العدد الحالي: ايلول/ سبتمبر 2018       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

نظام الرضاعة في الإسلام

د. مرهف عبد الجبار سقا

دكتوراه بالتفسير وعلوم القرآن

نظام الرضاعة في الإسلام

 

 

 

من كمال الإسلام أنه أحاط بجوانب متطلبات سعادة البشرية كلها، فبنى نظاما متينا للإنسان والعناية به في كل مرحلة من مراحل نموه، قبل الزواج وعندما يكون نطفة وفي أطواره جنيناً، ثم بعد الولادة وهكذا إلى الممات.

ولم تقتصر عناية الإسلام بالإنسان في جانبه الروحي والمعنوي والعقلي والعلمي، بل اعتنت ايضا بصحته النفسية والجسدية والاجتماعية، فبين الإسلام أساسيات الأحكام المتعلقة باحتياجات الطفل في بداية نشأته وأهمها الرضاع من أمه.

ولأن الاسلام دين الفطرة، فقد أولى لموضوع الرضاعة الطبيعية أهمية بالغة، واعتبرها عملية فطرية يزرعها الله في قلب كل أم تجاه طفلها قال تعالى: {وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه..}. كما يعتبِر الإسلام الرضاعة وسيلة لتوثيق أواصر العطف والحب بين الرضيع ومرضعته، فلا تستطيع الأم ترك طفلها الذي أرضعته إلا عند الذهول من الخوف إذ المشاعر وقتها غائبة والعقل مفقود، قال تعالى: {يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت}. ويفهم من هذه الآية استبعاد إهمال المرضعة لرضيعها في الظروف العادية نظرا للحب والمودة التي تنشأ بينهما بفضل الرضاعة فإذا جاءت أهوال الساعة ذهلت الأم وفقدت العقل والمشاعر.

لقد جعل الإسلام الرضاعة الطبيعية من الأم حقا لازما واجبا للمولود حتى يبلغ سنتين كاملتين من عمره، لا يجوز للوالدين إهماله ولا إيقافه بقرار منفرد من أحدهما، بل جعل الإسلام من الواجبات على الأب تأمين مرضعة لولده ولو بأجرة في حال وجود عوارض تمنع الأم (الوالدة) من رضاع مولودها.

وبهذا كله جاءت الآيات ناظمة لقوانين الرضاعة، فقال تعالى: 

{وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [البقرة: 233]، 

وقد جاءت هذه الآية بعد آيات الطلاق، أي في سياق بيان حقوق الطفل المولود حال النزاع بين الزوجين وخشية حصول الفرقة، مما يترتب عليه نزاع حول المولود، فحفظ الله حقه من النفقة والرضاع والرعاية والحضانة مما يكفل له الصحة الجسدية والنفسية والنشأة السليمة، وهذا يعني أن حقوق الرضيع الربانية قبل حصول الشقاق بين الزوجين تبقى كما هي وتستمر حال النزاع بينهما.

فقوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ}، أي وعلى الوالدات إرضاع المولود سنتين كاملتين، لا يجوز أن تنقص السنتان شيئاً ولذلك جاءت (كاملين) بعد قوله (حولين)، وهذا تمام النفع بالرضاعة واستيعاب وقت النمو للطفل.

وقوله تعالى { وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا} توجب على الأب النفقة للأم والولد بقدر طاقته وقدرته دون تكليفه فوق ذلك، يقدر ذلك القاضي بعد استقصاء حالة الأب.

وقد حرم الله الإضرار بالمولود بحرمانه من حقوقه وأهمها الرضاعة من أمه مهما كانت الأسباب، كما حرم الله الإضرار بالأم بحرمانها من إرضاع وليدها وهي تطلب ذلك، ولا الإضرار بالأب بامتناع الأم عن إرضاع الطفل فقال تعالى: { لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ}.

وإذا حصل الفراق بين الزوجين، واتفقا بعد مشاورة بينهما على إيقاف الرضاع وفطام الطفل فلا جناح عليهما ولكن إن رفضت الأم الفطام فلا يجوز للأب منعها من الرضاع، وإن رفض الأب الفطام فلا يجوز للأم التوقف عن الإرضاع، فإن استمر النزاع بينهما وتعسر الاتفاق فيستأجر الأب مرضعة لإكمال الرضاعة، وإن طلبت الأم الرضاعة بالأجرة فلها الحق بذلك وهي أولى برضاعة ولدها ولو بأجرة، وفي ذلك يقول تعالى: {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ}، قال تعالى: {وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى}، أخرج البخاري عنِ الزُّهْرِيِّ قال: نَهَى اللهُ أَنْ تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَذَلِكَ أَنْ تَقُولَ الْوَالِدَةُ لَسْتُ مُرْضِعَتَهُ وَهِيَ أَمْثَلُ لَهُ غِذَاءً وَأَشْفَقُ عَلَيْهِ وَأَرْفَقُ بِهِ مِنْ غَيْرِهَا فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَأْبَى بَعْدَ أَنْ يُعْطِيَهَا مِنْ نَفْسِهِ مَا جَعَلَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَيْسَ لِلْمَوْلُودِ لَهُ أَنْ يُضَارَّ بِوَلَدِهِ وَالِدَتَهُ فَيَمْنَعَهَا أَنْ تُرْضِعَهُ ضِرَارًا لَهَا إِلَى غَيْرِهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَسْتَرْضِعَا عَنْ طِيبِ نَفْسِ الْوَالِدِ وَالْوَالِدَةِ { فَإِنْ أَرَادَا فِصَالا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا } بَعْدَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فِصَالُهُ فِطَامُهُ.

إن حرص الإسلام على تمام الرضاعة سنتين كاملتين للطفل ووضع الأحكام للإرضاع في حالة خوف ضياع حقه من الرضاعة والنفقة ليبين لنا أهمية الرضاعة الطبيعية من الأم بالنسبة للطفل، وعناية الإسلام بها، ولهذا جمهور العلماء إلى أن الرضاعة واجبة على الأم، وإن حرمان الأطفال من الرضاعة الطبيعية تعدٍ على حقوق الرضيع، وجناية عظيمة، وهذا في حق الوالدين الذين هم أقرب الناس إلى الرضيع وأشفقهم عليهم؛ فما بالكم بجناية حكومات على الأطفال الرضع عندما تسعى لتشريع قوانين تسمح للأم ترك رضاع طفلها إن أبت ذلك، وتستغل بعض الشركات المتاجرة بعافية الناس وصحتهم لتروج في الأوساط الاجتماعية بأن الرضاع الصناعي لا يختلف عن الطبيعي، وأنهم توصلوا لنموذج يماثل حليب الأم.

إن عملية الرضاع ليست إلقام الحليب في فم الطفل لتشبع معدته، بل هي عملية تربية وبناء نفسي ومعنوي واجتماعي للطفل، يرضع فيها مع الحليب الثقة بالنفس وقوة الإرادة والعزيمة والفطرة، ويبني مع حليب أمه جسده وصحته النفسية ويرتبط بأسرته ومحيطه.