العدد الحالي: آذار/مارس 2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

الركود المقبل: يمكن للسياسات السامة والبنوك المركزية المقيِّدة أن تجعل الركود القادم حتمياً

هنادي عاصم الشامي

مساعد تحرير - مجلة الاقتصاد الإسلامي العالمية

منذ عام مضى كان العالم يتمتع بتسارع اقتصادي متزامن، وفي عام ٢٠١٧، ارتفع النمو في الاقتصادات المتقدمة بشكل كبير باستثناء بريطانيا، وكذلك في معظم الدول الناشئة. كما أن التجارة العالمية آخذة بالتحسن، والاقتصاد الأمريكي ومنطقة اليورو في حالة ازدهار ، وتم دفع الاقتصاد الصيني نحو الانكماش. 

تختلف القصة جداً في عام ٢٠١٨؛ حيث تراجعت أسواق الأسهم مؤخراً في جميع أنحاء العالم للمرة الثانية هذا العام، مع ازدياد قلق المستثمرين من تباطؤ النمو وتأثير السياسة النقدية الأمريكية الصارمة، ولهذه المخاوف ما يبررها.

كانت مشكلة الاقتصاد العالمي في عام ٢٠١٨ الاندفاع بقوة بشكل غير متوازن، حيث ساعدت التخفيضات الضريبية التي أقرها الرئيس الأمريكي في رفع معدل النمو السنوي بنسبة تفوق الـ ٤٪ في أمريكا، ووصلت البطالة إلى أدنى مستوياتها منذ عام ١٩٦٩، ومع ذلك يتوقع صندوق النقد الدولي تباطؤ النمو هذا العام في الاقتصادات المتقدمة جميعها، وأن الأسواق الناشئة ستكون مضطربة.

هذا الاختلاف بين أمريكا وغيرها يعني سياسات نقدية متباينة أيضاً؛ حيث رفع بنك الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة ثماني مرات منذ ديسمبر ٢٠١٥، بينما البنك المركزي الأوروبي ECB لا يزال بعيداً عن أول زيادة له، وفي اليابان المعدلات ما زالت سلبية.، وتبقى الصين هي الهدف الرئيسي لحرب ترامب التجارية.

ويبدو أن اللجوء لسياسة الاسترخاء النقدية التي حصلت مؤخراً هي ردٌ على ضعف الاقتصاد؛ فعندما ترتفع أسعار الفائدة في أمريكا فلا مكان آخر سيقوي الدولار، مما يُصعّب على الأسواق الناشئة سداد ديونها بالدولار، وقد دفع ارتفاع الدولار الأمريكي كلًا من الأرجنتين وتركيا إلى الدخول في اضطرابات، وقد طلبت باكستان مؤخراً من صندوق النقد الدولي إنقاذها.

تمثل الأسواق الناشئة ٥٩٪ من إنتاج العالم (مقاسة بالقوة الشرائية)، بينما كانت ٤٣٪ قبل عقدين فقط، عندما ضربت الأزمة المالية الدول الآسيوية، ويتوقع انجراف مشاكلها قريباً إلى الشواطئ الأمريكية، في الوقت الذي بدأت فيه الطفرة المحلية في العم سام تتلاشى؛ فستكون بقية دول العالم في حالة أسوأ حينذاك، إذا لم يوضع حد لصعوبات الميزانية الإيطالية، أو لم تعاني الصين من تباطؤ حاد.

والخبر السار هو أن الأنظمة المصرفية حالياً أكثر مرونة من عقد مضى أي عندما حدثت الأزمة المالية. وتتلاشى فرص حدوث هبوط حاد كتلك التي حدثت إبان الأزمة؛ فالأسواق الناشئة تتسبب بخسائر للمستثمرين، لكن اقتصاداتها الحقيقية ما زالت متماسكة؛ فالحرب التجارية تسببت في أضرار خطيرة حتى في الصين. بل إن الطفرة الأمريكية أفسحت المجال لكساد بسيط مع تضاؤل الحوافز المالية وارتفاع المعدلات، ولن يكون ذلك غير طبيعي بعد عقد من النمو.

لكن هذا هو المكان الذي تأتي فيه الأنباء السيئة. كما جاء في تقريرنا الخاص هذا الأسبوع، فإن العالم الغني على وجه الخصوص غير مهيأ للتعامل مع أي ركود معتدل. ويعود ذلك جزئياً إلى أن ترسانة السياسة استنزفت في محاربة التراجع الأخير. في منتصف القرن الماضي، قام بنك الاحتياطي الفيدرالي بخفض أسعار الفائدة بخمس نقاط مئوية أو نحو ذلك خلال التراجع الاقتصادي. أما اليوم فلديها أقل من نصف ذلك قبل أن تصل إلى الصفر؛ بينما منطقة اليورو واليابان فليس لديهم مجال على الإطلاق.

لدى صناع السياسة خيارات أخرى بالطبع، حيث يمكن للبنوك المركزية أن تستخدم سياسة التيسير الكمي QE، وهي شراء الأوراق المالية مع احتياطيات البنك المركزي التي تم إنشاؤها حديثاً؛ فإذا لم يفلح ذلك، فيمكنهم تجربة طرق أكثر تشدداً وغير مجربة؛ كإعطاء الأموال للأفراد مباشرة، كما يمكن للحكومات تعزيز الإنفاق أيضاً، وحتى الدول ذات أعباء الديون الكبيرة يمكن أن تستفيد من التحفيز المالي خلال فترات الركود.

والسؤال هو: ما إذا كان استخدام هذه الأسلحة مقبولاً من الناحية السياسية؟ ستدخل البنوك المركزية في فترة الركود المقبلة بميزانيات عمومية متضخمة بالفعل بالمعايير التاريخية - حيث تبلغ قيمة الاحتياطي الفيدرالي ٢٠٪ من الناتج المحلي الإجمالي. يقول معارضو التسهيلات الكمية إنه يشوّه الأسواق ويضخم فقاعات الأصول، إضافة لأمور أخرى. وبغض النظر عن أنها آراء مضللة إلى حد كبير؛ فمن شأن نوبات جديدة من التيسير الكمي جذب مراجعة أكثر دقة من المرة السابقة. في حين أن القيود في منطقة اليورو ضيقة للغاية، حيث يقتصر البنك المركزي الأوروبي على شراء ٣٣٪ من الديون العامة لأي بلد.

سقوف الإنفاق

سيجذب التحفيز المالي المعارضة السياسية، بغض النظر عن الحجج الاقتصادية. فمنطقة اليورو هي الأكثر إثارة للقلق، لأن الألمان وغيرهم من الأوروبيين الشماليين يخشون أن يتم تركهم مع ديون غير مسددة إذا تخلّفت الدولة عن سداد ديونها؛ حيث صممت قيود الاقتراض للحد من التبذير، لكنها تحد أيضاً من احتمالات التحفيز. إن أمريكا أكثر استعداداً للإنفاق، مع أنها زادت في الآونة الأخيرة من عجزها إلى أكثر من ٤٪ من ناتجها المحلي الإجمالي مع تسارع اقتصادها؛ فإذا احتاج الأمر إلى توسيع العجز بشكل أكبر لمواجهة الركود، فيتوقع معركة سياسية.

السياسة هي أكبر عقبة أمام العمل الدولي؛ حيث كان هناك حاجة إلى تعاون غير مسبوق عبر الحدود لدرء أزمة عام ٢٠٠٨. لكن صعود الشعبويين سيعقِّد هذه المهمة. فمبادلة الاحتياطي الفيدرالي مع البنوك المركزية الأخرى التي سمحت لهم باقتراض الدولارات من أمريكا، ستكون محور القضية. وسيغذي هبوط العملات التوترات التجارية. لذلك حذّر وزير الخزانة الصين من سياسة "تخفيض قيمة العملة". إن إيمان السيد ترامب في الضرر الحاصل في تعقيدات التجارة مخطئ عندما يكون النمو قوياً. وعندما يكون الطلب مؤقتاً فالحمائية طريق مغرٍ لمحاكاة الاقتصاد. 

يمكن للعمل في الوقت المناسب تجنب بعض هذه المخاطر، حيث يمكن للبنوك المركزية أن تكون لديها أهداف جديدة تجعل من الصعب معارضة العمل أثناء وبعد الأزمة؛ إذا قاموا بتأسيس التزام في وقت مبكر لتعويض الخسارة عندما يضعف التضخم أو ينحسر النمو؛ فتوقعات حدوث طفرة مفاجئة يمكن أن توفر حوافز تلقائية في أي تراجع اقتصادي. وبدلاً من ذلك، فإن رفع معدل التضخم المستهدف اليوم قد يؤدي بمرور الوقت إلى رفع أسعار الفائدة، مما يتيح مجالاً أكبر لخفض أسعارها. ويمكن الحث على التحفيز المالي في المستقبل من خلال زيادة فاعلية "المثبتات التلقائية"؛ كالإنفاق على التأمين ضد البطالة مثلا، والذي يرتفع مع تراجع الاقتصادات. للذك يمكن لمنطقة اليورو أن تخفف من قواعدها المالية للسماح بمزيد من التحفيز.

يستدعي العمل الوقائي المبادرة من السياسيين، وهذا غير موجود لكونه ما زال ممكنا؛ فتقلبات السوق الحالية تشير إلى أن الوقت قد يكون قصيراً؛ حيث يجب الشروع بالتحضير للركود القادم.