العدد الحالي: تشرين 1/اكتوبر 2018       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

فكر إدارة المخاطر في الاقتصاد الإسلامي

د. مختار بونقاب

جامعة قاصدي مرباح

تعتبر المخاطر جزء لا يتجزأ من حياة الناس وتعاملاتهم، لذلك اعترفت الشريعة الإسلامية بها واعتبرت اتباع مبدأ المشاركة في الربح والخسارة شرطاً أساسياً في ابرام العقود وتنفيذها حتى تكون مشروعة، وهذا المبدأ مستنبط من قوله عليه الصلاة والسلام: "الخراج بالضمان" ومن قول الفقهاء "الغنم بالغرم"، ومعنى هذه القاعدة: كما أكدته مجلة الأحكام العدلية: (أنَّ من ينالُ نفعَ شيء يجب أن يتحمَّل ضرَرَه)، هذه القاعدة العظيمة من محاسن التشريع الإسلامي القائم في كل أحكامه على العدل والمصلحة، حيث تحقق العدل بين الناس في تعاملاتهم، بخلاف النظام الربوي الذي يضمن للمقرض فائدة الإقراض "الغنم" دون أن يتعرض للمغارم والمخاطر التي يتحملها المقترض وحده. وبالتالي فالحديث والقاعدة قد وضعا مبدأ شرعياً أساسياً في المعاملات المالية، وهو أنه لا بد من تحمل الخسارة كي يحل الربح.

ولا سبيل لتحقيق العدل وإنقاذ الأفراد والمجتمعات من الاستغلال الظالم والأزمات المالية الخانقة إلا إذا جعل الاستثمار معتمداً على صيغ يشارك فيها أطراف التعامل بالغنم والغرم، كصيغ المشاركات التجارية والصناعية والزراعية وغيرها من الاستثمارات التي تقوم على اشتراك طرفين أو أكثر في تحمل المغارم والتمتع بالمغانم، وها هو البنك الدولي يقرر في معرض معالجته لمشكلة الديون التي تعصف ببعض دول العالم أنه لا بد من استبدال الديون بالمشاركة حتى يتحقق الاستقرار في العالم.

بخلاف الفكر الاقتصادي الرأسمالي الذي يعتمد في إدارة المخاطر على نقلها من طرف إلى طرف، فإن الفكر الاقتصادي الإسلامي يقوم على مبدأ المشاركة في الربح والخسارة، الذي بموجبه يتم تقاسم المخاطر بين مختلف الاطراف المشاركة في العملية المالية أو المساهمة في الدورة الاقتصادية. ونورد فيما يلي مجموعة من الأمثلة توضح الضوابط التي وضعها الشارع الحكيم حتى يتم تقاسم المخاطر بين مختلف الأطراف المشاركة في المعاملة:

  • يتعين على البائع في عقد البيع أن يتحمل كافة المخاطر المتعلقة بالسلعة ما دامت في ملكه (تبعة الهلاك أو التلف أو نقص القيمة..) إلى أن يبيعها ويسلمها للمشتري؛ 
  • يتحمل المستأجر مخاطر هلاك الأصل الذي قبضه في حالة تعديه أو إهماله له، ويجب عليه تسديد أجرته وإن لم يستعمله، طالما أنه تسلمه ودخل في حوزته. أما فيما يخص المخاطر المتعلقة بالأصل المؤجر فيتحملها مالك العين المؤجرة، لأن أي هلاك يلحق بالأصل دون تعدي أو إهمال المستأجر يجب أن يتحمل تبعته المؤجر، كما يتعين عليه تحمل نفقات التأمين والصيانة الأساسية للأصل المؤجر والضرائب المفروضة على ملكية هذا الأصل أو دخله؛
  • يتحمل رب المال لوحده في عقود المضاربة مخاطر هلاك موجودات المضاربة أو خسارتها أو نقص قيمتها، طالما أن ذلك لم يحدث بسبب تعدي المضارب على هذه الموجودات أو التقصير في حفظها. أما المضارب فإنه يتحمل مخاطر جهده وخبرته إذا لم تحقق المضاربة ربحاً.

كما قلنا آنفاً هناك اختلاف كبير بين التمويل التقليدي والتمويل الإسلامي فيما يخص إدارة المخاطر وأساليب تقليلها، لأن التمويل التقليدي قائم على منتج واحد يتم دراسته وتقويم مخاطره للحد منها، وهو الإقراض بفائدة. بينما التمويل الإسلامي لديه عدد كبير من المنتجات يختلف كل منها عن الآخر، ولكل منها مخاطره، لذلك هناك منتجات مختلفة وطرق عديدة لتقويم مخاطر صيغ التمويل الإسلامي وإدارتها والحد منها، فليس صحيحاً القول بأن: "مبادئ إدارة المخاطر في المصارف الإسلامية هي نفسها المبادئ التي تدار بها المخاطر في المصارف التقليدية" كما كتب البروفيسور روندي ويلسون. لأن إدارة المخاطر في الاقتصاد الإسلامي تعتمد على مبدأ المشاركة في الربح والخسارة. في حين يعتمد فكر إدارة المخاطر في الاقتصاد الرأسمالي على مبدأ نقل المخاطر من طرف لأخر.

والخلاصة أن إدارة المخاطر والتحوط جائز شرعاً بتوافر الشروط الثلاثة التالية:

  1. 1.يجب أن تكون المخاطر المراد التحوط منها أو تقليلها هي بحد ذاتها متوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية؛
  2. 2.إدارة المخاطر يجب أن تكون بطرق وعقود شرعية، وألا تتعارض مع المبدأ "الغنم بالغرم"؛
  3. 3.أن يكون الهدف هو إدارة المخاطر وتقليلها فقط وليس إزالتها أو التربح منها بجعلها منتجات مالية.

والجدول الموالي يوضح الفرق بين فكر إدارة المخاطر في الاقتصاد الإسلامي ونظيره الرأسمالي.

جدول مقارنة بين فكر إدارة المخاطر في الاقتصاد الإسلامي ونظيره الرأسمالي

أوجه المقارنة

إدارة المخاطر في الاقتصاد الإسلامي

إدارة المخاطر في الاقتصاد الرأسمالي

المبادئ

المشاركة في الربح والخسارة

نقل المخاطر من طرف لأخر

الادوات المستخدمة

صيغ التمويل الإسلامي، العربون، خيار الشرط، الشرط الجزائي

الفائدة الربوية ومشتقاتها، المشتقات المالية

خصائص أدواتها

تتميز بالوضوح، التنوع، المشروعية والعدالة

تتميز بالغموض، التعقيد، المجازفة وعدم العدالة

النتيجة

(قيمة مضافة) تقليل الخسائر وتقاسمها بين الأطراف المتعاملة

(معادلة صفرية) طرف خاسر وطرف رابح

المصدر: من إعداد الباحث بناءً على المعلومات السابقة