العدد الحالي: كانون أول/ديسمبر 2018       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

إضاءات محمد بن الحسن الشيباني على القانون الدولي الإنساني (2)

حمزة عبد الرحمن عميش

باحث في القانون الدولي والعلاقات الدولي

الحلقة (٢)

 

إضاءات الشيباني على القانون الدولي الإنساني في السير الكبير 

الإضاءة الأولى: مبدأ ضرورة التميز: 

 يقوم القانون الدولي الإنساني على مجموعة من المبادئ الأساسية، والتي تتفرع بدورها إلى أحكام تفصيلية تهدف في مجموعها إلى تحديد الضمانات اللازمة للحد من آثار النزاعات المسلحة، العمليات الحربية على الأشخاص الذين لا يشاركون في القتال، أو أصبحوا غير قادرين على المشاركة.

 ومن أهم المبادئ " مبدأ التميز ": الذي يقوم بدور التميز بين السكان المدنيين والمقاتلين، حيث نصت المادة (١٤) من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف: "على أن تعمل أطراف النزاع على التميز بين السكان المدنيين والمقاتلين والأعيان المدنية والأهداف العسكرية، ذلك من أجل تأمين واحترام وحماية السكان المدنيين والأعيان المدنية، وهذا المبدأ منبثق عن العرف الدولي ويعد أساس من أساسات الحرب وأعرافها.

 ومن أهمية هذا الموضوع فقد اعتبر الشيباني هذا المبدأ من أهم أوليات الكتاب فقد ذكره في أوائل ما كتبه في المجلد الأول فقال رحمه الله: بعث أبو بكر الصديق رضي الله عنه يزيد بن أبي سفيان على جيش فخرج معه يمشي وهو يوصيه فقال يزيد يا خليفة رسول الله أنا أركب وأنت الماشي فما أن تركب وإما أن أنزل فقال أبو بكر رضي الله عنهما أنا بالذي أركب وما أنت بالذي تنزل، وأني احتسب خطاي هذه في سبيل الله فقال رضي الله عنه إني موصيك بعشر فاحفظ: إنك ستلقي أقواماً زعموا أنهم قد فرغوا أنفسهم لله في الصوامع فذرهم، وما زعموا أنهم فرغوا له أنفسهم، وقال ولا تقتلن مولوداً ولا امرأة ولا شيخاً كبيراً ولا تقعرن شجرة بدا ثمره ولا تحرقن نخلاً ولا تقطعن كرماً ولا تذبحن بقرة ولا شاة ولا ما سوا من المواشي إلا للأكل.

ولتوضيح لما أورده الشيباني في كتابه نقول: 

إن المقاتلين في العرف الدولي الحاضر هم كافة أفراد القوات المسلحة لأطراف النزاع عدا أفراد الخدمات الطبية والوعاظ.

وأما في النزاعات المسلحة غير الدولية: فهم أولئك الذين يقومون بدور مباشر في الأعمال العدائية، وذلك بنص المادة الثالثة من اتفاقيات جنيف الأربع.

 والمدنيون في النزاعات المسلحة الدولية: الأفراد الذين ليسوا أو لم يعودوا في القوات المسلحة، أما في النزاعات المسلحة غير الدولية، فالمدنيون هم الأشخاص الذين لا يشتركون في الأعمال العدائية.

 وقد نص الشيباني رحمه الله في كتابه: أن رجال الدين آمنون في صوامعهم، يمنع الاقتراب منهم أو محاربتهم، ونرى في هذا فكراً متطوراً سباقاً في هذا المجال.

جاء في اتفاقية جنيف الرابعة المادة ٩٣ السماح لرجال الدين بممارسة أنشطتهم الدينية وشعائرهم، لكن رحمه الله كان سباقاُ حيث منع الاقتراب من رجال الدين أو التكلم معهم وقال (ذرهم وما فرغوا أنفسهم له) فهو بهذا يكون رحمه الله قد أعطى بعداً إنسانياً أشمل وأوسع بصيرة من اتفاقية جنيف الرابعة، إذ منع الاقتراب من رجال الدين، واتفاقية جنيف تطالب فقط بالسماح لهم بممارسة شعائرهم الدينية، ولا تمنع اعتقالهم.

  • ولا تقتلن مولوداً "وما منى أحد إلا وهو مولود" لكن المراد هو الصبي، وسماه مولوداً لقرب عهده بالولادة، والمراد إذا كان لا يقاتل.
  • ولا شيخاً كبيراً: وهذا يعني إذا كان لا يقاتل، ولا رأي له في الحرب والقتال، وإذا كان له رأي في القتال فإنه يقتل، والدليل أن النبي أمر يقتل دريد بن الصمة في غزوة حنين، وكان ذا رأي في الحرب.
  • ولا تقعرن شجرة بدا ثمره، ولا تحرقن نخلة، ولا تقطعن كرماً: وقد استدل الأوزاعي رحمه الله تعالى فقال: لا يحل للمسلمين أن يفعلوا شيئاً من أعمال التخريب في دار الحرب، لأن ذلك فساد والله لا يحب المفسدين واستدل بقوله تعالى: "إ ذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ".

جاء في البروتوكول الثالث في المادة الثانية: يحظر أن تجعل الغابات وغيرها من أنواع الكساء النباتي هدف للهجوم بأسلحة محرقة إلا في حين استخدامها لستر المحاربين. 

وقال لا تذبحن بقرة ولا شاه ولا سوى ذلك من المواشي إلا للأكل.

وزاد الشيباني رحمه الله "ولا تغلن " والغلول هو اسم لأخذ بعض الغانمين شيئاً سراً لنفسه ولو كان طعاماً أو شراباً، وذلك كله حرام.

 وقال تعالى " وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ".

 وقال "إياكم ولأشر ورب الكعبة لتأشرن " والأشر نوع من الطغيان سببه الثراء الفاحش، وأكل أموال الناس بالباطل.

الإضاءة الثانية: الإنذار قبل الحرب: 

لا يختلف الشرع الإسلامي عما هو مقرر في دساتير الدول الحديثة، في أن ولي الأمر (الإمام) هو القائد الأعلى للجيش والقوات المسلحة، وهو المتخصص في إعلان الحرب حسبما تقتضي مصلحة الأمة، ومصدر هذا الحق لولاة الأمور راجع إلى إمامتهم نيابة عن صاحب الشرع في حفظ الدين وسياسة الدنيا.

وفقهاء القارة الأوربية لم يشككوا أبداً في ضرورة صدور الإعلان قبل الحرب، واعتبر الفقه الانجلوسكسوني هذا الأمر لمدة طويلة مجرد اشكاليات اختيارية بحته يمكن تجاهلها، وانقسم الفقهاء الأوربيين في هذه المسألة إل فريقين وكل فريق استند على موقفه أيد موقفه بحجة رآها مناسبة.

الفريق الأول: قالوا أنه من غير المعقول أن تضعف الدولة موقفها العسكري بالتخلي عن الفائدة، التي يمكن أن تعتمد عيها من استخدام عنصر المفاجأة في الحرب.

الفريق الثاني: قالوا إن بدء الحرب يعرف جيداً، من التحقق من أول عمل عسكري، وذلك أكثر دقة من تحديد بدئها من مجرد الإعلان الرسمي.

وبدأ التقنين الفعلي إعلان الحرب أول مرة في الاتفاقيات الدولية، بإبرازه في اتفاقية الثالثة من اتفاقيات لاهاي لعام ١٩٠٧م، المتعلقة ببدء الأعمال الحربية، حيث نصت على ضرورة وجود إعلان سابق وواضح لا لبس فيه .

 ويأخذ اعلان الحرب شكلين: 

أولهما: اعلان ذو أثر مباشر، ويجب أن يكون هذا الاعلان من حيث المبدأ مسبباً.

ثانيهما: اعلان الحرب المشروط، وهي طريقة تقدين انذار نهائي موجه للدولة، بأن توفي بالتزامات معينة أو تتخذ موقفاً معيناً خلال مدة محددة وإلا بدأت الحرب تلقائياً بانتهاء فترة الانذار.

 وبموجب المادة الثانية من الاتفاقية السابقة يجب ايصال اعلان الحرب إلى الدول المحايدة.

 وقد لوحظ عند بدء الحرب العالمية الأولى أن الدول احترمت هذا الالتزام الاتفاقي بإعلان الحرب قبل بدئها، وقد تم ذلك بصفة خاصة من قبل اليابان. 

آثار إعلان الحرب

 يترتب على إعلان الحرب أو مباشرتها واقعياً آثار هامة فهي تؤدي تلقائيا إلى: 

  1. حلول حالة الحرب محل حالة السلام، وبكل ما تعنيه من مضاعفات.
  2. نشوء موقف الحياد المؤقت للدول غير المحاربة.
  3. انتهاء بعض المعاهدات السابق عقدها بين الدول المتحاربة.
  4. قطع العلاقات الدبلوماسية بين الدول المتحاربة: عندما تنشب الحرب فمن الطبيعي رحيل الممثلين الدبلوماسيين للدول المتحاربة وعودتهم لأوطانهم، لان الحرب معناها قطع العلاقات الدبلوماسية، وقد يتم تبادل الدبلوماسيين في إقليم محايد، والأصل أن يعهد بمصالح الدول المتحاربة إلى دولة ثالثة تكون محايدة بينهم، ومثلت سويسرا دبلوماسياً ٣٥ دولة خلال الحرب العالمية الثانية ومثلت السويد ١٩ دولة أما وظيفة الدولة المحايدة المنوط بها تمثيل الدولة المتحاربة فهي: 
  • إدارة المفاوضات المتعلقة بتبادل الموظفين الدبلوماسيين والقنصليين للدولة التي تمثلها.
  • حماية رعايا تلك الدولة والعمل على عودة المدنيين المحجوزين بالدولة المحاربة إلى وطنهم.
  • حماية الأملاك العامة للدول المتحاربة ( المباني الرسمية وغيرها.)
  • حماية أسرى الحرب وذلك بالتعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر ( زيارة المعسكرات، توزيع إعانات، تبادل معلومات الشخصية، وإعادة المرضى والجرحى لوطنهم )

ثالثاً: الوضع القانوني لمواطني الدول المتحاربة: هنا نميز بين الأشخاص الطبيعيين والأشخاص الاعتباريين والمؤسسات: 

  • الأشخاص الطبيعيين: وينظر على الجنسية وهذا النظام هو النظام الفرنسي، وكان هناك نظام الانجلو سكسوني القائم على محل الإقامة، ولكن تخلت عنه بريطانيا عن هذه الفكرة منذ ١٩١٥ م.
  • الأشخاص الاعتباريين أو المؤسسات: فقد استقر الأمر بشأنها خلال الحرب العالمية الأولى على اعتبار صفة العدو مرتبطة بالإدارة أو بملكية رأس المال، وكانت هذه النظرية مطبقة من جانب بريطانيا قبل الحرب العالمية الثانية، ثم طبقتها فرنسا خلال تلك الحرب وأيدت معاهدة الصلح ١٩١٩م هذه النظرية بصدد الأموال الموجودة في الدول المتحالفة والمملوكة لشركات تدار بواسطة العدو كما اتبعت نفس النظرية محاكم التحكيم المختلفة.

وكما كان يمكن للأشخاص العاديين أن يقيموا على إقليم الدولة المحاربة ولكن هذا النظام اختفى، ليحل محله، أما نظام القبض على رعايا الأعداء وحجزهم أو طردهم من الإقليم، وتميزت الحرب العالمية الثانية بحجز الأشخاص الأعداء في معسكرات اعتقال. وبعد الحرب العالمية الثانية قنن هذا الأمر في اتفاقية جنيف المتعلقة بحماية الأشخاص المدنيين وقت الحرب. 

لكن في شرعنا الحنيف، لا يترك الأمر لمجرد الإشكاليات الاختيارية والكيفية، بل هو من صميم الحرب، وقصة مسلم بن قتيبة حين فتح مدينة سمرقند دون إبلاغ أهلها، فشكى كهنة المدينة قتيبة إلى عمر بن عبد العزيز فأمر بإخراج الجيش كامل الجيش من المدينة، لعدم إنذار القائد قتبة سكان مدينة سمرقند.

قال محمد رحمه الله في كتابه السير الكبير: فإن كان قوم لم يبلغهم الإسلام، فليس ينبغي لهم أن يقاتلوهم حتى يدعوهم، وبه وصى رسول الله أمراء الجيش فقال ﷺ: " فادعوهم إلى شهادة ألا اله إلا الله " لأنهم ربما يظنون أننا نقاتلهم طمعاً في أموالهم وسبي نسائهم، ولو علموا أننا نقاتلهم على الدين، ربما أجابوا إلى ذلك من غير أن تقع الحاجة إلى القتال.

وفي عرض الإسلام عليهم أولاً دعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، فيجب البداية بها فإن كان قد بلغهم الإسلام وأبوا تعرض عليهم الجزية، قال تعالى: " حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون"فإن أبوا وعارضوا نشر الإسلام، وجب على المسلمين القتال لنشر الدين، وهذا الخيار هو الخيار الأخير، وإنما جعلت الخيارات السابقة لحماية المدنيين والممتلكات.

فالقتال ليس من أجل القتال، وليس هدفاً في حد ذاته بل هو وسيلة لنشر السلام والإسلام، ويحق للمسلمين أن يفاجئوا عدوهم في حالات استثنائية وهي: إذا اقتطعوا جزءاً من بلاد المسلمين أو نقضوا العهود والمواثيق.

وتجدر الإشارة أن مجال الدعوة إلى الله اليوم مفتوح أمام المسلمين في كل البلاد، فليس اليوم هناك حاجة لتجهيز الجيوش بحجة نشر الدين، فكل البلاد مفتوحة أمام المسلمين، ونحن اليوم بحاجة إلى فريق من العلماء لتوضيح حقيقة هذا الدين، وحقيقة الإسلام.

الإضاءة الثالثة النهي عن التمثيل بالقتلى: 

لا بد من الحفاظ على الكرامة الإنسان حياً وميتاً، وهذا المبدأ يتطلب احترام جثث الموتى، فلا يُعبث بأجسادهم، ويمنع التعذيب والتمثيل بالقتلى فهذا الأمر منهى عنه في الإسلام والأدلة على ذلك كثيرة منها: 

ذكُر عن عنبة بن عامر الجهني رضي الله عنه أنه قدم إلى بكر الصديق رضي الله عنه برأس يناق البطريق فأنكر عليه ذلك، فقيل يا رسول الله إنهم يفعلون ذلك، فقل الصديق رضي الله عنه: أتحملون الجيف إلى مدينة رسول الله ، وقال: لا تحملون إلينا منهم شيئاً.

ويجب على المسلمين أن يدفنوا قتلى العدو، ويوقف القتال لنقلهم تبادل المعلومات عنهم، وهذا من المصالح المرسلة والاستحسان للضرورة.

قال الشيباني رحمه الله: لا تحمل الرؤوس إلى الولاة لأنها جيف فالسبيل دفنها لإماطة الأذى، وإذا رغب الأعداء بتسلم جثث قتلاهم، لا يمنعون ذلك بدليل ما رواه ابن عبد الله أبو اسحاق في المغازي أن المشركين سألوا النبي ﷺ أن يبيعهم جسد نوفل بن عبد الله بن المغيرة، وكان قد اقتحم الخندق فقال ﷺ "لا حاجة لنا بثمنه ولا جسده".

ويجوز مبادلة جثث قتلى العدو والاحتفاظ بها لمبادلتها بأسرى المسلمين وهذا من مبدأ المعاملة بالمثل.

الإضاءة الرابعة: أموال المعاهدين 

 قال محمد رحمه الله: إذا أودع المسلمون قوماً من المشركين، فليس يحق لهم أن يأخذوا شيئاً من أموالهم إلا بطيب أنفسهم، للعهد الذي جرى بينهم، فإن ذلك العهد فيه حرمة التعرض للأموال والنفوس، فكما لا يحل شيئاً من أموال المسلمين إلا بطيب أنفسهم، فكذلك لا يحل شيئاً من أموال المعاهدين، ولأن الأخذ بغير طيب أنفسهم بمعنى الغدر والخيانة وترك الوفاء، وكان رسول الله يقول: "وفي العهود وفاء لا غدر فيه"، ويكون الشيباني أول من طرح فكرة الحياد وخصوصاً في الأموال فكان يمنع سلب أموال المعاهدين. 

وذهبت المادة الرابعة من البروتوكول الإضافي الثاني لاتفاقيات جنيف عام ١٩٧٧م على ما يلي: الضمانات الأساسية لجميع الأشخاص الذين لا يشتركون بصورة مباشرة، أو لم يعودوا قادرين على الاشتراك في الأعمال العدائية تعد محظورة من السلب والنهب.

وذهب محمد رحمه الله إلى أبعد من ذلك، ولم يشترط أن يكونوا مقاتلين، بل يكفي أن يكون لديهم ودائع ويجب حفظها لهم.

 وهذا الأمر ليس موجوداً في كثير من الدول، فإنه من المتعارف عليه، عند نشوب حرب بين بلدين يكون ميع الناس عرضة للقتل، وسلب حقوقهم وأموالهم، الشواهد على ذلك كثيرة، يكون الفرد في حالة أمان كلي على نفسه وأهله وماله.

ومفهوم الأمان ومشروعيته ليس موجوداً عند أكثر شعوب العالم، والأمان الذي يقوم به الفرد لشخص ما أو لمجموعة هو أمان مشروع ولا يجوز نقضه، يلزم جميع الأشخاص بما فيهم ولي الأمر لقوله : "قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ".

قال محمد رحمه الله: إن أمن رجل من المسلمين قوماً من المشركين فأغر عليهم قوم آخرين من المسلمين فقتلوا الرجال وأصابوا النساء والأموال فاقتسموها وولد منهم أولاد، ثم علموا بالأمان فعلى المقاتلين دية القتلى.

لأن أمن الواحد ماض في حق المسلم فيظهر به العصمة والتقوم في نفوسهم وأموالهم، والقتلى منهم بصفو الخطأ حين لا يعلموا بهذا الأمان، ومع قيام الشبه المبيحة وهي المحاربة فيجب الدية قال تعالى: "ودية مسلمة إلى أهله، وتحرير رقبة مؤمنة " والنساء والأموال مردودة اليهم لبطلان الاسترقاق. 

عن أبي جعفر محمد بن علي أنه قال: لما بلغ رسول الله ما فعل خالد بن الوليد لبني جذيمة رفع يديه إلى السماء وقال: "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالدأ ثلاث مرات ثم دعا علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال خذ هذا المال، فاذهب إلى بني جذيمة واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك، خذ لهم ما أصاب خالد فخرج إليهم بذلك المال، فأدى لهم كل ما أصاب خالد منهم حتى أنه أدى لهم ميغلة الكلب، حتى لم يبقى لهم شيئاً يطلبونه، وبقي مع علي رضي الله عنه بقية من المال قال علي رضي الله عنه هذه البقية من المال لكم من رسول الله ﷺ مما أصاب خالد مما لا يعلمه ولا تعلمونه فأعطاهم ذلك.

وبذلك يكون رحمه الله قد سبق المشرعين الدوليين، ولم يسبقه أحد في هذا المبدأ، وهذا أسمى مبادئ المعاملة الإنسانية، يقوم على كرامة الإنسان وحمايته في جميع الأحوال، بما في ذلك وقت الحرب، إن هذا الاحترام في المعاملة الإنسانية في جميع الأزمنة، وبان الفرد الواحد يعطي أمان تلتزم به أمة دون اتفاقية أو معاهدة، لهو أرقى ما يمكن أن يتوصل له فقهاء القانون مهما حاولوا في هذا جهد وعمل.

وعهد الأمان ليس موجوداً عند أي من الأمم الآخرين، فهو خاصة كرم بها الله سبحانه وتعالى أبناء هذا الدين.

الإضاءة الخامسة: قتل الأسرى والمن عليهم: 

إن الدولة المتورطة في النزاع حتى تحقق مبتغاها وهو النصر سوف تعمل على تدمير، أو إضعاف الطاقة الحربية لعدوها، والتي تتكون من عنصرين: هما الإمكانيات البشرية والإمكانيات المادية ومن المعروف إن الدولة المحاربة تعمل على تخفيض الطاقة البشرية للدولة التي تحاربها، والتي يقصد بها الأفراد المشاركين مباشرة في المجهود الحربي بثلاثة طرق رئيسية: هي( القتل أو الجرح أو الأسر) هذه الطرق الثلاثة تتساوى فيما يتعلق بالنتائج العسكرية كما تتساوى في قدرتها على إضعاف قوة العدو، لكن المنطق الإنساني ينادي بما هو مختلف فالإنسانية تتطلب الأسر بدلا من الجرح والجرح بدلا من القتل. 

قال محمد - رحمه الله -: الإمام بالخيار في الرجال من الأسارى المشركين بين أن يقتلهم أو يمن عليهم وكان الحسن رضي الله عنه يكره قتل الأسير إلا في الحرب ليهيب العدو.

ووجه القول في إباحة القتل لدفع محاربتهم لقوله تعالى ( فان قاتلوكم فاقتلوهم).

 وقد اندفع ذلك بالأسر وانقضاء الحرب فليس في القتل بعد ذلك إلا إبطال حق المسلمين وإنما أمرنا بالقتال إلى غاية الأسر، أما إذا كان من الذين لا ينقطع أذاهم إلا بالقتل فيجب قتله عملا بالقاعدة الفقهية (إذا ضاق الأمر اتسع).

وهذا ما تذهب إليه اتفاقية جنيف الرابعة في المادة الثالثة: 

يحظر الاعتداء على الحياة والسلامة البدنية وخاصة القتل بجميع إشكاله والتشويه والمعاملة القاسية والتعذيب.

فان محمد - رحمه الله - وهكذا نرى أن الشيباني كان متبصراً بأحوال القانون الدولي الإنساني.

وقد حض القرآن الكريم على إطعام الأسير فقال تعالى: " وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا".

 والرسول ﷺ أوصى أصحابه الكرام البررة، بإكرام أسرى بدر فكانوا يقدمونهم على أنفسهم في طيب الطعام، ودليل ذلك أن ثمامة بن آثال وقع أسير في أيدي المسلمين فجاؤوا به إلى النبي ﷺ فقال: "أحسنوا إساره، وقال ﷺ أجمعوا ما عندكم من طعام فابعثوا به إليه "، وكانوا يقدمون إليه الطعام كل صباح ومساء لبن ناقة حلوب كانت لرسول ﷺ.

وكذلك بالنسبة لكسوة الأسرى بالملابس، فإنها أمر مطلوب شرعاً، وقد طبقه الرسول ﷺ على أسرى بدر، فقد روى جابر: لما كان يوم بدر أتى بالأسارى، وأتى بالعباس، ولم يكن عليه ثوب فنظر النبي ﷺ له قميص عبد الله بن أبي يقدر عليه فكساه النبي ﷺ فياه، وذلك لأنهم لم يجدوا قميصاً يصلح للعباس إلا قميص عبد الله لأنه كان ذا بسطة في الطول. ولقد قال أبو يوسف: إن الأسير يجب أن يطعم وأن يحسن إليه حتى يحكم فيه إما بالمن أو بالفداء؛ لقوله الله تعالى: " فإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ".

وتطلب اتفاقية جنيف: أن تقدم الدولة الحاجزة للأسرى الغذاء الكافي لهم مع تنوعه بحيث تكفل الحالة الصحية للأسرى، ولا تعرضهم لنقص الوزن أو تفشي الأضرار الناشئة عن سوء التغذية، وتذويدهم بكميات كافية من مياه الشرب والملابس الداخلية والخارجية.

الإضاءة السادسة: ما يحل للمسلمين إن يفعلوه بالعدو وما لا يحل 

الضرورة الحربية: 

الحرب هي حالة تناقض مع حالة المجتمع إلا وهي السلم، ولا يسوغ نشوب الحرب إلا بوجود ضرورة، إذ لا يمكن القبول بان تكون هدفا في حد ذاتها، فالحرب هي وسيلة بل يجب أن تكون الوسيلة الأخيرة التي تستخدمها الدولة لإجبار دولة أخرى على الإذعان والاستسلام وهذا ما جاء في" إعلان سان بطرسبرغ" لعام ١٨٦٨ م.

 بينما تؤكد في الفقرة الثانية من ديباجة اتفاقية لاهاي الرابعة لسنة ١٩٠٧ (قانون الحرب البرية وأعرافها ) "مصالح إنسانية " وتشير الفقرة الخامسة من الديباجة نفسها إلى الحد من آلام الحرب حسب ما تسمح به الضرورات العسكرية، ونجد في اتفاقيات جنيف وبروتوكولها الإضافي الأول بالخصوص مواد محددة ورد فيها ذكر الضرورات الحربية أو ما يرادفها مثل عبارة المقتضيات العسكرية الحتمية، ذكرت الأسباب العسكرية الملحة التي يمكن أن تبرر استثنائياً نقل المدنيين أثناء نزاع مسلح داخلي، وطبقاً لأحكام القانون الدولي الإنساني، يعد جريمة من جرائم الحرب تدمير الممتلكات والاستيلاء عليها على نطاق واسع وبصورة غير مشروعة واعتباطية ما لم تبرر الضرورات العسكرية لذلك. 

 إن الهدف الوحيد المشروع الذي تسعى إليه الدول أثناء الحرب هو: إضعاف قوات العدو العسكرية لذلك فان إقصاء أكبر عدد ممكن من الجنود يكفي لتحقيق هذا الغرض، وبالتالي كل العنف الذي لا ضرورة له لتحقيق هذا الهدف إنما هو عنف لا غرض له ويصبح عملا وحشيا.

وهذا الغرض الإنساني سعى محمد بن الحسن الشيباني - رحمه الله- قبل إعلان سان بطرسبرغ بألف سنة.

فقال: لا بأس بتحريق حصون العدو وتغرقيها ما داموا ممتنعين فيها سواء كان فيها قوما من المسلمين أسرى أو مستأمنين أو لم يكونوا والأولى لهم إذا كانوا يتمكنون من الظفر بهم بوجه أخر إلا يقدموا على التغريق أو التحريق لأن ذلك إتلاف أطفالهم ونسائهم وذلك حرام شرعاً فلا يجوز المصير إليه إلا عند الضرورة والضرورة فيه ألا يكون لهم طريق أخر يتمكنون من الظفر بهم بذلك الطريق، والسفينة في ذلك كله بمنزلة الحصن في جميع ما ذكرناه.

ويشترط أن يكون هذا العمل لإنجاز عمل أسمى وأكبر وأنفع للأمة، أما إذا كان هذا العمل بلا منفعة، أو المنفعة المرجوة منه قليلة فلا يجوز ذلك.

ويبقى كل شئ من أعمال الانتقام والثأر لا يجوز قطعاً، وخصوصاً الاغتصاب، وسرقة الأموال، وكل شئ مخالف للشرع يبقى مخالف للشرع سواء في الحرب، أو بعد الحرب.

الإضاءة السابعة: أحكام المن والفداء: 

قال الشيباني - رحمه الله - ولا بأس بأن يفادى أسرى من المسلمين بأسرى من العدو الذين في أيدي المسلمين من الرجال والنساء فإن اسلم الأسير قبل إن يفادى لا يجوز يفادى به أنه أصبحوا مسلمين والمسلمون تتكافأ دمائهم.

"وهذا من أهم المعاملات الإنسانية أن يتساوى الأسير وقائد الجيش إذا اسلم فله ما للمسمين وعليه وما عليهم" 

ويجب إعطاء الأمان للأسير إذا كان خائفا على نفسه من القتل، ففي عميلة المبادلة وإعطاءه حق العيش في بلاد المسلمين، بشرط ألا يتعرض لهم نشئ من الأذى ويحمل هذا الأمان أعلى هرم حماية الكرامة الإنسانية في جميع الأحوال. 

الإضاءة الثامنة الجاسوس الذمي والمعاهد: 

اختلف الفقهاء في مصير الجاسوس المستأمن أو الذمي، فقال الإمام مالك والأوزاعي والإباضية: ينتقض عهده بالتجسس ويجوز قتله. 

قال الشافعية: ينتقض أمان الجاسوس وينبغي ألا يستحق تبليغ المأمن فيغتال لأن دخول مثله خيانة. أما الذمي فالأصح انه إن شرط انتقاض العهد بالتجسس انتقض وإلا فلا. وإذا انتقض العهد فيختار الإمام فيه قتلاً ورقاً ومناً وفداءً.

وقال الحنابلة في الأرجح عندهم: إن التجسس ينقض العهد، وحينئذ يخير الإمام بين القتل والاسترقاق والفداء والمن كالأسير الحربي، لأن لا عهد ولا عقد يبقى بعد النقض فأشبه اللص بالحربي، ويرى ابن القيم أن قتل الجاسوس راجع إلى رأي الإمام فإن رأى في قتله مصلحة للمسلمين قتله، وإن رأى بقاءه أصلح استبقاه. 

 وقال الحنفية: لا ينقض العهد بالتجسس، ولكنه يعاقب الجاسوس ويحبس ويقتل وذهب أبا يوسف أن يقتل الجاسوس الذمي والمستأمن، فقد كتب إلى هارون الرشيد "وسألت يا أمير المؤمنين عن الجواسيس يوجدون من أهل الذمة أو أهل الحرب أو من المسلمين ؟فإن كانوا من أهل الحرب أو من أهل الذمة ممن يؤدي الجزية من اليهود والنصارى والمجوس فاضرب أعناقهم" وذهب أستاذنا الدكتور وهبه الزحيلي رحمه الله: أن يقتل الجاسوس بصفة عامة مسلماً كان أو غير مسلم لشدة خطره على المصلحة العامة.

ولم ينهى النبي قتل حاطب بن أبي بلتعة لما بعث يخبر أهل مكة بمسير الرسول الله إليهم ولم يقل رسول الله : لا يحل قتله إنه مسلم بل قال: "وما يدريك لعل الله أن يكون قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم".

ويتفق عمل الدول في الوقت الحاضر على قتل لجاسوس، لأن الخطر الذي تتعرض له الدول من حصول الجواسيس على أسرارها الحربية، جعلها لا تتورع عن إنزال أشد العقاب بهم وهو رمياً بالرصاص أو الشنق.

الخاتمة:

 كان محمد بن الحسن الشيباني رحمه الله بحق الرائد في مجال القانون الدولي الإنساني، فقد أرسخ قواعده ورسخها جليلة في كتابه السير الكبير، الذي يعد بحق المرجع الأساس والمصدر الرئيسي في القانون الدولي عامة وفي القانون الدولي الإنساني خاصة، فقد رأينا من خلال تلكم الإضاءات التي استعرضناها كيف وضع قواعد واضحة تبين القيمة الحقيقية لأخلاق المسلمين في أشد الحالات حرج وهي حالة الحرب، وهذا رد واضح على من يقولون: أن في الحرب كل شئ مباح، وعندنا كل شئ وإن كان في الحرب فلديه ضوابط أخلاقية وإنسانية يجب التقيد بها.

ويجب على المسلمين أن يلتزموا هدى الله تعالى في قرآنه حين يقرر وحدة الخلق والخالق ووحدة الإنسانية والإخاء الإنساني الشامل، والله سبحانه وتعالى هو الخالق والناس خلقه وصنعه، واقتضت إرادته وحكمته أن يتفاوت الناس في عقولهم وآرائهم وأفكارهم وعقائدهم، وأن الناس جميعاً أحرار يختارون ما فيه مصلحتهم6 في ضوء الوحي الهي ورسالات الأنبياء، قال سبحانه وتعالى محددأ سبيل النجاة، وهو اتباع رسالات الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام: "كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ۚ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۖ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ۗ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ".

وانطلاقاً من هذه الآية لا يقاتل في الحرب إلا من يقاتل أو يمد المقاتلين الرأي أو التدبير أو التخطيط، ليس القتال إلا للدفاع ومنع الظلم ورد العدوان، ولا يجوز التمثيل بالأشخاص، لا يصح التجويع والتعذيب، والاعتداء على الحرمة الإنسانية إلا لضرورة ولرد العدوان.