العدد الحالي: ايلول/ سبتمبر 2018       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

الأصالة والحداثة في العمارة والاقتصاد

د. محمد حسان محمد فائز السراج

دكتوراة في تاريخ العمارة الإسلامية - جامعة أريس

الأصالة والحداثة في العمارة والاقتصاد

 

 

إن الحديث عن العمارة، حديث شيق وطويل، ويحتاج إلى مجلدات لتفنيد تاريخ هذا الإرث الحضاري الي لا ينضب عطاءه، من جماليات في العمارة والعمران الإسلامي وفنونه، وقد أبدع فيها المعماريون المسلمون، ولم يكونوا مقلدون، واستوعبوا فن البناء من وحي العقيدة الإسلامية الصحيحة، في رسالتها الإيمانية السمحاء والإنسانية العظيمة، يُعَدُّ التراث المعماري الإسلامي ثروة حضارية لابد من العناية بها وحمايتها، ولابد من دراستها وإيضاح خصائصها وفوائدها، والعمل على إكمال مسيرة تطورها، لتصبح أكثر ملاءمة مع ظروف العصر والمتحولات الحضارية، وتتغير القيم الهندسية للعمارة وتفاصيلها الداخلية  تبعا للمتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والحاجة لمساكن تلبي الإحتياجات العصرية للأفراد، ولذلك يعمد المعماريون لمواكبة الإتجاهات الحديثة في التصميم والديكور بتصورات تستوعب تلك المتغيرات بما يخلق بيئات معمارية جديدة، تختلف كثيراً أو قليلاً، عن الأنماط السابقة في ترجمة واقعية لروح العصر وإسقاطاته على طلبات وأذواق الناس، دون الإخلال بالطابع والنمط الإجتماعي الغالب في البيئة السكنية، وذلك ما يدفعهم لإبداع تصميمات تمزج بين الأصالة والمعاصرة، ولأن العمارة هي وعاء الحضارة، وتمثل الهُوية الثقافية والمستوى الإبداعي والجمالي للإنسان، كان لابد من التمسك بأصالتها، والعمل على درء الغزو المعماري الغريب الذي غير طابِعَ المدينة الإسلامية، وجعلها كوزموبوليتانية فاقدة الهوية والسمة، منقطعة عن الجذور والبيئة والإنسان، وهذا المصلح الكبير أخذ طابعاً هاماً في حياة الثقافة الإجتماعية والتي فسرت بألوان كثيرة، وعن ثقافات مختلفة، وأطلق مصطلح «الكوزموبوليتانية» على مدن وعواصم عالمية، بل وأشخاص على مر التاريخ، للتعبير عن تعدد ثقافاتهم ومدى انفتاحهم على العالم، ويعود أصل كلمة «كوزموبوليتاني»، كما جاء في كتاب «العولمة والثقافة» لأستاذ علم الإجتماع الثقافي البريطاني جون توملينسون، إلى الكلمة اليونانية «كوزموس» التي تعني «العالم»، وكلمة «بوليس» التي تعني «مدينة»، ووُصِفَت العاصمة الفرنسية باريس بهذه الصفة لثقافاتها المتعددة، وانفتاحها على العالم، وأطلق على العالم والفنان الإيطالي ليوناردودافنشي وصف «كوزموبوليتاني»، لتعدد مجالات بحثه، وتناولت كتب عدة مصطلح «الكوزموبوليتاني»، ومن أشهرها «تجربتنا الإجتماعية عبر الزمان والمكان» والذي يحمل اسماً آخر هو «العولمة والثقافة» لأستاذ علم الإجتماع الثقافي البريطاني الدكتور جون توملينسون، الذي سلط الضوء على التجربة الغربية في التعامل مع المواطنة العالمية، ولكن هذا المصطلح تلاشى بعد التطور الهائل في الإتصالات، والتكنولوجيا التي جعلت من العالم قرية صغيرة، وكذلك عبر عن ذلك المصطلح كل من كارل ماركس وفريدريك أنجلز، لوصف حالة الشركات الإحتكارية، التي ولدت من رحم المنافسة الرأسمالية، وقصد ماركس وأنجلز استعمال هذا التعبير ليكون وصفا أكثر دقة، لحالة اندماج بين شركات من عدة جنسيات، تبحث عن يد عاملة رخيصة ومواد أولية وفيرة، بحيث تفقد الشركات صبغتها القومية، ويصبح منتجها مصنعا في أكثر من بلد، ورادف هذا المصطلح العديد من المصطلحات ففي أدبيات فوكوياما، أطلق اسم العولمة على حالة فتح أسواق العالم، بشكل حر والقضاء على الصناعات القومية، أما لينين استعمل مصطلح الإمبريالية في كتابه الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية ودرج في أدبيات الأحزاب اليسارية مصطلح الشركات العابرة للقارات.

ويُشير مصطلح الكوسموبوليتية أيضاً لمفاهيم اخرى كالكونية، أو الإنفتاحية الكونية وهي الإيديولوجية التي ينتمي اليها جميع الأعراق البشرية على أساس الخُلقْ المشترك.

ولقد استطاعت العمارة الإسلامية أن تنتقل من المضارب في البوادي إلى الأكواخ في القرى، ثم إلى المباني والأوابد في المدن، حاملة ملامح أصيلة، منسجمة مع متطلبات الإنسان ومع تقاليد بيئته، ومن المؤسف أن هذه العمارة انقطعت فجأة عن التطور والنمو الصاعد بسبب احتياج طراز العمارة السهلة البسيطة، التي وفدت مع مستحدثات المدينة في الغرب، إلى جميع البلاد الإسلامية، ويرى الدكتور د. مشاري عبدالله النعيم في مقاله عن (حداثة الأصالة أم أصالة الحداثة)، فيرى أن مصطلح «الأصالة» هو الموضوع الأكثر أهمية في عصرنا، فمصطلح الأصالة قد عفّى عليه الزمن، ولم يعد هناك أي حاجة له في ذلك العصر، وأنه يتميز بانفتاح على كل الثقافات، ولم يعد أصيلاً إلا في «الثقافة الإنسانية» ولم يعد للمحلية قيمة تُذكر، حيث يرى أن عصر العولمة سوف يلغي هذه «الأصالات المحلية» حتى المنغمسين في العولمة والمنتجين لها والمحرضين عليها، بدلوا أقوالهم ودفعوا بمصطلح يجمع بين العولمة والمحلية وأسموه Glocal أي «العولمحلية»، وهم بذلك يؤكدون على قيمة «النواة الثقافية المحلية» ويرون أنها تمثل التراث الإنساني الأصيل، لفرق بين الأصالة والمعاصرة، فهناك الكثير من اللبس الذي يحدث في هاذين المصطلحين فالبعض يعتقد أن الأصالة هي لفظ معاكس للمعاصرة ومن هنا يقع الكثير من الباحثين في  علم الإجتماع والمؤرخين في خطأ سواء عمديا كان أم غير ذلك حين يقرون أن الأصالة في معناها يعني القوالب الجامدة لأبنية المجتمع سواء فكرياً أو حركياً ودون أن تمتد إليها يد التطوير تبديلاً أو تعديلاً لأنها في الأصل جذور تتسم بالثبات والجمود ونشأت من بطن التاريخ وتوارثتها الأجيال جيلاً بعد جيل ومن ثم فهي تعد نقلاً جامداً.

ونتيجة لهذا اللبس أو الخطأ فقد تعددت وتنوعت المفاهيم التي حاول راصدوها توضيح المعنى السليم والواضح للأصالة فتعني لفظة الأصالة "الابتكار والتميز، فالأصالة في الرأي: جودته وفي الأسلوب ابتكاره وفي النسب عراقته، فالأصالة تعني القدرة على الإبداع والإبتكار في إنتاج أدوات أو مخترعات أو أي أعمال فنية وأدبية، وبعبارة أخرى هي امتياز الشيء أو الشخص على غيره بصفات جديدة صادرة عنه، وأما ابن خلدون فيري "أن لكل مجتمع سمات خاصة به تفرقه عن غيره وفقا لظروفه التاريخية والمناخية حتى أن للهواء أثرا على ألوان البشر وأخلاقهم والكثير من أحوالهم وهو بهذا يرمي إلى التميز الذي يعبر عنه، علماء الإجتماع بالشخصية القومية"،" ويقترب من لفظ الأصالة بل ويتطابق معها لفظ التراث فهو لغة ما يخلفه الرجل لورثته وقد ورد في القرآن الكريم للدلالة على الميراث الديني الثقافي كما ورد في دعاء زكريا عليه السلام"، أما المعاصرة، فهي كلمة نابعة في الوقت ذاته من كلمة الأصالة، وعموماً فلا ينبغي لنا أن تحمل كلمة الأصالة جمودا لم تبنى عليه بقدر اعتمادها بشكل أساسي على التطوير الذي يساير متطلبات العصر، في اتساق مع المنهج الإسلامي والعقيدة الغراء، ويتعايش مع أعراف وتقاليد الأجداد والسلف، ولهذا كانت المعاصرة نابعة من الأصالة.

ومن هنا يتم تعريف المعاصرة بأنها "لفظة تعني مواكبة العصر ومعايشته، فلكل عصر عصريته والحداثة أو العصرية تعني ما تعني عملية التغيير التي بمقتضاها تحصل المجتمعات المختلفة، على الصفات المشتركة التي تتميز بها المجتمعات المتقدمة والعصرية تطلق على المجتمع إذا اتصف بها وتعني مجموعة الخصائص البنائية التي تميز المجتمع العصري عن المجتمع التقليدي، أما بالنسبة للفرد فإنها تعني مجموعة الإتجاهات والقيم وأساليب التفكير التي تتطلبها المشاركة الفعالة في مجتمع عصري، "والمعاصرة لا تكون واقعا فعليا إلا بمواكبة العصر فكرا وتطبعا، فقد يكون المجتمع عصريا في ملبسه ومسكنه وطرقه المهددة، ومع ذلك يعد هذا المجتمع متخلفا عن عصره وإن عاشه، فما أسهل اقتباس ذلك بشرائه لمن استطاع إليه سـبيلا، وهو ما يختلف عن التحديث الذي يعني امتلاك وسائل المعرفة، وكل أمة في حاجة إلى هذا التحديث، ولا يتحقق لها مرادها إلا بإرادة قوية ونظام قادر وصالح لتعبئة هذه الإرادة وتوجيهها في طريق التصنيع والتحديث، والمعاصرة، هي مواكبة العصر ومعايشته، أي أنها مجموعة الإتجاهات والقيم وأساليب التفكير التي تتطلبها المشاركة الفعالة في مجتمع عصري. 

ونجد أن الإسلام يمثل أهم حركة حداثية في العالم، فقد بدل العالم ودفعه إلى ما نسميه الآن «العصر التقني الحديث» فقد عاش الإنسان قبل الإسلام عصوراً مديدة لم يتحول فيها بهذه السرعة نحو التقنية، لذلك فنرى كل حركة حداثة «أصيلة»، ولأنها حركة تغيير، فهناك ما قبلها وما بعدها، لذلك فهي تمثل «أصل»، أي «حداثة الأصالة»، أي أن كل أصالة تعبِّر عن حداثة، فهي تعني الأصل والإتيان بالجديد، وحداثة الأصالة هنا- تعني الكثير وتعيد تفسير الكثير مما نعتبره «أصيل»، فقد كان حديثاً جداً في يوم من الأيام، ونكتشف أن «الأصالة بمعناها التاريخي» مجرد فعل ماضوي لا معنى له، بينما نجد أن الأمر بهذا المصطلح يحث على التفكير والعمل والبحث عن «تعدد الأصول» أو «ابتكار الأصول».

ويعمد الباحثون في مفهوم الأصالة إلى تعريفها بشتى التعريفات التي تراوح ما بين الإصطلاحي منها وما بين الإيديولوجي، فمن مجمل التعريفات يبدو أن لفظة (أصالة) يمكن أن تكون صفة تطلق على أي عمل يبرز فيه نوع من أنواع الإبداع، إذ يشير البعض إلى أن هذه الأصالة يمكن أن تدل على معنيين، أحدهما زمني والآخر منهجي، أو كلاهما معا، وحسب تعريف فؤاد زكريا مما يتفق مع هذا المفهوم نجد أنه يميز بين هذين المعنيين، ويستبعد الإشارة إلى الزمن، على أساس أن الأصيل يتجاوز مفهوم الزمن؛ ويتفق مع هذا التجاوز لمفهوم الزمن مفكرون آخرون كالجابري وحنفي، بينما نجد أن كوكبة أخرى من المفكرين تعمد إلى ربط هذا المفهوم بالماضي وبالتراث، مما يعني الإشارة الضمنية إلى أن الأصيل ينتمي زمنيا إلى الماضي، بحيث أن الأصالة تنحصر في القديم، وإن كان نسبياً، وهكذا نجد زاويتين مختلفتين  لرؤية المفاهيم من خلال طروحات المفكرين، وعلى أية حال يمكن أن نجد اتفاقاً على بعض الخطوط العامة لمفهوم الأصالة، ندرجها فيما يلي: أولها أن الأصالة تحوي صفة الإبداع، وإن كان الإبداع يختلف بين أمة وأخرى، مما يعني أن الأصالة مرتبطة خصوصيا بالثقافة، إذ تستمد قيمها الداخلية من القيم التي تفرزها الثقافة الواحدة، ثانيها: أن الأصالة تحوي ضمن تركيبها الداخلي (حركية)، بمعنى قابلية التطور والتجديد، وباعتبار هذه الخصيصة يمكن لنا أن نتبنى الرأي الذي يميل اليه الجابري وحنفي، بأن الأصالة تتجاوز مفهوم الزمن، أي أنها لحظة إبداع لا زمنية، وفي نفس الوقت تحوي ضمن طياتها بذور التجديد والإستمرار لا للإنغلاق، فما هو أصيل يرى كذلك لا في زمانه فقط، إنما يبقى كذلك لأجيال تلي، إنما المشكلة تكمن لاحقا في رؤيته كنموذج تام الإغلاق والكمال ولا يمكن الإستمرار منه، وهي الإشكالية التي تعاني منها العمارة العربية المعاصرة، إذ يعتبر معظم المعماريين المعاصرين أن العمارة التراثية شكلت قمة نتاج العصر الذهبي للحضارة الاسلامية، وهي كذلك فعلا- إنما لا يمكن الإنطلاق منها أو مجاراتها، وبذا لا يسعنا إلا تقليدها أو النقل الحرفي منها، وإحضارها إلى زماننا واستعمالها في مختلف أرجاء الوطن العربي، كنوع من التقديس والإحترام، وهو مزلق خطير يعني من جهة عجز الحاضر عن التعبير عن نفسه، ومن جهة أخرى يعني عدم فهم الاصيل والإساءة إليه باتهامه بالجمود والإنغلاق ضمن لحظة زمنية من الإبداع هي لحظة مولده والتي بالتالي تشكل حسب منظور الحاضر- لحظة موته أيضا، وثالث هذه الخصائص (وتلك مهمة) هي ضرورة تعبيرية الأصالة عن الواقع الذي انبثقت عنه، إذ لا يكون الأصيل كذلك في بيئة غريبة عن قيمه الداخلية التي منها يستمد أصالته، وإن لم تكن للأصيل دلالة إيجابية فاعلة في الحاضر، مما يستلزم الصدق في التعبير، فلا يمكن أن يكون الأصيل أصيلا، ورابع هذه الخصائص: أنها تنبع من الواقع والبيئة المحيطة وتعكس نظمها وقوانينها، إذ أنها لا تسقط إسقاطا من الخارج ولا ينبغي لها ذلك، مثال ذلك في العمارة أن الأصيل من العمارة يعكس نظم الحياة الإجتماعية، والثقافية والإقتصادية والبيئية وغيرها ضمن إطار الحضارة التي نشأت بها، وهذا (الأصيل) الذي نشأ في اطار ثقافة وحضارة معينة، لا يمكن أن يكون كذلك إن لم تنطبق شروط ميلاده على البيئة التي تتبناه وإن تم تبنيه في غير بيئته فإن مدى غرابته يعتمد على مدى الشروط المتحققه في البيئة المتبنية، وبذا فإن المثال البسيط الواضح ان المبنى الزجاجي الذي كان نتاجا لشروط معينة في (الغرب) لا يمكن أن يكون أصيلا في دول (خط الإستواء من عربية وغيرها) لأسباب عديدة أبسطها مناخية، ناهيك عن الأسباب المتعلقة بالهوية والنواحي الإقتصادية وغيرها، هذا من ناحية فيما يتعلق بمفهوم الأصالة، فماذا تعني المعاصرة (الزوج الآخر في هذه الثنائية) حيث ترتبط المعاصرة بمفهومها العام بالزمن، إذ أن معاصرة شيئين لأحدهما تعني الإتصال الزمني بينهما، بيد أن هذا المعنى هو المعنى الأولي جدا إذ ينزع العديد من المفكرين إلى ربطها بالتعاطف والتواصل، إذ ليس كل ما هو معاصر لنا ما يمكن أن نتبناه إلا من خلال انتمائنا له وانسجامنا معه، إذ أن الفكر العالمي وكذا العمارة العالمية هي معاصرة لنا، ولكننا لا ننتمي إليهما بالكلية، وبذا فهما معاصران لنا زمنيا لا ضمنيا، ويعمد البعض الى استبدال لفظة (معاصرة) بكلمة (حداثة) على اعتبار أن الاخيرة أدق من حيث احتوائها الضمني على الإختيار الواعي بدل الوجود الزمني الذي قد لا يعني الإختيار بالضرورة، ويؤكد محمد أركون هذه الفكرة إذ ينفي عنصر الزمن من مفهوم الحداثة، حيث أن الحداثة لا يمكن النظر إليها على أساس التسلسل الزمني الخطي، بل أنها مفهوم ينتمي لكل الأزمان وهي لحظة إبداع لا زمنية بمعنى أن ما قد أبدع في الماضي قد يفوق الحاضر، وهذه الفكرة تحض على النظر في المحتوى لا لحظة المولد، والتساؤل الذي يطرح نفسه هو: من خلال ما تم التوصل إليه نجد أنه ليس فقط هناك خلط في استعمال المفاهيم، إنما يبدو أن الزوج (أصالة، معاصرة) قد لا يكون صحيحا من حيث الإستعمال كزوج ضمن ثنائية، وهل ينبغي أن نستبدل الزوج (أصالة، معاصرة) بالزوج (أصالة، حداثة) إذا كنا نعني عملية الإبداع المتواصلة بين الأجيال المتعاقبة، مع ما في هذه العملية المتواصلة من تفهم واع ودقيق لظروف مولد - وأحيانا موت تراث ما- ضمن نفس الثقافة والحضارة؟ إذا كان ذلك كذلك، فإن هذا يعني وجود أزمة ليس فقط في استعمال المصطلح إنما يتجاوز ذلك الى القدرة على فهم العلاقات المجردة، وتتبع الهدف المقصود، إذ أن أزمة الفكر والعمارة العربية المعاصرين تكمن في تشوش وضوحية إدراك المشكلة وغياب الهدف المقصود مما يقود إلى حلقة جوفاء من المحاولات التي تراوح مكانها، إن لم تكن تؤدي إلى مزيد من التشوش والتعقيد للإشكالية، وارتبطت ما بعد الحداثة في بعدها التاريخي والمرجعي والسياقي بتطور الرأسمالية الغربية ما بعد الحداثية اجتماعيا، واقتصاديا، وسياسيا، وثقافيا، كما ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بتطور وسائل الإعلام، كما جاءت مابعد الحداثة كرد فعل على البنيوية اللسانية، والمقولات المركزية الغربية التي تحيل على الهيمنة والسيطرة والإستغلال والإستلاب، كما استهدفت ما بعد الحداثة تقويض الفلسفة الغربية، وتعرية المؤسسات الرأسمالية التي تتحكم في العالم، وتحتكر وسائل الإنتاج، وتمتلك المعرفة العلمية، كما عملت ما بعد الحداثة على انتقاد اللوغوس والمنطق عبر آليات التشكيك والتشتيت والتشريح والتفكيك، ومما لاشك فيه أن مسوغ استقبال هذه العمارة الغربية كان تطور التقنيات الإنشائية، إذ دخل الإسمنت والحديد والزجاج في عمليات البناء والإكساء والزخرفة، وكان للكهرباء الدور الأكبر في تعديل مسيرة تطور العمارة التي اعتمدت كلياً على فوائد هذه الطاقة الجديدة، عند تمديد أسلاك الإنارة، أو بناء أبراج المصاعد أو تركيب أنابيب التدفئة والتهوية، حتى طغت هذه الإضافات على فن العمارة، فأصبح تابعاً لها، وفي بناء حديث مثل مركز بومبيدو في باريس، تبدو هذه الإضافات صريحة وواضحة، بل أصبحت أساسا للتصميم المعماري ذاته.

 ولقد تبين أن هذا الطغيان التقني كان خطيراً على فن العمارة، كما هو خطير على الإنسان الذي أصبح يزداد بعداً عن الطبيعة، طالما هو يزداد خضوعاً لظروف التقنيات ومفاعيلها الضارة وارتفعت تكاليف هذه التقنيات حتى أصبحت عبئاً على اقتصاد المدينة، وهو عبء مستمر لا يمكن الاستغناء عنه بل يصبح غيابه وبالاً على البناء وتعطيلاً لوظيفته.

ولعبت السياسة الاقتصادية والإستثمارية دوراً سيئاً في امتصاص قدراتنا عن طريق جعل الإستهلاك التقني ضرورياً لابد منه، ولم يعد ممكناً تطبيق برامج ترشيد الإستهلاك، أمام منشآت ضخمة، من مطارات وفنادق، وجامعات مجهزة بتقنيات فائضة تستهلك قدرات هائلة من الطاقة، كان يمكن توفيرها لمشاريع منتجة أخرى، ومع ضرورة الإفادة من التقنيات الحديثة، فإن ما ننقده هو التجاوز المتطرف في  استعمالها إلى الحد الذي تصبح فيه العمارة تابعة لها.

وتبقى مسألة التحديث في العمارة مرتبطة بالأصالة، وتبدو العمارة أكثر تعبيراً عن الهُوية، ولا يُعنى بمحاولة تحديث العمارة التفريط بالهُوية الثقافية، وبخاصة إذا كانت هذه الهُوية تتجلى من خلال قيم دينية سامية وبتراث عريق ثابت الشخصية، وليست عملية الربط بين الحداثة والهُوية صعبة، بل إن الحداثة الغربية ذاتها تهفو اليوم للعودة إلى الجذور.

 ولقد ظهرت ما بعد الحداثة أولا في مجال التشكيل والرسم والعمارة والهندسة المدنية، قبل أن تنتقل إلى الفلسفة والأدب والفن والتكنولوجيا وباقي العلوم والمعارف الإنسانية، ولا يمكن الحديث عن ما بعد حداثة واحدة، بل هناك ما بعد حداثة عامة وما بعد حداثات فرعية، وقد غزت نظرية ما بعد الحداثة جميع الفروع المعرفية، كالأدب، والنقد، والفن، والفلسفة، والأخلاق، والتربية، وعلم الإجتماع، والأنتروبولوجيا، وعلم الثقافة، والإقتصاد، والسياسة، والعمارة، والتشكيل...

هذا، وقد ظهرت النظرية الإسلامية في الحقل الثقافي العربي في الفترة نفسها التي ظهرت فيها نظريات ما بعد الحداثة، وذلك في مجالات: النقد والأدب والفن، لكن حداثتها تكمن في دعوتها إلى النظام والانسجام والإعتدال والوضوح، والإنطلاق من الثقافة الربانية، واستلهام التصور الإسلامي في الأدب والنقد وجودا ومعرفة وقيمة. وبالتالي، فهي نظرية أخلاقية متوازنة تهدف إلى البناء، والتأسيس، والتنوير، وتحرير الإنسان من الأوهام الأيديولوجية وإنقاذه من الضلالة والوثنية والعبثية، كما أنها نظرية لا تؤمن بفلسفات التقويض والتشتيت والإختلاف، وتسعى جاهدة للتعمير، والتغيير، وتخليق الإنسان على أسس أخلاقية صحيحة، تلك الأسس المستمدة من المصدر الرباني اليقيني، ولقد وصل مآل الحداثة في العمارة الغربية إلى حد التطرف في الإنقطاع عن التقاليد وعن الطبيعة وعن الإنسان، حتى انقلبت المدينة الحديثة إلى مجموعة من الكتل الهندسية المجردة، وفقدت العمارة الخارجية طابَعها التقليدي الذي عرف في أوروبا منذ العصور الكلاسيكية إلى عصر النهضة والباروك والكلاسيكية المحدثة والعصر الفكتوري، وظهر اتجاه جديد ينادي بالعودة إلى الهُوية، أي العودة إلى الطابَع والشكل المعماري المنسجم مع البيئة والإنسان، وينادي بإنعاش الذاكرة التاريخية والقومية التي تحدد الهُوية المعمارية شكلاً وإبداعاً، بل عاد المعماريون إلى القول إن السكن خلية عمرانية اجتماعية، وليس هو منشأة في فراغ اجتماعي، وهو بذلك يحقق أهدافاً ثلاثة، اللقاء مع الآخرين، والتوافق معهم؛ وتحقيق السكينة والتفرد، وتحدد الحياة ملامح معمارية مختلفة باختلاف الزمان والمكان، ولغة العمارة هي لغة الذاكرة، ويقول الفيلسوف (شولتز) لا يتطلب عصرنا لغة معمارية جديدة نختارها من بين النماذج الأصلية، نؤوّلها بحرية اعتماداً على ذكرياتنا المتنوعة، والتأويل يعني الكشف عن علاقات خفية أكثر مما يعني اختراعاً حراً، ولكن المعمار الألماني (ميس فان درروه) يقول على العمارة أن تخضع للحياه، وأن تخدمها، وليس عليها أن تفرض فرضاً على الإنسان والمجتمع مبرراً بذلك الحداثة التي دعت إلى ربط العمارة بالوظيفة، وإلى تعدد أشكالها بتعدد الوظائف، أي أن العمارة خرجت عن طابَعها الأصلي تائهة في عالم الإبتكار والتجريد.

لقد انفصلت العمارة الحداثوية نهائياً عن لغة العمارة، هذه اللغة التاريخية التي عبرت عن الإنسان الذي أنشئت العمارة من أجله، وبقيت العمارة بدون لغة وبدون هُوية، لأن اللغة هي المعبر عن الهُوية، ووجد النقاد أن العمارة الحديثة لا هُوية لها؛ ولا تساعد الإنسان على العيش في بيئته التاريخية والإجتماعية، ولقد كانت العمارة تعبر عن مفهوم قومي، ثم أصبحت اعتباطية فاقدة الشخصية، إن إهمال لغة الذاكرة التاريخية في العمارة الحديثة، دفع المعمار إلى التعويض عن التاريخ بالحوافز الصناعية، فأصبحت العمارة الحديثة هواية ومغامرة اعتباطية، وقد أصبحت شعارات الحداثة دوغماتية.

وكان المعمار (جنكز) أول من أعلن نهاية الحداثة، ونادى بعمارة ما بعد الحداثة Post-Modern، ولامست دعوته عواطف الناس الذين باتوا يبحثون، دون جدوى، عن ذواتهم الثقافية من خلال العمارة، حيث أن المؤرخ توينبي استعمل مصطلح ما بعد الحداثة منذ عام ١٩٣٨ للإشارة إلى العولمة والتعددية الثقافية، التي لا بد من ظهورها حسب طبيعة الدور التاريخي، وتعددت الأفكار التي تحدد معنى ما بعد الحداثة المعمارية، ولكن الإتجاه المشترك يدعو إلى الربط بين القديم والحديث، أي بين الأصالة والحداثة، إذ لا يمكن الدعوة إلى مجرد إحياء القديم، ذلك أن عالم التقنيات معاش على أوسع نطاق، ولكن من القديم نستطيع أن نحقق خَيارات متعددة، هذه التعددية Plurality هي من ميزات عمارة ما بعد الحداثة التي تجعل العمارة متجددة متنوعة حسب الثقافات المختلفة، ويبدو أن الدعوة إلى الأصالة والحداثة في العمارة الإسلامية تتفق مع الدعوة إلى ما بعد الحداثة، ولقد استهوى هذا اللقاء بعض المعماريين المسلمين من أساتذة وطلاب، بل إنهم عادوا إلى آراء الفلاسفة والمعماريين القائلين بمذهب بعد الحداثة، دون أن يرجعوا إلى آراء وتطبيقات العمارة الإسلامية، فخضعوا مرة أخرى إلى التبعية، دون أن تتاح لهم فرصة التعبير عن الذات الثقافية في العمارة الحديثة التي توهموا أنها إسلامية، وانتبه المفكرون المسلمون إلى خطورة التبعية المعمارية لعالم الغرب، وكان علي باشا مبارك، أول من لفت الإنتباه إلى التبعية في العمارة، حيث اتبع الناس في بنائهم الأشكال الرومية، وهجروا الأسلوب القديم، ولما كثر دخول الفرنج هذه الديار المصرية، بعد إحداث السكك الحديدية فيها، أخذت صورة المباني تتغير فيبني كل منهم ما يشبه بناء بلده، فتنوعت صور المباني وزينتها وزخرفها، والواقع أن انتشار الطراز الغربي كان بفعل المستعمر وبفعل الإنفتاح الاقتصادي، وكان تأثير الدعوة إلى الغرب فعالاً في العمارة، إذ استقدم المسؤولون والأثرياء معماريين أجانب لإقامة بيوت لهم في جميع المدن الإسلامية، فظهر طراز أطلق عليه الطراز الكولونيالي، وهو طراز هجين ما زالت عمائره قائمة في الأحياء الجديدة أو في المدن الجديدة، وتبدأ الدعوة إلى الأصالة بإيقاظ الوعي التاريخي لفن العمارة الإسلامية، ومن المؤسف أن ثقافتنا المعمارية تعتمد على دراسة تاريخ العمارة الغربية أكثر من اهتمامها بتاريخ العمارة الإسلامية، ويتجلى ذلك في برامج التدريس الثانوي والجامعي التي تهتم بنظريات العمارة العالمية، دون البحث في نظريات العمارة الإسلامية، ويرجع ذلك إلى كثافة المصادر عن العمارة الكلاسيكية (الإغريقية والرومانية) والعمارة المسيحية (الغوطية والرومية والبيزنطية) وعمارة عصر النهضة وما بعدها، وكان اهتمام عدد كبير من الباحثين وعلماء الآثار بترجمة المؤلفات التي كانوا يحصلون عليها ويترجموها عن اللغات المختلفة جاءت متأخرة في عالمنا الإسلامي، ومن حسن الحظ أن لفيفاً من الباحثين المسلمين ابتدأ بالإسهام في كتابة تاريخ العمارة الإسلامية، أو في الكتابة عن الأسس الجمالية والفلسفية للعمارة والفن الإسلامي.

وهذا ما يدعو إلى التفاؤل بأن مادة العمارة الإسلامية ابتدأت تأخذ مكانها في معاهد الدراسات العليا في أصفهان وفي القاهرة وغيرها، وإن علم الآثار الإسلامي أصبح اختصاصاً بذاته وتمثل الوعي بأهمية العمارة الإسلامية في تنشيط عمليات الترميم، وابتدأت دوائر الآثار في الأقطار الإسلامية بمباشرة حماية التراث المعماري في المدن والأحياء والمباني. وتبدو عمليات حماية المدن التاريخية اليمنية وبخاصة مدينة صنعاء وزبيد وشبام من الأعمال الناجحة في مجال حماية التراث المعماري، وتقوم مؤسسات علمية بتشجيع هذه الحماية بمنح الجوائز والمكافآت كمنظمة آغا خان في بوسطن ومنظمة المدن العربية في الكويت، واللجنة الدولية للحفاظ على التراث الحضاري الإسلامي في استنبول والرياض، ومنظمة العواصم والمدن الإسلامية في جُدَّة، وهكذا يقوم فن العمارة الإسلامية الحديثة على ثوابت هي عناصر الأصالة، وعلى متغيرات هي عناصر الحداثة، وليس ممكناً تحديد عناصر الحداثة فهي في توسع مستمر، وزيادة مضطَردة، ولابد من الإفادة منها لإمداد العمارة الإسلامية بنسغ حي يجعلها ملائمة لظروف العصر ومقتضياته.