العدد الحالي: تشرين 1/اكتوبر 2018       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

الادخار والاحتكار والاكتناز في الفقه الإسلامي

د. عبد الغنيِّ العمومري

دكتوراه في الدراسات الإسلامية

الادخار والاحتكار والاكتناز في الفقه الإسلامي

 

 

يميز الفقهاء بين الادخار والاحتكار والاكتناز، ويمكن بيان آرائهم في الموضوع، كما يلي:

المطلب الأول: الاحتكار.

ارتبط موضوع الاحتكار عند الفقهاء بمسألة ادخار الطعام، وبالتالي لا يمكن الحديث عن الاحتكار إلا بعد الحديث عن حكم ادخار الطعام عندهم.

الفرع الأول: مفهوم ادخار الطعام وحكمه.

أولا: مفهوم ادخار الطعام عند الفقهاء.

يشمل الادخار كل ما يفيض عن الحاجات الاستهلاكية؛ حيث يدخل في ذلك الطعام والقوت وكذلك العروض والنقود.

والطعام اسم جامع لكل ما يؤكل، وكذلك الشراب لكل ما يشرب. والعالي في كلام العرب: أن الطعام هو البر خاصة. ويقال: اسم له وللخبز المخبوز، ثم يسمى بالطعام ما قرب منه، وصار في حده، وكل ما يسد جوعا فهو طعام.

ثانيا: حكم ادخار الطعام.

تحدث الفقهاء عن حكم ادخار الطعام وذلك على النحو التالي:

عند الحنفية: يجوز ادخار القوت للأهل والعيال مدة سنة وأنه ليس حكرة. كما أن ما ضمه الإنسان من زرعه أو جد من نخله وثمره وحبسه لقوته لا يسمى كذلك حكرة، ولا خلاف في هذا بين الفقهاء، واستدلوا بما رواه البخاري بسنده عن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم : «كان يبيع نخل بني النضير ويحبس لأهله قوت سنتهم» .

عند المالكية: يجوز ادخار قوت العيال لمدة سنة إذا كان من غلة المدخر، أما إذا اشتري من السوق وكان في وقت ضيق الطعام فلا يجوز، بل يشتري ما لا يضيق على المسلمين كقوت أيام أو أشهر، وإذا كان في وقت سعة اشترى قوت سنة.

عند الفقهاء المعاصرين: يجب على الدولة أن تدخر للأفراد من الأقوات ما ينهض بمصالحهم، ويخفف عنهم شدة النوازل، واستدلوا لذلك بقصة يوسف عليه السلام مع ملك مصر. فقد قص الله تعالى ذلك من غير نكير، وليس في شرعنا ما يخالفه، فقال جل شأنه: ﴿يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون (٤٦) قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون (٤٧) ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون (٤٨)﴾. كما أن للدولة أن تدخر من غير الأقوات ومن غير الضروري، والذي قد ينقلب ضروريا في وقت من الأوقات كالخيل مثلا والكراع والسلاح، فإنه غير ضروري في أوقات السلم، ولكنه يصبح ضروريا أيام الحرب، وعليها بذله للمحتاج حين اضطراره إليه.

ويبدو من خلال أقوال الفقهاء أنهم اختلفوا حول نقطة مهمة هي: هل يعتبر ادخار الطعام احتكارا أم لا؟

وللإجابة على ذلك، ينبغي تعريف الاحتكار أولا، ثم بيان مذاهب الفقهاء فيه.

الفرع الثاني: مفهوم الاحتكار وحكمه

أولا: مفهوم الاحتكار

الاحتكار لغة: حبس الطعام أو نحوه مما يؤكل، إرادة الغلاء. والاسم منه: الحكرة.

أما شرعا فقد عرفه الفقهاء كما يلي:

عرفه الحنفية بأنه: اشتراء طعام أو نحوه وحبسه إلى الغلاء.

 وعرفه المالكية بأنه: رصد الأسواق انتظارا لارتفاع الأثمان.

 وعرفه الشافعية بأنه: اشتراء القوت وقت الغلاء، وإمساكه وبيعه أكثر من ثمنه للتضييق.

 وعرفه الحنابلة بأنه: اشتراء القوت وحبسه انتظارا للغلاء.

ثانيا: مذاهب الفقهاء في الاحتكار

اختلف الفقهاء فيما يجري فيه الاحتكار على مذهبين:

المذهب الأول: ما ذهب إليه (الحنفية والشافعية والحنابلة) أنه لا احتكار إلا في القوت خاصة كالحنطة والشعير والتين والقت. 

جاء في كشاف القناع: (ويحرم الاحتكار في قوت الآدمي فقط) … (وهو) أي: الاحتكار في القوت (أن يشتريه للتجارة ويحبسه ليقل فيغلو) وهو بالحرمين أشد تحريما.

ويستثنى من ذلك ما حبسه من غلة ضيعته وما جلبه من مكان بعيد، لأن له ألا يجلب ولا يزرع فله ألا يبيع.

كما جاء في المغني: أن غير قوت الآدمي يجوز ادخاره ولا يسمى احتكارا، قال ابن قدامة: (فأما الإدام، والحلواء، والعسل، والزيت، وأعلاف البهائم، فليس فيها احتكار محرم. ويستدل بقول الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل، عن أي شيء الاحتكار؟ قال: إذا كان من قوت الناس فهو الذي يكره. وهذا قول عبد الله بن عمرو. وكان سعيد بن المسيب وهو راوي حديث الاحتكار - يحتكر الزيت. قال أبو داود: كان يحتكر النوى، والخيط، والبزر ولأن هذه الأشياء مما لا تعم الحاجة إليها، فأشبهت الثياب، والحيوانات).

ويستدل أصحاب هذا الرأي بأن الأحاديث الواردة في هذا الباب بعضها:

عام في كل محتكر: كالحديث الذي رواه مسلم عن سعيد بن المسيب عن معمر بن عبد الله، أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من احتكر فهو خاطئ »، وفي رواية أخرى رواها مسلم وأحمد: «لا يحتكر إلا خاطئ». 

خاص باحتكار الطعام: كالذي رواه ابن ماجة بسنده عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بالجذام والإفلاس».

وما رواه الحاكم وابن أبي شيبة والبزار وأبو يعلى بلفظ: «من احتكر الطعام أربعين ليلة فقد برئ من الله وبرئ الله منه ».

وإذا اجتمعت نصوص عامة وأخرى خاصة في مسألة واحدة، حمل العام على الخاص والمطلق على المقيد.

المذهب الثاني: وهو مذهب (المالكية وأبو يوسف من الحنفية)، الذين يرون أن الاحتكار يجري في كل ما يحتاجه الناس، ويتضررون من حبسه، من قوت وإدام ولباس وغير ذلك. 

قال أبو يوسف: كل ما يضر العامة فهو احتكار، بالأقوات كان أو ثيابا أو دراهم أو دنانير اعتبارا لحقيقة الضرر.

وقال مالك: والحكرة في كل شيء من طعام أو إدام أو كتان أو صوف أو عصفر أو غيره، فما كان احتكاره يضر بالناس، منع محتكره من الحكرة، وإن لم يضر ذلك بالناس ولا بالأسواق، فلا بأس به.

كما نقل الحطاب عن القرطبي أنه قال: «لا يحتكر إلا خاطئ»، هذا الحديث بحكم إطلاقه أو عمومه، يدل على الاحتكار في كل شيء، غير أن هذا الإطلاق قد يقيد، والعموم قد يخصص بما فعله النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإنه قد ادخر لأهله قوت سنتهم، ولا خلاف في أن ما يدخره الإنسان لنفسه وعياله من قوت وما يحتاجون إليه جائز، ولا بأس به، فإذا مقصود هذا منع التجار من الادخار، ثم هل يمنعون من ادخار كل شيء، وذكر ما تقدم وذكر الخلاف ثم قال: وكل هذا فيمن اشترى في الأسواق، فأما من جلب طعاما؛ فإن شاء باع، وإن شاء احتكر، إلا إن نزلت حاجة فادحة أو أمر ضروري بالمسلمين، فيجب على من كان عنده ذلك أن يبيعه بسعر وقته؛ فإن لم يفعل أجبر على ذلك إحياء للمهج وإبقاء للرمق. وأما إن كان اشتراه من الأسواق واحتكر وأضر بالناس، فيشترك فيه الناس بالسعر الذي اشتراه به.

واستدل أبو يوسف والمالكية بالأحاديث العامة، وقالوا إن ما ورد من النصوص الخاصة فهي من قبيل اللقب، واللقب لا مفهوم له.

والراجح من الأقوال السابقة حسب رأي الإمام الشوكاني في نيل الأوطار- هو ما ذهب إليه المالكية وأبو يوسف من الحنفية، إذ يقول: (إن الأحاديث ظاهرها يحرم الاحتكار من غير فرق بين قوت الآدمي والدواب، وغيره. فالتصريح بالطعام في بعض الروايات لا يصلح لتقييد بقية الروايات المطلقة، بل هو من التنصيص على فرد من الأفراد التي يطلق عليها المطلق. وذلك أن نفي الحكم عن غير الطعام إنما هو لمفهوم اللقب، وهو غير معمول به عند الجمهور، وما كان كذلك لا يصلح للتقييد على ما تقرر في الأصول...والحاصل أن العلة إذا كانت هي الإضرار بالمسلمين لم يحرم الاحتكار إلا على وجه يضر بهم، ويستوي في ذلك القوت وغيره، لأنهم يتضررون بالجميع).

الفرع الثالث: الفرق بين الادخار والاحتكار 

من خلال المقارنة بين أقوال الفقهاء في الاحتكار والادخار، يتبين:

أن الذي يحبس الطعام من غلته أو الذي يجلبه من مكان بعيد لا يضر به الناس، فإنه لا يسمى محتكرا وإنما مدخرا.

أن ما ذهب إليه بعض المالكية هو أن العبرة هي باحتباس السلع، بحيث يضر بالعامة، سواء أكان تملكها بطريق الشراء أو الجلب، أو كان ادخارا، لأكثر من حاجته ومن يعول.

وخلاصة القول، أن كل ما لا يضر بالناس حبسه يسمى ادخارا سواء كان طعاما أو غيره؛ لأنه لا يجوز أن يكون الحابس للطعام قاصدا الإغلاء على الناس.

المطلب الثاني: الاكتناز

الادخار إما أن يكون في الطعام أو النقود، وقد ذكرت سابقا ادخار الطعام. أما ادخار النقود، فللفقهاء فيه مذاهب.

الفرع الأول: مذاهب الفقهاء في ادخار النقود.

الأموال في يد الأفراد إما أن تكون أقل من النصاب الواجب الزكاة فيه أو أكثر، فإن كانت أكثر من النصاب، فإما أن تكون قد أديت زكاتها أو لم تؤد، فإن أديت زكاتها، فإما أن تكون زائدة عن الحاجة الأصلية أو غير زائدة.

الحالة الأولى: فإذا كانت الأموال التي بيد الفرد دون النصاب حل ادخارها.

الحالة الثانية: إن كانت أكثر من النصاب وصاحبها لا يؤدي زكاتها فهو ادخار حرام، وهو اكتناز باتفاق.

وهذا الرأي هو رأي عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقد قال: (أي مال أديت زكاته فليس بكنز وإن كان مدفونا في الأرض، وأي مال لم تؤد زكاته فهو كنز يكوى به صاحبه وإن كان على وجه الأرض).

الحالة الثالثة: وأما إذا كانت الأموال المدخرة أكثر من النصاب، وصاحبها يؤدي زكاتها، وهي فائضة عن حاجاته الأصلية، فقد وقع الخلاف في حكم ادخارها على الشكل التالي: 

أولا: مذهب الجمهور: يجوز ادخارها

ذهب جمهور العلماء من الصحابة وغيرهم إلى جوازه، ومنهم عمر وابنه وابن عباس وجابر. ويستدلون لما ذهبوا إليه بآيات المواريث؛ لأن الله جعل في تركة المتوفي أنصباء لورثته، وهذا لا يكون إلا إذا ترك المتوفون أموالا مدخرة، كما يستدلون بحديث سعد بن أبي وقاص المشهور: «إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس في أيديهم».

 وهذا نص في أن ادخار شيء للورثة بعد أداء الحقوق المالية الواجبة من زكاة وغيرها خير من عدم الترك.

ثانيا: مذهب أبي ذر الغفاري: لا يجوز ادخارها مطلقا

ذهب أبو ذر الغفاري رضي الله عنه إلى أن ادخار المال الزائد عن حاجة صاحبه - من نفقته ونفقة عياله - هو ادخار حرام وإن كان المدخر يؤدي زكاته، وكان رضي الله عنه يفتي بذلك، ويحث الناس عليه، فنهاه معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما - وكان أميرا على الشام - عن ذلك؛ لأنه خاف أن يضره الناس في هذا، فلم يترك دعوة الناس إلى ذلك، فشكاه إلى أمير المؤمنين عثمان بن عفان، فاستقدمه عثمان إلى المدينة المنورة، وأنزله الربذة، فبقي فيها إلى أن توفاه الله تعالى .

وكان أبو ذر رضي الله عنه يحتج لما ذهب إليه بجملة من الأدلة منها؛ قوله تعالى في سورة التوبة: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب﴾، ويقول: إن هذه الآية محكمة غير منسوخة. ويحتج بما رواه الإمام أحمد في مسنده عن علي رضي الله عنه أنه مات رجل من أهل الصفة، وترك دينارين، أو درهمين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كيتان، صلوا على صاحبكم».

ثالثا: مذهب علي ابن أبي طالب: يحرم ادخارها إذا لم تؤد الحقوق العارضة فيها

ذهب البعض إلى أن ادخار الأموال يكون حراما، وإن أدى المدخر زكاتها إذا لم يؤد صاحبها الحقوق العارضة فيها، كإطعام الجائع، وفك الأسير وتجهيز الغازي ونحو ذلك. ومنهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ الذي يرى أنه لا يحل لرجل أن يدخر أربعة آلاف درهم فما فوق وإن أدى زكاتها، وكان رضي الله عنه يقول: (أربعة آلاف درهم فما دونها نفقة، وما فوقها كنز). 

وكأنه رضي الله عنه رأى أن القيام بالحاجات الأصلية للمرء لا يتطلب أكثر من أربعة آلاف درهم في أحسن الأحوال، فإن حبس الشخص مبلغا أكبر من هذا، فقد حبس خيره عن الناس، وعن الفقراء بشكل خاص، وهو أمر لا يجوز، فقد كان رضي الله عنه يقول: (إن الله فرض على الأغنياء في أموالهم ما يكفي فقراءهم، وإن جاعوا وعروا وجهدوا فبمنع الأغنياء، وحق على الله أن يحاسبهم يوم القيامة ويعذبهم عليه).

الفرع الثاني: الفرق بين ادخار النقود والاكتناز

الاكتناز في اللغة: مشتق من الكنز، وهو كل شيء مجموع بعضه إلى بعض في بطن الأرض أو على ظهرها. واكتنازه يعني جمعه وإمساكه.

واصطلاحا: اختلف الفقهاء في تعريفه؛ وذلك تابع لاختلافهم في المراد بالكنز في قوله تعالى: ﴿ والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم (٣٤) يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون (٣٥)﴾. 

قال ابن العربي في موضوع الاكتناز: (وقد اختلف فيه على سبعة أقوال):

الأول: أنه المجموع من المال على كل حال. 

الثاني: أنه المجموع من النقدين. 

الثالث: أنه المجموع منهما ما لم يكن حليا.

الرابع: أنه المجموع منهما دفينا.

الخامس: أنه المجموع منهما لم تؤد زكاته. 

السادس: أنه المجموع منهما لم تؤد منه الحقوق. 

السابع: أنه المجموع منهما ما لم ينفق ويهلك في ذات الله.

ويستدل ابن العربي على كل قول كما يلي:

دليل القول الأول: ما روى ابن هرمز عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: « تأتي الإبل على صاحبها على خير ما كانت إذا لم يعط منها حقها، تطؤه بأظلافها. وتأتي الغنم على صاحبها على خير ما كانت عليه إذا لم يعط حقها تطؤه بأظلافها وتنطحه بقرونها. قال: ومن حقها أن تحلب على الماء. قال ولا يأتي أحدكم يوم القيامة يحملها على رقبته لها يعار، فيقول: يا محمد. فأقول: لا أملك لك من الله شيئا، قد بلغت..».

دليل القول الثاني: أن الكنز إنما يستعمل لغة في النقدين، وإنما يعرف ضبط غيره بالقياس عليه.

دليل القول الثالث: أن الحلي مأذون في اتخاذه ولا حق فيه.

دليل القول الرابع: ما روى مالك بن أوس بن الحدثان، عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «في الإبل صدقتها، وفي البقر صدقتها، وفي الغنم صدقتها، وفي البز صدقته، ومن رفع دنانير أو دراهم أو تبرا أو فضة لا يعدها لغريم، ولا ينفقها في سبيل الله فهو كنز يكوى به يوم القيامة».

دليل القول الخامس: ما روى البخاري وغيره عن ابن عمر أن أعرابيا قال له: أخبرني عن قول الله: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة﴾. قال ابن عمر: من كنزها فلم يؤد زكاتها فويل له، إنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة، فلما أنزلت جعلها الله طهرة للأموال.

دليل القول السادس: قوله في حديثها: ومن حقها حلبها يوم وردها، وإطراق فحلها.

دليل القول السابع: أن الحقوق أكثر من الأموال، وأن المساكين لا تستقل بهم الزكاة، وربما حبست عنهم، فكنز المال دون ذلك ذنب.

والراجح من الأقوال السابقة والذي اتفق عليه جمهور الفقهاء -كما جاء على لسان القرطبي- أنه ليس في المال حق سوى الزكاة، فإخراجها يخرج المال عن وصف الكنزية، ثم إن الكنز لا يكون إلا في الدنانير والدراهم أو تبرها، وهذا معلوم لغة. كما أن الحلي لا زكاة فيه، فيتنخل من هذا أن كل ذهب أو فضة أديت زكاتهما، أو اتخذت حليا فليسا بكنز.

ويرى بعض المعاصرين - ومنهم رفيق يونس المصري- أن الكنز درجتان: كنز جمع، وكنز منع:

الأولى: الجمع والدفن: وهو معنى قوله تعالى: " يكنزون".

والثانية: منع الحقوق المالية: وهو معنى قوله تعالى: "ولا ينفقونها". 

وباجتماعهما يكون الاكتناز كاملا أقبح ما يكون.

وعليه فإن الاكتناز حسب يونس رفيق المصري هو: حبس النقود (وغيرها) عن الإنفاق (الاستهلاكي + الاستثماري + الخيري)، وهو ظاهر في قوله تعالى: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها﴾. وبعبارة أخرى فإن من جمع مالا فائضا عن استهلاكه، فلم يؤد زكاته ولا سائر الحقوق المالية المفروضة فيه، ولم يرصده لاستهلاك مؤجل (مشروع)، ولم يستخدمه في استثمار(مشروع)، ولم ينفقه في المصالح العامة أو الخيرية، فإنه يعتبر مرتكبا لإثم الكنز.

والخلاصة أن الإنسان بعد أن ينفق بالاعتدال والاقتصاد المأمور به، قد يمسك ما فضل عن كسبه الطيب، لمواجهة الطوارئ المحتملة والحوادث المتوقعة. فهذا الفضل يعد ادخارا وليس اكتنازا إذا أدى الإنسان زكاته، وقد حمده الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: « أمسك عليك بعض مالك، فهو خير لك».

وقد حثت الشريعة الإسلامية على التنمية والاستثمار، لأنها تحقق رفاهية المسلمين وتقويهم، ونهت عن كنز المال وحبسه، لأنه يصد عن سبيل الله، ويعطل ثروة المسلمين. ولذا فرضت الزكاة في المال النامي بالفعل، فهي واجبة أصلا في النماء، وليست في رأس المال. فإذا عطل المال عن النماء، وكان قد بلغ النصاب، وحال عليه الحول، وجبت فيه الزكاة.

 كما أن الإسلام لم يقف في محاربة الاكتناز على التحريم والوعيد الشديد، بل خطا خطوة عملية، لها قيمتها وأثرها، في تحريك النقود المكنوزة وإخراجها من مكانها وحجورها إلى ساحة الحركة والانطلاق، لتقوم بدورها في إنعاش الاقتصاد، ومقاومة البطالة، ومطاردة الركود في الأسواق. وتتمثل هذه الخطوة في فرض الزكاة كل حول، فيما بلغ نصابا من رأس المال النقدي، سواء ثمره صاحبه بالفعل أم لا. وهذه أمثل خطة للقضاء على حبس النقود واكتنازها، ذلك الداء الوبيل الذي حار علماء الاقتصاد في علاجه، حتى اقترح بعضهم أن تكون النقود غير قابلة للاكتناز بأن يحدد لها تاريخ إصدار، ومن ثم تفقد قيمتها بعد مضي مدة معينة من الزمن، فتبطل صلاحيتها للادخار والكنز، وتسمى هذه العملية المقترحة: (النقود الذائبة).

 وقام بعض رجال الغرب الاقتصاديين بتنفيذ فكرة أخرى، وهي فرض رسوم شهرية على كل ورقة نقدية حتى يحاول كل من يحوزها في يده التخلص منها قبل نهاية الشهر، ليدفع الرسوم غيره، وهذا يؤدي إلى نشاط التبادل، واتساع حركة التداول وإنعاش الاقتصاد بوجه عام.

وهذه الوسائل ما اقترح منها وما نفذ فعلا- تلابسها صعوبات وتعقيدات كثيرة. ولكنها على أية حال تؤيد وجهة النظر الإسلامية في النقود، ومقاومة اكتنازها بطريقة أبسط وأيسر من تلك الطرق، وهي فرض (٢.٥٪) عليها سنويا، مما يحفز الإنسان على تنميتها واستغلالها حتى تدر دخلا منتظما، وإلا أكلتها الزكاة بمرور الأيام.

 ولهذا حث النبي صلى الله عليه وسلم الأوصياء على تنمية مال اليتامى والاتجار فيه، فقال: «اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة».

والخلاصة أن النقود إذا لم تكتنز، وأديت زكاتها، وداوم صاحبها على استثمارها. كانت كسبا طيبا، يطيب به ماله، ويطيب به المجتمع والاقتصاد القومي. ولا بأس من ادخار جزء منه لتوقعات المستقبل. ولكن إذا بلغت المدخرات النصاب، وحال عليها الحول، وجبت فيها الزكاة.