العدد الحالي: تشرين 1/اكتوبر 2018       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

التحليل الاقتصادي لكتاب كارثة الفائدة

د. علي سيد إسماعيل

مدرس الاقتصاد الإسلامي والمعاملات المالية والمصرفية ـ قسم الدراسات الإسلامية

 

 الكتاب هو:(كارثة الفائدة)، الذي كتبه جوهان فيليب فرايهرفون بيتمان، في فرانكفورت()بألمانيا في سبتمبر، من عام ١٩٨٢ م، وقد صدر هذا الكتاب لأول مرة باللغة العربية عن دار الغد العربي، بالقاهرة، في طبعته الأولى، عام ١٩٩٣ م، وكان عنوانه بالألمانية (Die Zins - Catastroph)، ويعني بالعربية: كارثة الفائدة، كما ترجمه ونقله إلى العربية أستاذنا الدكتور أحمد عبد العزيز النجار.

والكارثة هي النازِلة العَظيمة، والمُصيبة الجَماعيَّة التي تحِلّ بعدد كبير من النَّاس، وكتاب كارثة الفائدة ـ النسخة المترجمة ـ يقع في أربع وتسعين صفحة، من القطع الصغير، تشتمل على ستة أبواب، يسبقهم تقديم في صفحتين.

وقد تناول الكاتب في هذا التقديم عنوان الكتاب الذي كان يريد أن يسميه في البداية: (الطريق إلى الأزمة)، لكن وجده غير معبر تعبيرًا دقيقًا عن الموضوع... ثم تطرق إلى قضية عدم اعتراف الكثير من الاقتصاديين بالكارثة المحققة، القريبة الحدوث ـ على حد توقعه ـ، والتي تهدد اقتصاديات العالم الحر.

كما وعد بأنه سيتناول في كتابة هذا الموضوع بطريقة أكثر عمقًا، ومن زاوية جديدة، إذ الوصف والتحليل الذي سيسوقه فيه قد يتناقض ـ في أحيان كثيرة ـ مع ما تعلنه السلطات الألمانية، ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة().

كما أكد على أنه كتب كتابه هذا للجميع، وليس للمتخصصين فحسب، يقول: "لم أكتب هذا الكتاب للمتخصصين، ولكني حررته ككتاب سياسي، أكتبه للجميع...لكل الفئات التي تحتل الاهتمامات الاقتصادية جانبًا من تفكيرها"().

أما عن الأبواب الستة، فقد جاءت كالتالي:

الباب الأول: ماهية كارثة الفائدة، (من الصفحة"١٠"حتى الصفحة"١٩").

الباب الثاني: مشكلة نظام السوق كنظام اقتصادي، (من الصفحة"٢٠"حتى الصفحة"٣٣").

الباب الثالث: النقود وماهيتها، (من الصفحة"٣٤"حتى الصفحة"٥٦").

الباب الرابع: الدورات الاقتصادية، (من الصفحة"٥٧"حتى الصفحة"٧٥").

الباب الخامس: التضخم كآفة ومرض مزمن، (من الصفحة"٧٦"حتى الصفحة"٨٨").

الباب السادس: الكارثة وآثارها، (من الصفحة"٨٩"حتى الصفحة"٩٤").

والكتاب قيمة علمية كبيرة، وتنبع هذه القيمة من القضية التي يناقشها الكتاب، وهي قضية الفائدة، والفائدة ظاهرة اقتصادية في الأدبيات الغربية، وتؤدي دوًا مُهمًا في النظرية الرأسمالية، وفي السياسات الاقتصادية().

وقد كانت مشكلة الفوائد() ـ ولا تزال وستظل ـ من أكبر المشاكل في عالم التجارة، والمال، والاقتصاد، إن لم تكن أكبرها على الإطلاق().

والفائدة على رأس المال تكلفة الانتظار، وليست تكلفة التقليب والمخاطرة()، وهي استغلال لجهد الناس، وهي جزاء من غير بذل جهد، ولأن الربا الذي يؤخذ عليه مضمون الفائدة()غير معرض للخسارة، وهذا يخالف قاعدة (الغُنم بالغُرم)()، ولذلك كان استغلال المال بالشراكة، والمضاربة، والمساقاة بشرطها جائز، لأنه تنتفع به الجماعة، ولا يستغل جهد الآخرين، بل يكون وسيلة تمكنهم من الانتفاع بجهد أنفسهم، وهو معرض للخسارة، كما هو معرض للربح بخلاف الربا().

والفائدة مرادفة للأثرة والأنانية، فالدائن يعتبر نفسه مستحقًا للفائدة، خسر المقترض أم كسب، وإن تأخر في دفع الدين ـ أيًا كانت الأسباب ـ فهو يتعرض لفوائد تأخير، تزيد في العادة عن المعدلات الأصلية().

إذن الكتاب يمس قضية ستظل تشغل بال المسلمين في بلادنا العربية والإسلامية، وقد تضاربت فيها الفتاوى والاجتهادات بين التحريم والتحليل().

المؤلف:

هو جوهان فيليب فرايهرفون بيتمان، وهو سليل إحدى الأسر الألمانية الأرستقراطية، ولد عام ١٩٢٤ م، وهو خبير اقتصادي عالمي، ويعد من أهم رجالات البنوك والاقتصاد في العالم.

 كان من أعضاء الحزب الحاكم في ألمانيا (C.D.U)، كان يهتم بالأزمات الاقتصادية، وقد تفرغ لبحوث المحافل العلمية في: أوروبا، وأمريكا، وروسيا؛ ليتناول، ويناقش، ويحاضر في الفكر الاقتصادي بالنقد والسخرية التي يتميز بها.

وكان يمتلك بنك" فرايهرفون بيتمان" بفرانكفورت بألمانيا، لكنه قرر بيع هذا البنك؛ ليتفرغ بعده إلى إدارة نشر ألمانية، متخصصة في الدراسات والبحوث الألمانية()

المترجم:

 ترجم كتاب(كارثة الفائدة)، ونقله إلى العربية الدكتور: أحمد عبد العزيز النجار، بعدما سافر إلى ألمانيا، بصحبة نجله الباحث الدكتور: خالد أحمد عبد العزيز النجار، والتقيا بمؤلف الكتاب: جوهان فيليب فرايهرفون بيتمان في مكتبه وقتئذ، بالبنك الذي كان يمتلكه بمدينة فرانكفورت بألمانيا.

والدكتور أحمد عبد العزيز النجار ولد في ١٧ مايو من عام ١٩٣٢ م، بمدينة المحلة الكبرى، بمحافظة الغربية، لأسرة عُرفت بالتقوى والصلاح، فقد كان والده محمد عبد العزيز النجار مفتشاً عاماً للغة العربية والتربية الدينية بمعاهد المعلمين والمعلمات.

وقد حصل على بكالوريوس التجارة، جامعة القاهرة، بمصر، عام ١٩٥٢ م، وماجستير معهد العلوم السياسية، جامعة القاهرة بمصر، عام ١٩٥٤ م، كما حصل على الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة كولونيا بألمانيا الغربية، عام ١٩٥٩ م.

وقد شغل الدكتور أحمد عبد العزيز النجار وظيفة مدير عام مشروع بنوك الادخار المحلية من (١٩٦٣ إلى ١٩٦٧)، وأستاذ الاقتصاد الإسلامي بجامعة أم درمان الإسلامية من عام (١٩٦٧ إلى ١٩٦٩)، وعمل نائبًا لرئيس المعهد الدولي للادخار والاستثمار بألمانيا الغربية، من عام(١٩٦٩ إلى ١٩٧١)، كما عمل مستشارًا لبنك ناصر الاجتماعي من عام (١٩٧٣ إلى ١٩٧٥)، وأستاذ الاقتصاد الإسلامي بجامعة الملك عبد العزيز بجدة من عام (١٩٧٥ إلى ١٩٧٨)، ثم أمين عام الاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية، منذ عام ١٩٧٨.

 والدكتور أحمد عبد العزيز النجار هو أحد الآباء المؤسسين للصيرفة الإسلامية، يقول الدكتور محمد القري: "هو من الآباء المؤسسين على المستوى النظري، وعلى المستوى التطبيقي هو ذائع الصيت في هذا المجال، وقد كان له تأثير مهم على بلورة فكرة المصرف الإسلامي، وأفكاره منثورة في مطبوعات كثيرة"().

 

التحليل الاقتصادي لكتاب كارثة الفائدة

أما عن الباب الأول في الكتاب، والذي عنونه المؤلف بـ: كارثة الفائدة (ماهيتها)...، فقد شبه فيه المؤلف أثر الفائدة على قيمة العملة كأثر الماء على تركيز عصير البرتقال، أو اللبن الحليب.

يقول فرايهرفون بتمان: "كلما ارتفعت الفائدة تدهور النقد، فكما يؤدي الماء إلى رداءة عصير البرتقال، أو الحليب، فإن الفائدة تؤدي إلى رداءة النقود"().

والحقيقة أن التدهور في قيمة النقود بسبب الفوائد المرتفعة يرجع إلى سياسات اقتصادية فاشلة، هذه السياسات تدور حول تقليص حجم أو كمية النقود في الدول.

فالفائدة في فكر فرايهرفون بتمان ـ وغيره من الاقتصاديين المنصفين ـ تدمر قيمة النقود، وتنسف أي نظام نقدي، ما دامت تزيد كل يوم، وتتوقف سرعة هذا التدمير وحجمه على مقدار الفائدة، ومدتها().

والمقياس عند فرايهر فون بيتمان هو إنتاجية الاقتصاد القومي، أو هو الزيادة في القيمة المضافة، أو الزيادة في الإنتاج، والناشئة عن تشغيل رأس المال النقدي(النقود) في نشاط منتج.

يقول فرايهرفون بيتمان:"فالفائدة العالية تدمر النقود، والفائدة تعد عالية إذا زادت عن معدل الإنتاجية في المجتمع؛ أي إذا زادت عما أضافه استخدام النقود من زيادة حقيقية في الإنتاج، فكل زيادة في الفوائد عن معدل الزيادة في الإنتاجية معناه حقن التضخم بمزيد من الجرعات المنشطة"().

كما أن الفائدة المرتفعة معناها ارتفاع مبالغ فيه للأسعار، دون أن يقابل هذا الارتفاع في الأسعار إنتاج أو جهد إنتاجي().

ومن ناحية أخرى فإن هذا الصنيع يجعل الناس كسالى في مهنهم، ويودون لو تعاملوا بالربا، فالفائدة تعمل على تعطيل المكاسب، والتجارات، والعمارات، والصناعات.

يقول ابن حجر الهيثمي (ت ٩٧٤ هـ):" لو حل الربا لبطلت المكاسب والتجارات؛ إذ من يحصل درهمين بدرهم كيف يتجشم مشقة كسب، أو تجارة، وببطلانهما تنقطع مصالح الخلق، إذ مصالح العالم لا تنتظم إلا بالتجارات، والعمارات، والحرف، والصناعات"().

ويقول الفخر الرازي(ت ٦٠٦ هـ):"فالله جل جلاله إنما حرم الربا من حيث إنه يمنع الناس عن الاشتغال بالمكاسب، وذلك لأن صاحب الدرهم إذا تمكن بواسطة عقد الربا من تحصيل الدرهم الزائد نقدًا كان أو نسيئة خف عليه اكتساب وجه المعيشة، فلا يكاد يتحمل مشقة الكسب، والتجارة، والصناعات الشاقة، وذلك يفضي إلى انقطاع منافع الخلق، ومن المعلوم أن مصالح العالم لا تنتظم إلا بالتجارات، والحرف، والصناعات، والعمارات"().

ويقول الشيخ ولي الله الدهلوي (ت ١١٧٦ هـ):"وَإِذا جرى الرَّسْم باستنماء المَال بِهَذَا الْوَجْه (الربا)، أفْضى إِلَى ترك الزراعات، والصناعات، الَّتِي هِيَ أصُول المكاسب"()

وليست هذه الرزيلة للفائدة فحسب، بل إن فرايهرفون بيتمان يعود ليؤكد على أن الفائدة المرتفعة بالنسبة للاقتصاد القومي على وجه التحديد تؤدي إلى زيادة كمية النقود، وبالتالي التدهور في قيمتها، مما يصاحب ذلك تضخم، يصاحبه رواج، وفي نفس الوقت يؤدي ارتفاع الفائدة ـ دون أن نشعر في البداية في فترة الرواج ـ إلى زيادة عدد المدينين والمفلسين().

والحقيقة أن ما يؤكده فرايهرفون بيتمان حقيقة واقعة؛ فنتيجة الربا الحتمية هي تركيز الثروة في أيدي فئة قليلة من الناس، وحرمان المجموع منها، رويداً رويدًا، ووقوع الملايين تبعاً لذلك في العبودية().

وإذا أصبح المال دُولة بين الأغنياء شقى أغنياء هذا البلد وفقراؤه، فالربا يركز المال في أيدي فئة قليلة من أفراد المجتمع الواحد، ويحرم منه الجموع الكثيرة، وهذا خلل في توزيع المال()، فالنظام الربوي نظام معيب من الوجهة الاقتصادية البحتة.

وينتهي فرايهرفون بيتمان في الباب الأول من كتابه الذي بين أيدينا إلى نتيجة مترتبة على هذا كله، وهي الكارثة المحققة والواقعة لا محالة، كيف لا وبوادرها بدات في الظهور؟ ويتضح ذلك من خلال الظواهر المصاحبة لها مثل: العدد الكبير للوحدات الإنتاجية المفلسة، والبطالة المتزايدة، وتدهور قيمة النقود؛ لا سيما وأن كل هذه الظواهر ستظهر في المستقبل القريب، وستكون آثارها في المستقبل مختلفة عن آثارها في الماضي! ().

كما يؤكد على أن تفادي هذه الكارثة غير ممكن، ولا يمكن تفاديها غير أنه من السهل التنبؤ بها؛ لأنها ليست مصادفة، ولن تأت فجأة، كنتيجة عفوية، أو كسوء حظ، وإنما ستحدث نتيجة السياسات الاقتصادية الخاطئة، والتي تعتمد على نظام الفوائد()

 وقد أجمع الكثير من فلاسفة الاقتصاد والسياسة ـ في سابق ولاحق لفرايهرفون بيتمان ـ أن الفوائد الربوية وراء كثير من الأزمات التي يعانيها العالم، وأن الاقتصاد العالمي لن يكون بخير، حتى تكون الفائدة (صفراً)؛ أي تلغى الفائدة نهائيًا().

تلك الأضرار الهائلة التي تصيب المجتمع والدولة بأخطار فادحة، في شتى مجالات النشاط الاقتصادي، والسلام الاجتماعي، والسياسة المالية للدولة، من جراء الفائدة الثابتة لرأس المال(الربا)، وأنها وراء الأزمات الاقتصادية، ونوبات الكساد والبوار، وأحد الأسباب الرئيسة في الانهيار والتفكك()

فالغرب قد اكتوى بنار استحلال الربا، وكانت أشد الأزمات الاقتصادية أثرًا على العالم، أزمة «الكساد الكبير» في عام(١٩٢٩ م) في الولايات المتحدة، والأزمة المالية العالمية في عام (٢٠٠٨ م)، التي بدأت أيضا في الولايات المتحدة.

فالأزمة العالمية التي عصفت بالاقتصاد العالمي، ما هي إلا نتاج من نتائج الربا، حتى باتت هذه الأزمات تمسي في دولة من دول العالم المتقدم، وتصبح في دولة أخرى()؛ حيث يقوم الاقتصاد العالمي برمته على أهرامات هائلة من الديون، يعتمد بعضها على بعض في توازن هش، لم يلحظ في الماضي أبدًا، مثل: هذا التراكم في وعود الدفع، ولم يصبح علاجه عسيرًا بالقدر الذي هو عليه اليوم، مما يعيق الاستثمار، ويولد الأزمات، ويسيئ إلى توزيع الدخل، وتخصيص الموارد على المستويين المحلي والعالمي().

 إن لعنة الربا وبلاءاته وشروره تلاحق الشعوب والأمم، التي تعتمد عليه في سياساتها المالية، وأنشطتها الاقتصادية، ولا أدل على ذلك من الأزمات المالية والاقتصادية المتلاحقه بين الفينة والفينة، والاضطرابات المجتمعية التي تؤرق مضاجع الشعوب.

 وقد ناقش الباب الثاني من كتاب كارثة الفائدة مشكلة نظام السوق كنظام اقتصادي، واقتصاد السوق هو نوع من أنواع الأنظمة الاقتصاديّة؛ حيثُ يحصل فيه الأفراد والمنشآت على حُرّية في تبادل الخدمات والسلع، ونقلّها دون أي حواجز، من خلال الاعتماد على مؤسّسة السوق، وآلية الأسعار المرتبطة بمعادلة الطلب(الاستهلاك) والعرض(الإنتاج)، دون وجود أيّ تدخل من الدولة في العملية الإنتاجيّة.

 وقد عرض فيه فرايهرفون بيتمان لمشكلة نظام السوق كنظام اقتصادي، وأوضح أن الواقع المعاصر يستخدم نموذجان للأنظمة الاقتصادية: النظام الشيوعي حيث المركزية، والنظام الرأسمالي، حيث الحرية، وآلية السوق، وقوى العرض والطلب.

كما أوضح أن الاقتصاد الحر الذي يعتمد على نظام السوق يعاني أزمة شديدة، وهذه الحقيقة تشير إليها الديون الضخمة والبطالة، وانهيار المصانع، وإفلاسها... ويبدو أن هذه الظواهر أصبحت مزمنة، ومن الصعب التغلب عليها، لا سيما إذا أضفنا إلى هذه الظواهر التضخم المخيف المستمر().

وقد فقد الاقتصاد الحر القدرة على التحكم في دفة نظامه، مما سيؤدي إلى انهيار عام وعالمي للنظام الاقتصادي الحر الذي يعتمد على السوق().

كما أكد فرايهر فون بيتمان أن القصور الكبير في النظرية الاقتصادية فيما يتعلق بالسوق والنقود يتمثل في خطر التضخم، ذلك الشبح الذي يجثم على صدر الحرية، وعلى الملكية الخاصة، والمنافسة التي يتسم بها الاقتصاد الغربي سيظل له اليد العليا، كما أن وجوده يهدد كل الإنجازات التي تحققت في مستويات المعيشة، وكل الرفاهية التي تحققت على مدار السنين الماضية().

كما يؤكد فرايهرفون بيتمان على أن نظام السوق يزدهر وينمو عندما لا يتحكم فيه أحد؛ لأن المنافع والتصرفات الفردية هي الحاكمة، ولذلك يجب أن تحرص السياسة على هذه الظاهرة، وتحميها، وتكفل فاعليتها، فضلا عن فهم وإدراك أحداث السوق، والقوى المؤثرة فيه، حتى يمكن وضع سياسة الدورات الاقتصادية التي لا غنى عنها في نظام السوق().

أما الباب الثالث فقد ناقش ماهية النقود وجوهرها، وقد أكد فرايهرفون بيتمان في هذا الباب على أن النقود أحد المبتكرات العبقرية للمدنية التي خرجت عن نطاق سيطرة مخترعها وهو الإنسان()

والحقيقة إن النقود هي أي شيء يستخدم من قبل الأفراد، ويلقى قبولاً عاماً كوسيط للتبادل Medium of exchange في المعاملات الاقتصادية، ويصلح في الوقت ذاته لقياس القيم، وحفظ الثروة، وتسوية الديون والالتزامات(). 

وغاية النقد تمكين الأفراد من إشباع حاجاتهم()، لأنه أداة تتداول في حرية من حائز إلى حائز آخر، داخل المجتمع الاقتصادي، سداً لقيمة السلع، أو سداداً للديون، أو غيرها من الالتزامات()، دون عبرة بمادة الشيء أو خصائصه، أو الجهة التي تقوم بإصداره.

ولكي تقوم النقود بوظائفها الأساسية كوسيط في التبادل يجب أن تقوم بوظيفتها كمقياس للقيمة، فتنسب إليها جميع السلع في السوق؛ حتى يمكن أن يتم تبادلها بالنقود على هذا الأساس()، فالنقود تكون صحيحة وسليمة إذا كانت قيمتها ثابتة، فإذا فقدت جزءا من قيمتها فهذا يعني أنها مريضة()

وقد أوضح فرايهرفون بيتمان أن العملات الورقية والمعدنية قلت استعمالها، وحلت محلهما وسائل الدفع الأخرى: كالشيكات، والكمبيالات، وبطاقات الائتمان، وكل هذه الوسائل يجب أن يُنظر إليها كنقود من الناحية الاقتصادية والنقدية().

 وأكد على أن الأخطاء الكامنة في السياسة النقدية الحالية لها آثار في منتهى الخطورة، وأن مجرد المحاولات الخاطئة التي يضطرون إلى الإلتجاء إليها للتحكم في كمية النقود، وتقليص حجمها، من أجل السيطرة، وتقليل حدة التضخم... تؤدي إلى عكس المرغوب فيه... وأن مجرد إعلان تقليص حجم النقود يؤدي إلى():

  • زيادة حدة الطلب على النقود، وبالتالي اتجاه الفائدة إلى الزيادة.

نقص الاستعداد لدفع الحقوق والتعهدات.

  • زيادة الديون نتيجة عدم الوفاء بالدفع.
  • وزيادة نطاق الديون وارتفاع معدل الفائدة لا يؤديان في النهاية إلا إلى زيادة النقود وفي نفس الوقت رداءة قيمتها الحقيقية، وتؤدي هذه السياسة ـ في النهاية ـ إلى انفجار حقيقي في مجال الديون، وحجم العجز عن الوفاء، وهذا هو الفقدان الحقيقي لقيمة النقود، والذي لا يتسنى معالجته إلا من خلال حدوث العديد من المصائب والأزمات المرعبة، من انهيار الوحدات الإنتاجية، ونقص في قيمة النقود().

وقد خلص فرايهرفون بيتمان في نهاية هذا الباب إلى أن موضوع الفائدة حيوي وأساسي لسياسة الدورات الاقتصادية، كما أن سياسة الفائدة تعد قلب وشريان سياسة الدورات الاقتصادية، لدرجة أن الاقتصاد يمكن أن يوجه ككل من خلال اتجاهات الفائدة فقط().

كما خلص هو وغيره إلى أن التدهور في قيمة النقود بسبب الفوائد المرتفعة يرجع إلى سياسات اقتصادية فاشلة، هذه السياسات تدور حول تقليص حجم أو كمية النقود في الدول، في حين تتسع كمية النقود من خلال القروض الممنوحة دوليًا، والفائدة تؤدي إلى رداءة النقود؛ فالفائدة العالية تدمر قيمة النقود، وتنسف أي نظام نقدي، ما دامت تزيد كل يوم، وتتوقف سرعة التدمير وحجمه على مقدار الفائدة ومدتها"().

أما الباب الرابع فقد عرض فيه فرايهرفون بيتمان لماهية الدورات الاقتصادية، والدورات الاقتصادية عبارة عن تقلبات منتظمة بصورة دورية في مستوى النشاط الاقتصادي، إذ يمر التطور الاقتصادي بمراحل من الازدهار والانكماش تسمى الدورات الاقتصادية، وهي ظاهرة ملازمة للنشاط الاقتصادي منذ القدم على المستويين المحلي والدولي.

وأوضح أن الدورات الاقتصادية تمثل الجانب الديناميكي الذي يصاحب مرحلة الأحداث والتطور في قوى ونظام السوق، وهي عبارة عن الأحداث نفسها؛ أي الحركة في السوق، وهي نتيجة التصرفات النقدية لملايين الأفراد في الأسواق وداخل المؤسسات المالية المختلفة().

كما ركز فرايهرفون بيتمان على أن سياسات الدورات جزء ضروري من نظام السوق، كما أن نجاح هذه الدورات، أو فشلها ينعكس على حالة السوق، وفاعليته().

ويعود ليؤكد أيضًا على أن الدورة الاقتصادية تتوقف على الطلب النسبي للغالبية في الاقتصاد، فالادخار والانفاق يمثلان المتناقضين الأساسيين في الدورات الاقتصادية، وتتحد الدورة بناء على العلاقة بينهما في الاقتصاد، فإذا كان الادخار أكبر نسبيا فإن ذلك يعني اتجاهًا ضعيفًا للدورة، والعكس صحيح إذا كان الإنفاق أكبر نسبيًا().

أما الباب الخامس، فقد جاء في الكتاب بعنوان: التضخم: الآفة المزمنة ـ المرض المزمن، والتضخم Inflation يعني زيادة مفاجئة وحادة في الأسعار، وانخفاض مستمر في قيمة العملة ()، وهو وضع يتسم بأن القوة الشرائية تنطلق في الأسواق بأسرع من الناتج في السلع والخدمات().

وهذا يعني أن النقود غير قادرة على القيام بدورها، كوحدة حساب عادلة وأمينة؛ إذ يُمكِّن بعض الناس من ظلم الآخرين، ولو عن غير قصد، وذلك من خلال التآكل الخفي للقوة الشرائية للأصول النقدية، مما يضعف فاعلية النظام النقدي، ويزيد من الاستهلاك، ويؤدي إلى سوء تخصيص الموارد، ويفسد القيم، ويزيد من حدة الفروق في دخول الأفراد"().

وفي فكر فرايهرفون أن حدوث التضخم نتيجة للطلب المتزايد في الاقتصاد؛ أي نتيجة انحراف على مستوى الطلب الكلي العادي الذي يتطلبه الاستقرار النسبي. 

ويعد موضوع التضخم، والآثار المترتبة عليه، ومن قبلها أسبابه، من أكثر الموضوعات التي تكلم عنها فرايهرفون بيتمان، ليس في هذا الباب وحده، بل في معظم أبواب الكتاب تقريبا.

وقد أكد مرات ومرات ـ وما زال ـ لا سيما في هذا الباب من الكتاب على أن التضخم ظاهرة عجز الاقتصاديون عن مقاومتها، وهي كارثة ظلت ناخرة في الاقتصاد مدة طويلة وذلك راجع بطريقة أساسية لمقاومته بطرق خاطئة، مما ساهم في توجيه الاقتصاد إلى الكارثة المحققة().

ويلوم فرايهرفون بيتمان على السياسة النقدية الفاشلة هي التي أجلت بدورها العلاج، وتسببت ـ بقصد أو بغير قصد ـ في حدوث أكبر وأشد كارثة في عصرنا هذا، كما فشلت السياسة النقدية فشلا ذريعا، لعد أسباب نسخة للطباعة