العدد الحالي: كانون أول/ديسمبر 2018       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

تحديد السِّعر العادل بين الفكر الاقتصادي الغربي والإسلامي

أمل خيري أمين محمد

باحثة دكتوراه في الاقتصاد – جامعة القاهرة

 

شغل مفهوم السِّعر العادل المفكرين على مدار تاريخ الفكر الاقتصادي. وفي الوقت الذي يعتقد البعض فيه أن فكرة السِّعر العادل تعود جذورها إلى فكرة "الثَّمن العادل" في الفكر المسيحي الغربي في العصور الوسطى، فإن الفكر الاقتصادي الإسلامي قد عَمَد إلى تأسيس نظرية متكاملة عن الثَّمن العادل، تميزت عن الفكر المسيحي في هذا الصدد بالسبق الزمني، من جهة، والثراء والتفصيل الأوضح، من جهة أخرى.

وتسعى هذه الدراسة إلى التأصيل لمفهوم السعر العادل في كلٍ من الفكر المسيحي والإسلامي، وذلك من خلال التعريف بمفهوم الثَّمن العادل، وكيفية تحديده في الفكر المسيحي الغربي، ثُم دراسة أهم المعالم التي تميز منظومة الثمن العادل في الفكر الاقتصادي الإسلامي، مع الإشارة ضمنًا إلى بعض أوجه التباين أو الاتفاق بينهما. 

أولًا- تحديد الثَّمن العادل في الفكر المسيحي الغربي:

ظهر مفهوم الثَّمن العادل Just Price، في القرن الثالث عشر الميلادي، على يد القديس توما الأكويني St. Thomas Aquinas (1225-1274م) الذي يُعد من أشهر فلاسفة العصور الوسطى، وينتمي الأكويني إلى الفكر المدرسي، وهو الفكر الذي تأثر مؤسسوه بالفكر الديني الكنسي في تلك الفترة، حيث حاولوا التوفيق بين العلوم الدينية والدنيوية. 

ويُلاحظ أنه قبل ظهور الفكر المدرسي في القرون الوسطى، لم تتأثر الأسعار بقوى السوق (العرض والطلب)؛ لأن الطوائف الحرفية هي التي كانت تحدد الأسعار، في ضوء التكلفة مع إضافة هامش مقبول للربح، وتتحدد تكلفة السلعة بكمية العمل التي بذلت في سبيل إنتاجها. 

ثُم جاء الفكر المدرسي ليتحدث عن الثَّمن العادل لأول مرة بدوافع دينية؛ إذ قال القديس توما الأكويني - في معرِض حديثه عن مشروعية الأسعار-: "إجابتي عن ذلك أنه لَإِثْم عظيم أن يُمارَس الاحتيال، من أجل بيع شيء بأكثر من ثمنه العادل... فبيع شيء بثمن أعلى مما يستحق - أو شراؤه بثمن أرخص مما يستحق- يعد في حد ذاته سلوكًا غير عادل وغير قانوني".

ويتضح من مقولة الأكويني أن تطبيق الثَّمن العادل يُفرَض بوصفه التزامًا دينيًا؛ وبالتالي فإن ممارسة الاحتيال لا تجعل الشخص مُعرَّضًا للإدانة فقط من جانب اﻟﻤﺠتمع، وإنما يتعرض أيضًا لجزاء ديني سواء في الدنيا أو الآخرة.

ويَعتبر الأكويني الثَّمن العادل هو ذلك الثَّمن الذي يُمَكِّن المنتِج من أن يعيش بمستوى شريحته الاجتماعية، وفي الوقت نفسه يجب أن يكون ثمن السلعة في متناول المستهلك، مما يعني أن الثَّمن العادل هو: "ذلك الثَّمن الذي يغطي النفقة التي تحملها البائع في سبيل إنتاج السلعة، دون أن يحقق للبائع ربحًا، وإنما مكافأة تُعطَى له لقاء ما تَكبَّده من مشقة في صنع السلعة؛ بحيث تكفل له أن يعيش كغيره ممن لهم ظروفه الاجتماعية نفسها"، وبعبارة أخرى فالثَّمن العادل - برأي الأكويني - يجب أن يكون مساويًا لنفقة الإنتاج، وألا يُلحِق ضررًا لا بالبائع ولا بالمشتري.

ويمكن القول إن فكرة الأكويني عن الثَّمن العادل انبثقت من نظريته عن المساواة الجبرية بين الأفراد؛ فالثَّمن العادل يتحقق حينما يغطي التكاليف وجهد الصانع أو التاجر، تبعًا لمستوى المعيشة التقليدي لهما، وكان لفكرة الثَّمن العادل قيمة نظرية؛ حيث ساعدت حينها على استقرار الأسعار والأجور إلى حدٍ كبير. 

ومع ذلك لم يذكر الأكويني كيفية تحديد الثَّمن العادل الذي يُرضي الرب، وهنا برز الخلاف بين المَدرسيين؛ ففي حين طالب بعض رجال الدين بأن تتدخل الدولة في تحديد أسعار السلع بما يكفل تحقيق العدالة، عارض ذلك الأكويني؛ نظرًا لإيمانه بالحرية الاقتصادية، وقد لجأ الأكويني في تبرير ما ذهب إليه إلى حجج لاهوتية، مثل: "اتركها للسوق"، "أنا لا أطلب سعرًا إلا ما تَطَلَّبُه السوق"، فقد كانت المفاضلة إذن في ذلك الوقت بين الأخلاق والسوق، وكانت السوق هي الأقوى عبر القرون منذ أيام الأكويني.

وبعد الأكويني تراجع مفهوم السِّعر العادل أمام المركنتلية Mercantilism‏؛ إذ إن الشاغل الرئيس للتجار لم يكن ارتفاع الأسعار، بل ألا تؤدي المنافسة إلى شدة انخفاضها. 

ومع ظهور كتابات آدم سميث الداعية لحرية التِّجَارَة، لم يعد هناك أي حديث عن السِّعر العادل، حتى جاءت حركة التِّجَارَة العَادِلَة Fair Trade لتعيد إلى الأذهان فكرة السِّعر العادل مرة أخرى على يد قساوسة ورجال دين مسيحي في أوروبا إِبان الحملات الاستعمارية، وكانت هي الأساس لجهود أنصار الحركة التي بقيت حتى اليوم.

وبظهور حركة التِّجَارَة العَادِلَة أضحى السعر العادل يتحدد عن طريق التفاوض والتشاور بين المُنْتِجين والتجار؛ حيث يجري تحديد الحد الأدنى للسعر الذي يبدأ عنده التفاوض، على أساس أسعار السلع الدولية.

وتشير حركة التجارة العادلة إلى مجموعة من المبادرات التجارية التي يتم تنفيذها وفقًا لأهداف ومعايير معينة، والبعض اعتبرها حركة اجتماعية منظمة تهدف إلى التخفيف من حدة الفقر، وتعزيز التنمية المستدامة وتحقيق قدر أكبر من المساواة والتكافؤ في التِّجَارَة الدولية.

ويُعَرِّفها البعض على أنها: "نموذج مبتكر لسلاسل التوريد Supply Chain، يُوَزِّع فوائد اقتصادية أكثر عدالة بين جميع أصحاب المصلحة"، أي أنها نموذج بديل للتِجارة، تم تطويره لمساعدة المُنْتِجين المحرومين في البلدان النامية، من خلال تحسين نمط حياتهم عبر شراكات تجارية، وتعالج هذه الشراكات أوجه التفاوت التجاري في السوق العالمي، والتي تشمل عدم الوصول إلى الأسواق والتكنولوجيا، ومعرفة أفضل الأعمال والممارسات البيئية، ومصادر الائتمان. 

وقد بدأت حركة التجارة العادلة في صورة مجموعة من الأنشطة والتحركات الشعبية غير الرسمية، منذ أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، إِبان الفترة الاستعمارية؛ حيث كان المبشرون المصاحبون للحملات الاستعمارية، يجلبون معهم مُنتَجات من دول الجنوب، لبيعها مباشرةً في دول الشمال داخل الكنائس وفي المنازل، دون وجود وسطاء تجاريين كمحاولة لدفع سعرٍ عادلٍ لهؤلاء المُنْتِجين الفقراء. وقد تطورت هذه التحركات الشعبية حتى انتهت بإنشاء المنظمة الدولية للتجارة العادلة عام 1989.

ويُعد السعر العادل قوام هذه الحركة، التي تُعرِّف السعر العادل على أنه السعر الذي يتم تحديده من خلال الحوار والمشاركة بين المنتج والمشتري، بحيث يقوم على رضاء الطرفين، ويشمل هذا السعر تكاليف الإنتاج الأساسية، إضافة إلى فرق سعر معقول لصالح المنتِج، لالتزامه المعايير البيئية والصحية والاجتماعية، ولا تُميّز التِّجَارَة العَادِلَة بين المُنْتِجين حسب النوع؛ فيتساوى الرجال والنساء في كيفية تحديد السعر لنفس السلعة، وتعمل منظمات التِّجَارَة العَادِلَة على حصول المُنْتِجين، سواء كانوا حرفيين أو مزارعين، على التدريب الكافي، لزيادة قدرتهم التفاوضية، وإمكانية تحديد السعر العادل المناسب بأنفسهم.

ثانيًا- تحديد الثَّمن العادل في الفكر الإسلامي:

في الوقت الذي يدين فيه الفكر الغربي بالفضل للقديس توما الأكويني، لحديثه عن الثَّمن العادل، كان للفكر الإسلامي السبق والريادة في تقرير الثَّمن العادل، وبيان كيفية تقديره. وقبل التعرض لإسهامات بعض المفكرين الإسلاميين في مسألة الثَّمن العادل، ينبغي في البداية الإشارة إلى أن الفكر الاقتصادي الإسلامي تميز عن غيره من المدارس الفكرية، بالتمييز بين عدة مصطلحات تتشابه معًا وتختلط لدى البعض حول الأثمان؛ إذ فَرَّق الفقهاء والمفكرون الإسلاميون تفرقة دقيقة بين السِّعر والثَّمن والقيمة.

فلفظ السِّعر يستخدم في الدراسات الإسلامية، بنفس المعنى الذي يستخدم به في الدراسات الوضعية، والذي يمكن تلخيصه في أنه يعبر عن "نسبة التبادل بين السلعة والنقود".

أما الثمن فهو ما يتراضى عليه العاقدان، بخلاف السعر الذي يتمثل فيما يطلبه البائع؛ فالسعر هو الذي يقوم عليه الثَّمن، أي هو الأساس الذي يتم عليه احتساب الثَّمن عند التبادل.

أما القيمة، فتعبر عن الثَّمن الحقيقيّ للشّيء؛ "فقيمة الشيء عبارة عن قدر ماليته بالدراهم والدنانير، وهي مساوية له، بخلاف الثَّمن الذي قد يكون زائدًا أو ناقصًا عن قيمة الشيء" ، والفرق بينها وبين السِّعر: أنّ السِّعر ما يطلبه البائع ثمنًا لسلعته سواء كان مساويًا للثّمن الحقيقيّ أو أزيد منه أو أقلّ.

بعد هذا العرض الموجز لخلاصة التفرقة بين السِّعر والثَّمن والقيمة، تنتقل الدراسة للتعرف على منظومة السعر العادل لدى بعض الفقهاء والمفكرين الإسلاميين، بادئين بظهور فكرة السعر العادل التي أشار إليها الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ثُم عوامل تحديده كما ذكرها أبو الفضل الدمشقي، مُتبِعين ذلك بدور ولي الأمر في تحديد السعر العادل لدى الإمامين: ابن تيمية وابن قيم الجوزية، وانتهاءً بالحكمة من تحديد السعر العادل، كما بينَّها العلامة ابن خلدون؛ توطئة للتعرف على أهم دعائم منظومة السعر العادل في الإسلام.

  1. نشأة فكرة السِّعر العادل في الفكر الإسلامي:

يُعد الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه (٢٣ ق.هـ ٤٠ هـ = ٥٩٩-٦٦١م) أول من ذكر فكرة السعر العادل وأَبانها في رسالته للأشْتَر النَّخَعِي حينما وَلَّاه على مصر، حيث كتب له: "وليُكن البيع سَمْحاً، بموازين عَدْل، وأسعارٍ لا تُجْحِف بالفريقين، من البائع والمبتاع". 

وتستند فكرة السعر العادل عند الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى أن تحديد سعر السلعة ينبغي أن يتم في ضوء ظروف العرض والطلب السائدة في السوق، دون إجحاف أو ظلم بالبائع أو المشتري، فمن الإجحاف بَخْس الثَّمن من المشتري أو رفع الثَّمن دون مبرر من قبل البائع.

  1. عوامل تحديد السِّعر العادل في الفكر الإسلامي:

تَعرَّض أبو الفضل الدمشقي لمسألة الثَّمن والقيمة، وذكر العوامل المؤثرة في تحديد الثَّمن، ومن بينها المكان، والقرب من المادة الخام، وقلة العرض أو زيادته، وتغير الطلب أو نقصه، ثُم تكلم عن القيمة المتوسطة باعتبارها "الثَّمن العادي" للسلعة، وهو ما يمكن النظر إليه على أنه الثَّمن العادل والحقيقي للسلعة في فكر الدمشقي، وحدَّد الدمشقي طريقة معرفة هذا الثَّمن العادي، بسؤال الثِقات الخبراء عن سعر ذلك في بلدهم على ما جرت به العادة في أكثر الأوقات، ومعرفة الزيادة المتعارفة فيه والنادرة، وكذلك النقص المتعارف فيه والنادر، وقياس بعض ذلك ببعض، ثُم "تستخرج بقريحتك لذلك الشيء قيمة متوسطة أو تستعملها من ذوي المعرفة والأمانة منهم".

إذن يتحدد السعر العادل للسلعة في نظر الدمشقي، بمعرفة القيمة المتوسطة لها، التي لا تظلم البائع أو المشتري، والتي استخدمها للدلالة على القيمة التبادلية، ويتم تحديد هذه القيمة المتوسطة من خلال اتباع أساليب علمية صحيحة للتعرف على السعر الصحيح والمناسب للسلعة، والذي لا يتضمن إجحافًا بالبائع أو المشتري.

كما تناول الإمام ابن تيمية (661 - 728هـ = 1263 - 1328م) فكرة السِّعر العادل، من خلال استعماله لكلمتي "سعر المِثل" و"المُعادل" في تحليله حول الأسعار؛ فمع تسليم ابن تيمية بأن تحديد الأسعار يتم عن طريق المواجهة بين العرض والطلب، إلا أنه يضيف أن "سعر المِثل يمثل النسبة التي يبيع الناس بها سلعهم، والمقبولة عادة كمُعادل لقيمة سلع مماثلة في نفس المكان وفي نفس الزمان".

فسعر المِثل لدى ابن تيمية يتم تحديده في ظروف عادية، تتسم بالشفافية والتنافس الحُرّ دون ظلم أو غش، كما يرى أن عملية تحديد الأسعار يجب أن تأتي نتيجة مشاورات واسعة مع الجهات المعنية، والتي تشمل ممثلي التجار وممثلي المشترين على حد سواء، فيقول: "لا تُحدَّد الأسعار دون موافقة الأطراف المعنية".

  1. دور ولي الأمر في تحديد السِّعر العادل في الفكر الإسلامي:

أشار ابن تيمية إلى دور ولي الأمر في تحديد السعر العادل، وقام بالتمييز بين حدود هذا الدور في كل من الأحوال العادية وغير العادية؛ فقد منع تدخل ولي الأمر في الأسعار إذا كانت الأسعار عادلة تحقق مصلحة الطرفين (الأحوال العادية)، ولكنه أكد حق ولي الأمر في التدخل بالتسعير إذا تضمن السِّعر غبنًا لأحد الطرفين، فيقول: "إذا كانت حاجة الناس تندفع إذا عملوا ما يكفي الناس؛ بحيث يشتري إذ ذاك بالثَّمن المعروف لم يحتج إلى تسعير، أما إذا كانت حاجة الناس لا تندفع إلا بالتسعير العادل، سَعَّر عليهم تسعير عدلٍ لا وَكْس ولا شَطَط". 

فقد استخدم ابن تيمية مصطلح "الثَّمن المعروف" للدلالة على السِّعر العادل، الذي إذا لم يتحقق وحده بفعل قوى العرض والطلب، يتدخل ولي الأمر لمنع الظلم، دون رفع الأسعار على المستهلك، وأيضًا دون غبن للمنتج يسبب له الخسارة، فمقتضى مقصوده بالتسعير العادل أن يكون لا وَكْس (أي لا بَخْس فيه للمنتِج) ولا شَطَط (أي لا غلاء فيه على المشتري)، وقد سار ابن قيم الجوزية (691 -751هـ = 1292 - 1350م) على خطى شيخه ابن تيمية، وتحدث عن المُعاوضة بقيمة المِثل، وثمن المِثل، كما اتفق رأيه في مسألة التسعير العادل مع آراء شيخه.

  1. الحكمة من تحديد السِّعر العادل في الفكر الإسلامي:

تناول العلامة ابن خلدون (732- 808هـ = 1332- 1406م) فكرة رِخَص (انخفاض) الأسعار التي تضر بمصلحة المُنْتِجين، وتؤدي بهم إلى الفقر، وحذّر من مثل هذا الانخفاض في الأسعار، فيقول: "فإذا استديم الرِخَص في سلعة، أو عَرَض من مأكول أو ملبوس أو مُتَمَوّل على الجملة، ولم يحصل للتاجر حوالة الأسواق، فسد الربح والنماء بطول تلك المدة، وكسد سوق ذلك الصنف، ولم يحصل التاجر إلا على العناء، فقعد التجار عن السعي فيها، وفسدت رؤوس أموالهم، واعتُبر ذلك أولًا بالزرع، فإنه إذا استديم رِخَصُه، يفسد به حال المحترفين بسائر أطواره، من الفلح والزراعة، لقلة الربح فيه وندارته أو فقده. فيفقدون النماء في أموالهم، أو يجدونه على قلة، ويعودون بالإنفاق على رؤوس أموالهم، وتفسد أحوالهم ويصيرون إلى الفقر والخصاصة...، فإذا الرخص المفرط يجحف بمعاش المحترفين بذلك الصنف الرخيص، وكذا الغلاء المفرط أيضاً، وإنما معاش الناس وكسبهم في التوسط من ذلك، وسرعة حوالة الأسواق، وعِلم ذلك يرجع إلى العوائد المتقررة بين أهل العمران".

وتتضمن عبارات ابن خلدون أن انخفاض الأسعار عن الحد المعقول يضر بالمُنْتِجين، خاصة من المزارعين وأصحاب الحرف المرتبطة بالزراعة، مما يدخل هؤلاء المُنْتِجين في دائرة الفقر والحاجة؛ ومن ثَمَّ يضر بالمجتمع ككل، كما أن الغلاء المفرط أيضًا يضر بمصلحة المستهلكين؛ لذا فلابد من الاتفاق على سعر متوسط (عادل) يتم تحديده بالتراضي بين الطرفين وبالعودة للأسعار المتفق عليها بين أهل السوق، ويأتي تحذير ابن خلدون من خطورة نقص الأسعار عن السعر العادل على المُنْتِجين والمجتمع، بهدف حث الدولة على التدخل للوصول إلى السعر العادل الذي يراعى مصالح جميع فئات المجتمع. 

يتضح مما سبق أن المفكرين الإسلاميين قد تعرضوا بالتفصيل لكيفية تحديد الثَّمن العادل، على العكس من المدرسيين الذين تكلموا عن الثَّمن العادل كفكرة لاهوتية دون بيان كيفية تحديده، حتى جاءت حركة التِّجَارَة العَادِلَة لتحدد هذه الكيفية أيضًا من خلال التفاوض والتشاور بين المُنْتِجين والمشترين، مما يؤكد سَبْق الفكر الإسلامي في هذا الإطار. 

  1. دعائم منظومة السعر العادل في الفكر الاقتصادي الإسلامي:

تستند منظومة السعر العادل في الإسلام على دعامتين أساسيتين: الالتزام بمعايير منضبطة لتحديد السعر العادل من جهة، وحتمية تدخل الدولة لتحقيق السعر العادل من جهة أخرى.

  1. الالتزام بمعايير منضبطة لتحديد السعر العادل:

وتتنوع هذه المعايير ما بين معايير كيفية وكمية:

  • فبالنسبة للمعيار الكيفي: نجد أن السعر في الإسلام يتطابق من الناحية الكيفية- مع القيمة؛ أي الثمن الحقيقي للسلعة، ويسري هذا التطابق سواء بالنسبة للسلع الاستهلاكية أو بالنسبة لعناصر الإنتاج، مما يضمن حصول كل فرد في المجتمع، على مقابل عادل لمساهمته في النشاط الاقتصادي، من جهة، وتحقيق التوزيع العادل للناتج القومي على أفراد المجتمع، من جهة ثانية، والتخصيص الأمثل للموارد، من جهة ثالثة.
  • وبالنسبة للمعيار الكمي: فمضمونه أن السِّعر العادل يتحدد من الناحية الكمية- على أساس التكلفة الحدية، وهو يساوي أو يعادل هذه التكلفة في حالة المنافسة الكاملة، وتتضمن هذه التكلفة الحدية تكاليف عناصر الإنتاج المستخدمة في إنتاج السلعة، ومن بينها عنصر العمل، إضافة إلى ربح معقول للمنتج يحقق كفايته، وفي الوقت نفسه لا يتضمن غُبنًا للمشتري.
  1. حتمية تدخل الدولة لتحقيق السعر العادل: 

يجب على الدولة في الإسلام أن تتدخل في الأسعار لصالح المُنْتِجين، كما يجب عليها التدخل لصالح المستهلكين؛ إذ ينبغي على الدولة التأكد من تناسب الأسعار لظروف العرض والطلب، والتكلفة والربح المعقول للمنتِج؛ بحيث تتحقق المصلحة العامة. 

وعلى الرغم من تباين الآراء بشأن تدخل الدولة في التسعير في الأحوال غير العادية، لصالح بعض فئات المجتمع (المُنْتِجين/المستهلكين) بين مانعٍ له مطلقًا، ومُجيز له - بل وموجب له- في حالة الضرورة، فإن هذه الدراسة تميل إلى الرأي القائل بوجوب تدخل الدولة في حالة تعرض بعض فئات المجتمع لظلم بيّن، لجملة أسباب من بينها:

  1. ما ذهب إليه ابن تيمية وابن القيم من وجوب التدخل بالتسعير إذا تضمن العدل بين الناس، فيقول ابن القيم: (... وأما التسعير؛ فمنه ما هو محرم ومنه ما هو عدل جائز، فإذا تضمن ظلم الناس، وإكراههم بغير حق على البيع بثمن لا يرضونه، أو منعهم مما أباح الله لهم فهو حرام، وإذا تضمن العدل بين الناس، مثل: إكراههم على ما يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل، ومنعهم مما يحرم عليهم من أخذ الزيادة على عِوَض المثل فهو جائز، بل واجب).
  2. أن الحديث الذي استدل به المانعون للتسعير، جاء في حالة خاصة، وهي غلاء الأسعار بسبب قلة البضاعة المجلوبة للمدينة، لكنه ليس عامًا في حالات أخرى كالاحتكار أو تواطؤ التجار على رفع الأسعار مثلاً، أو في حالة بخس قيمة السلع مما يضر بالمُنْتِجين، ففي مثل هذه الحالات من الظلم الواقع على بعض الفئات يجب على الدولة التدخل لمنعه.
  3. أن من قواعد العدل في الاقتصاد الإسلامي ما تقوم الدولة به من الإشراف والمراقبة لمنع الظلم الاقتصادي؛ بحيث يجب عليها التدخل لمنع الممارسات غير المشروعة، كبخس الناس أشياءهم، وجهدهم، الذي يحرمهم من حصولهم على عائد مناسب لعملهم وإنتاجهم؛ لهذا وجب عليها العمل على ضبط الأسواق والأسعار لتحقيق العدالة؛ وذلك استنادًا للأصل العام الذي يقضي بضرورة قيام الدولة بإرساء العدل بين الناس، لقوله تعالى ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾. 
  4. أن قيام الدولة الإسلامية بالتدخل لمنع بَخْس أسعار السلع من خلال تحديد السعر العادل، مرده إلى المخاطر المترتبة على عدم الالتزام بالسعر العادل؛ إذ يضر انخفاض الأسعار بالمُنْتِجين، وخاصة الفقراء منهم؛ ومن ثَمَّ يعود ذلك بالضرر على المجتمع ككل، لذا فإن الوصول إلى سعر عادل يرضي الطرفين لا يعد ترفاً، بل هو ضرورة تتطلبها حاجة المجتمع، وهو ما أدركه الداعون إلى فكرة التِّجَارَة العَادِلَة مؤخراً.

هـ- قياسًا على وجوب تدخل ولي الأمر لمنع حَطّ بعض التجار للأسعار، لما فيه من إضرار بباقي التجار، فإن على ولي الأمر التدخل أيضًا لمنع خفض الأسعار الضار بمصلحة المُنْتِجين لما فيه من بخسٍ لحقوقهم؛ لما ذهب إليه الإمام مالك ويحيى بن عمر، من أن كل من حَطّ من السعر الذي في السوق يقوم ولي الأمر بإخراجه من السوق، وقد فعل ذلك عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، حيث قال لرجل يبيع زبيباً: إما أن تزيد في السعر، وإما أن تخرج من سوقنا. 

و- أن الدولة حين تقوم بالتدخل في تحديد السعر العادل، لا تقوم بهذا التحديد بشكل تعسفي أو عشوائي، وإنما يتعين على ولي الأمر الاستعانة بأهل الخبرة في معرفة الأسعار، وفي ذلك يقول أبو الوليد الباجي نقلًا عن ابن حبيب المالكي "ينبغي للإمام أن يجمع وجوه أهل سوق الشيء المراد تسعيره، ويحضر غيرهم استظهارًا على صدقهم، فيسألهم كيف يشترون وكيف يبيعون، فينازلهم إلى ما فيه المصلحة لهم وللعامة حتى يرضوا به"، ويدل هذا القول على أنه في حالة عدم التناسب بين التكلفة والسِّعر، يجب على ولي الأمر مفاوضة البائعين حتى يرضوا بالسِّعر المناسب؛ وذلك بالاستعانة بالمتخصصين من أهل السوق، لضمان تحديد السعر العادل. 

تأسيسًا على ما سبق يمكن القول إن الفكر الاقتصادي الإسلامي قدَّم منظومة حضارية (أخلاقية) متكاملة في تحديد السعر العادل، بدءًا من تأصيل المفهوم، ومرورًا بعوامل تحديده، مع الإشارة إلى المعايير الكيفية والكمية لهذا التحديد، إضافة إلى حتمية تدخل ولي الأمر في تحديد السعر العادل، ببيان الحكمة من هذا التدخل وآلياته بالاستعانة بأهل الخبرة، وهذا بالطبع يتباين مع فكرة توما الأكويني الرافضة لتدخل الدولة في الأسعار مطلقًا.