العدد الحالي: تشرين 1/اكتوبر 2018       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

أهمية أموال الوقف والزكاة في تحقيق التنمية ومحاربة الفقر

د. حياة بن زارع

كلية العلوم الاقتصادية والعلوم التجارية وعلوم التسيير - جامعة قالمة

المقدمة:

تتجلى مقاصد الشريعة الإسلامية السمحاء في حفظ كرامة الإنسان وضمان عيشه الكريم في ظل بيئة متوازنة تشمل جميع مجالات الحياة الاقتصادية، الاجتماعية والروحية ولهذا الغرض فالزكاة والوقف من الموارد المالية الإسلامية الهامة التي تساهم في محاربة الفقر وتحقيق التنمية التي يعتبر الإنسان غايتها وهدفها ومصدرها في نفس الوقت ، كما تمثل هذه الموارد في جوهرها منبعا لا ينضب لمظاهر التكافل والتضامن بين أفراد المجتمع المسلم. تهدف هذه السطور تحديد آليات تفعيل أموال الوقف والزكاة في مجتمعنا الإسلامي الذي يعيش - في الوقت الراهن - العديد من مظاهر التخلف والضعف على جميع الأصعدة، فارتفاع مستويات الفقر والأمية إضافة إلى ارتفاع معدلات البطالة وما يصحبها من أزمات اجتماعية واقتصادية خطيرة تهدد استقرار المجتمع وتماسكه ككل.

أولا: الإطار النظري للزكاة والوقف.

الزكاة:

تعريف الزكاة: أصل الزكاة في اللغة الطهارة والنماء والبركة والمدح وكل ذلك استعمل في القرآن والحديث (سعيد بن علي بن وهبة القحطاني، 2010 ). والزكاة لغة أيضا النماء والزيادة ويقال زكا الزرع إذا نما وزاد وجمع الزكاة زكوات.و هي أيضا الصلاح قال الله تعالى "فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما " (الآية 81 من سورة الكهف ) قيل صلاحا وقيل خيرا منه عملا صالحا وقال تعالى " ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم " ( الآية 21 من سورة النور ) أي يصلح من يشاء، وقيل لما يخرج من المال للمساكين ونحوهم زكاة لأنه تطهير للمال وتثمير له وإصلاح ونماء بالإخلاف من الله تعالى.و الزكاة تأتي أيضا بمعنى المدح، يقال زكى نفسه أي مدحها ووصفها وأثنى عليها قال تعالى " فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى "(الآية 32 من سورة النجم).

والزكاة في الشرع تطلق على الحصة المقدرة من المال التي فرضها الله تعالى للمستحقين كما تطلق على نفس إخراج هذه الحصة (القرضاوي،1973).وفي تعريف آخر "هي التعبد لله تعالى بإخراج حق واجب مخصوص شرعا، من مال مخصوص، في وقت مخصوص، لطائفة مخصوصة بشروط مخصوصة (سعيد بن علي بن وهبة القحطاني، 2010 ).

مصارف الزكاة: لقد حدد الله سبحانه وتعالى ثمانية مصارف للزكاة هي:الفقراء والمساكين، العاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمون وفي سبيل الله وابن السبيل. (القرضاوي،2001 ) وذلك لقوله تعالى"إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم"( الآية 60من سورة التوبة ).

 وعاء الزكاة: فرضت الزكاة على أصناف المال المعروفة في عصر التشريع: النقدين والنعم والزروع وعروض التجارة، والنص على هذه الأموال الزكوية هو من باب حكاية الفعل على الراجح، وإنما تجب الزكاة في كل مال تتحقق فيه شروط الزكاة لمحض ماليته لقوله تعالى: "خذ من أموالهم "(الآية 103من سورة التوبة) وقوله "وفي أموالهم"(الآية 19من سورة الذاريات)، وهذا يعني أن كل ما يعده الناس مالا من المستغلات وصور الثروة الحادثة والنقود الورقية والأسهم والأوراق المالية...، كل ذلك يخضع للزكاة بشرط الملك التام والنماء وحولان الحول والفضل عن الحاجة وبلوغ النصاب والسلامة من الدين.(عبد الجبار السبهاني،2012).

إن هذا الشمول لصور الدخول والثروة المختلفة يحرر للزكاة أكبر حصيلة مالية، ويعطيها القدرة على إعادة هيكلة الدخول والثروة في الاقتصاد على نحو أكثر كفاءة وفاعلية.

الوقف:

تعريف الوقف: الوقف لغويا يعني الحبس، مصدر وقف يقف ويرادفه التحبيس والتسبيل ويقال وقفت الدار للمساكين وقفا ووقفت الدابة،أي حبستها ( مجمع الفقه الإسلامي، 2007) أما  اصطلاحا فهو: حبس مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه بقطع التصرف في رقبته من الواقف وغيره على مصرف مباح موجود، أو يصرف ريعه على جهة بر وخير تقربا إلى الله تعالى. (عماد حمدي محمد  محمود ) ويقال:هو حبس العين على ملك الله تعالى على وجه يعود منفعته إلى العباد (أحمد بن عبد العزيز الحداد، 2009) ويشمل الوقف الأصول الثابتة كالعقارات والمزارع وغيرها كما يشمل الأصول المنقولة التي تبقى عينها بعد الاستفادة منها كالآلات الصناعية وغيرها أما التي تذهب عينها بالاستفادة منها تعتبر صدقة كالنقود والطعام وغيرها. ويختلف الوقف عن الصدقة في أن الصدقة ينتهي عطاؤها بإنفاقها أما الوقف فيستمر العين المحبوس في الإنفاق في أوجه الخير حتى بعد الوفاة.

والوقف إذن صدقة من صدقات التطوع، يقوم بها الإنسان بمحض إرادته حيث يهب جزءا من أمواله يخصصه لعمل من أعمال البر لخدمة الصالح العام تقربا إلى الله عز وجل، مصداقا لقوله تعالى:'' وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا'' (الآية 20 من سورة المزمل ) وقال تعالى:'' لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم.''(الآية 92 من سورة آل عمران).

فخصوصية الوقف تكمن في صفة الدوام والاستمرارية، من خلال وقف العين والإنفاق من المنفعة وتحقيق دوام العين، فلا يجوز التصرف في العين بأي شكل يؤدي إلى زوالها من بيع أو هبة أو إرث لأنها تصبح ملكا خاصا لجهة الخير الموقوف لها. (عمر الكتاني، 2008

أنواع الوقف: يقسم الفقهاء الوقف من حيث الانتفاع به إلى ثلاثة أنواع: (محمود أحمد مهري، 2003).

الوقف الخيري: وهو الوقف الذي يشترط الواقف صرف عائده إلى جهة خيرية مستمرة الوجود لا تنقطع مثل الفقراء والمساكين المساجد والمدارس والمستشفيات ونحوها.

 الوقف الأهلي أو الذري وهو الوقف الذي يخصص الواقف عائده لذريته في البداية ثم من بعدها لجهة خيرية مستمرة الوجود.

الوقف المشترك: وهو ما اشترك في استحقاق عائده الذرية وجهات البر العامة معا.

أركان الوقف: الوقف مثل سائر الالتزامات والعقود لا بد له من توافر أركان معينة لقيامه وهي: ( الطاهر زياني، 2014

الركن الأول: هو الواقف المتصدّق: وهو الشخص المكلف العاقل الرشيد البالغ الحر المختار.

والركن الثاني: هو الشيء الموقوف المتصدق به، وشرطه أن يكون عينا مباحة حاضرة معلومة باقية دائمة لا تزول مع الاستعمال، ولا تستوعب جميع المال بل لا تزيد عن الثلث، وتصح مشاعة من جماعة، ولا تتملك لأحد بعد الوقف، وذلك كالعقار والمركوب والحيوان والأثاث والموارد المائية.

الركن الثالث: هو الجهة أو الأجناس الموقوف عليهم: وهم جهة من جهات البر، أو أجناس عامة، لا أفراد بخصوصهم، وإلا كانت صدقة، وإنما أطلق العلماء لفظ " الموقوف عليهم " ولم يقولوا " الموقوف لهم "، حتى لا يظن بتملك الوقف من طرف الموقوف عليه، لأنه ملك لله تعالى لا يملكه أحد. 

والركن الرابع: هو الصيغة المصرحة بالمراد، ومجرد النطق بالوقف أو الحبس مع النية، يجعل الوقف لازما حالا مباشرة، كما هو قول الجمهور.

وهناك ركن خامس، وهو مهم من أجل المحافظة على الوقف واستمرارية استثماره لأمد كبير، وهو: الناظر في الوقف والقيّم عليه: ويشترط فيه الصدق والأمانة والخبرة مع القدرة على رعاية الوقف ومصالحه.

ثانيا: الأبعاد التنموية للزكاة والوقف.

إن الإسلام لا يحصر التنمية بالجانب المادي بل يتعداها إلى الإنسان الفرد والمجتمع، بل ويعتبر من خصائص التنمية من وجهة نظر إسلامية الشمولية التي تقوم على مبدأ تحقيق الاحتياجات البشرية كافة من مأكل وملبس ومسكن ونقل وتعليم وتطبيب وترفيه وغيرها،و لقد عبر الوقف عن هذه الشمولية بتغطية النشاطات المتنوعة وسد ثغرات مختلفة في المجتمع ليكون مرآة تعكس صورة التنمية في المجتمع المسلم، إلى جانب فريضة الزكاة التي وبتعدد أوعيتها وتخصيص مصارفها تضمن تلبية مختلف متطلبات الأفراد في المجتمع.إذن فأموال الوقف والزكاة موارد تمويلية هامة في المجتمع الإسلامي لطالما كان لها دورها الفعال في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية وكذا القضاء على الفقر ومسبباته وهو ما سنوضحه في الفقرة التالية:

أهمية الزكاة في التنمية:

تعتبر الزكاة مصدرا مهما من مصادر تمويل التنمية نظرا لتعدد أوعيتها وتخصيص مصارفها بما يضمن تلبية مختلف متطلبات الأفراد في المجتمع فهي  توفر مصادر مالية معتبرة بصفة منتظمة بالنظر لعدة اعتبارات وفق ما يلي: (علام عثمان، 2014

  • لا يشترط في الزكاة ما يشترط في سائر العبادات من بلوغ  ورشد حيث اتفق الفقهاء على وجوب الزكاة على أموال غير المكلفين وهو ما يسمح بتوسيع وعاء الزكاة بما يضمن الحصول على موارد أكبر.
  • تم تحديد  نصاب الزكاة بالقدر الذي يضمن الحاجات الأساسية فقط الأمر الذي يسمح بانسياب حصيلة معتبرة من موارد الزكاة تساهم في تعزيز تراكم رأس المال.
  • تتميز الزكاة بتنوع أوعيتها حيث يوجد تناسب عكسي بين مقدار الزكاة ووعائها، فإذا كان الوعاء كبيرا ممثلا في رأس المال والنماء قل المقدار ليكون 2.5% منه كما في زكاة عروض التجارة والماشية وإذا كان الوعاء للنماء فقط زاد المقدار كما في زكاة الزروع والثمار والمعادن 5% أو 10إلى 20%.
  • ترتبط قيمة الزكاة عكسيا مع الجهد المبذول ودرجة المخاطرة للحصول على النماء وتكاليف التشغيل فكلما زاد الجهد وارتفعت المخاطرة قل مقدار الزكاة وكلما قل الجهد والمخاطرة ارتفع المقدار وهذا ما يظهر في وعاء زكاة التجارة التي تتعرض لمخاطر متعددة وتحتاج إلى بذل جهد كبير ولذلك حدد معدل الزكاة فيها ب 2,5% أما الزراعة والثمار والمعادن فتتميز بانخفاض درجة المخاطرة وقلة الجهد عموما ولذلك ترتفع قيمة الزكاة فيها.
  • إن تحصيل الزكاة يتم في أوقات محددة وهو ما يوفر موارد منتظمة للاقتصاد ففي حالة الزكاة على المال ونمائه معا كما في زكاة التجارة والماشية أوجب الله سبحانه الزكاة مرة كل عام لأن النماء يتجدد مع الوقت ويحدث ساعة بساعة ويوما بيوم يعسر ضبطه إلا بعد مرور مدة مناسبة وهي الحول أما في حالة الزروع والثمار والمعادن فهي نماء في حد ذاتها ولذلك جعل حولها عند الحصول عليها.

و في ضوء ما تقدم، يمكن تعقب الآثار البالغة التي تتركها هذه الفريضة في البناء الاقتصادي والاجتماعي ولعل أبرزها:

  • إن الهدف الأساسي من الزكاة هو محاولة القضاء على الفقر أو التقليل منه إلى أدنى مستوياته وبالتالي تذليل الفوارق الطبقية بين المسلمين من خلال الوصول بالفقير إلى مستوى الكفاية (براق محمد، كروش نور الدين،2012 ) وإقامة هذه الفريضة تحصيلاً وتوزيعاً ينجم عنه زيادة في الطلب الاستهلاكي بسبب نقل الدخول إلى الشرائح ذات الميول الحدية العالية للاستهلاك، وهذا هو الأثر المباشر الذي يحقق مقصد الزكاة بإشباع حاجات الفقراء وهو أثر أولي تعقبه آثار أخرى كما يلي: 
  • زيادة الطلب الاستثماري إذْ أن زيادة الطلب على السلع الاستهلاكية سوف يزيد من طلب منتجيها على مدخلات الإنتاج ومنها العمل بهدف التوسع في إنتاجها، وهذا يعني أن الزكاة سوف تدفع إلى مستويات أعلى من التوظيف وتحد من البطالة عبر آليات النظام الاقتصادي، وهذه القناعة يسلّم بها الاقتصاديون عموما؛ فكل إعادة توزيع لصالح الفقراء تتسبب في ارتفاع مستوى التوظيف. (عبد الجبار السبهاني، 2012) ؛
  • ليس هذا فحسب بل هناك أثر مباشر للزكاة على الاستثمار، إذ يميز الفقهاء بين الفقراء القادرين على العمل والعاجزين عنه، أما العاجزون فيعطون كفاية عامهم أو كفاية عمرهم من الزكاة، وأما القادرون فيعطون أصولا يستعينون بها على مزاولة العمل ويؤمرون به كل بحسب حرفته وتأهيله، كما تتضمن الزكاة رأس مال للغارمين مما يشيع بين المستثمرين نوع من الاطمئنان فيندفعون في الاستثمار والإنتاج بكل طاقتهم بدون تصفية استثماراتهم لسداد ديونهم. 
  • إن الزكاة، إذ تفرض على المال القابل للنماء دون اشتراط نمائه الفعلي، تحتم على مالكه تنميته لكي يدفع الزكاة من غلته لا من أصله، فإن تقاعس عن ذلك فإن هذا المال سوف يتناقص بشكل دوري، وفي هذا القصد يوجه النبي كافل اليتيم لتنمية ماله: "ألا من ولي يتيما له مال فليتجر بماله ولا يتركه حتى تأكله الصدقة". فالزكاة تعمل إذن على محاربة اكتناز الأموال وبقائها كموارد ساكنة لا تقدم منفعة حقيقية لاقتصاد المجتمع.
  • إن قرار الاستثمار في اقتصاد وضعي يعتمد على المقارنة بين الربح الذي يتوقع المنظمون الحصول عليه (الكفاءة الحدية) وسعر الفائدة الذي يدفعونه لقاء الحصول على التمويل اللازم من الجهاز المصرفي أو من الأسواق المالية، وفي الإسلام ترجح الكفة الأولى مباشرة بسبب إلغاء الربا، وترجح أيضا لأن الزكاة تسوق المال سوقا إلى الاستثمار، فكنز المال وتعطيله يعرضه للتآكل بسبب الزكاة، إن هذه الشروط المؤسسية لا تتاح للاستثمار في أي نظام اقتصادي آخر.
  • تعمل الزكاة على تحسين الوضع التساومي للعمل المضارب تجاه رأس المال، فصاحب المال ملزم موضوعيا بتوظيف أمواله، فحيث يحرم الإسلام التوظيف الربوي أي الإيداع في المصارف الربوية بمقابل فائدة، فإنه لا بد أن يلجأ إلى أحد أمرين: إما الاستثمار المباشر لأمواله أو استثمارها مضاربة مع الغير، وهذا يوفر فرص توظيف جدية تدعم موقع العمل المضارب وتساعد في القضاء على البطالة.
  • تعمل الزكاة على تحقيق الكفاءة الاقتصادية وتخصيص موارد المجتمع بحسب الحاجات الحقيقية لأبنائه إذ أن تركز الثروة يؤدي إلى تكريس موارد المجتمع لإنتاج ترفيات الأغنياء على حساب ضروريات الفقراء، وهذا يخل بالقاعدة الأصولية التي تقضي بأن: "لا يراعى تحسيني إذا كان من مراعاته إخلال بحاجي ولا يراعى حاجي إذا كان من مراعاته إخلال بضروري"، فالأصل أن تشبع الحاجات الأساسية أولاً وذلك يستلزم عدالة توزيع الدخول وقوى الشراء، والزكاة تؤمن ذلك.( عبد الجبار السبهاني، 2012)
  • تعمل الزكاة على تحقيق التجانس في التركيب الاجتماعي وتقلل من الفوارق الطبقية بين أبنائه إذ غالبا ما تنقسم المجتمعات إلى طبقات حسب مستويات الدخول، والزكاة آلية مستمرة لردم الفوارق الطبقية بين الأغنياء والفقراء، كما عملت الزكاة تاريخيا على تحرير الرقيق من خلال سهم الرقاب، وعملت على وقاية الفقراء والمساكين والغارمين وأبناء السبيل من ولوج عتبة الرق بدافع الاضطرار الملجئ إلى العبودية بفضل مصارفها المرصدة لهذه الفئات الاجتماعية.
  • تعمل الزكاة على تحقيق الأمان الاجتماعي وتخفيف تكاليف محاربة الجريمة بما توفره من فرص عمل وتوظيف ومن ثم كفاية لأفراد المجتمع، هذا موضوعياً، وذاتياً من خلال استلال دواعي الحسد والضغينة من نفوس الفقراء حين يرون أن خير الأغنياء واصل إليهم، فهي إذا آلية تعزز التكافل الاجتماعي وتزيل الصراع الطبقي.
  • تعمل الزكاة على محاربة الجهل وتعزز التعلم وشروطه، فالزكاة تصرف لمن يعوزه تفرغه لطلب العلم (ولا تصرف للمتفرغ للعبادة)، وقد تقرر فقها أن وسائل العلم من تمام كفاية طلابه، فهي إذا ركيزة من ركائز الاستثمار البشري.
  • تعمل الزكاة على محاربة العزوبة والعنوسة فالزواج من تمام الكفاية ومن أسس صلاح المجتمع، وقد أمر عمر بن عبد العزيز رحمه الله حين رفع إليه أمر الفائض من الزكاة، أمر بعتق الرقاب وتزويج الشباب. فتخوف الشباب الفقر من نزغ الشيطان يخذلهم به عن الزواج ويستدرجهم به إلى مدارج الرذيلة على خلاف موعود الله: "الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء، والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم" ( الآية 268من سورة البقرة)، وفي ذلك تدعيم للبناء السكاني للمجتمع المسلم وحصانة أخلاقية لأبنائه.
  • تعمق الزكاة فهم المسلم لوظيفة المال في المجتمع بتوكيدها للوظيفة الاجتماعية لحق الملكية، تأسيسا على نظرية الاستخلاف الإسلامية، فالمال مال الله والناس مستخلفون فيه، وهذا الفهم يساعد المسلم على تقبل أحكام الإسلام الأخرى المتعلقة بالمال انتفاعا واكتسابا واستثمارا وتداولا.

دور الوقف في التنمية:

للوقف دوره الكبير في التنمية سواء في مجال الاستثمار البشري والاستثمار المادي أو في مجال حماية الموارد وصيانتها عن الاستخدامات الجائرة: (عبد الجبار السبهاني، 2010)

  • فقد ساهم ولا يزال يساهم بشكل كبير في تمويل الاستثمار البشري من خلال الإنفاق على التعليم والرعاية الصحية، وفي تحمل أعباء إنشاء المساجد والمرافق الدينية وتحمل أعباء نفقاتها الجارية.
  • يساهم الوقف في تحقيق الضمان الاجتماعي باعتباره مؤسسة تكافلية فالإنفاق على كفالة اليتامى والأرامل والإنفاق في كفاية الفقراء وأبناء السبيل من أسمى مقاصد الوقف.
  • يساهم الوقف في تمويل البنى الإرتكازية ورأس المال الاجتماعي.
  • يعمل الوقف بما يوفره من مرافق وخدمات عامة على توفير دخول الأفراد لتتوجه لإشباع الحاجات الخاصة، وبذلك فهو يمثل زيادة حقيقية في دخولهم تخفف عن موازنات الأسرة نفقات معتبرة، وهو كذلك  يخفف العبء على الحكومات وبخاصة تلك التي تعاني من العجز في ميزانيتها كما يسد الفراغ الذي تتركه بعض الدول في مجال الرعاية والخدمات. (أمحمدي بوزينة أمنة، 2016 )  
  • يعمل الوقف عبر استثمار الأموال الوقفية على رفع مستوى العرض الكلي وتعزيز مرونته.
  • تمثل مؤسسة الوقف الخيري إطارا كافيا للأمان الاجتماعي بتمويل خاص وبذلك تحط عن الدولة نفقات كانت ستتحملها في مثل نفقات مكافحة الجريمة والفساد الاجتماعي الناجم عن الاضطرار الاقتصادي.
  • للوقف دور ايجابي في التخفيف من مشكلة البطالة وذلك من خلال:(سليم هاني منصور،2006)

المعالجة المباشرة:من خلال ما تستخدمه المؤسسات الوقفية من اليد العاملة في مختلف الميادين:أعمال الإشراف والرقابة والإدارة فضلا عن الخدمات الإنتاجية والتوزيعية بما يسهم في تشكيل طلب كبير على الأيدي العاملة بالمجتمع.

المعالجة غير المباشرة: حيث يسهم الوقف في تحسين نوعية قوة العمل في المجتمع لما يوفره من فرص تعلم المهن والمهارات مما يرفع من الكفاءة المهنية والقدرات الإنتاجية للأيدي العاملة. 

  • يساهم الوقف في القضاء على الفقر وذلك من خلال توفير الحاجات الأساسية للفقراء والمساكين والمشردين والمعوقين عبر تقديم الطيبات ورفع مستواهم الصحي والمعيشي والتعليمي وتوفير بعض ما فقدوه أو لم ينالوه من رعاية،و يمكن لنظام الوقف أن يجعل من الأماكن التي يتم فيها تقديم المنافع محط أنظار لفقراء ومناطق جذب للمساكين وبالتالي يمكن التعرف على مشاكلهم واحتياجاتهم وإمكانية إيجاد الحلول لها.(سليم هاني منصور، 2006)
  • يسهم الوقف في إعادة توزيع ثروة المجتمع، فبالإضافة إلى التوزيع الاقتصادي للدخل على مختلف العناصر الفاعلة في العملية الاجتماعية، يتدخل الوقف لإعادة توزيع جزء من الدخل لفئات أخرى لا تملك لا أرضا ولا مالا ولا جهدا، وهذه سنة الله في الكون، وما كان الله ليذر فئة دون حق فيما منحه لخلقه في هذه الأرض، فيأتي الوقف ليكون سببا في إعادة توزيع الثروة لصالح هذه الفئة. (جمال بن دعاس، رضا شعبان، 2013)
  • يمكن للوقف أن يمثل إطارا تشريعيا يحفظ الثروة من التفتت ويرصدها للغرض الاستثماري وبذلك يمثل عنصر كفاءة خاصة إذا كانت هذه الثروة أصولا إنتاجية أو حيازات زراعية تفقد مزايا الحجم في حال تجزئتها.
  • يمكن للوقف وإدارة استثماراته أن تكون واحدة من أنجع أدوات السياسة الاقتصادية في رعاية البيئة وصيانتها عبر التزامها بالمفهوم الإسلامي للاستخلاف الذي يؤكد الحس المسؤول تجاه البيئة ومعطياتها فلا إسراف ولو في ماء الوضوء ولو على نهر جار ولا قتل لصيد ولا إعتضاد لشجر إلا لحاجة مرعية ولا تلويث لبر أو بحر لأن ذلك من الفساد الذي نهى الشارع عنه وليس لمسلم أن يفسد في الأرض بعد إصلاحها فكيف بمن كان همه القربى والاحتساب.

الجانب الروحاني والأخلاقي للزكاة والوقف:

للوقف والزكاة فضائل نفسية وسلوكية تربوية هامة للفرد والمجتمع ككل حيث:

تعمل الزكاة على تطهير النفس البشرية من الشح والبخل والطمع والحسد وتدفعها نحو الإيثار والحس بمعاناة الآخرين والرفق بهم والبعد عن الأنانية وهي بذلك تعمق الحس الاجتماعي في النفس الإنسانية وترسخ التوازن المنشود بين العناية بالمصالح الخاصة والمصالح العامة في كيان الإنسان وأعماقه يقول تعالى:" ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون " (الآية 8 من سورة الحشر )كما أن بذل المال وهو العزيز على النفس تنفيذا لأوامر الله يقوي صلة العبد بربه ويزكي النفس ويطهرها ويجعل الإنسان يحرص باستمرار على نيل رضا الله وثوابه دونما الحرص على المصالح المادية،أما بالنسبة لجانب الآخذ من الزكاة فإن الزكاة تستأصل الحسد والحقد من نفوس الفقراء تجاه الأغنياء طالما أشبعت حاجاتهم وحققت رغباتهم في الحياة الكريمة.فالمجتمع الذي يخرج أغنياؤه الزكاة ويحصل فقراؤه عليها دون التعرض لذل السؤال ومرارة الحاجة يكون في الحقيقة مجتمعا متقدما نفسيا واجتماعيا.(بن الشيخ بوبكر الصديق،2013).

و الى جانب فريضة الزكاة، يعتبرالوقف من العبادات التي شرعها الله تعالى وحث عليها رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، وهو دليل على صدق عقيدة المسلم وإيمانه باستخلاف الحق سبحانه وتعالى له على ما بين يديه من ثروة عقارية ومنقولة، فالواقف يسعى لمرضاة الله وطلب جنته بتلك الحسنات الجارية التي يدرها الوقف عليه في حياته وبعد مماته. ويعمل الوقف على تحقيق مبدأ التكافل والضمان الاجتماعي بين أفراد الأمة وإيجاد عنصر التوازن بين الفقراء والأغنياء في المجتمع المسلم، وهو بذلك يساهم في تنظيم الحياة بتوفير الرعاية الاجتماعية من خلال تأمين حياة كريمة للفقراء وإعانة العاجزين من أفراد الأمة، وحفظ كرامتهم من غير مضرة بالأغنياء فتسود المودة والألفة ويعم الاستقرار. 

ثالثا:آليات تفعيل أموال الوقف والزكاة في تحقيق التنمية ومحاربة الفقر في مجتمعنا الإسلامي.

الزكاة والوقف ومنظومة التنمية والعدالة في الإسلام:

عبر تاريخها الطويل، عرفت الدولة الإسلامية في محطات بعينها من هذا التاريخ، نماذج تنموية شديدة الأهمية، حققت العدالة الاجتماعية في أجلى صورها، وفق مبدأ العدالة في توزيع الثروة على عموم مواطني الدولة، بما في ذلك غير مسلميها المقيمين بين ظهرانيها، ممن أقروا بسلطة دولة الإسلام عليهم. واعتمدت هذه النماذج في التمويل على الآليات التي اعتمدتها الشريعة الإسلامية.و تستند هذه الآليات إلى الزكاة بأنواعها، منها زكاة المال، وزكاة الزروع والثمار، وزكاة المنقول، وهي فريضة على المسلمين، والجزية على غير المسلمين، وخِراج الأراضي النامية التي فتحها المسلمون صلحا أو عنوة.

 ففي عهد عمر بن الخطاب "رضي الله تعالى عنه"، ومع زيادة مساحة الأراضي التي فتحتها الجيوش الإسلامية، وبالتالي زيادة حجم أموال الغنائم والخراج والزكوات، تم تأسيس بيت مال المسلمين، لحفظ هذه الأموال، سواء السائلة منها أو في صورة ذهب ومعادن نفيسة.وكان بيت مال المسلمين، هو الإطار المؤسسي والمسار التنفيذي الأهم الذي من خلاله يتم التصرف في هذه الأموال، سواء لجهة إنفاقها في مصارفها الشرعية أو إنفاقها في مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية المختلفة. ولم تختلف تجربة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه عن تجربة عمر بن الخطاب في الجانبين التنموي والمؤسسي، وإن كانت أكثر اتساعا بحكم مساحة الدولة الإسلامية، وانتظام العمل في إرث الدولة التي أسسها عمر بن الخطاب ومن خلال قراءة سريعة فيما جاء عن تجربة الفترتين في هذين المجالين يتضح: (أحمد التلاوي، 2016)

- عدالة توزيع الجهد التنموي والمؤسسي على المستويين الأفقي والرأسي، أي مختلف أرجاء الدولة الإسلامية، وكل شرائح أبنائها، وفق ما أتت به الشريعة الإسلامية.

- توظيف المال النقدي والعيني، المنقول وغير المنقول، وكل ما يتصل بالزكاة والفيئ والخراج وعوائد الأراضي المفتوحة، وغيرها من مصادر إيرادات الدولة الإسلامية، في مختلف الاتجاهات، سواء الإنفاق في المجال الاجتماعي، مثلما يعرف في وقتنا هذا بإعانات البطالة، وإعانات الفقراء، أو قروض الزواج، والمواليد الجدد، أو الإنفاق على البنية التحتية، والتي شملت الطرق والمرافق العامة، ولاسيما تحسين شبكات الري، وكذلك المؤسسات التعليمية، والمراكز العلمية مثل المكتبات الكبرى ودور العلم، والمراكز الصحية، وغير ذلك.وهنا نقف أمام أهم معالم هاتين التجربتين ؛

 المعلم الأول هو أن حالة النهضة العمرانية، والتنمية الاقتصادية والاجتماعية التي بلغت في عهد عمر بن عبد العزيز مستوى أن اختفى فيه الفقراء من مجتمع الدولة الإسلامية بالكامل، وحتى لدرجة أن قال قولته المشهورة: " أنثروا القمح على رؤوس الجبال لكي لا يقال جاع طير في بلاد المسلمين"، إن هذه الحالة من الرخاء التي لم يصل إليها أي اقتصاد رأسمالي في عصرنا الحالي، تحققت فقط بفضل العوائد الشرعية للمال بصوره المختلفة، وعلى رأسها الزكاة، من دون أية مكوس أو ضرائب إضافية.

المعلم الثاني، هو الأمانة والزهد، حيث كان لذلك دور أساسي في حسن توظيف مال المسلمين لصالح المسلمين، وكامل رعية الدولة، بمن فيهم غير المسلمين والأمثلة والحكايات التي تروى في هذا الصدد من حياة كلا الفترتين وتبرز ذلك كثيرة، وأهم ما فيها إظهار أهمية عنصر الشفافية والمحاسبة الذاتية من جانب الحاكم، في صيانة المال العام، وبالتالي تحسين قدرة الدولة على توظيفه في مجال التنمية. (أحمد التلاوي، 2016)

نسخة للطباعة