العدد الحالي: تشرين 1/اكتوبر 2018       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

النقود عند ابن خلدون: الوظائف والخصائص

لحسين بلعسري

طالب ماستر كلية الشريعة

تعتبر النقود في المعاملات الاقتصادية بديلا عن المقايضة، فأولاها المفكرون أهمية بالغة في كتاباتهم وفي تأسيس نظرياتهم، ونذكر بالخصوص المؤرخ والمفكر وعالم الاجتماع عبد الرحمن ابن خلدون (ت ٨٠٨ هــ) إذ نجد في طيات مقدمته أفكارا اقتصادية ومالية مميزة تتعلق بالنقود، وعند النظر في معنى هذه الأخيرة لغة فهي كما جاء في اللسان: النقد خلاف النسيئة والنقد والتنقاد تمييز الدراهم وإخراج الزيف منها..ونقدت له الدراهم وانتقدتها إذا أخرجت منها الزيف والدرهم نقد أي وازن جيد وفي الاصطلاح فقد عرفها ابن رشد رحمه الله بقوله " الأثمان هي الذهب والفضة والأثمان المقصود منها المعاملة أولا في جميع الأشياء لا الانتفاع والعروض والمقصودة منها الانتفاع أولا لا المعاملة وأعني بالمعاملة كونها ثمنا" والذي يفهم من كلام ابن رشد أن النقود ليست مقصودة في ذاتها فحسب، بل هي وسيلة للانتفاع بالعروض الأخرى، تمييزا عن المقايضة فهي تبادل سلعة بسلعة وهي مقصودة في ذاتها، ومن الأسئلة التي سنحاول الإجابة عنها في هذا البحث: ما ماهية النقد عند ابن خلدون؟ وما الخاصية التي تميز الذهب والفضة عن غيرهما من المعادن؟ وما دور الدولة ثبات قيمة النقود؟

وستكون الإجابة عن هذه الأسئلة في مبحثين: مفهوم النقود عند ابن خلدون ووظائفها، والدولة والسياسية النقدية.

المبحث الأول: مفهوم النقود عند ابن خلدون وخاصيتها ووظائفها

١- تعريف النقود وخاصيتها

في أول حديثه عن النقود عرفها ابن خلدون بقوله:" إن الله تعالى خلق الحجرين المعدنين من الذهب والفضة قيمة لكل متمول وهما الذخيرة والقنية لأهل العالم في الغالب وإن اقتنى سواهما في بعض الأحيان فإنما هو لقصد تحصيلهما بما يقع في غيرهما من حوالة الأسواق التي هما عنها بمعزل " أي أن الذهب والورق مخلوقان أنعم الله بهما على الإنسان لأداء وظائف شأنهما شأن باقي المخلوقات الأخر، وإنما ذكر المعدنين دون سواهما لما يتميزان به من خصائص، أهمها شأوا خاصية الثبات في القيمة؛ بحيث أن قيمتها لا تتقلب مع تقلبات الأسواق كما في السلع الأخرى التي لها مواسم إن كانت زراعية ويكثر عرضها فترخص أو تقل وتندر فيرتفع سعرها كثيرا ولتوضيح هذه الخاصية أكثر، نفترض أن الأشياء تقوم بكمية معينة من القمح فإن هذا الأخير عرضة لأن يكون كثير العرض إلى درجة يترك في الحقول حال وفرته وبهذا لا يصلح أن تقوم به أشياء هي أعلى منه قيمة كالحديد والذهب نفسه.. وقد يكون قليلا بسبب الجفاف فيعلو قدره ويقع الناس في حرج، إذ كيف يصلون إلى ذلك القدر في معاملاتهم.. وعكس ابن خلدون فإن أرسطو في كتابه السياسة ذهب إلى أن كل شيء سهل التداول ومحدد الأوزان يصلح أن يكون نقدا يقول: فاصطلح أن يكون الأخذ والعطاء في المعاوضات بمادة نافعة بذاتها تكون سهلة التداول في الاستعمالات العادية للمعيشة فكانت مثلا مثل الحديد ومن الفضة ومن أي جوهر آخر مشابه  حتى إن أقرب المعادن إليهما وهو النحاس ذكر المقريزي( تلميذ ابن خلدون) أن إفراط الحكومة في سك النقود من الفلوس دون ما يقابله من سلع وخدمات، سبب للأزمة التي وقعت في عهده 

  • الذهب والفضة أثمان بالخلقة يتصفان بثبات القيمة لحكمة الله التي جعلتهم غير متوفرين كثيرا ولا نادرين، وبذلك يصلحان بثبات قيمتهما أن يكونا قيمة لكل متمول. فلا يلحقهما فساد ( كالصدأ للحديد مثلا، والتآكل للزروع... )
  • بالنظر إلى الواقع المعاصر فمنذ سنوات إلى لحظة كتابة هذه السطور فإن ثمن الذهب بالغرام الواحد يتراوح بين ٣٠٠ درهم إلى ٣٥٠ درهم مغربية. وهذا لاحظته في عاصمة الفضة بالمغرب ('مدينة تيزنيت).

٢- وظائف النقود وعلاقتها بالأسعار

طرح ابن خلدون رحمه الله في مقدمته ثلاث وظائف أساسية للنقود حيث يقول: إن الله تعالى خلق الحجرين المعدنين من الذهب والفضة قيمة لكل متمول  هما الذخيرة والقنية هما أصل المكاسب والقنية والذخيرة 

  • الوظيفة الأولى: الثمنية ومعنى هذه الوظيفة أن النقدين وسيلة والأداة لتبادل السلع والعروض لأن غيرهما عرضة للوفرة/الندرة أو معرض للفساد وأن أغراض الناس وحاجاتهم تختلف وتتنوع فليس قنطار القمح هو نصف القنطار فلابد من شيء تتبادل به المنافع فيقال مثلا أعطيني قنطارا اقمحا أعطيك غراما ذهبا، آجرك يوما مقابل غرامين ذهبا وهكذا....
  • الوظيفة الثانية: أن النقود أداة ادخار لقوله (هما الذخيرة) لأنهما لا يلحقهما فساد ولا تقلب ولأن حكمة الله اقتضت إيجاد هذين المعدنيين بكميات متوازنة فيصلحان للادخار وتكوين ثروة، وهو يخالف بهذا فكر الغزالي الذي جعل الاكتناز من المحرمات الذي نهت عنها الشريعة الإسلامية.
  • الوظيفة الثالثة: مقياس للقيمة لقياس عملية التبادل والتمول لابد من شيء ثابت يرجع إليه وهو الذهب والفضة والمفصل في هذا ما تعارف عليه الناس لتحديد قيم الأشياء، فتتغير بتغير الأزمنة والأمكنة؛ فأجرة إجارة الأشخاص مثلا- في القرن ١٨ م ليست هي قيمة الإجارة في القرن ٢١ م، والمعيار هو الجودة وأهمية الخدمة المسداة. ويقاس عليه أضرابه من الخدمات... 

وفي هذا السياق ألفينا أرسطو يرى أن النقدين ليسا بمكافئ عام أي: لا يعتد بهما بشكل عام في تقويم الأشياء كلها، ويمكن أن نعتد بهما في آحاد الأشياء.

المبحث الثاني: الدولة والسياسية النقدية

١- الجهاز النقدي في الدولة

لقد جعل ابن خلدون السلطة النقدية سلطة حكومية وليست خاصة، وهي وظيفة ضرورية للملك إذ بها يتميز الخالص من المغشوش بين الناس في النقود عند المعاملات وسلامة إصدارها من جهة واحدة، فنفترض عكس هذا فلو كان استصدار النقود وإعطائها القيمة من كل فرد لما أدت وظيفتها فلكل نقده وقيمته التي يريدها منه. ونجده في معرض الحديث عنها يقول:" وأما السكة فهي النظر في النقود المتعامل بها وحفظها مما يداخلها من الغش أو النقص..ثم في وضع علامة السلطان على تلك النقود.

  • تولي الدولة مهام استصدار النقود وضبطها وتحديد قيمتها يحميها من الغش والتزييف، ويزكي قيمتها في الثبات والثمنية والادخار.

٢- جريمة تزييف وتزوير النقود عند ابن خلدون

كل القوانين الأعراف تجرم التزوير بشتى أنواعها، سيما إذا تعلق الأمر بتزوير النقود إدراج هذا المحور هنا ليس غريب الصدفة لكون ابن خلدون تفرد به وفصل فيه حتى وان صادفنا مفكرا تطرق اليه بالإشارة.وقبل أن نشير إلى كلامه في هذا لا بأس أن نشير إلى موقف المشرع المغربي الذي شدد العقوبات في هذا السياق حيث جاء في الفصل ٣٣٤ من الفرع الأول في الباب السادس من القانون الجنائي المغربي: (يعاقب بالسجن المؤبد كل من زيف أو زور أو غير أحد الأشياء الآتية:
نقودا معدنية أو أوراقا نقدية متداولة قانونا بالمملكة المغربية أو الخارج؛ أوراقا مالية، اذونات أو سندات، تصدرها الخزينة العامة وتحمل طابعها أو علامتها، أو قسائم الفوائد المتعلقة بتلك الأوراق المالية أو الاذونات أو السندات

وقد حذر بنك المغرب ووزارة الاقتصاد والمالية والهيئة المغربية لسوق الرساميل بتاريخ ٢١ نونبر ٢٠١٧ من المخاطر التي تحيط باستعمال العملات الافتراضية كوسيلة للأداء هذا بالإضافة إلى اختلاف الفقهاء المعاصرين حيالها؛ سيما وأنه لم يعرف لها تعاملا واسعا وسط الناس، وهذا لا يعني أنها لن تفرض نفسها في مستقبل الأيام.

فلا غرو إذن أن نجد ابن خلدون محدثا عن هذه الجريمة ومرتكبيها قائلا:".ثم منهم من يقتصر في ذلك على الدلسة فقط، إما الظاهرة كتمويه الفضة بالذهب أو النحاس بالفضة أو خلطهما على نسبة جزء أو جزأين أو ثلاثة...فيقدر لأصحاب هذا الدلس مع دلستهم هذه سكة يسربونها في الناس ويطبعونها بطابع السلطان تمويها على الجمهور وهؤلاء أخس الناس حرفة وأسوأهم عاقبة..لا كلام معهم لأنهم بلغوا الغاية في الجهل والرداءة والاحتراف بالسرقة ولا حاسم لعلتهم الا اشتداد الحكام عليهم وقطع أيدهم متى ظهروا على شأنهم"
وهنا يبين -رحمه الله- أنواع التزوير والتزييف وذلك بخلط المعادن بعضها ببعض، وإجراء طابع السلطان عليها، فاستحقوا بذلك وصف الجهل والخسة والسرقة لشناعة وقبح فعلهم، فلا رادع لهم إذ ذاك إلا اشتداد الحكام عليهم ومعاقبتهم على جرمهم.

خاتمة 

بعد هذه الإطلالة البسيطة على فكر علم من أعلام الغرب الإسلامي، نستبين زخامة تراثنا الإسلامي في الاقتصاد، بما يحقق مقاصد الشرع الحنيف المتعلقة بكلية المال وما يحفظها وجودا وعدما؛ إذ الغاية من استنباط هذه النظريات في كتب المتقدمين من فقهاء المسلمين؛ هي جريها على المعاملات المالية المعاصرة بما يرضي الله سبحانه وتعالى وتجديد الهندسة المالية الإسلامية لمسايرتها لنوازل العصر ومتطلبات السوق الراهنة.

 

لائحة المصادر والمراجع

  • المقدمة، عبد الرحمن ابن خلدون ( ت ٨٠٨هــ) تحقيق عبد الله الدرويش، ط ١، دار البلخي دمشق -٢٠٠٤.
  • إغاثة الأمة بكشف الغمة لتقي الدين أبي العباس المقريزي، ت كرم فرحات
  • بداية المجتهد ونهاية المقتصد، لابن رشد، ط دار الفكر.د.ت
  • لسان العرب، لابن منظور ج ٣ ص ٤٢٥، دار صادر بيروت د.ت.
  • كتاب السياسة، لأرسطو، ترجمة أحمد لطفي السيد د.ت.
  • علماء المسلمين وعلم الاقتصاد ابن خلدون مؤسس علم الاقتصاد، شوقي أحمد دنيا، دار معاذ ١٩٩٣ السعودية
  • السياسة والاقتصاد عند ابن خلدون، صلاح الدين رسلان، كلية الآداب- القاهرة
  • الفكر الاقتصادي عند ابن خلدون- الأسعار والنقود، سيد شوربجي عبد المولى، ط إدارة الثقافة والنشر ١٩٨٩ السعودية
  • تأصيل آراء ابن خلدون الاقتصادية، زكي محمود الزعبي، القاهرة ١٩٩١.