العدد الحالي: آب/أغسطس 2018       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

المشكلة الاقتصادية في الاسلام

منهوم بلقاسم

ماجستير في المالية الدولية

ديدة محمد

ماستر في النقد و التمويل الدولي .

ﻣﻘﺪﻣﺔ: 

إن ﻗﻀﻴﺔ اﻟﺜﺮوة ﻓﻲ اﻹﺳﻼم ﺗﺤﻜﻤﻬﺎ ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ ﻣﻦ اﻟﻀﻮاﺑﻂ اﻟﻮاﻗﻌﻴﺔ و اﻷخلاقية العادية التي ﺗﻜﻔﻞ ﻟﻜﻞ إﻧﺴﺎن ﻓﻲ أرض اﻟﻠﻪ ﻧﺼﻴﺒﻪ -إﻟﻰ ﻣﺪار اﻟﻜﻔﺎﻳﺔ- ﻣﻦ رزق اﻟﻠﻪ أي أن ﻛﻞ ﻣﺎ ﻳﺪ ﻋﻠﻰ اﻷرض ﻣﻦ ﺧﻠﻖ اﻟﻠﻪ إﻧﺴﺎﻧﺎ أو ﺣﻴﻮاﻧﺎ أو ﻃﻴﺮا أو ﺣﺸﺮا ﻗﺪ أﺧﺬ اﻟﺤﻖ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﻋﻠﻰ ﻧﻔﺴﻪ أن ﻳﺘﻜﻔﻞ ﺑﺮزﻗﻪ وذﻟﻚ ﻓﻲ ﻗﻮﻟﻪ: (وﻣﺎ ﻣﻦ داﺑﺔ ﻓﻲ اﻷرض إﻻ ﻋﻠﻰ اﻟﻠﻪ رزﻗﻬﺎ). وﻣﻔﻬﻮم ﻫﺬا اﻟﻌﻬﺪ اﻹﻟﻬﻲ ﺑﺎﻟﺮزق ﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ للإنسان أن ﻛﻞ إﻧﺴﺎن ﻣﺴﻠﻤﺎ ﻛﺎن أو ﻏﻴﺮ ﻣﺴﻠﻢ ﻳﺼﺒﺢ داﺧﻼ ﻓﻲ ﻫﺬا اﻟﻌﻬﺪ وﻳﻜﻮن ﻟﻪ ﻧﺼﻴﺐ ﻣﺸﺮوع وﻣﻜﻔﻮل ﻓﻲ ﻫﺬا اﻟﺮزق ﺑﻤﺎ ﻳﻜﻔﻞ اﺳﺘﻤﺮار ﺣﻴﺎﺗﻪ وﺑﻘﺎﺋﻪ ﻓﻲ اﻟﻤﺴﺘﻮى اﻟﺬي ﺟﺮى اﻻﺻﻄﻼح ﻋﻠﻴﻪ ﺑﺄﻧﻪ "ﺣﺪ اﻟﻜﻔﺎﻳﺔ" واﻟﺬي ﻳﺨﺘﻠﻒ ﻋﻦ ﺣﺪ "اﻟﻜﻔﺎف". وﺣﺪ اﻟﻜﻔﺎﻳﺔ ﻓﻴﻤﺎ ﻳﻘﺮرﻩ اﻟﻔﻘﻬﺎء ﻫﻮ ﻣﺎ ﻳﻌﻨﻲ ﺗﻮﻓﻴﺮ اﻟﺤﺎﺟﺎ اﻷﺳﺎﺳﻴﺔ للإنسان واﻟﺘﻲ ﺗﻌﻨﻲ أن ﻳﻜﻮن للإنسان ﺑﻴﺖ ﻳﺆوﻳﻪ؛ وﻃﻌﺎم ﻳﻜﻔﻴﻪ وﺧﺎدم وداﺑﺔ ﻳﻘﻀﻲ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺣﺎﺟﺎﺗﻪ ﺛﻢ زوﺟﺔ ﺗﻌﻔﻪ ﻋﻦ اﻟﺤﺮام. ﻳﺴﺘﻮي ﻓﻲ ذﻟﻚ -ﻛﻤﺎ أﺷﺮﻧﺎ- اﻟﻤﺴﻠﻢ وﻏﻴﺮ اﻟﻤﺴﻠﻢ. 

1-  اﻟﺘﺼﻮر اﻹﺳﻼﻣﻲ ﻟﻠﻤﺸﻜﻠﺔ اﻻﻗﺘﺼﺎدﻳﺔ وموقفه منها:

اعتبر الإسلام أن المشكلة الإقتصادية بشكل عام تتمثل بوجود الفقر في بداية الأمر قبل أن تتطور المجتمعات وتظهر مشاكل إقتصادية أخرى كالبطالة والتضخم، وافتقار العدالة في توزيع موارد الإنتاج المتوفرة في المجتمعات. 

كما اعتبرها ﻣﺸﻜﻠﺔ ﺗﻌﺪد اﻟﺤﺎﺟﺎ ﻣﻊ ﻧﺪرة اﻟﻤﻮارد، وﺑﻌﺒﺎرة أﺧﺮى ﻣﺒﺴﻄﺔ ﻫﻲ ﻣﺸﻜﻠﺔ اﻟﻔﻘﺮ اﻟﺬي ﻻ ﻳﻌﺪو ﻛﻮﻧﻪ ﻣﻈﻬﺮا ﻣﻦ ﻣﻈﺎﻫﺮ زﻳﺎدة اﻟﺤﺎﺟﺎ ﻣﻊ ﻗﻠﺔ اﻟﻤﻮارد. وﻓﻲ اﻟﻔﻜﺮ اﻻﻗﺘﺼﺎدي اﻟﻮﺿﻌﻲ ﺗﺘﻤﺜﻞ ﻣﺸﻜﻠﺔ اﻟﻔﻘﺮ ﻓﻲ ﻇﺎﻫﺮة اﻟﺠﻮع واﻟﺤﺮﻣﺎن أو اﻟﻌﺠﺰ ﻋﻦ إﺷﺒﺎع اﻟﺤﺎﺟﺎ اﻷﺳﺎﺳﻴﺔ، ﻣﻤﺎ ﻳﻌﺒﺮ ﻋﻨﻪ أﺻﺤﺎ ﻫﺬا اﻟﻔﻜﺮ ﺑﺎﺻﻄﻼح "ﺣﺪ اﻟﻜﻔﺎف "Minimum Vital ﻣﻤﺎ ﻳﺘﻌﻠﻖ ﺑﻤﺘﻄﻠﺒﺎ اﻟﺒﻘﺎء، ﺑﻤﻌﻨﻰ أن اﻟﻔﺮد ﻳﻌﺪ ﻓﻘﻴﺮا ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻻ ﺗﺘﻮاﻓﺮ ﻟﻪ ﻣﺘﻄﻠﺒﺎﺗﻪ ﺑﺎﻟﻘﺪر اﻟﺬي ﻳﺤﻔﻆ ﻟﻪ ﺣﻴﺎﺗﻪ وﻗﺪراﺗﻪ ﻋﻠﻰ اﻟﻌﻤﻞ واﻹﻧﺘﺎج. أﻣﺎ ﻓﻲ اﻟﻔﻜﺮ اﻻﻗﺘﺼﺎدي اﻹﺳﻼﻣﻲ، ﻓﺘﻤﺜﻞ ﻣﺸﻜﻠﺔ اﻟﻔﻘﺮ ﻓﻲ ﻋﺪم ﺑﻠﻮ اﻟﻤﺴﺘﻮى اﻟﻻﺋﻖ ﻟﻠﻤﻌﻴﺸﺔ ﺑﺤﺴﺐ ﻣﺎ ﻫﻮ ﺳﺎﺋﺪ ﻓﻲ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ، ﻣﻤﺎ ﻳﺨﺘﻠﻒ ﺑﺎﺧﺘﻼف اﻟﺰﻣﺎن واﻟﻤﻜﺎن وﻣﻤﺎ ﻋﺒﺮ ﻋﻨﻪ اﻟﻔﻘﻬﺎء اﻟﻤﺴﻠﻤﻮن اﻟﻘﺪاﻣﻰ ﺑﺎﺻﻄﻼح "ﺣﺪ اﻟﻜﻔﺎﻳﺔ" Minimum de Suffisance ﻣﻤﺎ ﻳﺘﻌﻠﻖ ﺑﻤﺘﻄﻠﺒﺎ اﻟﺤﻴﺎة اﻟﻜﺮﻳﻤﺔ، وأﺣﻴﺎﻧﺎ ﺑﺎﺻﻄﻼح "ﺣﺪ اﻟﻐﻨﻰ" M. de Richesse ﺑﻤﻌﻨﻰ أن ﻳﻌﺪ اﻟﻔﺮد ﻓﻘﻴﺮا ﻣﺘﻰ ﻟﻢ ﺗﺘﻮاﻓﺮ ﻟﻪ ﻣﺘﻄﻠﺒﺎﺗﻪ ﺑﺎﻟﻘﺪر اﻟﺬي ﻳﺠﻌﻠﻪ ﻓﻲ ﺑﺤﺒﻮﺣﺔ وﻏﻨﻰ ﻋﻦ ﻏﻴﺮﻩ.

2-  اﻟﺘﺸﺨﻴﺺ اﻹﺳﻼﻣﻲ ﻟﺴﺒﺐ اﻟﻤﺸﻜﻠﺔ اﻻﻗﺘﺼﺎدﻳﺔ :

ﻛﺎن للإﺳﻼم ﺗﺸﺨﻴﺺ ﻣﻌﻴﻦ ﻟﺴﺒﺐ اﻟﻤﺸﻜﻠﺔ اﻻﻗﺘﺼﺎدﻳﺔ، ﻳﺨﺘﻠﻒ ﻋﻦ اﻟﺘﺸﺨﻴﺺ اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﻲ وﻛﺬا اﻟﺘﺸﺨﻴﺺ اﻻﺷﺘﺮاﻛﻲ، وﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ اﺧﺘﻠﻔﺖ اﻟﺤﻠﻮل: 

2-1- النظام اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﻲ: يعتبر ﺳﺒﺐ اﻟﻤﺸﻜﻠﺔ اﻻﻗﺘﺼﺎدﻳﺔ ﻫﻢ اﻟﻔﻘﺮاء أﻧﻔﺴﻬﻢ ﺳﻮاء ﻟﻜﺴﻠﻬﻢ، أو ﻟﺴﻮء ﺣﻈﻬﻢ ﺑﺸﺢ اﻟﻄﺒﻴﻌﺔ أو ﻗﻠﺔ اﻟﻤﻮارد. ﻓﻘﻀﻴﺔ اﻟﻔﻘﺮ ﻓﻲ ﻧﻈﺮﻩ، ﻫﻲ أﺳﺎﺳﺎ ﻗﻀﻴﺔ ﻗﻠﺔ إﻧﺘﺎج. وﻗﺪ رﺗﺐ ﻋﻠﻰ ذﻟﻚ اﻟﻔﻜﺮ اﻻﻗﺘﺼﺎدي اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﻲ، أن ﻋﻠﻰ اﻟﺪوﻟﺔ أن ﺗﺒﻴﺢ اﻟﺤﺮﻳﺔ اﻟﻤﻄﻠﻘﺔ ﻟﻠﺠﻤﻴﻊ ﻟﻴﻨﺘﺠﻮا وﻳﻜﺴﺒﻮا وﻳﻐﺘﻨﻮا دون ﻗﻴﺪ أو ﺷﺮط ودون النظر لما هو مشروع وغير مشروع.

2-2-النظام الإﺷﺘﺮاﻛﻲ: ﺳﺒﺐ اﻟﻤﺸﻜﻠﺔ اﻻﻗﺘﺼﺎدﻳﺔ ﻫﻢ اﻷﻏﻨﻴﺎء أﻧﻔﺴﻬﻢ ﺑﺎﺳﺘﺌﺜﺎرﻫﻢ دون اﻷﻏﻠﺒﻴﺔ اﻟﻜﺎدﺣﺔ ﺑﺨﻴﺮا اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ، وﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﻧﺸﻮء اﻟﺘﻨﺎﻗﺾ ﺑﻴﻦ ﻗﻮى اﻹﻧﺘﺎج وﻋﻼﻗﺎ اﻟﺘﻮزﻳﻊ، ﻓﻘﻀﻴﺔ اﻟﻔﻘﺮ ﻓﻲ ﻧﻈﺮﻩ ﻫﻲ أﺳﺎﺳﺎ ﻗﻀﻴﺔ ﺳﻮء ﺗﻮزﻳﻊ. وﻗﺪ رﺗﺐ ﻋﻠﻰ ذﻟﻚ ﻧﻈﺮﻳﺎﺗﻪ ﻓﻲ اﻟﺼﺮاع ﺑﻴﻦ اﻟﻄﺒﻘﺎ، وﻓﻲ اﻟﺘﺮﻛﻴﺰ ﻋﻠﻰ ﺗﻐﻴﻴﺮ أﺷﻜﺎل ووﺳﺎﺋﻞ اﻹﻧﺘﺎج ﺑﺈﻟﻐﺎء اﻟﻤﻠﻜﻴﺔ اﻟﺨﺎﺻﺔ وﺗﺼﻔﻴﺔ اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﻴﻴﻦ اﻟﺒﻮرﺟﻮازﻳﻴﻦ ﺑﺤﺴﺐ ﺗﻌﺒﻴﺮﻫﻢ.

2-3ـ- النظام اﻹﺳﻼﻣﻲ: لا يعزي سبب اﻟﻤﺸﻜﻠﺔ الإقتصادية إلى الطبيعة وقلة الموارد، ﻛﻤﺎ ذﻫﺐ اﻻﻗﺘﺼﺎد اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﻲ. حيث يقرر الإسلام أن الأصل في هذه الموارد هو الوفرة وليس الندرة لأن الله جلت قدرته خلق كل شيئ بميزان العدل لقوله تعالى:(والأرض مددناها وألقينا فيها من كل شيئ موزون <19>وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين <20>وإن من شيئ إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم <21>)، ﻛﻤﺎ أﻧﻪ ﻟﻴﺲ ﺳﺒﺒﻬﺎ ﻫﻢ اﻷﻏﻨﻴﺎء أو اﻟﺘﻨﺎﻗﺾ ﺑﻴﻦ ﻗﻮى اﻹﻧﺘﺎج وﻋﻼﻗﺎ اﻟﺘﻮزﻳﻊ، ﻛﻤﺎ ذﻫﺐ اﻻﻗﺘﺼﺎد اﻻﺷﺘﺮاﻛﻲ. وإﻧﻤﺎ ﻫﻲ:

- أوﻻ: ﻣﺸﻜﻠﺔ اﻟﻘﺼﻮر ﻓﻲ اﺳﺘﻐﻼل اﻟﻤﻮارد اﻟﻄﺒﻴﻌﻴﺔ ﻻ ﻗﻠﺔ ﻫﺬﻩ اﻟﻤﻮارد، وﻫﻮ ﻣﺎ ﻋﺒﺮ ﻋﻨﻪ اﻵﻳﺔ اﻟﻜﺮﻳﻤﺔ (وإن ﺗﻌﺪوا ﻧﻌﻤﺖ اﻟﻠﻪ ﻻ ﺗﺤﺼﻮﻫﺎ إن اﻹﻧﺴﺎن ﻟﻈﻠﻮم ﻛﻔﺎر). 

- ﺛﺎﻧﻴﺎ: ﻣﺸﻜﻠﺔ أﺛﺮﻩ اﻷﻏﻨﻴﺎء وﺳﻮء اﻟﺘﻮزﻳﻊ ﻻ اﻟﻤﻠﻜﻴﺔ اﻟﺨﺎﺻﺔ ذاﺗﻬﺎ، وﻫﻮ ﻣﺎ ﻋﺒﺮ ﻋﻨﻪ اﻵﻳﺔ اﻟﻜﺮﻳﻤﺔ و(وإذا ﻗﻴﻞ ﻟﻬﻢ أﻧﻔﻘﻮا ﻣﻤﺎ رزﻗﻜﻢ اﻟﻠﻪ ﻗﺎل اﻟﺬﻳﻦ ﻛﻔﺮوا ﻟﻠﺬﻳﻦ آﻣﻨﻮا أﻧﻄﻌﻢ ﻣﻦ ﻟﻮ ﻳﺸﺎء اﻟﻠﻪ أﻃﻌﻤﻪ إن أﻧﺘﻢ إﻻ ﻓﻲ ﺿﻼل ﻣﺒﻴﻦ).

وﻗﺪ أﺛﺮ ﻋﻦ ﺳﻴﺪﻧﺎ ﻋﻠﻲ اﺑﻦ أﺑﻲ ﻃﺎﻟﺐ رﺿﻲ اﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﻗﻮﻟﻪ: "ﻣﺎ ﺟﺎع ﻓﻘﻴﺮ إﻻ ﺑﻤﺎ ﺷﺒﻊ ﻏﻨﻲ"، وﻋﻦ اﻟﺴﻠﻒ اﻟﺼﺎﻟﺢ "ﻣﺎ ﻣﻦ ﺳﺮف إﻻ وﺑﺠﻮارﻩ ﺣﻖ ﻣﻀﻴﻊ". وقوله تعالى:( ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء وما ءاتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب). ﻓﻤﺸﻜﻠﺔ اﻟﻔﻘﺮ ﻓﻲ اﻟﺘﺸﺨﻴﺺ اﻹﺳﻼﻣﻲ، ﻣﺮدﻫﺎ اﻹﻧﺴﺎن ﻧﻔﺴﻪ وﻓﺴﺎد ﻧﻈﺎﻣﻪ اﻻﻗﺘﺼﺎدي ﺳﻮاء ﻣﻦ ﺣﻴﺚ ﺿﻌﻒ اﻹﻧﺘﺎج أو ﺳﻮء اﻟﺘﻮزﻳﻊ. وﻗﺪ رﺗﺐ اﻹﺳﻼم ﻋﻠﻰ ذﻟﻚ ﺿﺮورة ﺗﻨﻤﻴﺔ اﻹﻧﺘﺎج ﻣﻊ ﻋﺪاﻟﺔ اﻟﺘﻮزﻳﻊ، وأن أﺣﺪﻫﻤﺎ ﻻ ﻳﻐﻨﻲ ﻋﻦ اﻵﺧﺮ، ﻓﻮﻓﺮة اﻹﻧﺘﺎج ﻣﻊ ﺳﻮء اﻟﺘﻮزﻳﻊ ﻫﻮ اﺣﺘﻜﺎر واﺳﺘﻐﻼل ﻻ ﻳﺴﻠﻢ ﺑﻪ اﻹﺳﻼم من ظلم الإنسان على الصعيد الإقتصادي من تبذيره وإسرافه للموارد فيما يزيد عن حد كفايته وإشباع حاجاته متجاوزا بذلك الحدود التي حدها الله للمتعامل مع هذه الموارد ، ﻛﻤﺎ أن ﻋﺪاﻟﺔ اﻟﺘﻮزﻳﻊ دون إﻧﺘﺎج ﻛﺎف ﻫﻮ ﺗﻮزﻳﻊ ﻟﻠﻔﻘﺮ واﻟﺒﺆ ﻣﻤﺎ ﻳﺮﻓﻀﻪ اﻹﺳﻼم.

ﻧﺨﻠﺺ ﻣﻦ ذﻟﻚ أن ﻣﺸﻜﻠﺔ اﻟﻔﻘﺮ ﻓﻲ اﻟﺘﺸﺨﻴﺺ اﻹﺳﻼﻣﻲ، ذا ﺻﻔﺔ ﻣﺰدوﺟﺔ، أو ﻫﻲ ﻛﺎﻟﻌﻤﻠﺔ ذا وﺟﻬﻴﻦ: 

أوﻟﻬﻤﺎ: ﻳﺘﻌﻠﻖ ﺑﻮﻓﺮة اﻹﻧﺘﺎج، وﺛﺎﻧﻴﻬﻤﺎ: ﻳﺘﻌﻠﻖ ﺑﻌﺪاﻟﺔ اﻟﺘﻮزﻳﻊ، ﻋﻠﻰ أن ذﻟﻚ ﻻ ﻳﻤﻨﻊ اﻟﺒﺎﺣﺚ ﻓﻲ اﻻﻗﺘﺼﺎد اﻹﺳﻼﻣﻲ ﻣﻦ اﻟﺘﺮﻛﻴﺰ ﻋﻠﻰ أﺣﺪ اﻟﻮﺟﻬﻴﻦ ﺑﺤﺴﺐ ﻇﺮوف ﺑﻠﺪﻩ وﻣﺠﺘﻤﻌﻪ، ﻓﻴﺮى ﻣﺸﻜﻠﺔ اﻟﻔﻘﺮ ﻓﻲ إﺣﺪى اﻟﺪول أو اﻟﻤﺠﺘﻤﻌﺎ اﻹﺳﻼﻣﻴﺔ ﻫﻲ ﻣﺸﻜﻠﺔ إﻧﺘﺎج وﺗﻨﻤﻴﺔ أﻛﺜﺮ ﻣﻨﻬﺎ ﻣﺸﻜﻠﺔ ﺗﻮزﻳﻊ وﻋﺪاﻟﺔ، ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻳﺮاﻫﺎ ﻓﻲ دوﻟﺔ أو ﻣﺠﺘﻤﻊ إﺳﻼﻣﻲ آﺧﺮ ﻫﻲ ﻣﺸﻜﻠﺔ ﺗﻮزﻳﻊ وﻋﺪاﻟﺔ أﻛﺜﺮ ﻣﻨﻬﺎ ﻣﺸﻜﻠﺔ إﻧﺘﺎج وﺗﻨﻤﻴﺔ. وﻻ ﻳﺆدي ﺑﻪ ذﻟﻚ أن ﻳﻜﻮن ﻣﺘﺒﻌﺎ ﻓﻲ اﻟﺤﺎﻟﺔ اﻷوﻟﻰ اﻟﻔﻜﺮ اﻻﻗﺘﺼﺎدي اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﻲ، أو أن ﻳﻜﻮن ﻣﺘﺒﻌﺎ ﻓﻲ اﻟﺤﺎﻟﺔ اﻟﺜﺎﻧﻴﺔ اﻟﻔﻜﺮ اﻻﻗﺘﺼﺎدي اﻻﺷﺘﺮاﻛﻲ، ﻃﺎﻟﻤﺎ ﻫﻮ ﻻ ﻳﺴﺎﻳﺮ ﻓﻲ اﻷﺳﺎ اﻟﻔﻜﺮﻳﻦ اﻟﻮﺿﻌﻴﻴﻦ اﻟﻤﺬﻛﻮرﻳﻦ ﻓﻲ ﺗﺼﻮر ﻣﺸﻜﻠﺔ اﻟﻔﻘﺮ وأﺳﻠﻮ حلها .

3- اﻟﻌﻼج أو اﻟﺤﻞ اﻹﺳﻼﻣﻲ ﻟﻠﻤﺸﻜﻠﺔ اﻻﻗﺘﺼﺎدﻳﺔ ﻣﺪﺧﻞ: وﻣﻦ واﻗﻊ اﻟﺘﺸﺨﻴﺺ اﻹﺳﻼﻣﻲ ﻟﻤﺸﻜﻠﺔ اﻟﻔﻘﺮ، واﻟﺬي ﻳﺨﺘﻠﻒ ﻋﻦ ﻛﻞ ﻣﻦ اﻟﺘﺸﺨﻴﺺ اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﻲ واﻟﺘﺸﺨﻴﺺ اﻻﺷﺘﺮاﻛﻲ ﻟﻠﻤﺸﻜﻠﺔ اﻟﻤﺬﻛﻮرة، ﻛﺎن اﻟﻌﻼج أو اﻟﺤﻞ اﻹﺳﻼﻣﻲ ﻟﺘﻠﻚ اﻟﻤﺸﻜﻠﺔ، واﻟﺬي ﻳﺨﺘﻠﻒ ﺑﺪورﻩ ﻋﻦ ﻛﻞ ﻣﻦ اﻟﻌﻼج اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﻲ أو اﻻﺷﺘﺮاﻛﻲ. 

3-1- اﻟﻤﺎل ﻣﺎل اﻟﻠﻪ واﻟﺒﺸﺮ ﻣﺴﺘﺨﻠﻔﻮن ﻓﻴﻪ: ﻟﻘﺪ أﺳﻬﺐ اﻟﻔﻘﻬﺎء اﻟﻘﺪاﻣﻰ واﻟﻤﻌﺎﺻﺮون ﻓﻲ ﺑﻴﺎن ﻃﺒﻴﻌﺔ اﻟﻤﻠﻜﻴﺔ ﻓﻲ اﻹﺳﻼم ﺳﻮاء ﻛﺎﻧﺖ ﻫﺬﻩ اﻟﻤﻠﻜﻴﺔ ﺧﺎﺻﺔ أم ﻋﺎﻣﺔوآﺛﺎر ذﻟﻚ. وﻗﺪ ﻟﺨﺼﻮﻫﺎ ﺑﻘﻮﻟﻬﻢ: "اﻟﻤﺎل ﻣﺎل اﻟﻠﻪ، واﻟﺒﺸﺮ ﻣﺴﺘﺨﻠﻔﻮن ﻓﻴﻪ". ﻓﺤﻴﺎزة أو ﻣﻠﻜﻴﺔ اﻟﻔﺮد أو اﻟﺪوﻟﺔ ﻟﻠﻤﺎل ﻓﻲ اﻹﺳﻼم، ﻟﻴﺴﺖ اﻣﺘﻼﻛﺎ ﺑﺎﻟﻤﻌﻨﻰ اﻟﻤﻄﻠﻖ، وإﻧﻤﺎ ﻫﻲ ودﻳﻌﺔ أو وﻇﻴﻔﺔ ﺷﺮﻋﻴﺔ أو ﻫﻲ ﻣﻠﻜﻴﺔ ﻣﺠﺎزﻳﺔ أي ﻣﻠﻜﻴﺔ اﻟﻔﺮد أو اﻟﺪوﻟﺔ ﻓﻲ اﻟﻈﺎﻫﺮ ﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ للآﺧﺮﻳﻦ؛ إذ اﻟﻤﺎﻟﻚ اﻟﺤﻘﻴﻘﻲ ﻟﻜﻞ اﻷﻣﻮال ﻫﻮ اﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ. وأﻧﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﺳﻴﺤﺎﺳﺐ اﻟﻤﻜﺘﺴﺐ ﻟﻠﻤﺎل أو اﻟﺤﺎﺋﺰ اﻟﻤﺘﺼﺮف ﻓﻴﻪ ﺣﺴﺎﺑﺎ ﻋﺴﻴﺮا ﺑﻘﻮﻟﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ:(ﺛﻢ ﻟﺘﺴﺄﻟﻦ ﻳﻮﻣﺌﺬ ﻋﻦ اﻟﻨﻌﻴﻢ). وﻗﺪ ﺗﺮﺗﺐ ﻋﻠﻰ ﺗﻜﻴﻴﻒ اﻹﺳﻼم ﻟﻠﻤﻠﻜﻴﺔ: ﺧﺎﺻﺔ ﻛﺎﻧﺖ أم ﻋﺎﻣﺔ، أن أﺻﺒﺤﺖ أﻣﺎﻧﺔ واﺳﺘﺨﻼف وﻣﺴﺌﻮﻟﻴﺔ، وﻳﺠﺐ اﻻﻟﺘﺰام ﻓﻲ ﺷﺄﻧﻬﺎ ﺑﺘﻌﺎﻟﻴﻢ اﻹﺳﻼم ﻓﻼ ﻳﺠﻮز ﻣﺜﻼ ﺗﻤﻜﻴﻦ اﻟﺴﻔﻬﺎء واﻟﻤﺒﺬرﻳﻦ ﻣﻦ ﻫﺬا اﻟﻤﺎل ﺑﻘﻮﻟﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ: (وﻻ ﺗﺆﺗﻮا اﻟﺴﻔﻬﺎء أﻣﻮاﻟﻜﻢ اﻟﺘﻲ ﺟﻌﻞ اﻟﻠﻪ ﻟﻜﻢ ﻗﻴﺎﻣﺎ). أو ﺣﺮﻣﺎن اﻟﻌﺎﺟﺰﻳﻦ اﻟﻤﺤﺘﺎﺟﻴﻦ ﻣﻦ ﻫﺬا اﻟﻤﺎل ﺑﻘﻮﻟﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ: (وآﺗﻮﻫﻢ ﻣﻦ ﻣﺎل اﻟﻠﻪ اﻟﺬي آﺗﺎﻛﻢ)، أو أن ﻳﻜﻮن اﻟﻤﺎل ﻣﺘﺪاوﻻ ﺑﻴﻦ ﻓﺌﺔ ﻗﻠﻴﻠﺔ ﻣﻦ اﻟﻨﺎ ﺑﻘﻮﻟﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ: (ﻛﻲ ﻻ ﻳﻜﻮن دوﻟﺔ ﺑﻴﻦ اﻷﻏﻨﻴﺎء ﻣﻨﻜﻢ). 

أﻛﺜﺮ ﻣﻦ ذﻟﻚ ﻓﺈن ﺷﺮﻋﻴﺔ اﻟﻤﻠﻜﻴﺔﺧﺎﺻﺔ ﻛﺎﻧﺖ أو ﻋﺎﻣﺔﺗﺴﻘﻂ إذا ﻟﻢ ﻳﺤﺴﻦ اﻟﻔﺮد أو اﻟﺪوﻟﺔ، اﺳﺘﺨﺪام ﻫﺬا اﻟﻤﺎل اﺳﺘﺜﻤﺎرا أو إﻧﻔﺎﻗﺎ ﻓﻲ ﻣﺼﻠﺤﺘﻪ أو ﻣﺼﻠﺤﺔ اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ، وﻗﺪ ﻋﺒﺮ ﻋﻦ ذﻟﻚ أﺻﺪق ﺗﻌﺒﻴﺮ ﺳﻴﺪﻧﺎ ﻋﻤﺮ ﺑﻦ اﻟﺨﻄﺎ ﺣﻴﻦ ﻗﺎل ﻟﺒﻼل وﻗﺪ أﻋﻄﺎﻩ اﻟﺮﺳﻮل ﻋﻠﻴﻪ اﻟﺼﻼة واﻟﺴﻼم أرض اﻟﻌﻘﻴﻖ: "إن رﺳﻮل اﻟﻠﻪ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ وﺳﻠﻢ ﻟﻢ ﻳﻘﻄﻌﻚ ﻟﺘﺤﺠﺰ ﻋﻦ اﻟﻨﺎ وإﻧﻤﺎ أﻗﻄﻌﻚ ﻟﺘﻌﻤﻞ، ﻓﺨﺬ ﻣﺎ ﻗﺪر ﻋﻠﻰ ﻋﻤﺎرﺗﻪ ورد اﻟﺒﺎﻗﻲ".

3-2- ﻟﻜﻞ ﺣﺪ اﻟﻜﻔﺎﻳﺔ أوﻻ ﺛﻢ ﻟﻜﻞ ﺗﺒﻌﺎ ﻟﻌﻤﻠﻪ: واﺳﺘﻨﺎدا إﻟﻰ أن اﻟﻤﺎل ﻓﻲ اﻹﺳﻼم ﻫﻮ ﻣﺎل اﻟﻠﻪ واﻟﺒﺸﺮ ﻣﺴﺘﺨﻠﻔﻮن ﻓﻴﻪ، ﻛﺎن اﻟﻤﺒﺪأ أو اﻷﺻﻞ اﻻﻗﺘﺼﺎد اﻹﺳﻼﻣﻲ اﻟﻬﺎم ﺑﺄن ﻟﻜﻞ ﺣﺪ اﻟﻜﻔﺎﻳﺔ أوﻻ ﺛﻢ ﻟﻜﻞ ﺗﺒﻌﺎ ﻟﻌﻤﻠﻪ.

ففي اﻟﻈﺮوف الغير اﻟﻌﺎدﻳﺔ "الإﺳﺘﺜﻨﺎﺋﻴﺔ" ﻛﻤﺠﺎﻋﺔ أو ﺣﺮ ﺣﻴﺚ ﺗﻘﻞ اﻟﻤﻮارد وﻻ ﺗﺘﻮاﻓﺮ اﻟﺤﺎﺟﻴﺎ ﻳﺘﺴﺎوى اﻟﻤﺴﻠﻤﻮن ﻣﻦ ﺣﻴﺚ ﺗﻮﻓﻴﺮ ﺣﺪ اﻟﻜﻔﺎف Minimum Vital وﻓﻲ اﻟﻈﺮوف اﻟﻌﺎدﻳﺔ ﻳﺘﺴﺎوى اﻟﻤﺴﻠﻤﻮن ﻣﻦ ﺣﻴﺚ ﺗﻮﻓﻴﺮ ﺣﺪ اﻟﻜﻔﺎﻳﺔ M. de Suffisance وﻣﺎ ﻓﻮق ذﻟﻚ ﻳﻜﻮن ﻟﻜﻞ ﺗﺒﻌﺎ ﻟﻌﻤﻠﻪ وﺟﻬﺪﻩ. وﻳﺘﺮﺗﺐ ﻋﻠﻰ ذﻟﻚ ﻓﻲ ﻧﻈﺮﻧﺎ ﻣﺎ ﻳﻠﻲ:

أولا: اﻹﺳﻼم ﻻ ﻳﺤﺘﺮم اﻟﻤﻠﻜﻴﺔ اﻟﺨﺎﺻﺔ إﻻ ﺑﻌﺪ ﺿﻤﺎن "ﺣﺪ اﻟﻜﻔﺎف": ﻓﺤﺮمة اﻟﻤﻠﻜﻴﺔ اﻟﺨﺎﺻﺔ ﻓﻲ اﻹﺳﻼم، ﻣﺸﺮوﻃﺔ ﺑﺄن ﻳﺘﻮاﻓﺮ ﻟﻜﻞ ﻓﺮد ﺣﺪ اﻟﻜﻔﺎف أي اﻟﺤﺪ اﻷدﻧﻰ اللازم ﻟﻤﻌﻴﺸﺘﻪ. ﺑﻤﻌﻨﻰ أﻧﻪ إذا وﺟﺪ ﻓﻲ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ اﻹﺳﻼﻣﻲ ﺟﺎﺋﻊ واﺣﺪ أو ﻋﺎر واﺣﺪ، ﻓﺈن ﺣﻖ اﻟﻤﻠﻜﻴﺔ ﻷي ﻓﺮد ﻣﻦ أﻓﺮاد ﻫﺬا اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﻻ ﻳﺠﺐ اﺣﺘﺮاﻣﻪ وﻻ ﺗﺠﻮز ﺣﻤﺎﻳﺘﻪ. وﻣﺆدى ذﻟﻚ أن ﻫﺬا اﻟﺠﺎﺋﻊ اﻟﻮاﺣﺪ، أو اﻟﻤﻀﻴﻊ اﻟﻮاﺣﺪ، ﻳﺴﻘﻂ ﺷﺮﻋﻴﺔ ﺳﺎﺋﺮ ﺣﻘﻮق اﻟﻤﻠﻜﻴﺔ إﻟﻰ أن ﻳﺸﺒﻊ.

وﻫﺬا ﻳﻔﺴﺮ ﻟﻨﺎ ﻗﻮل اﻟﺮﺳﻮل ﻋﻠﻴﻪ اﻟﺼﻼة واﻟﺴﻼم: "إن اﻷﺷﻌﺮﻳﻴﻦ إذا أرﻣﻠﻮا ﻓﻲ اﻟﻐﺰو أو ﻗﻞ ﻃﻌﺎم ﻋﻴﺎﻟﻬﻢ ﻓﻲ اﻟﻤﺪﻳﻨﺔ، ﺣﻤﻠﻮا ﻣﺎ ﻛﺎن ﻋﻨﺪﻫﻢ ﻓﻲ ﺛﻮ واﺣﺪ ﺛﻢ اﻗﺘﺴﻤﻮا ﺑﻴﻨﻬﻢ ﻓﻲ إﻧﺎء واﺣﺪ ﺑﺎﻟﺴﻮﻳﺔ، ﻓﻬﻢ ﻣﻨﻰ وأﻧﺎ ﻣﻨﻬﻢ"، وﻗﻮﻟﻪ ﻓﻲ ﺣﺎﻟﺔ ﺳﻔﺮ: "ﻣﻦ ﻛﺎن ﻟﻪ ﻓﻀﻞ ﻇﻬﺮ ﻓﻠﻴﻌﺪ ﺑﻪ ﻋﻠﻰ ﻣﻦ ﻻ ﻇﻬﺮ ﻟﻪ، وﻣﻦ ﻛﺎن ﻟﻪ ﻓﻀﻞ زاد ﻓﻠﻴﻌﺪ ﺑﻪ ﻋﻠﻰ ﻣﻦ ﻻ زاد ﻟﻪ". وﻳﻀﻴﻒ اﻟﺮواة أن اﻟﺮﺳﻮل ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ وﺳﻠﻢ ذﻛﺮ ﻣﻦ ﺻﻨﻮف اﻟﻤﺎل ﻣﺎ ذﻛﺮ ﺣﺘﻰ رأﻳﻨﺎ أﻧﻪ ﻻ ﺣﻖ ﻷﺣﺪﻧﺎ ﻓﻲ ﻣﺎل. 

وﻓﻲ ﻫﺬا اﻟﻤﻌﻨﻰ ﻳﻘﻮل اﻟﺨﻠﻴﻔﺔ ﻋﻤﺮ ﺑﻦ اﻟﺨﻄﺎ رﺿﻲ اﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ: "إﻧﻲ ﺣﺮﻳﺺ ﻋﻠﻰ أﻻ أدع ﺣﺎﺟﺔ إﻻ ﺳﺪدﺗﻬﺎ ﻣﺎ اﺗﺴﻊ ﺑﻌﻀﻨﺎ ﻟﺒﻌﺾ، ﻓﺈذا ﻋﺠﺰﻧﺎ ﺗﺄﺳﻴﻨﺎ ﻓﻲ ﻋﻴﺸﻨﺎ ﺣﺘﻰ ﻧﺴﺘﻮي ﻓﻲ اﻟﻜﻔﺎف"، ﻛﻤﺎ ﻳﻘﻮل رﺿﻲ اﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﻋﺎم اﻟﻤﺠﺎﻋﺔ ﺳﻨﺔ 18ﻫـ: "ﻟﻮ ﻟﻢ أﺟﺪ ﻟﻠﻨﺎ ﻣﺎ ﻳﺴﻌﻬﻢ إﻻ أن أدﺧﻞ ﻋﻠﻰ أﻫﻞ ﻛﻞ ﺑﻴﺖ ﻋﺪﺗﻬﻢ ﻳﻘﺎﺳﻤﻮﻧﻬﻢ أﻧﺼﺎف ﺑﻄﻮﻫﻢ ﺣﺘﻰ ﻳﺄﺗﻲ اﻟﻠﻪ ﺑﺎﻟﺤﻴﺎ -أي اﻟﻤﻄﺮ- ﻓﻌﻠﺖ، ﻓﺈﻧﻬﻢ ﻟﻦ ﻳﻬﻠﻜﻮا ﻋﻠﻰ أﻧﺼﺎف ﺑﻄﻮﻧﻬﻢ". وﻗﺪ ﻋﺒﺮ ﻋﻦ ﻫﺬا اﻟﻤﻌﻨﻰ اﻟﺼﺤﺎﺑﻲ أﺑﻮ ذر اﻟﻐﻔﺎري ﺑﻘﻮﻟﻪ: "ﻋﺠﺒﺖ ﻟﻤﻦ ﻻ ﻳﺠﺪ اﻟﻘﻮ ﻓﻲ ﺑﻴﺘﻪ، ﻛﻴﻒ ﻻ ﻳﺨﺮج ﻋﻠﻰ اﻟﻨﺎ ﺷﺎﻫﺮا ﺳﻴﻔﻪ". 

وﻫﻮ ﻣﺎ ﻋﺒﺮ ﻋﻨﻪ اﻹﻣﺎم اﺑﻦ ﺣﺰم ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺑﻪ اﻟﻤﺤﻠﻰ ﺑﻘﻮﻟﻪ: "إﻧﻪ إذا ﻣﺎ رﺟﻞ ﺟﻮﻋﺎ ﻓﻲ ﺑﻠﺪ اعتبر أﻫﻠﻪ ﻗﺘﻠﻪ وأﺧﺬ ﻣﻨﻬﻢ دﻳﺔ اﻟﻘﺘﻴﻞ، وﻋﺒﺮ ﻋﻨﻪ اﻟﻔﻘﻴﻪ أﺣﻤﺪ ﺑﻦ اﻟﺪﻟﺠﻲ ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺑﻪ اﻟﻔﻼﻛﻪ واﻟﻤﻔﻠﻜﻮن "أي اﻟﻔﻘﺮ واﻟﻔﻘﺮاء" ﺑﻘﻮﻟﻪ: "إن ﻣﻦ ﺣﻖ اﻟﻤﺤﺮوم أن ﻳﺮى اﻟﻨﻌﻢ اﻟﺘﻲ ﺑﺄﻳﺪي اﻟﻨﺎ ﻣﻐﺼﻮﺑﺔ، واﻟﻤﺎﻟﻚ اﻟﻤﺴﺘﺤﻖ ﻳﻄﺎﻟﺐ ﺑﺎﺳﺘﺮداد ﻣﺎﻟﻪ ﻣﻦ أﻳﺪي اﻟﻐﺎﺻﺒﻴﻦ".

ثانيا :اﻹﺳﻼم ﻻ ﻳﺴﻤﺢ ﺑﺎﻟﺜﺮوة أو اﻟﻐﻨﻰ إﻻ ﺑﻌﺪ ﺿﻤﺎن "ﺣﺪ اﻟﻜﻔﺎﻳﺔ":أي اﻟﻤﺴﺘﻮى اللائق ﻟﻠﻤﻌﻴﺸﺔ ﺑﺤﺴﺐ ﻇﺮوف اﻟﺰﻣﺎن واﻟﻤﻜﺎن، واﻟﻮاﺟﺐ ﺗﻮاﻓﺮﻩ ﻟﻜﻞ ﻣﻦ ﻳﺘﻮاﺟﺪ ﻓﻲ ﻣﺠﺘﻤﻊ إﺳﻼﻣﻲ أﻳﺎ ﻛﺎﻧﺖ ﺟﻨﺴﻴﺘﻪ، وﻫﻮ ﻣﺎ ﻳﻮﻓﺮﻩ ﻟﻨﻔﺴﻪ ﺑﺠﻬﺪﻩ وﻋﻤﻠﻪ، ﻓﺈن ﻋﺠﺰ ﻋﻦ ذﻟﻚ ﺑﺴﺒﺐ ﺧﺎرج ﻋﻦ إرادﺗﻪ ﻛﻤﺮض أو ﺷﻴﺨﻮخة اﻧﺘﻘﻠﺖ ﻣﺴﺌﻮﻟﻴﺔ ذﻟﻚ إﻟﻰ ﺑﻴﺖ ﻣﺎل اﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ أي ﺧﺰاﻧﺔ اﻟﺪوﻟﺔ. وﻗﺪ روى أﺑﻮ ﻳﻮﺳﻒ ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺑﻪ اﻟﺨﺮاج وأﺑﻮ ﻋﺒﻴﺪ ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺑﻪ اﻷﻣﻮال ﻛﻴﻒ أن اﻟﺨﻠﻴﻔﺔ ﻋﻤﺮ ﺑﻦ اﻟﺨﻄﺎ ﻓﻲ ﺗﻔﻘﺪﻩ للأﻧﺼﺎر، دﻫﺶ ﺣﻴﻦ رأى ﺷﻴﺨﺎ ﻳﺘﻜﻔﻒ اﻟﻨﺎ ﻓﺴﺄﻟﻪ: ﻣﻦ أي أﻫﻞ اﻟﻜﺘﺎ أﻧﺖ؟ ﻓﻘﺎل: ﻳﻬﻮدي، ﻓﺴﺄﻟﻪ: وﻣﺎ أﻟﺠﺄك إﻟﻰ ﻫﺬا؟ ﻗﺎل: اﻟﺠﺰﻳﺔ واﻟﺤﺎﺟﺔ واﻟﺴﻦ. ﻓﺄﻣﺮ ﻋﻤﺮ ﺑﻄﺮح ﺟﺰﻳﺘﻪ وأن ﻳﻌﺎن ﻣﻦ اﻟﺰﻛﺎة ﺑﺎﻋﺘﺒﺎرﻩ ﻣﺴﻜﻴﻨﺎ وأرﺳﻞ إﻟﻰ ﺧﺎزن ﺑﻴﺖ اﻟﻤﺎل ﺑﻘﻮﻟﻪ: "اﻧﻈﺮ إﻟﻰ ﻫﺬا و ﺿﺮﺑﺎﺋﻪ، ﻓﻮالله ﻣﺎ أﻧﺼﻔﻨﺎﻩ،إن أﻛﻠﻨﺎ ﺷﺒﻴﺒﺘﻪ ﺛﻢ ﻧﺨﺬﻟﻪ ﻋﻨﺪ اﻟﻬﺮم". ﻓﻀﻤﺎن ﺣﺪ "اﻟﻜﻔﺎﻳﺔ" ﻻ "اﻟﻜﻔﺎف" ﻟﻜﻞ ﻓﺮد ﻳﻌﻴﺶ ﻓﻲ ﻣﺠﺘﻤﻊ إﺳﻼﻣﻲ أﻳﺎ ﻛﺎﻧﺖ ﺟﻨﺴﻴﺘﻪ، ﻫﻮ ﻓﻲ اﻹﺳﻼم أﻣﺮ ﺟﻮﻫﺮي ﻣﻘﺪ ﺑﺎﻋﺘﺒﺎرﻩ ﺣﻖ اﻟﻠﻪ اﻟﺬي ﻳﻌﻠﻮ ﻓﻮق ﻛﻞ اﻟﺤﻘﻮق، وﻓﻲ إﻧﻜﺎرﻩ أو إﻏﻔﺎﻟﻪ ﺗﻜﺬﻳﺐ ﻟﻠﺪﻳﻦ ﻧﻔﺴﻪ وإﻫﺪار ﻟﻹﺳﻼم ﺑﻘﻮﻟﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ: (أرأﻳﺖ اﻟﺬي ﻳﻜﺬ ﺑﺎﻟﺪﻳﻦ، ﻓﺬﻟﻚ اﻟﺬي ﻳﺪع اﻟﻴﺘﻴﻢ، وﻻ ﻳﺤﺾ ﻋﻠﻰ ﻃﻌﺎم اﻟﻤﺴﻜﻴﻦ)، وﻣﻦ ﺛﻢ ﻳﻘﻮل ﺳﻴﺪﻧﺎ ﻋﻠﻲ ﺑﻦ أﺑﻲ ﻃﺎﻟﺐ: "إن اﻟﻠﻪ ﻓﺮض ﻋﻠﻰ اﻷﻏﻨﻴﺎء ﻓﻲ أﻣﻮاﻟﻬﻢ ﺑﻘﺪرﻣﺎ ﻳﻜﻔﻲ ﻓﻘﺮاءﻫﻢ". 

وﻳﻘﻮل اﻹﻣﺎم الماوردي ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺑﻪ اﻷﺣﻜﺎم اﻟﺴﻠﻄﺎﻧﻴﺔ "ﺗﻘﺪﻳﺮ اﻟﻌﻄﺎء ﻣﻌﺘﺒﺮ ﺑﺎﻟﻜﻔﺎﻳﺔ". وﻣﻦ ﺛﻢ ﻓﺈن اﻹﺳﻼم ﻻ ﻳﺴﻤﺢ ﺑﺎﻟﺜﺮوة واﻟﻐﻨﻰ ﻣﻊ وﺟﻮد اﻟﻔﻘﺮ واﻟﻌﻮز، وﻓﻲ ذﻟﻚ ﻳﻘﻮل اﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ: (وآﺗﻮﻫﻢ ﻣﻦ ﻣﺎل اﻟﻠﻪ اﻟﺬي آﺗﺎﻛﻢ)، وﻳﻘﻮل اﻟﺮﺳﻮل ﻋﻠﻴﻪ اﻟﺼﻼة واﻟﺴﻼم: "ﻣﻦ ﺗﺮك ﻣﺎﻻ ﻓﻠﻮرﺛﺘﻪ، وﻣﻦ ﺗﺮك دﻳﻨﺎ أو ﺿﻴﺎﻋﺎ ﻓﺈﻟﻲ وﻋﻠﻲ"، أي ﻣﻦ ﺗﺮك ﺻﻐﺎرا ﻣﺤﺘﺎﺟﻴﻦ ﻓﻠﻴﺄﺗﻨﻲ ﺑﺼﻔﺘﻲ اﻟﺪوﻟﺔ ﻓﺄﻧﺎ ﻣﺴﺌﻮل ﻋﻨﻬﻢ ﻛﻔﻴﻞ ﺑﻬﻢ.

ثالثا: اﻹﺳﻼم ﻻ ﻳﻀﻊ ﺣﺪا أﻋﻠﻰ ﻟﻠﻤﻠﻜﻴﺔ أو اﻻﻏﺘﻨﺎء: وأﻧﻪ ﻣﺘﻰ ﺗﻮاﻓﺮ ﻟﻜﻞ ﻓﺮد ﻓﻲ اﻟﻤجتمع اﻹﺳﻼﻣﻲ "ﺣﺪ اﻟﻜﻔﺎﻳﺔ" أي اﻟﻤﺴﺘﻮى اللائق ﻟﻠﻤﻌﻴﺸﺔ واﻟﺬي ﺗﻀﻤﻨﻪ اﻟﺪوﻟﺔ ﻟﻜﻞ ﻣﻮاﻃﻦ إذا ﻋﺠﺰ ﻫﻮ ﻋﻦ ﺗﺤﻘﻴﻘﻪ ﻟﺴﺒﺐ ﺧﺎرج ﻋﻦ إرادﺗﻪ، ﻓﺈﻧﻪ ﻳﻜﻮن ﻟﻜﻞ ﺗﺒﻌﺎ ﻟﻌﻤﻠﻪ وﺳﻌﻴﻪ ﻓﻲ اﻷرض دون ﻗﻴﺪ أو ﺣﺪ أﻋﻠﻰ ﻟﻠﻤﻠﻜﻴﺔ أو اﻟﺜﺮوة و الإﻏﺘﻨﺎء، قال الله تعالى: (ﻟﻠﺮﺟﺎل ﻧﺼﻴﺐ ﻣﻤﺎ اﻛﺘﺴﺒﻮا وﻟﻠﻨﺴﺎء ﻧﺼﻴﺐ ﻣﻤﺎ اﻛﺘﺴﺒﻦ)، وقال صلى الله عليه وسلم: "ﻻ ﺑﺄ ﺑﺎﻟﻐﻨﻰ ﻟﻤﻦ اﺗﻘﻰ".وإذ ﻳﻘﻮل اﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ: (ﻧﺤﻦ ﻗﺴﻤﻨﺎ ﺑﻴﻨﻬﻢ ﻣﻌﻴﺸﺘﻬﻢ ﻓﻲ اﻟﺤﻴﺎة اﻟﺪﻧﻴﺎ ورﻓﻌﻨﺎ 

ﺑﻌﻀﻬﻢ ﻓﻮق ﺑﻌﺾ درﺟﺎ ﻟﻴﺘﺨﺬ ﺑﻌﻀﻬﻢ ﺑﻌﻀﺎ ﺳﺨﺮﻳﺎ)، وإذ ﻳﻘﻮل ﺗﻌﺎﻟﻰ: (واﻟﻠﻪ ﻓﻀﻞ ﺑﻌﻀﻜﻢ ﻋﻠﻰ ﺑﻌﺾ ﻓﻲ اﻟﺮزق).ﻓﺎﻏﺘﻨﺎء اﻟﻨﺎ وﺗﻔﺎوﺗﻬﻢ ﻓﻲ أرزاﻗﻬﻢ وﻣﻌﻴﺸﺘﻬﻢ، ورﻓﻊ ﺑﻌﻀﻬﻢ ﻓﻮق ﺑﻌﺾ درﺟﺎ وﺗﻔﻀﻴﻞ ﺑﻌﻀﻬﻢ ﻋﻠﻰ ﺑﻌﺾ، ﻟﻴﺲ اﻋﺘﺒﺎﻃﺎ وإﻧﻤﺎ ﻫﻮ ﺑﻘﺪر ﻣﺎ يبذلونه ﻣﻦ ﺟﻬﺪ وﻋﻤﻞ ﺻﺎﻟﺢ، وﺻﺪق اﻟﻠﻪ اﻟﻌﻈﻴﻢ إذ قال:(وأن ﻟﻴﺲ للإنسان إﻻ ﻣﺎ ﺳﻌﻰ، وأن ﺳﻌﻴﻪ ﺳﻮف ﻳﺮى، ﺛﻢ ﻳﺠﺰاﻩ اﻟﺠﺰاء اﻷوﻓﻰ). وﻋﻠﻴﻪ ﻓﺈﻧﻪ ﻓﻲ ﻇﻞ اﻻﻗﺘﺼﺎد اﻹﺳﻼﻣﻲ، ﻳﺼﺢ أن ﻳﺘﻮاﺟﺪ أﺛﺮﻳﺎء ﻟﻠﻐﺎﻳﺔ ﻣﻤﻦ ﻧﻄﻠﻖ ﻋﻠﻴﻬﻢ اﺻﻄﻼح ﻣﻠﻴﻮﻧﻴﺮ أو ﺑﻠﻴﻮﻧﻴﺮ، وﻟﻜﻨﻪ ﻣﻠﻴﻮﻧﻴﺮ أو ﺑﻠﻴﻮﻧﻴﺮ ﻣﻠﺘﺰم ﺑﺎﻟﺸﺮع، ﻓﻬﻮ ﻋﻠﻰ ﻧﺤﻮ ﻣﺎ ﺳﻨﺒﻴﻨﻪ، ﻻ ﻳﻤﻠﻚ أن ﻳﻜﻨﺰ ﻣﺎﻟﻪ أو يحبسه ﻋﻦ اﻟﺘﺪاول واﻹﻧﺘﺎج، وﻻ ﻳﻤﻠﻚ أن ﻳﺼﺮف ﻣﺎﻟﻪ ﻋﻠﻰ ﻏﻴﺮ ﻣﻘﺘﻀﻰ اﻟﻌﻘﻞ و إﻻ ﻋﺪ ﺳﻔﻴﻬﺎ وﺟﺎز اﻟﺤﺠﺮ ﻋﻠﻴﻪ، وﻻ ﻳﻤﻠﻚ أن ﻳﻌﻴﺶ ﻋﻴﺸﺔ ﻣﺘﺮﻓﺔ وإﻻ ﻋﺪ ﺑﻨﺺ اﻟﻘﺮآن ﻣﺠﺮﻣﺎ، وﻫﻮ ﻣﻄﺎﻟﺐ داﺋﻤﺎ ﺑﺈﻧﻔﺎق اﻟﻔﺎﺋﺾ ﻋﻦ ﺣﺎﺟﺘﻪ ﻓﻲ ﺳﺒﻴﻞ اﻟﻠﻪ ﺳﻮاء ﻓﻲ ﺻﻮرة إﻧﻔﺎق ﻣﺒﺎﺷﺮ ﻋﻠﻰ اﻟﻤﺤﺘﺎﺟﻴﻦ أو اﺳﺘﺜﻤﺎر ﻳﻌﻮد ﻧﻔﻌﻪ ﻋﻠﻰ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ، وﻓﻮق ذﻟﻚ ﻛﻠﻪ ﻓﺈن اﻟﺤﺎﻛﻢ أو أوﻟﻴﺎء اﻷﻣﺮ أي اﻟﺪوﻟﺔ اﻹﺳﻼﻣﻴﺔ ﻣﻄﺎﻟﺒﺔ ﺑﺎﻟﺘﺪﺧﻞ ﻟﻤﻨﻊ اﺳﺘﺌﺜﺎر أﻗﻠﻴﺔ ﺑﺨﻴﺮا اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ إﻋﻤﺎﻻ ﻟﻘﻮﻟﻪﺗﻌﺎﻟﻰ: (ﻛﻲ ﻻ ﻳﻜﻮن دوﻟﺔ ﺑﻴﻦ اﻷﻏﻨﻴﺎء ﻣﻨﻜﻢ)، لتحقيق التوازن الإقتصادي. 

3-3- اﻻرﺗﻔﺎع ﺑﺎﻟﺘﻨﻤﻴﺔ اﻻﻗﺘﺼﺎدﻳﺔ إﻟﻰ ﻣﺮﺗﺒﺔ اﻟﻔﺮﻳﻀﺔ واﻟﻌﺒﺎدة: اﻋﺘﺒﺮ اﻹﺳﻼم ﺗﻌﻤﻴﺮ اﻟﻜﻮن وﺗﻨﻤﻴﺔ اﻹﻧﺴﺎن ﻟﻴﻜﻮن ﺑﺤﻖ ﺧﻠﻴﻔﺔ اﻟﻠﻪ ﻓﻲ أرﺿﻪ ﺑﻘﻮﻟﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ:(إﻧﻲ ﺟﺎﻋﻞ ﻓﻲ اﻷرض ﺧﻠﻴﻔﺔ)، ﻫﻮ ﻏﺎﻳﺔ ﺧﻠﻘﻪ ووﺟﻮدﻩ ﺑﻘﻮﻟﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ:(ﻫﻮ أﻧﺸﺄﻛﻢ ﻣﻦ اﻷرض واﺳﺘﻌﻤﺮﻛﻢ ﻓﻴﻬﺎ)، أي ﻛﻠﻔﻜﻢ ﺑﻌﻤﺎرﺗﻬﺎ. ﻓﻠﻢ ﻳﺨﻠﻖ اﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ اﻹﻧﺴﺎن ﻓﻲ ﻫﺬﻩ اﻟﺪﻧﻴﺎ ﻋﺒﺜﺎ أو ﻟﻤﺠﺮد أن ﻳﺄﻛﻞ وﻳﺸﺮ، وإﻧﻤﺎ ﺧﻠﻘﻪ ﻟﺮﺳﺎﻟﺔ ﻳﺆؤﻳﻬﺎ، ﻫﻲ أن ﻳﻜﻮن ﺧﻠﻴﻔﺔ اﻟﻠﻪ ﻓﻲ أرﺿﻪ ﻳﺪر وﻳﻌﻤﻞ، وﻳﻨﺘﺞ وﻳﻌﻤﺮ، ﻋﺎﺑﺪا اﻟﻠﻪ ﺷﺎﻛﺮا ﻓﻀﻠﻪ، ﻟﻴﻘﺎﺑﻠﻪ ﻓﻲ ﻧﻬﺎﻳﺔ اﻟﻤﻄﺎف ﺑﻌﻤﻠﻪ وﻛﺪﺣﻪ ﺑﻘﻮﻟﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ: (ﻳﺎ أﻳﻬﺎ اﻷﻧﺴﺎن إﻧﻚ ﻛﺎدح إﻟﻰ رﺑﻚ ﻛﺪﺣﺎ ﻓﻤﻼﻗﻴﻪ)، ﺑﻞ ﻟﻘﺪ ﺟﻌﻞ اﻹﺳﻼم ﺻﺪق اﻟﻌﻤﻞ واﻟﻜﺪح أو ﺑﻄﻼﻧﻪ، ﻫﻮ ﺳﺒﻴﻞ ﺳﻌﺎدة اﻟﻤﺮء أو ﺷﻘﺎﺋﻪ ﻓﻲ اﻟﺪﻧﻴا واﻵﺧﺮة، ﺑﻘﻮﻟﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ: (وﻣﻦ ﻛﺎن ﻓﻲ ﻫﺬﻩ أﻋﻤﻰ ﻓﻬﻮ ﻓﻲ اﻵﺧﺮة أﻋﻤﻰ وأﺿﻞ ﺳﺒﻴﻼ). وﻟﻘﺪ ﺑﻠﻎ ﺣﺮص اﻹﺳﻼم ﻋﻠﻰ اﻟﺘﻨﻤﻴﺔ اﻻﻗﺘﺼﺎدﻳﺔ وﺗﻌﻤﻴﺮ اﻟﺪﻧﻴﺎ، أن ﻗﺎل اﻟﺮﺳﻮل ﻋﻠﻴﻪ اﻟﺼﻼة واﻟﺴﻼم: "إذا ﻗﺎﻣﺖ اﻟﺴﺎﻋﺔ وﻓﻲ ﻳﺪ أﺣﺪﻛﻢ ﻓﺴﻴﻠﺔ "ﻧﺨﻠﺔ ﺻﻐﻴﺮة" ﻓﺈن اﺳﺘﻄﺎع أﻻ ﻳﻘﻮم ﺣﺘﻰ ﻳﻐﺮﺳﻬﺎ، ﻓﻠﻴﻐﺮﺳﻬﺎ". وﺳﺎوى اﻹﺳﻼم ﺑﻴﻦ اﻟﻤﺠﺎﻫﺪﻳﻦ ﻓﻲ ﺳﺒﻴﻞ اﻟﺪﻋﻮة اﻹﺳﻼﻣﻴﺔ وﺑﻴﻦ اﻟﺴﺎﻋﻴﻦ ﻓﻲ ﺳﺒﻴﻞ اﻟﺮزق واﻟﻨﺸﺎط اﻻﻗﺘﺼﺎدي ﺑﻘﻮﻟﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ:(وآﺧﺮون ﻳﻀﺮﺑﻮن ﻓﻲ اﻷرض ﻳﺒﺘﻐﻮن ﻣﻦ ﻓﻀﻞ اﻟﻠﻪ وآﺧﺮون ﻳﻘﺎﺗﻠﻮن ﻓﻲ ﺳﺒﻴﻞ اﻟﻠﻪ)، وﻳﻘﻮل ﻋﻠﻴﻪ اﻟﺼﻼة واﻟﺴﻼم: "ﻟﻜﻞ أﻣﺔ ﺳﻴﺎﺣﺔ، وﺳﻴﺎﺣﺔ أﻣﺘﻲ اﻟﺠﻬﺎد ﻓﻲ ﺳﺒﻴﻞ اﻟﻠﻪ"، أي ﺗﻌﻤﻴﺮ اﻟﻜﻮن وﺗﻨﻤﻴﺔ اﻹﻧﺴﺎن ﻟﻴﻜﻮن ﺑﺤﻖ ﺧﻠﻴﻔﺔ اﻟﻠﻪ ﻓﻲ أرﺿﻪ. وﻧﺨﻠﺺ ﻣﻦ ذﻟﻚ أن اﻟﺘﻨﻤﻴﺔ الإقتصادية ﻓﻲ اﻹﺳﻼم، ﻫﻲ ﻓﺮﻳﻀﺔ وﻋﺒﺎدة، ﺑﻞ ﻫﻲ ﻣﻦ أﻓﻀﻞ ﺿﺮو اﻟﻌﺒﺎدة، وأن اﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ ﻗﺎدة وﺷﻌﻮﺑﺎ ﻣﻘﺮﺑﻮن إﻟﻰ ا، ﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﺑﻘﺪر ﺗﻌﻤﻴﺮﻫﻢ ﻟﻠﺪﻧﻴﺎ وأﺧﺬﻫﻢ ﺑﺄﺳﺒﺎ اﻟﺘﻨﻤﻴﺔ الإقتصادية وذﻟﻚ ﺑﻤﻔﻬﻮﻣﻬﺎ اﻹﺳﻼﻣﻲ اﻟﺬي ﻳﻤﻴﺰﻫﺎ ﻋﻦ ﺳﺎﺋﺮ اﻟﻤﺬاﻫﺐ واﻷﻧﻈﻤﺔ الإقتصادية اﻟﺴﺎﺋﺪة، ذﻟﻚ ﻷن اﻟﺘﻨﻤﻴﺔ الإقتصادية اﻹﺳﻼﻣﻴﺔ، ﺑﺤﺴﺐ ﺗﺤﻠﻴﻠﻨﺎ ﻟﻬﺎ، ﻫﻲ ﺗﻨﻤﻴﺔ ﺷﺎﻣﻠﺔ، وﻣﺘﻮازﻧﺔ، وﻏﺎﻳﺘﻬﺎ اﻹﻧﺴﺎن ﻧﻔﺴﻪ ﻟﻴﻜﻮن ﺑﺤﻖ ﺧﻠﻴﻔﺔ اﻟﻠﻪ ﻓﻲ أرﺿﻪ.

المراجع:

القرآن الكريم .

  1. ﻟﻠﺸﺮﻳﻒ اﻟﺮﺿﻲ ، نهج  اﻟﺒﻼﻏﺔ ، دار اﻟﻤﻌﺮﻓﺔ ﻟﻠﻄﺒﺎﻋﺔ واﻟﻨﺸﺮ ﺑﺒﻴﺮو، ﻃﺒﻌﺔ ﺑﺪون ﺗﺎرﻳﺦ ﺟﺰء 3.
  2. اﺑﻦ ﻋﺒﺪ رﺑﻪ ،اﻟﻌﻘﺪ اﻟﻔﺮﻳﺪ ، ﻟﺠﻨﺔ اﻟﺘﺄﻟﻴﻒ واﻟﺘﺮﺟﻤﺔ واﻟﻨﺸﺮ ﺑﺎﻟﻘﺎﻫﺮة ﻃﺒﻌﺔ 1940ﻣ، ﺟﺰء 2.
  3. إبراهيم محمد البطاينة والدكتورة زينب نوري الغريزي، النظرية الإقتصادية في الإسلام،دار المسيرة للنشر والتوزيع والطباعة عمان الطبعة الأولى 2011م-1432ه.
  4. "ذاﺗﻴﺔ اﻟﺴﻴﺎﺳﺔ اﻻﻗﺘﺼﺎدﻳﺔ اﻹﺳﻼﻣﻴﺔ" - واﻧﻈﺮ أﻳﻀﺎ "ﻧﺤﻮ اﻗﺘﺼﺎد إﺳﻼﻣﻲ"اﻟﻄﺒﻌﺔ اﻟﺜﺎﻧﻴﺔ ﺳﻨﺔ 1981ﻣ. ﻟﻨﺎﺷﺮﻩ ﺷﺮﻛﺎ ﻣﻜﺘﺒﺎ ﻋﻜﺎ ﺑﺎﻟﻤﻤﻠﻜﺔ اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ اﻟﺴﻌﻮدﻳﺔ.

اﻷﺣﻜﺎم اﻟﺴﻠﻄﺎﻧﻴﺔ للإﻣﺎم اﻟﻤﺎوردي .

  1. اﻟﺨﺮاج ﻟﻴﺤﻴﻰ ﺑﻦ آدم. 
  2. ﻣﺴﻨﺪ اﻹﻣﺎم أﺣﻤﺪ ﺑﻦ ﺣﻨﺒﻞ، ﺗﺤﻘﻴﻖ اﻟﺸﻴﺦ ﺷﺎﻛﺮ، اﻟﺠﺰء اﻟﺮاﺑﻊ ﻋﺸﺮ ﻣﻦ اﻟﻄﺒﻌﺔ اﻟﺜﺎﻧﻴﺔ ﻟﺪار اﻟﻤﻌﺎرف ﺑﻤﺼﺮ، ﺗﺤﺖ رﻗﻢ 4880.
  3. ﺳﻴﺮة ﻋﻤﺮ ﺑﻦ اﻟﺨﻄﺎ، ﻻﺑﻦ اﻟﺠﻮزي، ﻟﻨﺎﺷﺮﻩ اﻟﻤﻄﺒﻌﺔ اﻟﺘﺠﺎرﻳﺔ اﻟﻜﺒﺮى ﺑﺎﻟﻘﺎﻫﺮة.

طبقات ابن سعد طبعة بيروت الجزء الثالث.

  1. .اﻟﻔﻘﻴﻪ أﺣﻤﺪ ﺑﻦ ﻋﻠﻲ اﻟﺪﻟﺠﻲ، اﻟﻔﻼﻛﺔ واﻟﻤﻔﻠﻜﻮن، ﻣﻜﺘﺒﺔ وﻣﻄﺒﻌﺔ اﻟﺸﻌﺐ ﺑﺎﻟﻘﺎﻫﺮة ، 1322ﻫـ .
  2. .اﻹﻣﺎم أﺑﻮ ﻳﻮﺳﻒ، اﻟﺨﺮاج ، اﻟﻤﻄﺒﻌﺔ اﻟﺴﻠﻔﻴﺔ ﺑﺎﻟﻘﺎﻫﺮة ،ﻃﺒﻌﺔ ﺳﻨﺔ 1346ﻫـ  
  3. .اﻹﻣﺎم أﺑﻮ ﻋﺒﻴﺪ، اﻷﻣﻮال، ﻣﻜﺘﺒﺔ اﻟﻜﻠﻴﺎ اﻷزﻫﺮﻳﺔ ﺑﺎﻟﻘﺎﻫرة، ﻃﺒﻌﺔ ﺳﻨﺔ 1968ﻣ.
  4. اﻹﻣﺎم اﺑﻦ ﺣﺰم، اﻟﻤﺤﻠﻰ. 
  5. ﻋﺒﺪ اﻟﺤﻤﻴﺪ ﺟﻮدة اﻟﺴﺤﺎر، أﺑﻮ ذر اﻟﻐﻔﺎري، ﻣﻄﺒﻮﻋﺎ ﻣﻜﺘﺒﺔ ﻣﺼﺮ، اﻟﻄﺒﻌﺔ اﻟﺜﺎﻣﻨﺔ.
  6. الصحيحين اﻟﺒﺨﺎري وﻣﺴﻠﻢ.
  7. اﻧﻈﺮ اﻹﻣﺎم ﻣﺤﻤﺪ اﻟﻨﻴﺴﺎﺑﻮري اﻟﻤﻌﺮوف ﺑﺎﻟﺤﺎﻛﻢ، اﻟﻤﺴﺘﺪرك ﻋﻠﻰ اﻟﺼﺤﻴﺤﻴﻦ ﻓﻲ اﻟﺤﺪﻳﺚ، ﻟﻨﺎﺷﺮﻩ ﻣﻜﺘﺒﺔ اﻟﻨﺼﺮ اﻟﺤﺪﻳﺜﺔ ﺑﺎﻟﺮﻳﺎض، اﻟﺠﺰء اﻟﺜﺎﻧﻲ.
  8. مسند اﻟﺒﺰار واﻟﻄﺒﺮاﻧﻲ. 
  9. نسخة للطباعة