العدد الحالي: شباط/فبراير 2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

عقد التوريد

د. فاطمة الفرحاني

دكتوراه معاملات مالية إسلامية

يعد عقد التوريد من المعاملات الحديثة التي ظهرت الزمن المعاصر، نمت الحاجة إليه في وقت وجيز وبشكل متسارع، بسبب التطور الحاصل في مجال العمران، والصناعة، والتجارة، والزراعة، وبالنظر إلى هذا العقد من الناحية الشرعية نجد أنه غير مستحدث وإنما له أصولا في المعاملات الإسلامية، وللتعرف على مفهومه وخصائصه وحكمه تناولته في النقطتين التاليتين:

النقطة الأول: مفهوم عقد التوريد وصوره

أولا: التوريد في اللغة: جاء في لسان العرب: قال الجواهري: ورد فلان ورودا: حضر. وأورَدَه غيره واستورده، أي أحضره، وابن سيده: تورَّده واستورده كورده. و"تورَّدَت الخيل البلدة إذا دخلتها قليلا قليلا قطعة قطعة". وفي المصباح المنير:"وَرَدَ زيد علينا وُرُودًا حضر ومنه وَرَدَ الكتاب على الاستعارة".

يتبين من خلال هذه التعارف أن معنى مادة ورد يدور حول الإحضار، ومن ثم فالتوريد إن لم يجد في المعاجم اللغوية بهذا اللفظ، فهو يعني إحضار الشيء.

ثانيا: عقد التوريد في الاصطلاح: إن عقد التوريد كعقد مالي، أو معاملة مالية هو عقد حديث، لم يذكر في كتب السلف عقد بهذه التسمية بالرغم من وجود بعض البيوع التي تشبهه إلى حد بعيد في كتب السلف، كبيع الأنموذج، وبيع الصفات، إلا أنهم لم يطلقوا عليه هذه التسمية.

أما كتب المعاملات الحديثة هناك تعريفات عديدة استخدمت فيها ألفاظ متقاربة وخرج أصحابها بمفاهيم متقاربة لهذا العقد منها ما يلي:

عرفه الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان بأنه: "عقد على عين مباحة، موجودة لا في مجلس العقد، مؤجلة التسليم، منضبطة بصفات معينة، بثمن مؤجل معلوم".

يفهم من هذا التعريف أن عقد التوريد شأنه شأن جميع العقود لا يصح إلا على ما هو مباح، كما أن المعقود عليه موجود خارج مجلس العقد لكنه موصوف  بصفات منضبطة دقيقة قبل العقد من طرف المورد للمورد له، وذلك للخروج من الجهالة المفضية للنزاع بين المتعاقدين، مؤجل البدلين (الثمن والمثمن)، أي غياب العوضين عن مجلس العقد في عقد التوريد.

وعرفه رفيق يونس المصري على أنه: "اتفاق يتعهد فيه أحد الطرفين بأن يورد إلى آخر سلعا موصوفة، على دفعة واحدة، أو عدة دفعات، في مقابل ثمن محدد، غالبا يكون مقسطا على أقساط، بحيث يدفع الثمن كلما تم قبض قسط من المبيع".

يصف هذا التعريف عقد التوريد أنه اتفاق ولا يكون عقدا إلا عند حضور البدلين في مجلس العقد، ويصف الطريقة التي يتم بها توريد السلع أنه يكون على أقساط والثمن يسلم أقساطا حسب تسلم السلع، في حين أن في عقد التوريد في الغالب ما تسلم السلعة دفعة واحدة والثمن على شكل أقساط.

وعرف كذلك على أنه: "عقد على موصوف في الذمة، يدفع جملة، أو مقسطا، في زمن ومكان معين، بثمن معلوم مؤجل جملة أو أقساطا".

كما أنه قد يكون عقداً بين جهة إدارية عامة أو منشأة خاصة (أو عامة) على توريد أصناف (سلع، مواد) محددة الأصناف في تاريخ معين لقاء ثمن معين، يدفع نجوما (أقساطا).

جاء هذا التعريف ليبين كيفية أداء الثمن والمثمن ذلك أنه يمكن أن يؤديا جملة واحدة أو عبر دفعات على أقساط، وهذا راجع لاتفاق المتعاقدين.

الترجيح:

يلاحظ من خلال هذه التعارف أن تعريف محمود إرشيد تعريف مختصر ومقتضب، جاء واصفا وصفا شاملا كاملا لعقد التوريد وللكيفية التي يتم بها تسليم وتسلم الثمن والمثمن.

وما يمكن الإشارة إليه أن عقد التوريد لا يكون بالضرورة بين منشأتين في بلدين مختلفين، ربما قد يكون بين منشأتين في نفس البلد، وقد يكون عقد التوريد عقد على سلع مثل توريد الأغذية والملابس والأدوية وغير ذلك، وقد يكون عقد على خدمات مثل: توريد الكهرباء والغازات والمياه ...إلخ. 

ثالثا: صور عقد التوريد

يظهر من خلال التعارف السابقة أن عقد التوريد يكون عبارة عن اتفاق بين شخص اعتباري أو معنوي مع طرف ثاني على توريد سلعة، أو سلع معينة له أو لصالح الغير، بحيث تسلم الكمية المتعاقد عليها من السلع دفعة واحدة في الوقت المحدد ويستلم الطرف الآخر الثمن، أو يكون الاستلام على شكل دفعات ويكون كذلك الثمن مقسطا حسب شروط العقد. 

ومن الصور الشائعة أيضا في عقد التوريد:

يدفع المشتري عربونا، أو تأمينا، أو ضمانا يحسب من ثمن السلعة المؤجل تسليمها، وذلك لضمان جدية المشتري.

أو يدفع كل من المتعاقدين مبلغا من المال يحسب على أساس نسبة الثمن لضمان التزام كل منهما بالعقد وتنفيذه، يودع لدى طرف ثالث، أو إدارة السوق كي تضمن تنفيذ العقد بين الطرفين، يعاد للبائع ما دفعه عند التنفيذ، ويحسب ما دفعه المشتري جزاء من الثمن الكلي. 

رابعا: الغرض من عقد التوريد

يهدف المشتري من عقد التوريد ضمان حصوله على المواد والسلع المطلوبة، في الآجال المتفق عليها، للاستفادة منه حسب احتياجات المورد إما تجاريا أو صناعيا، أو نوع من الخدمات، فعقد التوريد يرمي إلى التقليل من نفقات التخزين ومخاطره بالنسبة للسلع السريعة التلف، أو ذات المدة المحددة.

أما البائع فهو يلبي طلبات المشترين، عن طريق الأعمال التجارية الهادفة للربح، فعقد التوريد يقلل من مخاطر كساد البضاعة؛ لأن التاجر ينتجها بعد التعاقد عليها.

ومعرفة الثمن مسبقا في العقد في التوريد، يساعد البائع على تحديد تكاليف وثمن بضاعته التي يريد توريدها، أما البائع فمعرفة الثمن يسهل عليه تحديد إيراداته.

النقطة الثانية: خصائص عقد التوريد وحكمه

أولا: خصائص عقد التوريد

عقد التوريد هو عقد بيع، وبهذا فهو من عقود المعاوضات التي تقوم على أساس إنشاء واجبات متقابلة بين العاقدين يأخذ فيها كل من الطرفين شيئا ويعطي في مقابله شيئا، وذلك كالبيع والإجارة، والصلح على مال بمال، وله نفس خصائص عقود المعاوضات المعروفة، وأهمها ما يلي:  

- عقد التوريد عقد يحتاج إلى إيجاب وقبول من قبل المتعاقدين، ومن ثم فهو عقد رضائي يحتاج إلى موافقة الطرفين على مضمونه. 

 - عقد معاوضة كلا الطرفين يأخذ مقابلا ماديا مقابل ما يعطي للطرف الآخر.

- هو عقد ملزم للطرفين، فالمورد ملزم بتسليم السلعة، والمورد له ملزم بتسليم الثمن في الوقت المحدد، وبالتالي لا يمكن العدول عنه إلا إذا اتفق العاقدان على فسخه.

- هو عقد زمني، يعتبر الزمن عنصر جوهري فيه باتفاق المتعاقدين على تأجيل البدلين.

- هو عقد محدد يمكن فيه تحديد محل العقد بما يزيل الجهالة، وذلك أن كل من المتعاقدين يستطيع أن يحدد عند العقد القدر الذي يأخذه والقدر الذي يعطيه، وأن ليس عقدا احتماليا كالجعالة؛ لأن في العقد الاحتمالي لا يستطيع فيه كل من المتعاقدين أن يحدد عند العقد القدر الذي يأخذه أو القدر الذي يعطيه، وإنما يحدد كل ذلك في المستقبل تبعا لحدوث أمر غير محقق الحصول، وغير معروف زمن حصوله.  

ثانيا: حكم عقد التوريد

قبل الكلام عن الحكم الشرعي لعقد التوريد يكون الكلام أولا عن التكييف الفقهي له:

يعد عقد التوريد من العقود غير المسماة في الفقه الإسلامي، ولذلك لم يتعرض المتقدمون لأحكام هذا العقد باسمه المعاصر، وقد اختلف الفقهاء المعاصرون في تكييف هذا العقد على النحو التالي:

الفريق الأول: من أبرز الآخذين بهذا القول الدكتور رفيق  يونس المصري ، والدكتور تقي الدين عثماني حيث ردوا عقد التوريد إلى عقد الاستصناع والسلم، فإن كان محل العقد شيء يلزمه صنعة كان عقد استصناع وأخذ أحكامه، وإذا كان محل العقد شيء لا يلزمه صناعة كان عقد سلم وأخذ أحكامه.

الفريق الثاني: ورد عند هذا الفريق أن عقد التوريد هو: عقد بيع الغائب على الصفة وذلك لتعدد أوجه الشبه بين العقدين والتي من أهمها غياب العوضين عن مجلس العقد، وقيامه على أساس الوصف الكامل للسلعة.

الفريق الثالث: قال: بأن عقد التوريد من العقود المستحدثة والتي لا شبيه لها في المعاملات المالية القديمة، مع العلم أن الأصل في العقود الجواز والصحة ما لم تخالف نصا، أو أصلا، أو تؤدي إلى ربا، أو غرر، أو جهالة.

الترجيح:

بعد استعراض هذه الآراء الثلاث في تكييف عقد التوريد يظهر لي ولله أعلم أن عقده جديد، يأخذ صورا عديدة، ويمكن تكييف هذه الصور على النحو التالي:

١- إذا كان الشيء المورد مما يحتاج إلى صناعة فهو عقد استصناع تنطبق عليه أحكام عقد الاستصناع.

٢- إذا كان الشيء المورد مؤجل التسليم وموصوفا في الذمة، وكان الثمن معجلا فهو سلم تنطبق عليه أحكام السلم.

٣- إذا كان الشيء المورد مؤجلا، والثمن مؤجلا وهذا هو الغالب في عقود التوريد، فهذا لا يدخل في ضمن العقود المسماة، فهو من العقود المستحدثة.

الحكم الشرعي لعقد التوريد:

من خلال تكييف العلماء لعقد التوريد نجدهم انقسموا إلى فريقين في حكمهم على هذا العقد:

الفريق الأول: وهم المانعون:

قالوا بأن هذا العقد  ليس  بعقد مستحدث، وإنما هو عقد متردد بين الاستصناع  والسلم، فهو يأخذ حكم الاستصناع إذا كان محل العقد صناعة، ويأخذ حكم السلم إن كان محل العقد سلعة لا يلزمها صناعة، وبهذا فعقد التوريد ليس عقدا مستقلا، فإن خالف شروط عقدي السلم والاستصناع فهو عقد باطل.

وهذا بعض ما نص عليه قرار مجمع الفقه الإسلامي: 

أولا: عقد التوريد: عقد يتعهد بمقتضاه طرف بأن يسلم سلعا معلومة، مؤجلة، لصفة دورية، خلال فترة معينة، لطرف آخر، مقابل مبلغ معين مؤجل كله أو بعضه.

ثانيا: إذا كان محل عقد التوريد سلعة تتطلب صناعة، فالعقد استصناع تنطبق عليه أحكامه، وقد صدر بشأن الاستصناع قرار المجمع رقم ٦٥(٣/٧).

ثالثا: إذا كان محل عقد التوريد سلعة لا تتطلب صناعة، وهي موصوفة في الذمة يلتزم بتسليمها عند الأجل، فهذا يتم بإحدى الطريقتين:  أ- أن يجعل المستورد الثمن بكامله عند العقد، فهذا عقد يأخذ حكم السلم فيجوز بشروطه المعتبرة غالبا المبينة في قرار المجمع رقم ٨٥(٢/٩). ب- إن لم يجعل المستورد الثمن بكامله عند العقد، فإن هذا لا يجوز؛ لأنه مبني على المواعدة الملزمة بين الطرفين، وقد صدر قرار المجمع رقم (٤٠-٤١) المتضمن أن المواعدة الملزمة تشبه العقد نفسه فيكون بيع الكالئ بالكالئ، أما إذا كانت المواعدة غير ملزمة لأحد الطرفين أو كليهما فتكون جائزة على أن يتم البيع بعقد جديد أو بالتسليم.

استدل فريق المانعين على رأيهم بأحاديث من السنة والمعقول.

أولا: الأدلة من السنة: 

حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر». وجه الاستدلال في هذا الحديث: غياب العوضين عن مجلس العقد،  وهذا فيه جهالة وغرر في العقد مما يؤدي إلى فساده، وعقد التوريد يكون العوضان فيه غائبين عن المجلس.

حديث حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: « لا تبع ما ليس عندك». وجه الدلالة في هذا الحديث: يدل هذا الحديث أن بيع السلعة قبل أن يملكها البائع هو من قبيل بيع المعدوم وبيع الإنسان ما لا يملك محرم شرعا، وفي عقد التوريد غالبا ما يكون المورد غير مالك للسلعة.

عن بن عمر رضي الله عنه قال: « نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الكالئ بالكالئ». ووجه الاستدلال في هذا الحديث: إن المعاملة بين الطرفين فيها نسيئة، وتأخير البدلين في البيع غير مشروع هو من باب بيع الدين بالدين المجمع على عدم جوازه، وفي عقد التوريد يتأخر البدلين.

ثانيا: الأدلة من المعقول

تعتبر المواعدة التي تكون بين الطرفين عند إنشاء العقد هي بمثابة عقد، وبما أن العوضين غائبان عن المجلس فكأن العقد على غائب، لذا وجب أن لا تكون المواعدة ملزمة للخروج من شبهة العقد على الغائب غير متحققة  في عقد التوريد.

نجد قرار مجمع الفقه الإسلامي يعتبر عقد التوريد تابعا لعقد الاستصناع والسلم في حكمهما؛ فإن كان محل العقد ما لا يلزمه صنعة، فهو عقد سلم يجب تقديم جميع الثمن في مجلس العقد، أما إن لم يكن كامل الثمن فإنه لا يجوز؛ لأنه مبني على المواعدة الملزمة التي تشبه العقد نفسه، فيكون البيع بيع الدين بالدين المنهي عنه.

الفريق الثاني: وهم المجيزون

ومن أبرزهم الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان في بحث التوريد والزرقا في الفتاوى، والصديق الضرير في كتابه الغرر، فهم يقولون بأن عقد التوريد عقد مستقل وإن شابه السلم والاستصناع في بعض الجوانب وأخذ بأحكامهما، لكنه غير تابع لهم كليا؛ لأنه يخالف أحكام السلم دون الحكم عليه بالبطلان، كتأجيل الثمن عن مجلس العقد. واستدل هذا الفريق على رأيه من الكتاب والسنة والعقل.

أولا: الأدلة من الكتاب - استدلوا بقوله تعالى:  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (المائدة ١). ووجه الدلالة من الآية الكريمة:  أمره سبحانه وتعالى للناس بالوفاء بالعقود، وهذا عام يشمل العقود بجميع أشكالها وأنواعها، والأمر بالوفاء بالعقود هو أمر مطلق دون تعيين، فشمل العقود التي بين العباد والعقود بين الناس بعضهم مع بعض، كالبيع والإجارة، والزواج، وغير ذلك، وكل ما فيه مصلحة لا تخالف الشرع. 

-وقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ ۚ وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (النساء ٢٩). ووجه الدلالة من الآية الكريمة:  جواز كل بيع لا يشتمل على باطل، من غرر، ومخاطرة، وأن يكون عن تراض خاضع للضوابط الشرعية؛ لأن التراضي بما فيه خطر أو قمار لا يحل ولا يجوز.

ثانيا: الأدلة من السنة - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الملامسة والمنابذة». وجه الدلالة من الحديث: المراد بالملامسة والمنابذة هو: البيع بدون نظر ولا تأمل في السلعة ولا خبر عنها، وأما بيع التوريد فيحصل فيه العلم بالسلعة بالرؤية أو الإخبار بمواصفتها؛ لأن الخبر بمنزلة النظر؛ إذ يحقق المعرفة والعلم بالمبيع، وهو شرط في صحة البيع بالاتفاق، والعلم يحقق التراضي بين المتعاقدين، فإذا حصل العلم بالنظر أو الخبر في عقد التوريد جائز البيع وإلا فلا.

ثالثا: الإجماع - قد تم تعامل الناس بهذا النوع من البيوع منذ زمن بعيد إلى يومنا هذا، دون إنكار أحد، وإن لم يكن معروفا عندهم، وتعامل الناس من غير إنكار أصل كبير من الأصول  ويترك القياس بمثله كما قال العلماء.

رابعا: الأدلة من المعقول - تعد العقود والشروط من الأفعال العادية، والأصل في الأفعال العادية الجواز، فلا يقع التحريم إلا بالدليل، وما لم يقم الدليل على حرمة العقود والشروط بقيت العقود على الأصل وهو الحل، وأن الله سبحانه وتعالى أمر المسلمين بالوفاء بالعقود، وشنع عليهم نقضها، وتلك العهود والعقود كانت قائمة بينهم، وهم الذين قطعوها على أنفسهم، ولم يرد بها الشرع، فذلك على أن الأصل في العقود الإباحة.

والحاجة الماسة إلى هذا النوع من البيوع وفي مشروعيته دفع الحاجة، ورفع المشقة؛ لأن الله شرع العقود لمصلحة العباد، ورفع الحرج مطلبا أساسيا أمرت به الشريعة.

وبالتالي فعقد التوريد جوز لوجود المقتضى وانتفاء المانع؛ لأن عقد التوريد خالي من المحظورات الشرعية ويضمن تحقيق المصالح، وأن عقد التوريد خال من المحرمات المبطلة للعقد أو المنهيات التي نهى عنها الشارع، من ربا وغرر وجهالة وقمار.

مناقشة أدلة المانعين:

أدلة المانعين:

استدلوا بحديث بيع الغرر، لما فيه الجهل والقمار وعدم القدر على التسليم. فعقد التوريد مبني على الوصف الدافع للغرر، مع اطمئنان المشتري على قدرة البائع على تسليم المبيع في الوقت المحدد ولو بضمانات مالية.

ولقد أجاز الفقهاء القدامى بيع الأعيان الغائبة وذلك بوصفها حيث جاء في التفريغ للجلاب: "لا بأس ببيع الأعيان الغائبة عن الصفة، فإن وافقت الصفة لزم البيع، وإن خالفت الصفة، فالمشتري بالخيار إجازة البيع أو رده...وإن كانت السلعة المبيعة على الصفة مأمونة فلا بأس بنقد ثمنها؛ وإن كانت غير مأمونة فلا ينعقد ثمنها قبل قبضها، ولا بأس ببيع الصفات التي تكون في السلعة".

حديث (لاتبع ما ليس عنك): فهذا الحديث داخل في بيع المعدوم، فالمنهي عنه بيع عين غير مملوكة له، ليسعى في تحصيلها وتسليمها للمشتري.

أما المورد في الغالب يكون مالك للسلعة، أو تكون بينه وبين أصحاب السلع اتفاقيات.

حديث بيع الدين بالدين: عقد التوريد ليس فيه شغل لذمة أحد المتبايعين، وذلك أن العقد يظل جائزا قابلا للفسخ حتى يتم تسليم المبيع، والثمن مؤجل إلى حين تسليم المبيع، إلا أن يكون المشتري متطوعا في تعجيل الثمن، ويبقى العقد جائز غير لازم حتى يتم التسليم والاستلام للعوضين.

الترجيح:

يتبين مما سبق ذكره أن عقد التوريد يتبع عقد الاستصناع والسلم في الحالة التي يشابهها في مواطن هذه العقود ويأخذ بأحكامها، وهو عقد مستقل له أحكامه الخاصة به التي قد تخالف السلم مثل حالة تأجيل الثمن؛ لأن الحكم بتبعية كل عقود التوريد لعقد السلم في صحته وبطلانه إذا لم يحقق شروط السلم، يعني هذا الحكم على معظم عقود التوريد بالبطلان؛ لأن غالب عقود التوريد فيها تأجيل الثمن لحين استلام البضائع وهذا مخالف لشروط عقد السلم.