العدد الحالي: تشرين 1/اكتوبر 2018       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

مفهوم الادخار عند العلماء المسلمين

د. عبد الغنيِّ العمومري

دكتوراه في الدراسات الإسلامية


لا يجد الباحث في المصادر المتوافرة عن الحضارة العربية الإسلامية، مدارس اقتصادية بالمعنى الحديث للكلمة، ولكنه يجد الكثير من الأفكار والقواعد الاقتصادية؛ التي تستمد من فقه الصحابة والفقهاء المسلمين الذين جاؤوا بعدهم. كما يجد الكثير من الشروح في كتابات العلماء والفلاسفة العرب.

ومن المفاهيم الاقتصادية التي اهتم بها الفقهاء المسلمون- وعلى رأسهم الصحابة رضوان الله عليهم- وضوع الادخار لما له من أهمية اقتصادية واجتماعية، وهذا يدل على السبق الإسلامي في الاهتمام بمواضيع الاقتصاد بصفة عامة، والادخار بصفة خاصة.

المطلب الأول: الادخار في عصر الصحابة

يغلب على فهم البعض، أن الصحابة رضوان الله عليهم، لم يكن لديهم اهتمام يذكر بالمال وجمعه وتوظيفه، وإنما كان كل همهم، الأعمال الأخروية. أما الدنيا والنظر فيها، فكل ذلك بعيد عن دائرة اهتمامهم. إلا أن الدراسة العلمية الجادة لحياتهم وتتبع مواقفهم وأقوالهم، تكشف لنا عن خطأ هذا الفهم، وفقدانه أي رصيد من الصحة والصواب. فقد كان الصحابة - رضي الله عنهم- ينظرون للأموال والمحافظة عليها على أنها من أمور الدنيا والآخرة معا، ومما يدل على ذلك:

 ما روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه- أنه كان ينصح المسلمين بالادخار من عطائهم، واستثماره، ويقول لهم: (فلو أنه إذا خرج عطاء أحد هؤلاء ابتاع منه غنما فجعلها بسوادهم فإذا خرج عطاؤه ثانية ابتاع الرأس والرأسين فجعله فيها، فإن بقي أحد من ولده كان لهم شيء قد اعتقدوه، فإني لا أدري ما يكون بعدي، وإني لأعم بنصيحتي من طوقني الله أمره، فإن رسول الله r، قال: «من مات غاشا لرعيته لم يرح ريح الجنة»)..

قال جربية بن أحمد بن سنيان الحارثي في تعقيبه على هذه الرواية، أن عمر رضي الله عنه قد وجه الناس إلى ادخار المال واستثماره ليبقى لذرية الإنسان من بعده شيء يعتمد عليه.

كما وجه الخليفة عمر رضي الله عنه، إلى ضرورة تقسيم الفرد دخله إلى قسمين، يكون القسم الأول منه خاصا بإشباع المطالب الاستهلاكية، في حين يكون القسم الثاني خاصا بتكوين رؤوس أموال جديدة منتجة، وقد تمثل هذا القسم في تلك الفترة، في الاستغلال الحيواني. ومما تجدر الإشارة إليه أن ما دفع الخليفة لمثل هذا التوجيه، هو حقيقة الدخل النقدي الذي زاد عن حاجة الفرد الاستهلاكية، مما دفع إلى التوجيه بضرورة ادخار جزء من الدخل واستهلاك الجزء الآخر.

ويجد المتأمل في حقيقة التوجيه الصادر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه قد حذر من تصرفين خطرين هما:

الأول: استهلاك الدخل كله، بما في ذلك الأشياء الضرورية وغيرها.

الثاني: اكتناز جزء من مال الدخل أو استثماره في أمور غير صالحة، أو غير منتجة.

 ما ورد عن سلمان الفارسي رضي الله عنه أنه اشترى وسقا من طعام فقيل له: يا أبا عبد الله تفعل هذا وأنت صاحب رسول الله r؟ فقال: إن النفس إذا أحرزت رزقها اطمأنت وتفرغت للعبادة وأيس منها الوسواس.

قال مصطفى مفلح القضاة: (فسلمان الفارسي - رضي الله عنه - يبين أن الغاية من عملية الادخار، تتمثل في الوصول إلى الراحة النفسية، وهذه الراحة تأتي من عدم التفكير والانشغال بكيفية التحصل على سبل العيش، لا سيما في الظروف الصعبة، التي قد يمر بها الإنسان دون سابق إنذار، كذلك فإن هذه الطمأنينة تكون نتيجة تمكن المسلم من القيام بما أمره الله على خير وجه. ومصداق هذا قول مالك بن دينار عندما سئل عن كثرة شرائه للطعام: «هذا صوم وصلاة». أي إن هذا الطعام، يعين المسلم على القيام بالفروض التي افترضها الله سبحانه وتعالى عليه، ذلك أن النفس البشرية لا قوام لها إلا به. وكما هو معلوم أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب).

ما روي كذلك عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه كان يدخر المال لنوائب الدهر، وأنه قد ترك سبعين ألفا. ونقل أيضا عن الزبير - رضي الله عنه - أن جميع ماله كان خمسين ألف ألف. 

 ما أخرجه ابن أبي الدنيا بسنده عن إسماعيل الهمداني عن أبيه عن جده أن الشعبي مات وترك عشرة آلاف.

المطلب الثاني: الادخار عند التابعين وأتباعهم

كان لموضوع الادخار أهمية كبيرة عند التابعين وأتباعهم، منهم أبو الأسود الدؤلي وأبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني: 

الفرع الأول: الادخار عند أبي الأسود الدؤلي (ت ٦٩ هـ).

اشترى حصانا بتسعة دنانير... ومضى إلى داره ونام، فلما استيقظ سمعه يقضم، فقال: ما هذا؟ قالوا: الفرس يأكل شعيره. فقال: لا أترك في مالي من أنام وهو يمحقه ويتلفه، ولا أترك في مالي إلا ما يزيده وينميه، فباعه، واشترى بثمنه أرضا للزراعة.

تبين هذه الواقعة الفكر الادخاري عند أبي الأسود الدؤلي، الذي باع حصانه لأنه كان يستهلك ماله وثروته، واستثمر ثمنه في شراء أرض زراعية.

الفرع الثاني: الادخار عند أبي يوسف (ت ١٨٢ هـ).

اهتم أبو يوسف في كتابه (الخراج) بوجه من أوجه الادخار، وهو الادخار الحكومي، وكان اهتمامه به من خلال الحفاظ على مدخرات الدولة، وخصوصا فيما يتعلق بتحصيل الضرائب، بذكر مبدأ (اقتصادية الضريبة ومواصفات موظفيها).

أولا: مبدأ اقتصادية الضريبة

من أهم المبادئ التي نادى بها علماء الاقتصاد في العصر الحديث أن تكون الضريبة (اقتصادية)، أي ألا يتكلف في جبايتها الكثير، حتى لا يذهب ذلك بمعظم حصيلتها. وقد نبه إلى ذلك العلامة أبو يوسف، فقال: (وإنما ينبغي أن يتخير للصدقة أهل العفاف والصلاح. فإذا وليتها رجلا، ووجه من قبله من يوثق بدينه وأمانته، أجريت عليهم من الرزق بقدر ما ترى، ولا تجر عليهم ما يستغرق أكثر الصدقة).

ثانيا: مواصفات موظفيها

بقدر اهتمام أبي يوسف بتحقيق مبدأ الاقتصاد في جباية الصدقات، فإنه كان أيضا شديد الاهتمام بأن تتوفر في موظف الضرائب مواصفات خاصة، تجعله أهلا لهذا المنصب الخطير. فهو يقول في كتابه إلى هارون الرشيد:

(ومر يا أمير المؤمنين باختيار رجل أمين ثقة عفيف ناصح مأمون عليك وعلى رعيتك، فوله جمع الصدقات، ومره فليوجه فيها أقواما يرتضيهم ويسأل عن مذاهبهم وطرائقهم وأماناتهم، يجمعون إليه صدقات البلاد. فإذا اجتمعت إليه، أمرته فيها بما أمر الله جل ثناؤه به فأنفذه، ولا تولها عمال الخراج، فإن مال الصدقة لا ينبغي أن يدخل في مال الخراج).

الفرع الثالث: الادخار عند الإمام محمد بن الحسن الشيباني (ت ١٨٩ هـ).

تناول الإمام العالم والفقيه محمد بن الحسن الشيباني موضوع الادخار، من خلال بيان أهمية الكسب لتحقيق العبودية لله تعالى، ثم مراتب هذا الكسب وأهدافه، وحكم الادخار.

أولا: أهمية الكسب لتحقيق العبودية لله تعالى

بين الإمام محمد بن الحسن الشيباني علاقة الكسب بالعبادة والطاعة فقال: (إن الله فرض على العباد الاكتساب لطلب المعاش ليستعينوا به على طاعة الله، والله يقول في كتابه العزيز ﴿وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون ﴾، فجعل الاكتساب سببا للعبادة).

ثم أشار إلى أهمية الكسب فقال: (طلب الكسب فريضة على كل مسلم كما أن العلم فريضة، وهذا اللفظ يرويه ابن مسعود رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «طلب الكسب فريضة على كل مسلم». وفي رواية قال: «طلب الكسب بعد الصلاة المكتوبة الفريضة بعد الفريضة». وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «طلب الحلال كمقارعة الأبطال، ومن بات كالا من طلب الحلال بات مغفورا له».

ونقل عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه- أنه كان يقدم درجة الكسب على درجة الجهاد، فقال: (لأن أموت بين شعبتي رحلي أضرب في الأرض أبتغي من فضل الله، أحب إلي من أن أقتل مجاهدا في سبيل الله، لأن الله تعالى قدم الذين يضربون في الأرض يبتغون من فضله على المجاهدين بقوله تعالى: ﴿وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله ﴾،.

ثانيا: مراتب الكسب وأهدافه

وقد أوضحها فقال: (ثم الكسب على مراتب، فمقدار ما لا بد لكل واحد منه؛ يعني ما يقيم به صلبه، يفترض على كل أحد اكتسابه عينا لأنه لا يتوصل إلى إقامة الفرائض إلا به، وما يتوصل به إلى إقامة الفرائض يكون فرضا. فإن لم يكتسب زيادة على ذلك فهو في سعة من ذلك لقوله  صلى الله عليه وسلم: «من أصبح آمنا في سربه معافى في بدنه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها»)،.

أما بعد حد الكفاية، فهو يرى أنه يجب على الإنسان قضاء الدين إن كان عليه دين، والنفقة على العيال من زوجة وأولاد بقدر كفايتهم، كما تشمل النفقة كذلك الوالدين، لأن نفقتهما مستحق عليه مع عسرته، أما غير الوالدين؛ من ذوي الرحم المحرم، فلا يفترض على المرء الكسب للإنفاق عليهم، لأنه لا تستحق نفقتهم عليه إلا باعتبار صفة اليسار. ولكنه يندب إلى الكسب والإنفاق عليهم لما فيه من صلة الرحم، وهو مندوب إليه في الشرع.

ثالثا: حكم الادخار

بعد بيانه - رحمة الله عليه- أهمية الكسب، وأنواع المستحقات الواجبة في المال. انتقل إلى مسألة جمع المال أو ما يسمى بالادخار فقال: (وبعد ذلك، الأمر موسع عليه، فإن شاء اكتسب وجمع المال، وإن شاء أبى، لأن السلف رحمهم الله؛ منهم من جمع المال، ومنهم من لم يفعل، فعرفنا أن كلا الطرفين مباح. 

وأما الجمع: فلما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: « من طلب الدنيا حلالا متعففا لقي الله تعالى ووجهه كالقمر ليلة البدر، ومن طلبها متفاخرا مكاثرا لقي الله تعالى وهو عليه غضبان »، فدل على أن جمع المال على طريق التعفف مباح. وكان صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: « اللهم اجعل أوسع رزقي عند كبري وانقضاء عمري»، وكان كذلك. فقد اجتمع له أربعون شاة حلوبة، وفدك، وسهم بخيبر في آخر عمره. 

وأما الامتناع: فلحديث عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لو كان لابن آدم واديان من مال لتمنى إليهما ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب »).

المطلب الثالث: الادخار عند قدماء المفكرين المسلمين

اختلفت آراء قدماء المفكرين المسلمين حول الادخار من شخص لآخر، وفيما يلي ذكر لبعض آرائهم في الموضوع. 

الفرع الأول: الادخار عند أبي حامد الغزالي (ت ٥٠٥ هـ).

تحدث الإمام الغزالي في كتاباته عن ثلاثة أنواع من الادخار هي: ادخار الطعام وادخار النقود والادخار التجاري.

أولا: ادخار الطعام

ذكر ذلك في كتابه (ميزان العمل)، وبالتحديد في باب: (تناول المال وما في كسبه من الوظائف). فقسم ادخار الطعام إلى ثلاث درجات: 

فأدناها: يوم وليلة.

وأوسطها: قوت سنة. 

وأعلاها: ما يجاوز سنة.

لكن أرفع الدرجات بالنسبة إليه، هي درجة من لا يدخر شيئا، ولهذا قال: (وأرفع الدرجات درجة من لا يلتفت إلى غده، وقصر همته على يومه، ومن يومه على ساعته، ومن ساعته على نفسه، وقدّر نفسه كل لحظة مرتحلا من الدنيا مستعدا للارتحال).

ثانيا: ادخار النقود

كان للغزالي فيه كلام كثير، ذكره في (كتاب ذم البخل وذم حب المال) من (إحياء علوم الدين)، ويرى فيه أن جمع المال وادخاره من باب سوء الظن بالله تعالى؛ سواء كان الهدف منه التكاثر والتفاخر أو الاقتداء بالصحابة في استعماله في أوجه الخير والطاعات، وفي ذلك يقول: (وأنت تدخر المال وتجمعه خوفا من الفقر، وذلك من سوء الظن بالله عز وجل، وقلة اليقين بضمانه، وكفى به إثما، وعساك أن تجمع المال لنعيم الدنيا وزهرتها وشهواتها ولذتها، ولقد بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « شرار أمتي الذين غذوا بالنعيم فربت عليهم أجسادهم »، وبلغنا أن بعض أهل العلم قال: ليجيء يوم القيامة قوم يطلبون حسنات لهم فيقال لهم: أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها. وأنت في غفلة قد حرمت نعيم الآخرة بسبب نعيم الدنيا، فيا لها من حسرة ومصيبة).

ثم يضيف: (فإنك إن زعمت أنك متأس بالصحابة بجمع المال للتعفف والبذل في سبيل الله فتدبر أمرك، ويحك! هل تجد من الحلال في دهرك كما وجدوا في دهرهم؟ أو تحسب أنك محتاط في طلب الحلال كما احتاطوا … فهؤلاء المتّقون كانوا في جدة الإسلام والحلال موجود لديهم، تركوا المال وجلا من الحساب، مخافة أن يقوم خير المال بشره، وأنت بغاية الأمن والحلال في دهرك مفقود، تتكالب على الأوساخ كما تزعم أنك تجمع المال من الحلال، ويحك! أين الحلال فتجمعه؟ وحتى إن وجد الحلال، أما تخاف أن يتغير عند الغنى قلبك).

ثم يختم بقوله: (فأما جمع المال في دهرنا، فأعاذنا الله وإياكم منه).

ثالثا: الادخار التجاري

يبين الغزالي أنه يحق للفرد أن يشتغل بالتجارة، وأن يتخذها حرفة له ليكتسب منها. ولكنه يرى أن الاشتغال بها إنما يكون للاستكفاء؛ أي أن يكون الربح الذي يحصل عليه هو ما يكفيه ويكفي عائلته فقط، وإن زاد الربح عن حاجته وحاجة عياله فعليه أن يتصدق بالزيادة من الربح على الفقراء والمساكين وفي أعمال الخيرات.

الفرع الثاني: الادخار عند أبي الفضل جعفر الدمشقي (كان حيا سنة ٥٧٠ هـ).

لم يستعمل أبو الفضل جعفر الدمشقي في كتابه (الإشارة إلى محاسن التجارة) لفظ (الادخار)، وإنما استعمل لفظ (حفظ المال)، كما ذكر فيه قواعد اقتصادية وقواعد أخلاقية يجب على المرء أن يعمل بها. وهذه القواعد صنفها رفعت العوضي إلى ثلاث مجموعات، وكل مجموعة منها، يندرج تحتها ما يلائمها على النحو الآتي:

أولا: القواعد الاقتصادية لحفظ المال

ألا ينفق أكثر مما يكسب: فإنه متى فعل ذلك، لم يلبث المال أن يفنى، ولا يبقى منه شيء البتة.

ألا يكون ما ينفق مساويا لما يكسبه: بل يكون دونه ليبقى ما يكون عنده لنائبة لا تؤمن، أو آفة أو وضيعة فيما يعانيه.

أن يحذر الرجل أن يمد يده إلى ما يعجز عنه وعن القيام به.

ألا يشغل ماله بالشيء الذي يبطئ خروجه عنه.

أن يكون الرجل سريعا إلى بيع تجارته بطيئا عن بيع عقاره.

ثانيا: القواعد الأخلاقية لحفظ المال 

وهي نوعان:

أ- القواعد الأخلاقية الموجبة

وهي:

الأخلاق والقناعة.

طلب العلم وجمع المال. 

إنفاق الأموال في أبوابها، ومنها ما يعود في الآخرة نفعه.

حسن تدبير المال: وهذه قاعدة ذكرها الدمشقي في موضع آخر ومما قال في ذلك: اعلم أنك تملك الأموال ما ملكت فيها حسن التدبير.

ب- القواعد الأخلاقية السالبة

 وهي:

المعصية

التبذير

ثالثا: قواعد الإنفاق

وهي قسمان:

القواعد الموجبة للإنفاق

وهي القواعد التي ينبغي الالتزام والعمل بها، وهي:

معرفة أبواب الجميل والرغبة فيها.

معرفة أبواب الحق اللازم وعدم الإخلال بها.

الاقتصار في الإنفاق على حاجته.

ألا يتعدى في الإنفاق أهل طبقته.

أن يعرف مقادير ما يستحق كل باب مما يحتاج إليه، وينفق فيه بقدر حاجته. ولا يزيد في باب، فيضطر أن يقصر في آخر.

أن يعرف أوقات الحاجة إلى كل شيء، فلا يقدم اتخاذ شيء يفسد أو يضيع قبل أوان الحاجة إليه، ولا يؤخر شيئا قد قرب وقت الحاجة إليه، فيكون اتخاذه إليه على وقت إعجال واضطرار، أو يفوت أوان الحاجة إليه، فيكون اتخاذه بعد ذلك باطلا. أو يعز فلا يجده إلا بالغلاء.

أن يفضل له بعد ذلك، ما يدخره لزمانه ونوائب دهره.

 القواعد السالبة للإنفاق

وهي تلك التي يلزم الاحتياط والابتعاد عنها، وهي:

اللؤم.

التقتير.

البذخ.

سوء التدبير،

الفرع الثالث: الادخار عند ابن خلدون (ت ٨٠٨ هـ).

تحدث ابن خلدون في مقدمته عن فضل العمل في الحصول على المال لسد الحاجات الضرورية وللادخار، ثم بين العلاقة ما بين الادخار والتنمية.

أولا: العمل والادخار

لاحظ إبراهيم عبد اللطيف العبيدي أن المقصود من العمل بشكل عام في نظر ابن خلدون هو: ابتغاء الرزق، وهو الحاصل أو المقتنى من الأموال بعد العمل والسعي، إذا عادت على صاحبها بالمنفعة وحصلت له ثمرتها من الإنفاق في حاجاته. وهذا هو الأساس الذي استند إليه ابن خلدون للتفريق بين نوعين من الأموال: الأرزاق والمكاسب، حيث إن الإنسان لا يعمل من أجل سد حاجاته فقط، بل يحسب حساب المستقبل ويدفعه الخوف من تقلبات الأحوال سواء أكان خوفا على نفسه أو عياله إلى اقتناء مكاسب قد ينتفع بها في المستقبل. وهذا يعني أن ابن خلدون قد ميز بين الاستهلاك والادخار، وهو ما يقابل فائض العمل بعد استيفاء جميع الحاجيات. أي أن المكاسب في نظر ابن خلدون، تمثل الادخار في عصرنا. وحتى الادخار نفسه تختلف مستوياته عند ابن خلدون، بقدر أهميته، وبقدر مستوى الانتفاع به.

ويرى ابن خلدون، أن المكاسب هي قيم الأعمال، فإذا كثرت الأعمال كثرت قيمها، فكثرت مكاسبهم ضرورة، ودعتهم أحوال الرفه والغنى إلى الترف وحاجاته من التأنق في المساكن والملابس واستجادة الآنية والماعون واتخاذ الخدم والمراكب. وهذه كلها أعمال تستدعى بقيمها ويختار المهرة في صناعتها والقيام عليها، فتنفق أسواق الأعمال والصنائع، ويكثر دخل المصر وخرجه. ويحصل اليسار لمنتحلي ذلك من قبل أعمالهم.   

ثانيا: الادخار والتنمية

يشير ابن خلدون إلى أن العمل يوجد القيمة، ومن هنا تظهر أهمية العمل في زيادة الإنتاج وبالتالي زيادة الدخل وما يحدثه من تحريك للسوق، إذ يبين أن الطلب يزيد بزيادة الدخل، إذ كلما زاد دخل الإنسان كلما زادت طلباته وكثرت حاجياته، ويبين أن إنفاق شخص أو قطاع ما، إنما هو بحقيقته دخل لشخص أو قطاع آخر، وهذا كله يؤثر في الحركة الاقتصادية للمجتمع ككل.

وعن دور المال وما يحدثه من أثر في تنمية المجتمع، يشير ابن خلدون إلى ذلك بقوله: (ومتى زاد العمران زادت الأعمال ثانية. ثم زاد الترف تابعا للكسب وزادت عوائده وحاجاته. واستنبطت الصنائع لتحصيلها، فزادت قيمها، وتضاعف الكسب في المدينة لذلك ثانية، ونفقت سوق الأعمال بها أكثر من الأول. وكذا في الزيادة الثانية والثالثة. لأن الأعمال الزائدة كلها تختص بالترف والغنى، بخلاف الأعمال الأصلية التي تختص بالمعاش. فالمصر إذا فضل بعمران واحد، ففضله بزيادة كسب ورفه وبعوائد من الترف لا توجد في الآخر؛ فما كان عمرانه من الأمصار أكثر وأوفر، كان حال أهله في الترف أبلغ من حال المصر الذي دونه ... حتى تنتهي إلى الأمصار التي لا توفي أعمالها بضروراتها، ولا تعد في الأمصار إذ هي من قبيل القرى والمدر. فلذلك تجد أهل هذه الأمصار الصغيرة ضعفاء الأحوال متقاربين في الفقر والخصاصة، لما أن أعمالهم لا تفي بضروراتهم. ولا يفضل ما يتأثلونه كسبا، فلا تنمو، وهم لذلك مساكين محاويج، إلا في الأقل النادر).

الفرع الرابع: الادخار عند أحمد الدلجي(ت ٨٣٨ هـ).

ألف أحمد الدلجي كتابا سماه: (الفلاكة والمفلوكون)؛ أي الفقر والفقراء، تناول فيه العلاقة ما بين الادخار والتوكل، وكذا أسباب عدم تحقق الادخار.

أولا: الادخار والتوكل.

يذكر الدلجي أن ادخار المال لا يقدح في حقيقة التوكل على الله وفي ذلك يقول: (وأما الادخار فما كان منه مع فراغ القلب عن المدخر فليس من ضرورته بطلان التوكل ... فمن انزعج قلبه بترك الادخار واضطربت نفسه وتشوشت عليه عبادته وذكره، واستشرف إلى ما في أيدي الناس، فالادخار له أولى، لأن المقصود إصلاح القلوب لتتجرد لذكر الله. ورب شخص يشغله عنه وجود المال، ورب شخص يشغله عدمه ... فصواب الضعيف ادخار قدر حاجته كما أن صواب القوي ترك الادخار).

ثانيا: أسباب عدم تحقق الادخار

في إطار حديثه عن الدخل والاستهلاك. يبين الدلجي العلاقة بينهما، موضحا أن الدخل عامل مؤثر في الاستهلاك وموضحا في الوقت نفسه، لماذا عندما يرتفع الدخل لا يزداد الادخار بل يزداد الاستهلاك، ويعود سبب ذلك في نظره إلى أنه كلما تجدد للإنسان دخل جدد له صرفا، إما:

للمباهاة والترفع على أمثاله.

أو إفراطا في الشهوات وانهماكا في اللذات.

أو خوفا من سوء القالة والأحدوثة بتنقيص ما يقتضيه حاله.