العدد الحالي: تشرين 1/اكتوبر 2018       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

الاقتصاد الإسلامي: الثوابت والمتغيرات

د. لبيب نجيب عبد الله غالب

أستاذ مساعد في كلية الآداب جامعة عدن

الاقتصاد الإسلامي: الثوابت والمتغيرات

د. لبيب نجيب عبد الله غالب

أستاذ مساعد في كلية الآداب جامعة عدن

فقد كثُر في السنوات الماضية الحديثُ عن الاقتصاد الإسلامي وأهميته ودوره الرائد في المستقبل، وتأخُّر الاهتمام بهذا الجانب المهمّ من جوانب الشريعة لا يعني أنه حديثُ النشأةِ جديدُ الابتكار، فالاقتصاد الإسلامي قديم قِدَم الإسلام، وهو جزءٌ من هذا الدّين القويم يحكُم عاداتنا وأوضاعنا الاقتصادية، وتمسُّكُ المسلمين به لا لكونه يقدّم حلولاً ناجحة للمشكلات الاقتصادية فحسب، بل أيضًا تقرُّبًا إلى الله جل جلاله، فالأخذُ به عبادةٌ قبل أن يكون عادة.

ولما كان الاقتصاد الإسلامي مستمدًا من الشريعة الغراء كان الواجب أن يكون حاكمًا لأحوالنا الاقتصادية غير مقتصرٍ على نظرياتٍ واستنباطاتٍ تُقدَّمُ للبحث المجرد ولا فتوى الغرض منها أن تبرر الفساد الاقتصادي المنتشر()

إنّ الاقتصاد الإسلامي يتكوّن من جانبين:

الأول: جانب الثوابت.

والثاني: جانب المتغيّرات.

ويسمّى الجانب الأول (مذهبًا) والجانب الثاني (نظامًا).

فمبادئ الاقتصاد الإسلامي تتسمّ بالثبات، فهي عامةٌ صالحةٌ لكل زمان ومكان، فـ (إباحة البيع)، و(تحريم الربا) المدلول عليهما بقوله تعالى: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ [البقرة: ٢٧٥]، و(تسخير الكون بما فيه لنفع الإنسان) الذي دل عليه عليه قوله جل جلاله: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا (البقرة: ٢٩)، و(حرمة مال المعصوم) في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ ۚ(النساء: ٢٩)، و(حقُّ الإنسان رجلًا أو امرأةً في التملُّك) الذي دلَّت عليه آياتٌ كثيرةٌ كقوله تعالى:  لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ۚ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا (النساء: ٧) وغير ذلك، كلُّها مبادئ لا يستثنى منها زمانٌ ولا مكانٌ.

وتُؤخذُ هذه المبادئ الثابتة من نصوص القرآن الكريم والسنة والنبوية وما أجمع عليه علماء الشريعة، وتتميّز هذه المبادئ لثابتة: (بكونها قليلة ومحدودة ولا تتعلق إلا بالحاجات الأساسية التي لا غنى عنها لكل مجتمع بصرف النظر عن درجة تقدمه الاقتصادي)().

 أما المتغيرات في الاقتصاد الإسلامي فإنها لا تتسمّ بالثبات؛ لكونها قد تصلح في مكانٍ دون آخر، وفي زمانٍ دون آخر، وتتمثّل في الحلول التي تُوضع للمشكلات الاقتصادية، كــ (تدخّل الدولة في تحديد أسعار السلع)، و(اشتراط إذنها في تملّك الموات)()، و(حثّ الناس على الادخار أو عدمه)()، وغير ذلك، فهذه إجراءات وتطبيقات تختلف باختلاف الزمان والمكان، تبعًا للمصلحة، فحيثما حققتِ المصلحة يُعمل بها، ويُترك العمل بها إذا لم تتحقق المصلحة، وهي داخلةٌ تحت المقولة الشهيرة: (أينما تكنِ المصلحة فثمّ شرع الله جل جلاله)()، ومن هذا منْعُ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه المؤلفة قلوبهم من سهم الزكاة().

وإذا تقرر ما تقدم فينبغي التفريق بين المبدأ الاقتصادي الثابت والتطبيق الاقتصادي المتغيّر لكونه تابعًا للمصلحة، وهذا ما لا يستطيعه إلا علماء الشريعة الذين امتنَّ الله جل جلاله عليهم بالفقه المقاصدي المعتبِر لجلب المصالح ودرء المفاسد().

إنّ التطبيقات الاقتصادية تُؤخذُ عادةً من النصوص التفصيلية في القرآن الكريم والسنة النبوية ومن الأدلة الأخرى كالإجماع والقياس والاستصحاب وقول الصحابي والعُرْف، وتؤخذ أيضًا من كلام الاقتصاديين والفقهاء والمؤرخين.

 ويجدر التنبيه هنا أنّ الاستفادة لا تقتصر على النظريات والتطبيقات والحلول التي يقدّمها الاقتصاديون المسلمون، بل يمكن الاستفادة مما يقدّمه غير المسلمين أيضًا، إذْ أنّ هذا الجانب ليس تعبديًا محضًا، بل جزءٌ كبير منه داخل تحت (أمور دنيانا) التي قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم: (أنتم أعلم بأمور دنياكم)()، وإذا كانت من أمور دنيانا فلا مانع أن نستفيدها من غير المسلمين كشأن استفادتنا منهم في علم الطب والفيزياء مثلاً. 

ومما يؤكد جواز ذلك - الاستفادة مما دوّنه غير المسلمين - قولُ النبي صلى الله عليه وسلم: (لقد هممتُ أن أنهى عن الغيلة()، فنظرتُ في الروم وفارس، فإذا هم يغيلون أولادهم فلا يضرّ ذلك أولادهم شيئًا) أخرجه مسلم().

تأتي فائدة التفريق بين ثوابت الاقتصاد الإسلامي ومتغيراته؛ بأنَّ الأولى لا يقبل الخلاف حولها ولا يقبل التنازل عنها؛ بل لا يكون الاقتصاد إسلاميًا بدونها، أما المتغيرات فالخلاف الذي سببه النظر إلى العوائد والأعراف والبيئات قد يكون مقبولًا فيها، وأمر الاجتهاد فيه متاح. 

وختامًا.. لا زال هذان الجانبان المكوِّنان للاقتصاد الإسلامي بحاجةٍ إلى دراسات تكشف عن المبادئ الاقتصادية التي جاء بها الإسلام، وتميّز بها مذهبه، وبحاجةٍ أيضًا إلى دراسة التراث المعرفي الذي دوّنه فقهاء الإسلام والمؤرخون والاقتصاديون في مجال بيان الحلول للمشكلات الاقتصادية.

ولعل هذه الدراسات المستفيضة إذا وُجدتْ تكون السبب في التألق الريادي للاقتصاد الإسلامي على مستوى العالم أجمع، إذ أنّ ضعف دوره (يتحمّله علماء المسلمين الذين قصّروا في بيان الاقتصاد الإسلامي، وكيفية تطبيقها بما يلاءم متغيرات الزمان والمكان)()