A- A A+ : حجم الخط

الإعجاز التشريعي في الحث على الرضاعة الطبيعية

د/محمد بورباب

رئيس هيئة الاعجاز في القرآن والسنة لشمال المغرب

الإعجاز التشريعي في الحث على الرضاعة الطبيعية

 

ملخص

يتفوق حليب الأم بشكل كبير على التغذية الاصطناعية(رضاعة القنينة)Bottlefeeding للرضّع، ويمثل نموذجا مثاليا في طب الأطفال، ولعل أهم خصائص الحليب البشري كونه يفرز من طرف الغدة الثديية التي تجعل تركيبته مختلفة عن الحليب العادي ومتغيرة أثناء الرضاعة وخلال اليوم كله. 

وقد أظهرت الأبحاث الموسعة الفوائد الصحية والتغذوية والمناعية والتنموية والنفسية والاجتماعية والاقتصاديةوالبيئية لحليب الأم، بل تشير البيانات إلى أن الرضاعة الطبيعية يمكنها إنقاذ الأرواحفي الدول ذات الظروف السيئة.. حيث تؤدي الرضاعة الطبيعية إلى تحسين نتائج صحة الرضع والأمهات على حد سواء في كل من البلدان الصناعية والنامية،ولهذا يجب عدم اعتبار تغذية الرضّع خيارًا لأسلوب الحياة فقط، بل كقضية أساسية مرتبطة بالصحة والتغذية، وفي كتاب الله تحضنا آيات الذكر الحكيم على الرضاعة الطبيعية ولمدة عامين مما يشكل إعجازا تشريعيا في الحث على الرضاعة الطبيعية.

-------------------

ثبت علمياً وطبياً أن حليب الأم (الرضاعة الطبيعية) Breastfeeding ذو أهمية بالغة وفائدة كبيرة لصحة الطفل والأم المرضعة والمجتمع على حد سواء،فهو غذاء كامل للطفل حيث يحتوي المواد الغذائية المثالية التي يتم هضمها بسهولة، وهو غني بتركيبته: معادن(الكالسيوم،الحديد، الفوسفور،الصوديوم،البوتاسيم،الكلور)، الكربوهيدرات (اللاكتوز، قليل السكاريد)، البروتين(الكازين، لاكتالبومين الحليب -أ، اللاكتوفيرين، الليسوزيم،ألبومين ألمصل..)، الدهون (الأحماض الدهنية، الأحماض الدهنية المتعددة غير المشبعة)، البروتين(الكازين، اكتالبومين الحليب -أاللاكتوفيرين...) بحيث تفي الأحماض الأمينية في حليب الأم بالمتطلبات الخاصة للطفل ونموه مما ينعكس إيجابا ليس فقط على جهازه العصبي ودماغه (الذي ميزه الله تعالى به وكرمه على كافة المخلوقات بسببه). بل يلائم الجسد كله بما يستفيده من إمدادات الأم الغذائية من هذه المواد ومن الفيتامينات. وهكذا يحتوي حليب الأم على جميع المواد الغذائية الأساسية المطلوبة لنمو الطفل وبصورة متناسقة حسب عمره ووزنه ومقدرته على الهضم والامتصاص وهو يتغير يومياً لا بل بالساعات حسب متطلباته، بالإضافة الى أن حليب الأم محفوظ بصورة طبيعية وبنفس درجة حرارة الجسم وخال ٍمن الجراثيم الممرضة (معقم وغير ملوث) وجاهز للإعطاء في أي وقت يحتاجه الطفل الرضيع.

ولهذا فإن العلماء لا ينصحون بتناول الحليب الاصطناعي أو حليب البقر خلال السنتين الأوليين إلا كغذاء مكمل في حال عدم توفر حليب الأم، لأن حليب البقر الكامل الدسم لا يحتوي على الكمية الكافية من فيتامين ج، أو الحديد، أو الأحماض الامينية الأساسية، مما يعرض الأطفال الذين يتغذون عليه للاصابة بفقر الدم. ويحتوي أيضا حليب البقر الكامل الدسم على كميات مفرطة من البروتين والصوديوم والبوتاسيوم، مما قد يشكل ضغطا على كليتي الرضيع. إضافة الي أن البروتينات والدهون في حليب البقر كامل الدسم، أكثر صعوبة من أن يهضمها أو يمتصها الرضيع، عن تلك الموجودة في حليب الأم. قد يكون الحليب المكثف أسهل هضما، بسبب عملية تجهيز البروتين،إلا أن ذلك لا يكفي من الناحية التغذوية. مع وجود أطفال لديهم حساسية لواحد أو أكثر من مكونات حليب البقر (وفي الغالب الاعم بروتين حليب البقر). وتؤثر هذه الخصائص على صيغة حليب الأطفال المستمدة من حليب البقر.

علما أن بعض البروتينات الموجودة في حليب البقر تسبب أمراضا للطفل كالربو والاكزما والتهاب المعدة والأمعاء الحساسية المنشأ. إلى الحليب الاصطناعي وحليب البقر أثناء إعدادها في القنينة يتعرضان للتلوث الجرثومي( الفيروسي والبكتيري) أو قد يكون التلوث موجودا فيهما أصلا كما ثبت ذلك في الحليب الاصطناعي.وفي مادة اللباء الصمغية الصفراء (Colostrum)التي تفرزها الأم من ثديها لمدة ثلاثة أيام بعد الولادة  قبل تكون الحليب الناضج فقد وجد أنها تحتوي على كميات هائلة من الأجسام المناعية (٩٥٪) والمقاومة للفيروسات والبكتيريا كاللكتوفيرين والليزوزايم والانترفيرون والكلوبيولين المناعية وبكميات كبيرة تقل بعد ذلك عند تكوين الأم للحليب المكتمل إلى ( ٢٥٪) وتعمل المقاومة أنواع كثيرة من البكتريا والفيروسات مثلا:

 Cholera vibrio، Salmonella، Shigella، E Coli، Polio virus، Herbis simplex and Coxaki-B viruses

ولبن الأم هو أنسب غذاء يمكن إعطاؤه للرضع لعدة أسباب أهمها:

 

فوائد حليب الأم بالنسبة للأم: 

كما توفر الرضاعة الطبيعية فوائداً صحيةً للأم. 

 

أما فوائد الرضاعة الطبيعية بالنسبة للأسرة والمجتمع:

ففي دراسة أجريت في ولاية كارولينا الشمالية في أمريكا عن تكاليف الرضاعة الاصطناعية للطفل الواحد فكانت ألف دولار سنوياً إضافة إلى تكاليف المعالجة الطبية التي يتعرض لها جراء ذلك في السنة الأولى من عمره والتي قدرت بألف وأربعمائة دولار أخرى بينما الأطفال الذين يرضعون من أمهاتهم طبيعياً لا يكلفون اولياءهم أو الرعاية الصحية هذه المبالغ ! 

إن الرضاعة الطبيعية هبة مجانية من رب العالمين توفر مبالغ ضخمة للأسرة ممكن أن يستفاد منها في سد جوانب ملحة أخرى وبالتالي للمجتمع والدولة. والبشرية  في أمس الحاجة لتوفير مبالغ بمليارات الدولارات سنوياً للدول في العالم الثالث والإفادة منها في مشاريع صحية وقائية وعلاجية وتربوية حيوية أخرى، فالطفل حتى الشهر السادس من عمره لا يحتاج إلى إضافة إي غذاء إلى حليب أمه .

وإذا ما عرفنا أنها تقلل كثيراً من نسبة الإصابة بالأمراض أو الوفيات مقارنة بالرضاعة الاصطناعية عرفنا أهميتها الاقتصادية والسكانية، حيث تشير البيانات إلى أن الرضاعة الطبيعية يمكنها إنقاذ الأرواح في الدول ذات الظروف السيئة والنظافة.، فمن خلال دراسات حديثة تربط وزارة الصحة الأمريكية للخدمات الإنسانية (AHRQ) بين العواقب الصحية للطفل ونقص التغذية، حيث كانت الرضاعة غير الطبيعية مسؤولة عن وفاة ١.٤ مليون طفل و٤٤ مليون سنة من سنوات العمر المعدلة حسب الإعاقة،وهو ما يعادل ١٠٪ من سنوات الحياة المعدلة حسب الإعاقة في الأطفال الذين تقل أعمارهم عن ٥ سنوات. وقدر حوالي ١.٣ إلى ١.٤٥ مليون حالة وفاة في ٤٢ دولة (ذات نسب عالية الوفيات) يمكن تفاديها من خلال زيادة مستويات الرضاعة الطبيعية.

 من اجل ذلك كله دأبت المنظمات الطبية والصحية العالمية والجمعيات الطبية المتخصصة بالأطفال على تشجيع الرضاعة الطبيعية وعلى الأقل لمدة ستة أشهر الأولى من حياة الطفل، بل كلما كانت مدتها تقرب من العامين كانت النتائج أفضل. 

توصيات:

خلاصة القول فإننا يجب أن ننظر إلى الرضاعة الاصطناعية كحالة استثنائية تلجأ إليها الأم في ظروف محددة وباستشارة المختصين كما يلجأ المريض إلى تناول  الدواء في حالة مرضه!

أما بالنسبة لمدة الرضاعة الطبيعية فينصح باستكمال الرضاعة الطبيعية حتى إكمال السنة الثانية ما دام الأم والطفل يرغبان بذلك.

الحذر من بعض الأدوية: 

ورغم كل منافع حليب الأم، لا بد لها من أخذ الاحتياط فيما يخص استخدام الأدوية التي تتطلب بعض الحذر ومنها:

الكحول والكافيين تعتبر امنه إذا ما تم تناولها بكميات صغيرة. ومن ناحية أخرى يمر النيكوتين الي الطفل عن طريق حليب الثدي ويمكن أن يسبب مشاكل صحية خطيرة.

ينبغي تجنب الأدوية التي تضر بالرضع الذين يرضعون رضاعة طبيعية،اذا كان ذلك ممكنا وهي :

وإذا كان لا يمكن تجنب ذلك، أو استبداله لأسباب طبية، يجب التوقف مؤقتا عن الرضاعة الطبيعية.

استخدام الادوية التالية لفترة طويلة يتم تحت الاشراف الطبي المباشر:

 

وجه الإعجاز التشريعي في الحث على الرضاعة الطبيعية

كل هذه الفوائد لم تظهر في الأبحاث العلمية إلا من عهد قريب. فمنذ نهاية الأربعينيات من القرن العشرين وحتى منتصف السبعينيات منه كان يعتقد أن حليب الأبقار أفضل من حليب الأم، وكانت تتم تغذية الغالبية العظمى من الأطفال حديثي الولادة في البلاد الغربية والولايات المتحدة الأمريكية عن طريق هذا الحليب البديل. وكان النظام المتبع في مستشفيات الولادة هناك أن يصف الطبيب للأمّ ما يناسب طفلها الرضيع من أنواع الألبان البديلة عند مغادرتها المستشفى. ولم يكن الأطباء يوصون بالرضاعة الطبيعية إلا عندما تكون الأم من أسرة فقيرة ولا تملك ثلاجة لحفظ الحليب لطفلها! 

والمدة المثالية للرضاعة الطبيعية للطفل هي سنتان، وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم في قوله تعالى: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ) [البقرة: ٢٣٣]. 

فكلمة (كَامِلَيْنِ) تؤكد ضرورة إكمال السنتين، وعبارة (لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ) تدل على أن الرضاعة لا تكتمل إلا بالإرضاع لسنتين.

 

References

جميع الحقوق محفوظة لمجلة الاقتصاد الاسلامي العالمية 2018