العدد الحالي: تشرين 1/اكتوبر 2018       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

من كندي خروتشوف إلى ترامب بوتين (قمة هلسنكي)

لا يمكن للسياسي المتابع للمتغيرات الحادثة في الموقف الدولي الإجابة على سؤال الساعة، وهو ماذا حصل في مؤتمر هلسنكي؟؛ إلا إذا عدنا إلى الحقيقة المغيبة في السياسة الأمريكية، وهي لماذا تم تعيين ترامب رئيساَ للولايات المتحدة من أهل الفعاليات الاقتصادية؟؛ الحكام الحقيقيون للولايات المتحدة، والقادرون بعملية معقدة جداَ على  تعين رئيساَ للولايات المتحدة، من خلال أكذوبة الديمقراطية الشائعة في الولايات المتحدة والعالم الغربي، والتي تمكن الشعب من التصويت بإرادته إلى الرئيس المعين الذي اختاره كبار صناع القرار السياسي في الولايات المتحدة.

-رست مناقصة انتخاب رئيس أمريكي على السيد ترامب، بعد أن وافق على جدول كبار رجال الأعمال"AGENDA"، ليكون أداة تنفيذية لها، وأهم فقرة في هذا الجدول العلاقات المرتقبة مع روسيا.   وجرى تفويض ترامب باستعمال كل أسلوب جاد أو هزلي للوصول الى هذه الحقيقة المغيبة، لتحقيق  هذا الهدف، بدأت  أجهزة الإعلام الأمريكي باتهام المرشح الرئاسي ترامب بأن إدارته الانتخابية تقوم باتصالات مع الأجهزة الروسية الأمنية لتحظى بالدعم الروسي، من دوائرها الاستخباراتية والالكترونية  تحت هذا الغطاء الدخاني للتعمية عن الحقيقة. جرت المفاوضات الأميركية الروسية لتحديد مستقبل العلاقات الخارجية الدولية بينهما للوصول إلى نظام عالمي جديد، يحكمه اتفاق أمريكي روسي من خلال الشريك  الأميركي الأكبر ووصايته لتحفيز روسيا إلى دور عالمي، بعد أن أصيب بكبوة جوريا تشوف ويلتس، وهذا ما كان ينتظره  الرئيس بوتين لاستكمال السياسة التي وعد بها الجنرالات الروس والكنيسة،الذي دعموه لإعادة روسيا إلى عزّ وسطوة العهد القيصري  والماركسي بدون ايدلوجية.

- لقد تمكنت أجهزة الاعلام المملوكة للكبار في الولايات المتحدة من التغطية على هذه الحقيقة التي توصلت لها إدارة المكنات الانتخابية في الولايات المتحدة الأميركية، بالتنسيق مع الهيئات الأمنية الروسية.

- ظهرت هذه الحقيقة المغيبة في مؤتمر هلنسكي بين "ترامب وبوتين، والذي حاولت أيضاً الدائرة السياسية الأميركية أن تظهره بأنه مؤتمر فاشل وإنه ضد السياسة الأميركية، ولقد هاجم أكابر الساسة الأمريكيون من جمهوريين وديمقراطيين، أمثال جون ماكين، وبول رايان، زعيم الأغلبية الجمهورية في الكونجرس ومن الديمقراطيون نانسي بولسي زعيمة الأقلية الديمقراطية في الكونجرس، فقد وصفوه بأنه مؤتمر معيب، وخطأ مأساوي ومعادي للقيم الأميركية، لأن روسيا ليست حليفة للولايات المتحدة، وإن ترامب خضع للابتزاز السياسي من قبل بوتين، وإن تصرف ترامب كان ضعيفا وغير مسؤول كما حصل سابقاً من تعليقات زائفة على أثر اتفاقية خراتشوف كندي عام ١٩٦١.

إن هذه التعليقات الصورية تدلّ بشكل قاطع على أن أمور ما قد تم التوصل إليها بين ترامب وبوتين، وتدل على أن مشروع تحالف سياسي استراتيجي تم الاتفاق عليه بين ترامب وبوتين، والمقصود بهذا التحالف والاتفاق  هي (أوربا) والاتحاد الأوربي وحلف الناتو، وما يدل على ذلك تصريحات ترامب الأخيرة بأن أوربا عدوة للولايات المتحدة الأميركية، وأن مصالحنا لم تعد متوافقة مع أوربا، وإن مصالح الولايات المتحدة الأميركية هي التي تحدد علاقاتها مع كافة الجهات الدولية.

- مقتضى هذا الاتفاق الأميركي الروسي، تأهيل الولايات المتحدة لروسيا لقيادة مشتركة في السياسة الدولية، وتفعيل دور روسيا في إدارة الأزمات الإقليمية بغطاء أميركي، وباستخدام العصا الروسية عند اللزوم لتأديب كل الخارجين على القانون الدولي من خلال هدف مشترك هو محاربة الإرهاب.

- ويتضح من السلوك الأميركي الروسي، أن اتفاقاً قد أنجز للتنسيق بين السياسة الأميركية والروسية، لتحجيم الدور الصيني، لأن الولايات المتحدة والروس لن يسمحوا للصينيين بتجاوز التفوق الاقتصادي إلى التفوق في المجال العسكري، وقد غدى ذلك جلياً واضحاً عندما اضطرت الصين لوضع حد للعنجهية الكورية الشمالية، عندما أفهم الروس الصينيون والكوريون بأنهم لن يكونوا معهم في أي مناكفة للسياسة الأميركية في بحر الصين وجنوب شرق أوسيا تؤدي إلى خلل في الميزان الدولي.

- بالجملة فإن الوفاق الأميركي الروسي في "هلنسكي "، والاتفاقات التي أنجزت فيه، تُذكّر كل سياسي عاش مرحلة الستينات من القرن الماضي، بما جرى بين الرئيس الأميركي كندي والرئيس الروسي خروتشوف في فيينا عام ١٩٦١ من اتفاقات دولية على إثر الأزمة الكوبية، أدت إلى خروج الاتحاد السوفييتي من أيديولوجيته الأممية، للانصراف إلى المصلحة النفعية للمبدأ الرأسمالي، عندما اتفقا آنذاك على الحرب بروح رياضية في فيتنام، ثم إلى إنهائها في عهد الرئيس نيكسون بعد مباراة (بينغ بونغ) عندما انتهت  الولايات المتحدة من تطوير أسلحتها التقليدية والبيولوجية والجرثومية، باستعمالها ضد الشعب الفيتنامي، وأطلق الروس يد الأمريكان في  العالم لاستئصال النفوذ البريطاني والفرنسي مقابل إطلاق يد الروس في أوربا الشرقية وجنوب شرق آسيا، والذي أدى إلى تحجيم النفوذ الصيني.

إنها أمور عجيبة تحدث في السياسة  الدولية على يد الأمريكان والروس، لكنها غير مستبعدة لأن السياسة تقوم على المصالح والمنافع وليس على المبادئ كما هي العقلية الغربية النفعية السافلة، حيث كما يقولون لا عداوات ولا صداقات دائمة بل مصالح متغيرة.

- في المحصلة ما جرى الاتفاق عليه في "هلنسكي" أمور خطيرة جداً ستغير ميزان العالم السياسي الدولي، ولن تقف أوربا مكتوفة الأيدي لتذهب إلى مقابر التاريخ بسهولة ولن يتقاعد التنين الصيني مبكراً وهو في عزّ شبابه.

فلننتظر ردة فعل الخبث البريطاني والحمق الفرنسي  والهدوء الألماني والعراقة اليابانية والصبر الصيني، فماذا  يمكن لكل هذه الامكانات أن تفعل مقابل وفاق أميركي روسي؟ إن النظام الدولي لا يخرقه إلا المفاجآت والقفزات التاريخية لتجعل أوهام الأمس حقائق الغد.