العدد الحالي: نيسان/ أبريل 83-2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

الصكوك بديل شرعي للسندات وآلية جديدة لتمويل الاقتصاد الوطني

فيصل اوعلي اوبها

عضو جمعية الباحثين في المالية الإسلامية

 

مع افتتاح المصارف التشاركية بالمغرب لأولى وكالاتها، وتسويقها لبعض العقود والمنتجات المصادق عليها من طرف المجلس العلمي الاعلى، وفي انتظار الاعتماد النهائي لمنتوج التأمين التكافلي ومؤسساته من طرف هيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي كمنظم للقطاع، ازداد الطلب بشكل جلي على إحداث سوق مالي تشاركي بمختلف أدواته وآليات عمله، وتعد الصكوك إحدى أهم المكونات الرئيسة لهذا السوق، فهي أوراق مالية ذات قيمة موحدة، تمثل حصصا شائعة في أعيان أو منافع أو خدمات، أو في أصول مشاريع أو أنشطة استثمارية تدر دخلا، قابلة للتداول في السوق المالي ما لم يكن أصلها دين(مع مراعاة أحكام التداول في الديون).

فوائد الصكوك:

فضلا عن كونها مبنية على أصول حقيقية، عينية كانت أو معنوية، فإن الصكوك تعد إحدى الآليات الجديدة لتمويل المشروعات العامة (الدولة) والمحلية (الجماعات المحلية والجهات). فمن شأنها دعم الحكومة ومؤسساتها في تنويع مصادرها التمويلية وتحقيق أهدافها التنموية. وتعد أيضا أداة فعالة لإدارة السيولة بالنسبة للمؤسسات المالية بشكل عام، والتشاركية منها على الخصوص، فضلا عن كونها بديل شرعي للسندات وأذونات الخزينة.

ويتجلى دورها الأساسي أيضا في حشد المزيد من المدخرات المحلية لتلبية الاحتياجات التمويلية المطلوبة للاستثمار الوطني، وتوفير السيولة اللازمة من خلال تشجيع واستقطاب المستثمرين الداخليين والخارجيين مما سيؤثر إيجابا على انسياب رؤوس الأموال الأجنبية إلى الاقتصاد المغربي وتحسين عافيته، فضلا عن إمكانية إدراجها وتداولها بالسوق المالي واستخدامها من طرف بنك المغرب كأداة للتحكم في السياسة النقدية للمملكة. 

الصكوك والسندات... أية فروق؟:

تختلف الصكوك عن باقي أدوات التمويل التقليدية كالسندات في العديد من الخصائص، فالأول يمثل حصة في ملكية موجودات (أعيان، منافع، نقود، ديون...)، أي أنها حقوق عينية مماثلة للأسهم، في حين أن السندات تمثل ديونا في ذمة الجهة المصدرة لها، ولا تتعلق بأية أصول عينية. أما في ما يخص تحمل المخاطر، فحامل الصك يتأثر بنتائج أعمال المشروع، غنما أو غرما، بخلاف السند الذي لا يتأثر بنتيجة أعمال الشركة، لأن حامله يستحق القيمة الاسمية للسند في موعد الاستحقاق بفائدة محددة سلفا، فهو قرض في ذمة مصدره.

للتاريخ عرفان:

كان التميز في المجال من نصيب دولة ماليزيا التي أطلقت أول إصدار لها في عام ١٩٩٥ لبناء محطة كهربائية بمبلغ ٣٥٠ مليون دولار، لتحذو حذوها باقي دول المعمور. ويعد التصكيك أو التوريق إحدى المبادئ التي تستند عليها جلّ اصدارات الصكوك، ويتأتى ذلك من خلال الحصول على الأموال من الجمهور عن طريق تحويل قيمة الأصول إلى أوراق مالية يمكن تداولها في السوق المالي، وينتج عن ذلك توفير السيولة اللازمة لمصدريها لتمويل مشاريعهم أو شراء أصول جديدة.

 وللتمييز بين الاصدار الأولي للصكوك والتصكيك، فإن الأول يستخدم لإقتناء أو تشييد أصول لأول مرة، بينما الثاني يسبقه امتلاك المؤسسة المصدرة لأصل مدر للدخل، ويشتركان في عملية الإكتتاب وطرح الأوراق المالية للجمهور

أول خطوة:

في إطار تفعيل وسائل جديدة لمد المنظومة المالية التشاركية بأدوات وقيم مالية منقولة متوافقة مع مبادىء الشرع الحنيف، تجربة جديدة يعيشها الاقتصاد المغربي، وتتمثل في قيام المملكة بأول اصدار للصكوك السيادية بقيمة مليار درهم (ما يناهز ١٠٦ مليون دولار) في الخامس من أكتوبر ٢٠١٨، وسيتم هيكلة هذا الاصدار الأول من نوعه على هيئة صكوك الإجارة بعد إحالته إلى المجلس العلمي الأعلى وتأشيره عليه، باعتباره الجهة الوحيدة المكلفة بالمطابقة وإبداء الرأي الشرعي في عمليات إصدار شهادات الصكوك طبقا للتشريع الجاري به العمل مع أحكام الشريعة الاسلامية ومقاصدها كيفما كانت الجهة المصدرة لها، وبعد موافقة الهيئة المغربية لسوق رأس المال، الجهة المنظمة للقطاع. 

و قد حدد أجل الاصدار في خمس سنوات تبتدأ من شهر أكتوبر ٢٠١٨ وتطفأ في نفس الشهر من سنة ٢٠٢٣، خاص بالمسستثمرين المؤسساتيين الداخليين نظرا لتواضع حجم التداول في المرحلة الأولى، في انتظار تقييم التجربة والوقوف على الايجابيات ودعمها ورصد المعوقات واصلاحها، ثم فتح المجال لمشاركة المستثمرين الخارجين وبقية الافراد والمؤسسات في عملية التداول الخاصة بالاصدارات المقبلة. وتبلغ قيمة الصك الاسمية ١٠٠٠٠٠ درهم للصك الواحد، وبمعدل تأجير سنوي ثابت مقداره ٢.٧٢٪ دون احتساب الرسوم، تدفع كل ١٥ أكتوبر من كل سنة.

أما بالنسبة لأطراف عملية التسنيد، فنجد المؤسسة المبادرة ممثلة في الدولة المغربية وبالضبط "مديرية أملاك الدولة" التابعة لوزارة الاقتصاد والمالية التي تعنى بتدبير أملاك الدولة وتثمينها، والتي قامت بتفويت جزء من أصولها الكائنة بالعاصمة الاقتصادية للمملكة لفائدة صندوق التسنيد، الذي يتعهد باعادة تأجير ها للدولة بالقسط التأجيري الموضح في العقد.

أما المؤسسة المسؤولة عن تدبير صندوق التوظيف الجماعي للتسنيد، فتتمثل في شركة "المغربية للتسنيد" إحدى فروع صندوق الإيداع والتدبير، والتي تعد أول شركة تسنيد في شمال افريقيا ودول المغرب الكبير.

في حين تم تعيين "الأخضر بنك " كوديع لعملية الاصدار وحافظا أمينا لأصوله، تماشيا مع مقتضيات قانون تسنيد الأصول التي تشترط في مؤسسة الايداع أن تكون بنكا تشاركيا اذا تعلق الأمر بصناديق التسنيد المصدرة لشهادات الصكوك، وبناء على طلب عروض شاركت فيه ثلاث أبناك تشاركية.

أما صندوق التوظيف الجماعي للتسنيد، فهو عبارة عن ملكية مشتركة وكيان قانوني ذو شخصية معنوية، ينحصر دوره في تملك أصول المؤسسة المبادرة وفقا للأحكام التشريعية التي تنظمها، يؤدى ثمنها بواسطة حصيلة إصدار الصكوك. 

أما المتدخل الإخير في عملية التسنيد فهم المستثمرون الذين يقومون بشراء الصكوك من لدن الصندوق من أجل الاحتفاظ بها أو التصرف فيها بكافة أنواع التصرفات الشرعية، بيعا وهبة ووصية ونحو ذلك.

ورغم تأخر طرح هذا الإصدار السيادي وتم تأجيله مرات كثيرة لأسباب متعددة لعل أهمها حرص وزارة المالية على إنجاز طرح مكتمل الأركان ضمانا لنجاح عملية التصكيك الأولى من نوعها بالمملكة. وكتحفيز لهذه المبادرة، قامت الدولة بمنح ضمان لسداد المبالغ المستحقة لفائدة القسم الأول من الاصدار المسمى "FT IMPERIEUM SUKUK CI" في حدود مليار ومائة مليون درهم، رغم التحفظ الشرعي الذي أثارته مسألة التعهد بالضمان من طرف الدولة باعتبارها مؤسسة مبادرة وضامنة في نفس الوقت، علما أن بعض المستثمرين في استعداد تام لتحمل المخاطرة.

ويتوقع العديد من المهنيين والأكاديميين أن يساهم هذا الاصدار في فتح شهية المستثمرين الراغبين في تنويع الأدوات والقيم المنقولة بما يتلائم وقناعتهم الخاصة، وفي احترام تام لمبادئ الشرع الحنيف، دون إغفال القيمة المضافة لمناخ الاستثمار في المجال وتحفيز تداول الصكوك في أسواق المال، بل وتحقيق نمو اقتصادي تشاركي ومستدام.