العدد الحالي: ايلول/ سبتمبر 2018       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

اقتصاديات الثقة

Dr. Alaa Alazmeh

دكتوراه في التخطيط الاستراتيجي

اقتصاديات الثقة

 

يتسبب الركود الاقتصادي في ركود نفسي، ويخشى الناس من فقدان وظائفهم، ولربما ضياع مدخرات التقاعد، أو حتى فقدان منازلهم وممتلكاتهم. إنّ انتشار عدم الثقة في المجتمع يفرض نوعاً من الضرائب على جميع أشكال الأنشطة الاقتصادية.

الأمر سيتفاقم وسيكلّف أسواق العمل الكثير، فانت بحاجة لموظفين وأشخاص يتمتعون بتركيز عالٍ ولديهم حس المبادرة وروح المشاركة، وبالواقع فنتيجة للأزمة فإنّ هؤلاء الموظفين هم كتلة من التردد وعدم التركيز، ولربما سيتوّج سلوكهم التنظيمي عدم الولاء، وستكون سمة أدائهم الوظيفي هي الانسحاب من المهام الموكلة إليهم، وبأفضل الأحوال أداؤهم سيكون على نحو غير مرضٍ.

السبب هو الخوف النابع من نقص الثقة، فأزمة الثقة تثير الخوف، والخوف سيتجلى بمظهر القلق، والخوف والقلق سيؤديان إلى فقدان التركيز، وفقدان التركيز يضع استراتيجية التنفيذ موضع الخطر، وفي هذه الأوقات ليس بوسع قادة الشركات والمنظمات أن ينفذوا تلكم الاستراتيجيات بدقة وكما رسم لها مسبقاً ضمن مستندات وخطط هذه الشركات.

في الأوقات الصعبة والأوقات المتقلّبة تنهار أسواق الأوراق المالية نتيجة لأزمات الثقة؛ حيث يفقد معظم الناس الثقة في منظماتهم، ويواجهون نفسياً وعملياً ذلك الطريق غير الواضح والمليء بالعثرات، ذلك كله سيقلل من سرعة الجميع وسيقرأ علماء ومنظروا الاقتصاد تلكم الإشارة في وجوه الناس وفي عجلة الاقتصاد "خفف السرعة"، وهنا الخطر.

الثقة المنخفضة تقلل من سرعة كل شيء وترفع التكاليف ويتعثر الاقتصاد، والعملاء، والأموال، ويتدفقون ببطء تبعاً للاضطرابات. ولنتخيل العكس الحال المثالي (الطبيعي المرجو) عندما ترتفع مستويات الثقة فستسير جميع الأمور بشكل أسرع، وتنخفض التكاليف لأنّ المنظمات الرابحة تمتلك القدرة على التصرّف السريع في الاستجابة قبل أو على الأقل مع التغيرات السريعة في البيئة الاقتصادية الجديدة.

في فترات الركود كحالتنا اليوم في بعض البلدان العربية يشترك جميع الناس، مالكون ومستثمرون ورجال أعمال وموظفون وغيرهم ممن يعمل في حقول الاستثمار وعالم المال والأعمال فجأة في نفس الهدف المباشر، وهو "الحفاظ على المال"؛ حتى الربحية تأخذ المرتبة الثانية سواءاً كانت الشركة تهدف للربح أو لا تستهدفه (غير ربحية). نعم ينبغي علينا أن نمتلك المال أو أن نغلق الشركة. ولذلك سيأتي المدراء التنفيذيون والمدراء الماليون والمستشارون الإداريّون بخطط السيولة النقدية، وهي تحتوي كالعادة مبادرات تخفيض النفقات هنا وترشيد الاستهلاك هناك.

هناك سؤال واحد وأوحد في الأوقات الصعبة وعند الأزمات، وهو: هل ندفع ضرائب الثقة أم نحصل على أرباح الثقة؟

  • عند انخفاض الثقة ستكون الضريبة أحياناً - من منظور الزبائن - هي أن يتركك العملاء عندما تكون هناك خيارات أخرى متاحة لهم، في حين أنّه عند ارتفاع مستوى الثقة (من منظور الزبائن) ستتكرر تجربة العميل مع الشركة، وعندما يكرر العميل تجربته مع الشركة (شراء اشتراك) فإنّ هذا يمثل نسبة كبيرة من عائدات الشركة.
  • عند انخفاض مستوى الثقة - من منظور الموارد البشرية والتوظيف - سيكون لديك معدل مرتفع لدوران العمالة والمتجلي بمغادرة الموظفين للشركة، في حين أنّه في حال المستويات المقبولة من الثقة من منظور الموارد البشرية ومؤشرات أداء التوظيف سيسعى العمال والموظفون جاهدأ للعمل لدى الشركة، ويحملون مع الوقت مشاعر الولاء، والتي تتجلى في بقائهم في الشركة واستمرارهم للعمل من أجلها.
  • عند انخفاض مستوى الثقة - من منظور الموارد البشرية والسلوك التنظيمي (Organizational Behavior) - سيكون لديك معدل مرتفع من جو العمل السلبي المشحون بطاقات التسييس والتعصّب والتحيّز والتكتل غير الصحي لحماية المصالح الشخصية على حساب مصلحة العمل والشركة ككل. في حين أنّه في حال المستويات المقبولة من الثقة من منظور الموارد البشرية ومؤشرات أداء بيئة العمل وأخلاقياته والثقافة التنظيمية سيسعى العمال لعيش ثقافة الشفافية والتعبير عن الأنفس والتواصل الإيجابي والتعاضد والتكاتف والشعور بالأمان الوظيفي لدفع عجلة العمل نحو تحقيق أهداف الشركة.
  • عند انخفاض مستويات الثقة - من منظور تسويقي - ستواجه الشركة بطأً في عملياتها وتأجيلات طويلة في توفير الخدمات وتوصيل المنتجات للزبائن (خارج الشركة) أو ما يسمى ضعف السرعة للسوق (Slow time to market). في حين أنّه في حالات الثقة المرتفعة فإنّه سيتم توصيل الخدمات بسرعة وسيكون تطوير المنتجات والخدمات سلساً وفي الوقت المناسب سوقياً.
  • عند انخفاض مستوى الثقة - من منظور إدارة المبيعات - ستكون دورة المبيعات بطيئة وممتدة بسبب التردد، والمفاوضات الكثيرة، ومبنية بحرص على التقيد بالشكليات. في حين أنّه في حالات الثقة المرتفعة ستكون دورة المبيعات انسيابية وبسيطة وسيتمتع البائعون والزبائن بالصراحة والثقة مع بعضهم البعض.

بالمختصر فإنّ الشركات الأكثر ثقة هي تلك التي تتمتع بأفضلية تنافسية في السوق، إنّها تحصل على نسبة أقل من ضرائب انخفاض الثقة، ونسبة أكبر من أرباح ارتفاع الثقة.

إنّ عدم الثقة المنتشرة في مجتمعاتنا الشرق أوسطية اليوم يفرض نوع من الضرائب على جميع أشكال النشاط الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. وهنا أدعو كل رجل أعمال أو صاحب شركة أو مدير منظمة أو مسؤول أو أي راعي لشؤون العامة من أن يجعل الثقة أولوية وميزة أساسية وأفضلية تنافسية، ولابد من التفكير مجدداً بمفهوم " اقتصاديات الثقة " لأننا الآن في مجتمعات الشرق الأوسط ننتقل إلى عالم جديد حيث أصبحت مجازفات الماضي المدروسة أليفة بالمقارنة مع ما نواجهه اليوم. وقد تكون أزمات المستقبل أشد خطورة من أي شيء واجهناه من قبل ونواجهه الآن، وفي وقت الأزمات ستصنع الثقة كل الفارق حيث ستنجو تلكم المجتمعات التي تتمتع بدرجة عالية من الثقة من دفع الكثير من الضرائب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.