العدد الحالي: أيار/ مايو 2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

تمويـل المقاولات الصُّغـرى والمتوسِّطة بالمغرب: الواقع والآفـاق (2)

د. عبد العزيز بن محمد وصفي

أكاديمية الدار البيضاء

د. رشيدة الخير

دكتوراه في المالية العامة ومدربة في التنمية الذاتية

تطرقنا في الجزء الأول من البحث للحديث عن مظاهـر وأسباب محدوديَّة التَّمويل البنكي للمقاولات الصغرى والمتوسطة بالمغرب، وقد ناقشنا من خلاله واقع محدوديَّة ولوج المقاولات الصُّغرى والمتوسطة إلى التَّمويل البنكي، ثم بيان هشاشة العلاقة بين المقاولة الصغرى والمتوسطة وبين البنوك، أو الأسباب المفسِّـرة لمحدودية التَّمويل البنكي، وأخيرًا تكلَّمنا عن ارتفاع تكلفة التَّمويل البنكي للمقاولات الصغرى والمتوسطة.

وقد خلصنا من خلال ما تمَّ الكلام عنه فيما سبق، أنه اتَّضح لنا أن إشكاليّة تمويل المقاولات الصغرى والمتوسّطة في علاقتها مع البنوك التّجارية التّقليدية، مرتبطة بإشكالين أساسيين وهما:

- الأول: إشكال صعوبة ولوج هذه المقاولات إلى التمويل البنكي (والمتحكمة فيه مجموعة من العوامل).

- الثاني: إشكال عدم ملاءمة بعض صيغه لواقع هذه الأخيرة وعدم تكيُّفه مع حاجياتها.؛ إذ هو تمويل - في غالب الأحيان- قصير الأمد، لا يتَّجه لدعم دورة استثمار المقاولات الصغرى والمتوسطة وتقوية أموالها الذاتية، وهو إشكال يفرض أهميته بقوة، خصوصًا في ظلِّ الأزمة المالية التي بدأت تتضح آثارها السلبية على مجموعة من القطاعات، خصوصا تلك المتجهة نحو التصدير.

وفي هذا الجزء الثاني تطرقنا للحديث عن بعض الحلول الممكنة التي تسهم في النهوض بالمقاولة المغربية الصغرى والمتوسطة في ظل القانون الجديد الذي عرفه المغرب باسم قانون "البنوك التشاركية". فهل يمكن تجاوز الإشكالات وتحقيق الأهداف والوصول إلى افضل النتائج في ظل هذه التغيرات الجديدة؟

هذا ما سعينا للإجابة عنه في هذا المبحث الثاني.  

المبحث الثاني: إمكانيات تجاوز إشكالات تمويل المقاولات الصغرى والمتوسطة في ظل قانون البنوك التشاركية

يكشف الواقع التَّمويليِّ للمقاولات الصغرى والمتوسطة بالمغرب، في علاقته مع البنوك التجارية وما يعرفه من معوِّقات، مدى الحاجة إلى تجاوز هذه الأخيرة والعمل على علاجها. وتبدو هنا أهمية منتجات المالية التشاركية بما تحمله من خصائص وسمات متميِّزة، في إيجاد وتقديم بدائل تساهم في حلِّ مشاكل تمويل المقاولات الصغرى والمتوسطة (المطلب الأول)، شريطة رفع مجموعة من العراقيل والتَّحديات التي تواجه اعتمادها (المطلب الثاني).

المطلب الأول: مدى قدرة منتجات الماليَّة التَّشاركية في الاستجابة لحاجيات المقاولات الصغرى والمتوسطة التَّمويلية

إن َّما يُميزُ البنوك التَّشاركية في مجال التَّمويل المصرفي، هو استبدال علاقة القرض بعلاقة المشاركة، وعلاقة الفائدة بعلاقة الربح، هاته العلاقة هي التي تُحدث تغييرًا جذريًا في أنواع المنتوجات التَّمويلية.

هكذا تقوم أدوات التمويل في البنوك التَّشاركية، على مبدأ المشاركة في الأرباح والخسائر، كالمضاربة والمشاركة. وإلى جانبها أدوات تعتمد على مبدأ الهامش الرِّبحي، كالبيوع والإجارة، وأدوات لا تعتمد على أيِّ ربحٍ، كالقرض الحسن، والمضاربة.

وقد أنشأ القانون البنكي الجديد منتوجات تمويليَّة تهمُّ على وجه الخصوص: المرابحة، المشاركة، المضاربة"، الإجارة، السَّلَم والاستصناع، كما يسمح ذات القانون للبنوك التشاركية بتمويل عملائها بواسطة أي منتوج آخر، والذي تُحدَّد مواصفاته التقنية، وكذا كيفيات تقديمه إلى العملاء بعد الرَّأي بالمطابقة الصادر عن المجلس العلمي الأعلى[].

مبدئيًا، ومن خلال خصائص هذه المنتجات، يتبيَّنُ لنا إمكانية ملاءمتها لحاجيات المقاولات، حيث إنَّها تحمل في طيَّاتها من الخصائص، ما يمكن أن تستجيب به لحاجيات المقاولات الصغرى والمتوسطة، وهو ما يمكن التَّحقُّق منه بالاعتماد على تجارب بعض البنوك الإسلامية في تمويل هذه الأخيرة[].

الفرع الأول: مدى ملاءمة منتجات المالية التشاركية لحاجيات تمويل المقاولات الصغرى والمتوسطة.

  • أولًا: صيغة التمويل بالمرابحة ومدى ملاءمتها للمقاولات الصغرى والمتوسطة.

عرَّف قانون البنوك التشاركية المرابحة في المادة (58)، الفقرة (أ) بأنها: «كل عقد يبيع بموجبه بنك تشاركي، منقولًا أو عقارًا محدَّدًا وفي ملكيته لعميله بتكلفة اقتنائه، مضاف إليها هامش ربح متفق عليهما مسبقًا»[].

وتكمن أهمِّية هذا العقد (أي: المرابحة) في كونه غير ربويّ، ورغم كون هذه العملية مكلِّفة نسبيًا، إلَّا أنَّها خالية من الربا، ومرونتها، وتغطيتها لمختلف المجالات والقطاعات، فضلًا عن كون البنك ينضبط لنظرية المخاطرة[]، وقاعدة ((الغُـنْمُ بالغُـرْمِ))[]، وهو ما ليس موجودًا في الأبناك الرِّبويَّة.

وبذلك يتَّضح أنَّ هذه المعاملة المبنيَّة على المرابحة نوعٌ من بيوع الأمانة[]؛ التي تتمُّ بين البائع والمشتري، مع الأخذ بعين الاعتبار الثمن الأصلي، وإيضاح الرِّبح المضاف إلى الثمن، على أن يكون البيع حاضرًا...[]، وهي بذلك تتميَّز بمجموعة مزايا قادرة على التَّغلب على معوّقات تمويل المقاولات موضوع البحث، ونورد بعضها في الآتي:

  1. الحدِّ من مشكلة نقص التمويل الكافي والملائم لاحتياجات هذه المقاولات، فالمتعاملون بصيغة المرابحة يتمكَّنون من الحصول على السلع التي يحتاجونها والتي لا يتوافر ثمنها لديهم وبالمواصفات التي يُحدِّدونها[].
  2. إنَّ هذه الصيغة تمكِّن البنك من استغلال الودائع تحت الطلب أو الحسابات الجارية، باعتبارها قصيرة الأجل وسريعة الطلب من توسيع إمكانيتها التمويلية بواسطة المرابحة، وهو ما يخفف من المخاطر المرتبطة بهذه الصيغة التَّمويلية.
  3. تساهم هذه المعاملة في مواجهة صعوبة انتظام التَّدفقات المالية للمقاولات، وذلك لما تتميز به المرابحة من سعة نطاق تمويليٍّ، لا يشمل فقط تمويل الأموال الإنتاجية (عقار، تجهيزات...إلخ)، وإنما أيضًا السلع والخدمات الاستهلاكية التي تحتاجها المقاولة طيلة دورة حياتها.
  • ثانيًا: صيغة التمويل بالإجارة ومدى ملاءمتها للمقاولات الصغرى والمتوسطة.

الإجارة - كما عرفها قانون البنوك التشاركية - هي: «كل عقد يضع بموجبه بنك تشاركي، عن طريق الإيجار، منقولًا أو عقارًا محددًا وفي ملكية هذا البنك تحت تصرف عميل قصد استعمال مسموح به قانونًا»[].

وبالنظر إلى مميِّزات هذه الصِّيغة، فإنه يلاحظ - مبدئيًا - أنها قادرةٌ على الحدِّ من مجموعة من المعوِّقات التَّمويلية للمنشآت الصغيرة، وذلك مثل:

  1. التَّغلُّب على مشكلة الضمانات التي تفتقر إليها المقاولات الصغرى والمتوسطة.

تَحُدُّ صيغة الإجارة من مخاطر الائتمان المتعلقة بعدم إمكانية تحصيل الأقساط، وذلك لاقتران البيع بصيغة التأجير، فقانونًا وشرعًا تظل ملكية العين المستأجرة في يد المؤجِّـر، ومن تم إذا توقَّـف الزَّبون عن السَّداد أو أفلس يستردُّ المؤَجِّـرُ العين المؤجَّرة.

ويُعدُّ تملُّك البنك التَّشاركي للوحدة الإنتاجية أحد أهمِّ أشكال الضَّمانات، وهو ما يُسهم في التَّغلب على أهمِّ معوِّقات المقاولات التي لا يتوافر لديها ضمانات[].

  1. سدُّ الحاجيات التمويلية لدورة الاستغلال الخاصة بالمقاولات الصغرى والمتوسطة.

يُتيح عقد الإجارة للمقاولة تخصيص الأموال المتاحة لديها في تمويل دورة استغلالها خلال مدة تكون عموما أطول من تلك التي تسمح بها طرق التمويل الأخرى. وهو بذلك يلبي حاجات أصحاب المقاولات الصغرى والمتوسطة غير الراغبين في ولوج التمويل البنكي التقليدي، إما لرغبتهم في الحصول على تمويل لأطول أجل، مع تقسيطه حسب توقعاتهم الربحية أو لعدم قدرتهم الحصول على هذا التَّمويل[].

  • ثالثًا: صيغة التَّمويل بالمشاركة ومدى ملاءمتها للمُقاولات الصُّغرى والمتوسِّطة:

حسب مقتضيات القانون الجديد للبنوك التشاركية، فإنَّ عقد المشاركة هو: «كلُّ عقدٍ يكون الغرض منه مشاركةُ بنك تشاركيٍّ في مشروعٍ قصد تحقيقِ ربـحٍ»[].

ويشارك الأطراف في تحمُّـل الخسائر في حدود مساهمتهم، وفي الأرباح حسب نِسَبٍ محدَّدةِ مسبَقًا بينهم. وقد تكتسي المشاركة أحد الشَّكلين التاليين:

- الأول: المشاركة الثابتة[]: يبقى الأطراف شُركاء إلى حين انقضاء العقد الرابط بينهم. وقد بُحثت هذه المعاملة في العديد من المؤتمرات، ومنها مؤتمر المصرف الإسلامي الأول بدبى، الذي حضره تسعة وخمسون عالمًا في تخصُّصات مختلفة، في الفترة 23 - 25 جمادى الآخرة 1399هـ الموافق: 22- 24 مايو 1979م، وقد أجمعوا أن هذه الشركة تُقرُّها الشريعة الإسلامية بإلزام وَفقًا لأحكام الفقه المالكي، وديانة طبقًا لأحكام المذاهب الأخرى... وذلك بضوابط محدّدة، منها: إذا ما كان نشاطها حلالًا، وما يُرزق منها من ربح يُوزَّع بين الشريكين أو الشركاء بنسبة رأس مال كل منهم، وأن تكون الخسارة بالتساوي، ونحوها من الضَّوابط التي قرَّروها في الموضوع[]. 

- الثاني: المشاركة المتناقصة[]: ينسحب البنك تدريجيًا من المشروع وَفْقَ بنود العقد[].

والذي يظهر من خلال الاطلاع على هذه الصيغة، أنها تُبرز فكرة أن البنك التشاركي ليس مجرد مموِّل، ولكنه مشارك للمتعاملين معه، وأن العلاقة التي تربطه بهم هي علاقة شريك بشريكه وليست علاقة دائن بمدين. وتتمتع هذه الصيغة بالمرونة التي تظهر في إمكانية تمويلها لأيٍّ منشأة، سواء كانت صغيرة أو كبيرة، لا سيما المشاركة المتناقصة حيث تُمكِّنُ الشَّريك من تملُّك المُنشأة بعد الانسحاب التَّدريجي للبنك.

إنَّ طُـرقَ تسيير مجموعة من المقاولات تجعلها بعيدة عن كسب ثقة البنك، بينما هذا النوع من التَّمويل يقوم على أساس خلق علاقة بين الطرفين طويلة الأمد، يلعب فيها البنك دورًا فعالًا في تسيير المشروع، كما أنَّه يبقى وسيلة لتمويل طويل الأمد للمقاولات الصغرى والمتوسطة (كتمويل تحتاج إليه لتأسيس أو رفع رأس المال، وأيضًا اقتناء وتجديد التجهيزات)، وهو ما يجعل صيغة المشاركة العقود طلبًا من طرف المقاولين الرَّاغبين في تأسيس مقاولات صغرى ومتوسطة (شركات ذات المسؤولية المحدودة، شركات تضامن)[].

  • رابعًا: صيغة التَّمويل بالمضاربة ومدى ملاءمتها للمقاولات الصغرى والمتوسطة.

عـرَّف قانون البنوك التشاركية عقد المضاربة بأنه: «كل عقد يربط بين بنك أو عدة بنوك تشاركية (ربُّ المال) تقدم بموجبه رأس المال نقدا أو عينا أو هما معا، ومقاول أو عدة مقاولين (مضارب) يقدمون عملهم قصد إنجاز مشروع معين. ويتحمل المقاول أو المقاولون المسؤولية الكاملة في تدبير المشروع. يتم اقتسام الأرباح المحققة باتفاق بين الأطراف ويتحمل رب المال وحده الخسائر إلا في حالات الإهمال، أو سوء التدبير، أو الغش، أو مخالفة شروط العقد من طرف المضارب»[]. 

إنَّ هذه الصيغة هي شكلٌ من أشكال إقامة وتنظيم المشروعات الاستثمارية، بحيث يقوم فيها المضارب بالإدارة، بينما يؤمن البنك التشاركي الموارد المالية والمادية اللازمة لإقامة المشروع، وتوزع الأرباح بين البنك ورب العمل بنسبة، متَّفق عليها، وإذا حدثت خسارة فإن البنك يتحمَّلها في حالة عدم تقصير المضارب وعدم إخلاله بشروط المضاربة المتفق عليها.

وبالتالي، فإنَّ هذه الصيغة بميزاتها العديدة تكون قادرة على مواجهة معوقات التمويل التقليدي للمقاولات الصغيرة والمتوسطة ويتجلى ذلك من خلال ما يلي:

1- الحدُّ من مشكلة الضمانات، حيث إنَّ هذه الأخيرة هنا ليست ضمانات عينية أو شخصية، بقدر ما هي ترتبط أكثر بالمنتج والسوق وشخصية المقاول، والتي يتوجَّبُ الحرص على مراعاتها.

2- التغلُّب على مشكلة نقص التمويل الكافي للمقاولة. فأسلوب المضاربة يتعدى كونه شراكة مالية بين الطرفين، ذلك أنه يشكل في الواقع، شراكة فعلية تساهم في تأهيل وارتقاء هذه المقاولات، تتحقق من خلال المزج بين المال والخبرة، حيث يمكن للطرفين أن ينجحا معًا أو يخسران معًا، وذلك وَفق قاعدة (الغنم بالغرم)، وهذا ما يجعل البنك حريصًا على اختيار المقاولة المضاربة، كما يجعل هذه الأخيرة حريصة على تحقيق الربح مقابل ما تبذله من مجهودات، ثم إن الطبيعة الاستثمارية التي تتَّسمُ بها العلاقة الرابطة بين الطرفين تجعل هذه الأخيرة بعيدة كل البعد عن علاقة الدائن بالمدين، كما هو الحال في البنوك التقليدية، وما يترتب على ذلك من نتائج تساهم في التَّغلُّب على المعيقات التمويلية للمقاولات الصغرى والمتوسِّطة[].

  • خامسًا: صيغة التَّمويل بالسَّـلَـم ومدى ملاءمتها للمقاولات الصغرى والمتوسطة.

عـرَّف القانون البنكي السَّـلَـم بأنَّه: «كل عقد بمقتضاه يعجل أحد المتعاقدين، البنك التشاركي أو العميل، مبلغا محددا للمتعاقد الآخر الذي يلتزم من جانبه بتسليم مقدار معين من بضاعة مضبوطة بصفات محددة في أجل»[].

وبناء على التعريف، فإن السَّـلَـم عقد من عقود الاستثمار، يتم بموجبه الشراء المسبق لإنتاج المؤسسة أو للمحصول الزراعي المتوقع مقابل حصول المقاولة البائعة على التمويل المسبق الذي بواسطته يقوم بنشاطها الإنتاجي أو التجاري. ويظهر أن هذه الصيغة تلائم بصفة أكثر المشروعات الزراعية لصغار الفلاحين، وكذا تمويل الحرفيين والصناعات الصغيرة[].

ويمكن أن تلعب هذه الصيغة بمميزاتها هاته، دورًا كبيرًا في توفير السيولة النقدية لهذه المنشآت، عن طريق شراء البنك إنتاج المقاولة بعقد السَّـلَـم الأصلي (دفعٌ نقديٌّ واستلام مؤجَّل)، أو عقد اتفاقيات مع الشركات التي تستخدم إنتاج المقاولات الصغيرة كمكونات لمنتجها النهائي وبيعها لهم عن طريق عقد السَّـلَـم الموازي أو الاتفاق مع بعض عملائه (الموزعين) على بيعهم المنتجات النهائية للمقاولات إما سلَمًا موازيًا أو مرابحة. وهو ما يبرز الدور الكبير الذي يمكن أن تلعبه هذه الصيغة في تمويل رأس المال العامل لهذه المقاولات[].

  • سادسًا: صيغة التَّمويل بالاستصناع ومدى ملاءمتها للمقاولات الصُّغرى والمتوسطة.

عرَّف قانون البنوك التشاركية "الاستصناع" بكونه: «كل عقد يشتري به مما يصنع يلتزم بموجبه أحد المتعاقدين، البنك التشاركي أو العميل، بتسليم مصنوع بمواد من عنده، بأوصاف معينة يتفق عليها وبثمن محدد يدفع من طرف المستصنع حسب الكيفية المتفق عليها بين الطرفين».

ويمكن تمويل المقاولات بهذه الصيغة، من خلال صورتين:

- الأولى: يقـوم بمقتضاها البنك بالتعاون مع الجهات المعنية بالمقاولات الصغرى والمتوسطة، بدراسة للأسواق المحلية والخارجية لتحديد السلع التي يكثر رواجها والأكثر ملاءمة لأذواق المستهلكين ومتطلباتهم، وكذا البحث عن إيجاد سلع جديدة أو سلع موجودة مع إدخال تحسينات علها والترويج لها لجذب المستثمرين وتمويلهم من خلال عقد الاستصناع يقضي بإسناد البنك تصنيع هذه السلع إلى العديد من المقاولات الصغرى والمتوسطة.

- أما الثانية: فيقوم بمقتضاها البنك باستصناع السلعة عن طريق إحدى المقاولات ثم تأجيرها تأجيرًا تمويليًا لمنشآت صغيرة[]. 

إنَّ التمويلَ بصيغة الاستصناع له من المزايا ما يجعله قادرًا على مدِّ المشروعات بالأموال اللازمة قصيرة، متوسطة أو طويلة المدى، مغطِّيًا بذلك كافة الدورات الإنتاجيَّة للمقاولة، أضف إلى ذلك تخليص أصحابها من معظم المشاكل التنظيميَّة والثقافيَّة والتسويقية دون التعرض لمخاطر الديون وفوائدها ومشاكلها القانونية والاقتصادية، كما تظهر أهمِّية هذه الصِّيغة التَّمويلية في الدَّور الذي يمكن أن تلعبه في خلق وحدات جديدة.

وبناء على ما سبق، يتَّضح أنَّ التمويل التشاركي (نظريًا)، يظل تمويلًا متلائمًا مع الحاجيات التَّمويلية لنسيج المقاولات الصغرى والمتوسطة ببلادنا، سواءٌ عبر منتجات التمويل بهامش ربحي، أو منتجات التمويل بالمشاركة، ويمكن لهذه الصِّيَغ أن تُحقِّقَ الآتي:

1- يمكن أن تلعب دورًا أساسيًا في حلِّ مشكل ضعف رأس المال العامل الذي تعاني منه هذه المقاولات مقارنة مع المنشآت الكبرى، مما ينجم عنه نقص دائم في السيولة الناجم عن هشاشة بنيتها المالية.

2- أن تعالج مشكل الاستدانة الزائدة، الناجمة عن ضعف أموالها الذاتية، والتي تخلق تكاليف مالية مهمة تتحملها المقاولة وتخلخل توازنها المالي. بينما هذه المنتجات لا تقوم على فوائد ثابتة، وإنما تقوم على مبدأ توزيع الأرباح والخسارات.

3- أن تسهم في حل مشكل الضمانات كمعيق أساسي للمقاولات الصغيرة للولوج إلى التمويل الكافي، باعتبار أن خصائصها لا تستلزم الضمانات التقليدية المعمول بها.

4- أن تخرج هذه المقاولات من مأزق توزيع الموارد التمويلية المتاحة، على أصحاب الملاءة المالية فقط.

ونأتي هنا للتَّحقق من هذه الفرضيات، انطلاقًا من حقيقة وواقع تطبيق هذه المنتجات، اعتمادًا على تجارب بعض البنوك الإسلامية، وكذا اعتمادًا على دراسات ميدانية قام بها بعض الباحثين والمهتمين في مجال التمويل التشاركي ببلادنا.

الفرع الثاني: واقع استجابة التمويل التشاركي لحاجيات المقاولات الصغرى والمتوسطة.

من بين آثار ضعف الأموال الذاتية للمقاولات الصغرى والمتوسطة، عدم قدرتها على تمويل رأس المال الثابت.

هكذا، فصعوبة التجاء هذه المقاولات للسوق المالية - من جهة-، وكذا صعوبة حصولها على الأشكال التمويلية البنكية التقليدية (حيث تظل إما عاجزة عن تمويل رأس المال الثابت بالكامل، أو واقعة في شباك مديونية قد لا تستطيع الوفاء بها....) من جهة أخرى يكشف عن أهمية عمليات التأجير أو عمليات المشاركة المتناقصة، وأيضًا المرابحة.

فمن الجهة العملية الخاصة بتمويل المشاريع خصوصًا الصغرى والمتوسطة: نجد أن المرابحة قد تمكنت من خدمة الآلاف من أصحاب هذه المشاريع الذين استطاعوا عن طريقها الحصول على تمويل يرتبط بنشاطهم الإنتاجي مباشرة، وبشروط أفضل مئات المرات، بل لا تقارن بشروط التمويل التَّقليديِّ[].

بالنسبة للإجارة: فقد أثبتت التجربة مرونتها - وإن كانت نسبيَّةً-، وقدرتها على الاستجابة لحاجيات المشروعات الصغرى والمتوسطة، هذا بالرغم من ارتفاع تكلفتها.

نأتي الآن إلى ما يمكن أن تقدِّمه هذه المنتجات من حلولٍ بشأن مشكل الضمانات، وكما يُلاحَظ أنه بدراستنا لهذا الجانب تمَّ التَّحقُّق من باقي الفرضيات المقدَّمة.

معلوم أن قضية الضمان ترتبط بعملية التوظيف وطبيعة المخاطر التي يحتمل التعرض لها. فطبيعة المخاطر التي يتعرض لها البنك في حالة التمويل بواسطة القروض التقليدية، تختلف عن تلك التي يتعرض لها في حالة التمويل بالمنتجات البديلة المذكورة.

إنَّ المخاطر التي تواجه البنك في الحالة الأولى، هي مخاطر عدم الالتزام بالتسديد، وبالتالي يجب توفير الضمانات اللازمة. إن نوعية الضمان يجب أن تكفل له استرداد حقوقه (ضمانات عينية وشخصية). فالعلاقة هنا بين الطرفين (المقاولة والبنك)، علاقة دائن بمدين. بالمقابل، نجد طبيعتها في ظل التمويل التشاركي، علاقة مشاركة في الربح والخسارة (خصوصا في ظل عقد المشاركة)، وفي ضوء ذلك، لا ترجع المخاطر هنا فقط، لاحتمالات عدم التزام العميل بالتَّسديد، وإنما ترتبط أيضا بنوعية العملية الاستثمارية.

فأوَّل هاته المخاطر التي يمكن أن يتعرَّض لها البنك في هذا الصدد، تأتي من قبل العميل المستثمر طالب التّمويل. حيث يمثّل عنصرًا أساسيًا لنجاح أو فشل العملية الاستثمارية، إذ يرجع بعضها إلى عدم كفاءته الفنّية والإدارية، بينما يرجع البعض الآخر إلى عدم أمانته ومحاولة تزويره الوثائق. ومن تمَّ فطبيعة الضَّمانات التي يجب توافرها هنا، يلزم أن تكون ملائمة لطبيعة المخاطر[].

ويتَّضح مما سبق أن الضمانات اللازمة لمواجهة هذا النوع من المخاطر تتركز حول نوعين: ضمانات أساسية تتمثل في توافر الكفاءة الأخلاقية والعملية في الزبون، وضمانات تكميلية تتمثل في الضمانات الشخصية والضمانات الحقيقية.

فهذا هو الإطار النظري للضمان المفترض العمل به في ظل هذا النوع من التمويل، وهو ما من شأنه حلُّ إشكالين، وهما:

1- إشكال اعتماد تقنيات اختيار الملفات المستفيدة من التمويل على أساس معيار الملاءة المالية، دون الأخذ بعين الاعتبار قدرة المشروع على تدبير مسلسل التمويل في اتجاه خلق القيم والاستثمارات.

2- حلُّ إشكال عدم توفر المقاولات الصغرى والمتوسطة على الضمانات الكافية، خصوصًا في الشِّـقِّ المتعلِّق بالضمانات الحقيقية. لكن باطِّلاعنا على تجارب مجموعة من البنوك الإسلامية في استخدام هذه الصيغ التمويلية، لاحظنا ما يلي:

في ظل عدم توافر عناصر الضَّمان الملائمة لطبيعة هذه المنتجات البديلة (عدم توافر النَّوعية الملائمة من المتعاملين لطبيعة هذه التَّمويلات، بصرف النَّظر عن كونه راجعٌ إلى واقع طبيعة البيئة، قصور أجهزة استعلام هذه البنوك حول الزبناء، قصور أجهزتها في دراسة وتقييم واختيار تنفيذ العمليات الاستثمارية)[]، أدَّت في النهاية إلى انحراف في التَّطبيق العمليِّ عن الإطار النَّظريِّ الصَّحيح المفترض له والذي ترتَّبت عنه آثارٌ، ويجدر بنا أن نذكر أهمِّها فيما يلي:

  1. الاعتماد على الضَّمانات التَّقليدية بصورة أساسيَّة.
  2. 2.تفضيل المرابحة والبيع الآجل، كصيغ تقترب من أساليب التمويل التقليدية في تنفيذهـا على المشاركة[]، حيث يحصل البنك على ربح مقطوع محدد مسبقًا، ويتحمل الزبون بمفرده مخاطر وخسائر العملية تقريبا. ويتضح أن أسلوب المرابحة قد استحوذ على نصيب الأسد[]، من جملة استثمارات هذه البنوك. بينما لم تحصل المشاركة إلا على نسب قليلة جدًّا. فبتقييم مجموعة من تجارب البنوك الإسلامية في مجال تمويل المقاولات الصغرى والمتوسطة، يلاحظ اعتمادها على عقد المرابحة فقط في أسلوب التمويل، دون عقد المشاركة والمضاربة، بنسب تصل إلى أزيد من النصف[].
  3. 3.تحوّل هذه المصارف عن تمويل غير القادرين على دفع الضمانات وأصحاب الصناعات الصغرى، إلى تمويل أرباب الأموال القادرين على تقديم الضمانات، خصوصًا ذوي المشاريع الكبرى[].

وعلى سبيل المثال، نشير إلى تجربة "البنك الإسلامي الأردني"، وتجربة "بنك البركة الجزائري"، حيث يلاحظ تشدُّد البنكين المذكورين في مطالبة هذه المنشآت بضمانات حقيقية، قد تصل إلى (120 في المائة) من قيمة التمويل[].

  1. 4.التَّركيز على العمليات الاستثمارية ذات الأجل القصير، عوض الاستثمارات طويلة الأجل، مع ما ينجم عن ذلك من انعكاس على محدودية استفادة المقاولات من تمويل استثماراتها؛ مما يوضِّح سقوط هذه المنتجات أيضا، في الاعتماد على التمويل قصير الأجل، وهو ما لا يتلاءم مع حاجيات تنمية المقاولات الصغرى والمتوسطة، التي تستوجب سياسة تمويلية قائمة على موارد طويلة الأمد، من شأنها الإسهام في خلق استقرار لبنيتها المالية.

من هنا يتَّضح أن مختلف الإشكالات المساهمة في بلورة إشكالية ولوج المقاولات الصغرى والمتوسطة إلى التمويل البنكي التقليدي تبقى واردة، أيضًا، في ظل التمويل بواسطة المنتجات البديلة "الإسلامية". صحيح أن صيغ التمويل البديلة هاته يمكن أن تساهم في تجاوز إشكال الأموال الذاتية الذي تعاني منه المقاولة الصغرى والمتوسطة (عبر عقد المشاركة)، وسد حاجياتها التمويلية الخاصة برأسمالها الثابت (عقد الإجارة وعقد المشاركة المتناقصة)، ورأسمالها العامل (عقد المرابحة)، لكن إشكال أهمِّية الضمانات لمواجهة مخاطر التمويل والتصدي لإشكال "عدم تناسب المعلومات "، وعدم كفاءة المتعاملين، مع ماله من انعكاس على إمكانات استفادة هذه المقاولات من هذه الصيغ، غلبة التمويل قصير الأجل من جهة، وارتفاع تكلفته من جهة أخرى، كل هذا يبقى حاضرًا أيضًا في ظل اعتماد صيغ المالية التَّشاركية.

المطلب الثاني: تحدِّيات البنوك التَّشاركية في مواجهة انتظارات المقاولات الصغرى والمتوسطة

مقابل الصعوبات والعقبات التي يقدّمها التمويل البنكي التقليدي، فإن المقاولات الصغرى والمتوسطة تبدي اهتماما واسعا بخصوص المنتجات التشاركية، بالرغم من فشل تجربة المنتجات البديلة[].

وهذا ما كشفت عنه مجموعة من الدراسات الميدانية، التي بحثت على أرض الواقع انتظارات وتطلُّعات هذه المقاولات من عملية ولوج البنوك التشاركية للسُّوق البنكية المغربية. وقبل الانتقال إلى رصد جانب من التَّحديات التي يجب على البنوك التشاركية رفعها لربح رهان الإسهام في تنمية المقاولات موضوع البحث، نبيِّن أوَّلًا أبرزها بإيجازٍ.

الفرع الأول: انتظارات المقاولات الصغرى والمتوسطة من ولوج البنوك التشاركية للسوق البنكية ببلادنا:

اعتمادًا على معطيات الدراستين الميدانيتين اللتين همَّتا رصد انتظارات المقاولات الصغرى والمتوسطة من التَّمويل التَّشاركي ببلادنا، خرجنا بهذه الخلاصة المركَّزة والمبيَّنة بالأرقام في الجدول التالي:

انتظارات المقاولات الصغرى والمتوسطة

الدِّراسة رقم (1)

الدراسة رقم (2)

تخفيض كلفة التمويل

96 ٪

57,6 ٪

أنواع التمويلات المرغوب فيها

مرابحة

مشاركة

مضاربة

مرابحة

مشاركة

مضاربة

........

........

83 ٪

........

56 ٪

31 ٪

تركيب بياني موجز من إعداد الباحثَين اعتمادًا على معطيات ونتائج الدِّراستين الميدانيتين

من خلال قراءة فاحصة لمعطيات هاتين الدِّراستين، يقف الباحث على جُملةٍ من الصُّعوبات التي لا زالت تتخبَّط فيها المقاولة الصغيرة والمتوسِّطة، وفي المقابل هناك طموحات وتطلُّعات تودُّ المقاولة المعنيَّة تحقيقها، ويمكن رصد بعضها - بناءً على المعطيات المتوفّرة- في الآتي:

1- إنَّ رغبةَ المقاولات الصُّـغرى والمتوسِّـطة في التَّسريع بالعمل بالمنتجات التَّشاركية ليس مرتبطًا فقط بالجانب العقائدي (الشَّـرعي)، ولكنه مرتبط أيضًا بالرَّغبة في الحصول على تمويلٍ بتكلفة مناسبة، والتي يمكن أن تفرزها المنافسة المتوقَّع خلقها من خلال التَّعدُّد المرتقب للمتدخلين في السوق البنكية المغربية (بنوك إسلامية - خليجية، نوافذ إسلامية مغربية، البنوك التِّجارية...).

ولعلَّ البحث عن تكلفة منخفضة لهذه الصِّيَغ التَّمويلية، يُفسِّرُ حجم الصُّعوبات التَّمويلية التي تعاني منها مقاولاتنا والمرتبطة أساسًا - كما سبقت الإشارة- بارتفاع التَّكلُفة النَّاجم عن ارتفاع نسب الفائدة، وكذا الطَّابع التَّعجيزي للضَّمانات المُطالَب بها من طرف البنوك التَّقليدية.

2- تُفضِّلُ المقاولات الاستفادة من التَّمويل بواسطة المشاركة والمضاربة اللتان تأتيان في المرتبة الأولى وتأتي بعدها المرابحة والإجارة في المرتبة الموالية، وهو ما ينمُّ عن رغبة المقاولات الصغرى والمتوسطة في تمويل تحل فيه المشاركة محل الضمانات وفوائد الائتمان المكلفة. وهو ما يجعل البنوك التشاركية مدعوة لتقديم تمويل تشاركي قائم بالدرجة الأولى على تقاسم الأرباح، تقوم فيه بدور الشريك المستثمر، وأيضًا المستشار المالي والإداري الذي يَسهـرُ على مُواكبة المشروع في مختلف مراحله.

وبناء على ما سبق، يتَّضح أن هذه الطّموحات هي أهمّ ما تنتظره المقاولات الصغرى والمتوسطة ببلادنا من البنوك التَّشاركية لتحقيقها.. فما هي التَّحديات التي يجب أن ترفعها - أوَّلًا- للاستجابة لها؟

الفرع الثاني: التَّحدِّيات الواقعيَّة للبنوك التَّشاركية:

  1. ضـرورة تغليب الدور التَّشاركي للبنوك الإسلاميَّة على دور الوساطة:

إنَّ أهمَّ تحدٍّ يجب رفعه من طرف البنوك التشاركية بالمغرب، هو الابتعاد عن "تقليد" البنوك التقليدية التجارية في كيفية تعاملها مع المقاولات الصغرى والمتوسطة، من خلال رفضها تحمل المخاطر، والبحث الدائم عن "الأمان"، فيما يخص توظيف أموالها.

إنَّ هذه البنوك يجب أن تركز على دورها التشاركي، والتأسيس لعلاقة قوامها الثقة وتبادل المعلومات بين كلا الطرفين، والتي تعد أهم عوامل الحد من تقييد الائتمان الذي تعاني منه هذه الشريحة من المقاولات، إلى جانب التقليص من تكلفة التمويل. ومن أجل أن تكون هناك ثقة وتبادل المعلومات، يجب أن ينظر إلى البنك كشريك، يعتمد على فهم مشخص لزبونه، وليس على إجراءات ذات طابع عام.

إنَّ التعاونَ بين هذا الأخير وبين المقاولة، يمكن من مصاحبتها خلال جميع مراحل حياتها، من خلال تمويل إقلاعها عبر قروض طويلة الأجل، وتوجيهها نحو أهم القرارات التي يمكن أن تتخذها على مستوى سياستها المالية وخطَّتها (استراتيجيتها) الشُّمولية (نظرًا لأن البنك يتوفَّر على معلومات مهمة حول القطاع الذي تنشط فيه)، إعلامها بالمساعدات المالية المتوفرة وباقي الامتيازات الممنوحة من طرف الدولة، مدها بقروض لتمويل استغلالها، مساعدتها على حل المشاكل المالية (استشارة، إعادة جدولة الديون، خفض أسعار الفائدة، إسقاط من الديون...)، كل هذا من شأنه التَّصدِّي لمجموعة من الأسباب التي تتحكَّم في ضعف ولوج المقاولات الصغرى والمتوسطة إلى التمويل البنكي، ويبقى أبرزها مشكل غلبة المديونية قصيرة الأجل "عدم تناسب المعلومات"، ضعف الوضع التفاوضي لهذه المقاولات...

إنَّ إنجاح تجربة البنوك التشاركية، يبقى رهينًا - في نظرنا - أيضًا بالعناية بتكوين موظَّـفي البنوك خاصة فيما يتعلَّقُ بالجانب الشَّـرعي، وأيضًا الاهتمام بالتَّـكوين المستمرِّ لهؤلاء لمواكبة كل النوازل والمستجدَّات في المجال المالي/الاقتصادي.

  1. الاهتمام بتأهيل الموارد البشرية للبنوك الإسلاميَّة:

 يعتبر التَّوفُّـرُ على الكفاءات البشرية المؤهلة، تحدِّيًا كبيرًا أمام قطاع التَّمويل التَّشاركي عمومًا، فصيغ هذا الأخير تحتاج في تطبيقها إلى نوعية خاصة من العاملين، لدرجة تجعل توافر هذه النوعية عقبة رئيسة تَحُول دون إمكانية تطبيقها؛ وذلك لأن أنظمة عمل هذه الصِّيغ يُمثِّلُ بناءً فكريًا خاصًّا مصدره التَّشريع الإسلامي في ارتباطه بالعقيدة والمعاملات والفقه الإسلامي في ارتباطه بالأحوال والمستجدّات، كما أنَّ آليات العمل بها، تختلف عن آليات العمل في الأنظمة التي تعتمد سعر الفائدة منطلقًا أساسيًا في معاملاتها، الأمر الذي يستدعى ضرورة توافر كفاءات مُؤهَّلة تُحيط بالقواعد والضَّوابط الشَّرعية الكلِّية التي تَحكُـم عمل هذه الصِّيغ المعاملاتية المعاصـرة[]، مع الحرص على التكوين المستمر لها - كما ذكرنا-؛ لأن هناك دائمًا مستجدَّات عربية وعالمية تنزل بالمكلّفين بين الفينة والأخرى؛ مما يستدعي بحثًا متواصلًا واجتهادًا مستنيرًا بروح العصر يُـواكبُها. 

خاتمة:

من خلال معالجتنا لهذا الموضوع المعاصر، خلصنا إلى مجموعة من النتائج، ومن أهمها ما يلي:

1- تتحكَّم مجموعة من العوامل في إفراز إشكالية تمويل المقاولات الصغرى والمتوسطة، أبرزها إشكال ضعف المعلومات والتواصل بين الطرفين، إشكال المبالغة في طلب الضمانات من طرف البنوك، إشكال ارتفاع تكلفة التمويل البنكي الموجه للمقاولات الصغرى والمتوسطة... فرغم مجيء الإصلاحات بالشروط والآليات التمويلية اللازمة لتقوية القدرات المالية لهذه الأخيرة، وإعدادها لمواجهة تحديات الانفتاح المتزايد للاقتصاد المغربي، فإنه لم يستطع التأثير على سلوك الطرفين في اتجاه نسج علاقة تشاركية تخدم مصلحة كليهما.

من هنا تظهر الأهمِّية التي يمكن أن تلعبها البنوك التَّشاركية على مستوى المساهمة في علاج إشكالية التَّمويل هاته.

2- إلزامية تغليب البنوك التَّشاركية عند اعتمادها بالمغرب للمقاربة التَّشاركية في تعاملاتها التَّمويلية؛ لتجاوز سلبيات الإصلاحات السَّابقة، والتأسيس لظروف ائتمانية جديدة، يتحول من خلالها الاهتمام من إدارة الإقراض إلى إدارة الاستثمار، ومن التَّركيز على الضَّمانات - بمختلف أنواعها - إلى التَّـركيز على البحث عن الجدوى الاقتصادية، ومن منح الائتمان للحصول على فائدة إلى تحفيز الادِّخار والاستثمار.

3- اعتمادُ المقاربة التَّشاركية من لدن البنوك الإسلامية، يظلُّ رهينًا برفع مجموعة من المعيقات التي ستمسُّ - بدون شك - مجال المنافسة المشروعة المفترضة بينها وبين البنوك التِّجارية عبر إعادة النَّظر في السياسة النقدية.

ويمكن أن نأخذ هنا - على سبيل المثال - آلية سعر الخصم أو سعر الفائدة الذي يعتمده البنك المركزي في عملية مدِّ البنوك بالسُّيولة، والتي ستجد فيه البنوك التشاركية نفسها غير مستفيدة من هذه الآلية، لاعتماد هذا الإقراض على الفائدة، وستكون بذلك مجبرة على الاحتفاظ بمعامل سيولة مرتفعة، الأمـر الذي ينعكس على قدرتها الاستثمارية بطبيعة الحال، وهو ما يستلزم معالجة هذا الإشكال القانوني، وذلك بالسعي لاستحداث أسلوبٍ يتوافق مع العمل البنكي الإسلامي، حتى يصبح البنك المركزي ملاذًا آمنًا - أيضًا- لهذه البنوك.

4- أبانت مجموعة من الدِّراسات التي همَّت النُّظُم المالية، أنَّ صعوبات الولوج للائتمان ترتبط في جُـزءٍ كبيرٍ منها بعدم توافر معلوماتٍ صادقةٍ وحديثةٍ حول الوضعية المالية للمَدِينين، وحول مستوى استدانتهم، وهو ما يدفع بالبنوك إلى مزيدٍ من الحذر وإلى تقييد الائتمان، وهو مشكلٌ يُعاني منه التَّمويل البنكي الإسلامي عمومًا. ومن تمَّ يُعدُّ تحسين الإعلام المالي حول المقاولات المغربية، أحد التَّـدابير المهمَّة والجوهريَّة من أجل تأسيس محيطٍ ملائمٍ لتمويل المقاولات الصغرى والمتوسطة، ونُثمِّنُ - هنا - مجهودات بنك المغرب بخصوص إنشاء مرصد حول المقاولات الصغرى والمتوسطة، بشراكة مع الوكالة الوطنية للنهوض بالمقاولات الصغرى والمتوسطة، والذي يهدف إلى بلورة مؤشِّـراتٍ ذات طبيعة نوعية، تتعلق بشروط ولوج هذه المقاولات للتَّمويلات البنكية، وكذا آليات للمواكبة؛ مما يُفضي إلى بلورة رؤيةٍ شاملةٍ ومشتركةٍ على الصَّعيد الوطني حول إشكاليَّة تمويل هذه المقاولات.

المصادر والمراجع: