أمكن بكل سهولة توجيهه وتهيئته للظروف والأعمال التي يقوم بها، وأي أعمال يكون أكثر قدرة وكفاءة، وأيها يكون أقل ويتم ذلك من خلال إعداد السجلات السرية النفسية والشخصية للعاملين، فالهدف من الإدارة من موقع الأشخاص التنبؤ بسلوكهم ومن ثم إعادة ترتيبهم أو تأهيلهم للقيام بواجبهم ووظائفهم وتحقيق الإستفادة المثلى منهم وبما يحقق المصلحة المشتركة للعاملين والمؤسسة، فتولي الشخص الخطأ الوظيفة الخطأ أو المنصب الخطأ سيؤدي حتماً إلى نتائج خطأ وهذه النتائج الخطأ تتراكم وتتشابك وتتعقد وقد تصل بالمؤسسة إلى الفشل التام أو الإنهيار السريع.