العدد الحالي: آب/أغسطس 2018       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

العمارة والنهضة الصناعية

د. محمد حسان محمد فائز السراج

دكتوراة في تاريخ العمارة الإسلامية - جامعة أريس

 

العمارة هي فن وعلم تصميم وتخطيط وتشييد المباني والمنشآت ليغطي بها الإنسان احتياجات مادية أو معنوية وذلك باستخدام مواد وأساليب إنشائية مختلفة. ويتسع مجال العمارة ليشمل مجالات مختلفة من نواحي المعرفة والعلوم الإنسانية، وكما نعلم أن النشاط التصميمي  للمعماري، سواءً على المستوى الكلي (تصميم عمراني، وتخطيط عمراني، والتخطيط الإقليمي، وهندسة عمارة البيئة) أو على المستوى الجزئي (التأثيث المدني والتصميم الداخلي).

فالمطلوب من المعماري في مرحلة التصميم، التلاعب الخلاق بالموارد والتقنيات المتوفرة، لتحليل المعطيات المتضاربة، من أجل وضع تصور كامل ومفصل للمشروع، بحيث يعكس الاعتبارات الوظيفية، والفنية، والجمالية، ويربط المشروع بالطبيعة والتقاليد والعادات الموجودة بالمنطقة، وإيجاد صيغة مناسبة من التصميم تترجم مع احتياجات الناس المستخدمين للمكان فيما بعد، كما يجب عليه أيضاً إعداد الرسومات والمخططات المعمارية والوصفية لتحديد أسلوب التشييد، وإعداد الجداول  الزمنية وتقدير التكلفة وإدارة البناء.

فمفهوم العمارة تعريفياً، بأنها فن تكوين الحجوم والفراغات المخصصة لاحتضان الوظائف والنشاطات الإنسانية والاجتماعية بتنوعها وهي انطلاقا من ذلك تعكس في سماتها وأشكالها الإنجازات التقنية والحضارية، والتطلعات الجمالية والروحية، والقدرات المادية للمجتمع في بيئة ما، وفترة تاريخية محددة بحيث يتناسب شكل البناء مع المنطقة المحيطة، وأن يصبح البناء جزءً متناسق مع المنطقة.

والمعماري هو الشخص الذي يتولى عملية التصميم وتخطيط وتصور المباني والمنشآت من الداخل أو الخارج، ويدير عملية البناء والتشييد، والاسم باليونانية القديمة مركّب من كلمتين: archi أي رئيس، وtectura أي البنائين، فالمعماري هو رئيس البنّائين، والعمارة هي أول الحِرَف أو رأسها، يعود ذلك إلى الأزمنة التاريخية الأولى، وقبل نشوء الأكاديميات المتخصصة بالعمارة والفنون في القرن السادس عشر في فرنسا خاصة وفي الغرب عامة.

ونجد أ ول من استعمل مصطلح التخطيط المعماري، هم علماء الاقتصاد قبل مائتي عام من خلال معالجة النمو الاقتصادي، وقد تعددت التعريفات لنفس الكلمة، وهو الأسلوب العلمي الذي يهدف إلى تقديم الحلول أو بدائل الحلول للمشكلات الحالية أو المتوقعة للمجتمع وذلك في إطار خطة منظمة ذات سياسة وأهداف واضحة، خلال الفترة زمنية محددة، تأخذ في الاعتبار الإمكانيات والموارد والمحددات الحالية أو المستقبلية، سواء كانت بشرية أو طبيعية، والتخطيط يجب أن يكون شاملا ومرنا ومستمرا، حيث يمكن تعديل مساره حسب ما يستجد من الظروف.

 وكذلك مجال آخر من عناصر التصميم هو تأثيث مدني، فهو مجال بحث وتصميم لتوفير وتجهيز الأماكن العامة في المدن بمصنوعات فنية ثابتة أو متحركة، وإدراجها في أحسن الأحوال، لتحسين الصورة العامة للمدينة، كدراسة دقيقة في أثاث المدن، وهي مادة تدرس في كلية الهندسة المعمارية، وتتعامل مع القضايا العامة لتصميم المساحات الخضراء والأماكن الترفيهية والإضاءة، ومع أي نوع من التصاميم التي تستكمل الأماكن الحضرية والمباني المعمارية للمدينة، وكذلك التصميم الداخلي، والذي يشكل بدوره مجموع التخطيط والتصاميم للفراغات الداخلية، والتي تهدف لتسخير الاحتياجات المادية والروحية والاجتماعية للناس، والتي بدورها تضمن سلامة المبنى، ويتكون التصميم الداخلي من جوانب تقنية وتخطيطية، كما يهتم بالنواحي الجمالية والفنية كذلك، كما يقوم بتخطيط التصميم الداخلي للمباني المختصين من مهندسين ومصممين داخليين، فضلا ً عن إمكانية أن يصمم الهواة الجوانب الجمالية والفنية للمكان لأنها عناصر لا تسبب خطر على حياة المستخدم.

إن نظريات العمارة تستكشف الأفكار التي تكمن وراء المظاهر من المباني، بشكل عام والتي تسبق الإجراءات المعدة لأجل حصر تلك الأفكار والتطرق إليها بدراسة علمية حقيقية وبمختلف الجوانب النظرية والعملية، فحثت جهود المهندسين المعماريين وتضافرت لجلب تلك الأفكار من مصادر مختلفة (الطبيعة، الرياضيات، الفنون، السلوك البشري... الخ لإنشاء نماذج وفضاءات مع معاني معقدة ودقيقة، في مجال العمارة النظرية ليست منفصل عن التطبيق. فالمهندسون المعماريون لا يمكن أن يبنوا جسد المباني من دون مجموعة من الأفكار التي أعدت لتوجيه أعمالهم، فقد تكون أعمال متفق عليها ذات طابع تراثياً أو ذو مفاهيم إنشائية تجريبية، أو تعتمد على مجموعة من الجماليات، وفي نهاية الأمر تعتمد على ممارسة الفرضيات والافتراضات للحلول لتلك المسائل، فالأفكار في مجال العمارة تتجاوز الزمان والمكان، وهنا نجد اختلافاً بين مفهوم العمارة الحديثة والحركة الحديثة 

فالعمارة الحديثة ظهرت منذ سنة ١٧٥٠ م. وإلى الآن، بينما الحركة الحديثة تمثل بداية القرن العشرين. 

وتوضح أهم التوجهات المعمارية في القرن التاسع عشر حيث ظهر اتجاهان متناقضان، الأول سلبي والثاني إيجابي، الأول كان له أثر على العمارة لفترة ليست بالقصيرة والثاني كان له تأثير واضح على تطور وتقدم الاتجاهات المعمارية المعاصرة، فكانت الدعوة إلى الرومانتيكية الكلاسيكية ولها ثلاث مبادئ:

- المجموعة الأولى: تدعو إلى إحياء الطراز الغوطي وذلك في المباني الدينية (الكنائس) والجامعات وبجعل الطراز الإغريقي طرازا" للمباني العامة.

- المجموعة الثانية: استخدام طرز عمارة عصر النهضة، والعمارة البيزنطية والفرعونية.

- المجموعة الثالثة: استخدام الطراز التجميعي والذي صار فيما بعد هو طابع العمارة، في القرن التاسع عشر.

ويتميز بجمع عدة تفاصيل في الواجهة الواحدة من المبنى مأخوذة من عدة طرز معمارية مختلفة ومتباينة زمانيا" ومكانياً، والتي قامت على الدعوة الى البساطة.

وكنتيجة لطبيعة الفكر الجديد الذي صاحب الثورة الصناعية فقد ظهرت نوعيات جديدة من المباني كترجمة للاحتياجات المنفعية المستجدة مثل مباني محطات السكك الحديدية والمعامل ومباني البورصة والمستودعات والمعامل الصناعية...الخ. ولقد واكب هذا التطور في الاحتياجات الإمكانيات والاستخدامات المستحدثة لمواد جديدة، وكان استخدام الحديد والزجاج بالإضافة إلى الخرسانة المسلحة بمثابة التطور الفعلي للأساليب الإنشائية والفكر المعماري آنذاك 

فالعوامل التي ساعدت على انتشار الاتجاه نحو البساطة هي:

  • الحاجة الى نوعيات جديدة من المباني لم تكن موجودة.
  • الصناعة والمنتجات الصناعية.
  • الاقتصاد.
  • المواد الإنشائية المستحدثة.
  • الإفراط في استخدام الزخارف.
  • المذاهب الجديدة للفن الحديث (التكعيبية، التجريدية والإنشائية).
  • العبقرية المعمارية رفض المعماريين التقليد والاقتباس من الماضي فكان هدفهم إنتاج عمارة تعبر عن العصر وتتناسب مع تكنولوجية العصر والإمكانيات المتاحة.

وتبين فيما بعد كيفية ولادة جيل الرواد الأوائل، والتي معهم ولدت المبادئ التي قامت عليها العمارة الحديثة مع نهاية القرن التاسع عشر. أمثال (رايت، ميس، كروبيوس، ولوكوربوزيريه)، حيث رفضوا جميعهم الاقتباس من الماضي على اعتبار أن عمارة الماضي هي عمارة حققت رغبات أهلها بما تتناسب مع عصرها ووقتها، وبذل كل معماري منهم جهدا كبيراً في الوصول إلى حلول مقبولة، فتركوا بذل بصمات واضحة على عمارتهم كل على طريقته الفردية، وبالرغم من ذلك 

فإن هؤلاء المعماريين لم يخلقوا طرازا جديدا يمكن أن يتبع وإنما تركوا من خلفهم طريقة جديدة للتفكير وحلول متميزة فرية، وساعد على هذا.. تطور مواد البناء الجديدة وظهور استعمالات مستحدثة للصلب والزجاج والخرسانة واستخدام الآلات الحديثة محل العمل اليدوي وانتشار العلم والتطور التكنولوجي، ولا يمكن القول بأن هؤلاء الرواد قد بدأوا من فراغ وإنما استقى كل منهم من تجارب الأسبقين وطور فكرهم، بما أضاف على عبقرية كل منهم مذاقً خاصً واتجاهاً فردياً، فعلى سبيل المثال كان (لسالفان) تأثير كبير على (فرانك لويد رايت) كما كان (لبهرنز) التأثيرعلى (ميس) و(كروبيكوس) و(لوكوربوزيه).

ومع بداية العشرينات من القرن العشرين وفي نفس الفترة الزمنية التي انتشرت فيها النظرية الوظيفية، ظهر طراز مميز سمي فيما بعد الطراز الدولي International Style وهو طراز عمَ معظم الدول الأوربية وحول العمارة من مجموعة عمارات متميزة، كل يعبر عن مجتمعها وبيئتها وظروفها المعنية إلى طراز عام لنموذج واحد يحتذى به ويمكن تطبيقه في معظم الدول.

وأهم ما تميزت به عمارة الطراز الدولي هو استخدام الأشكال الهندسية المكعبة المجردة بشكل شديد النقاء، وكان هذا ناتجاً عن سوء فهم مفهوم البساطة في العمارة، فأصبحت البساطة هي تجريد المبنى من كل بروزات حتى أصبحت الجدران ملساء، والمساقط الأفقية ذات أشكال هندسية صريحة مربع أو مستطيل، وبشكل عام أصبحت الكتلة مجرد مجسم ذات ثلاث أبعاد  وبذلك تماشت مع مفهوم الفنون التشكيلية في ذلك الوقت الذي ظهر فيه نظريات التكعيبية والنقاء والتشكيلات الجديدة، وهي قواعد جامدة ومجرد شعارات اتبعها المعماريون الذين طبقوا الطراز الدولي، كما استخدمت الفتحات الزجاجية التي أظهرت المبنى ضعيفاً وشفافاً.

وعلى عكس مفهوم الوظيفية التي جملت الوظيفة، هي نقطة البداية التي ينطلق منها التسلسل الفكري للتصميم المعماري أصبح الطراز الدولي بتشكيلاته الجامدة غير المرنة مجرد تكوينات معمارية تبتعد عن وظيفة المبنى التي من أجلها أنشئ ومن ثم صارت المباني مجرد تشكيلات فقط، لا تمتد لجوهر الفكر المعماري، وأدى تشابه القواعد التي قام عليها الطراز الدولي الى تشابه المباني حتى أنها من الصعب تفريقها عن بعضها، وبذلك اختفت العمارة الإقليمية، واختفى تأثير البيئة والظروف الاجتماعية والمناخ على العمارة التي تحولت إلى عمارة جامدة غير مرنة.

فقبل العمارة الحديثة، كانت هناك العمارة الكلاسيكية والتقليدية، ففي العمارة الحديثة ظهرت أفكار بلورت هذه العمارة وجعلتها انعكاس لحاجة الإنسان والمجتمع وأفكاره ومعتقداته السيكولوجية.

فعمارة الحداثة الجديدة أو عمارة نيو موديرنية بالإنجليزية: Neomoder architecture) ) هي طراز معماري نتج كرد فعل لتعقيد عمارة ما بعد الحداثة والعمارة الانتقائية، حيث تسعى لأكبر مستوى من البساطة، تأسست مجموعة الفنانين الموديرنيين في عام 1997 من قبل غي دينينغ.

وتواصل العمارة النيو موديرنية الحداثة بوصفها الشكل السائد للعمارة في القرن العشرين والواحد والعشرين، وخاصة في تصميم مكاتب الشركات، كما يميل مصممو شرائح معينة من المباني إلى استخدام نظرياتها، بينما يميل مصممو البيوت السكنية إلى تبني الأساليب الجديدة التاريخية والانتقائية، لكن كلاهما رفض زخرفة ما بعد الحداثة، والزينة، والمحاولات المتعمدة لتقليد الماضي، المباني النيوموديرنية مثل تلك الحديثة، تم تصميمها لتكون وحدة متجانسة إلى حد كبير معها.

وللعوامل الأساسية التي مهدت للحداثة في فكر العمارة..

هي الثورة الصناعية؛ ففي القرن الثامن عشر إن من أهم الأمور التي مهدت لها، منابع الثورة الصناعية والتطورات التكنولوجية والهندسية. 

وقد تميزت باستخدام تقنيات ومواد جديدة في القرن التاسع عشر وتطورت في القرن العشرين، وقد تحسن المستوى الاقتصادي عن طريق تغيرات اقتصادية وسياسية ساعدت على الانفتاح الاقتصادي وحركة الأفراد في المجتمع، وقد تحسن الغذاء والسكن والخدمات العامة وأصبحت زيادة في السكان نتيجة لزيادة المستوى المعاشي. 

فقد تطورت الأماكن التي بها الصناعات الى مناطق حضرية وقد ظهرت قوانين تحدد استخدامات العمال والحدود الدنيا للأجور وذلك في سنة (١٨٠٠-١٨٤٠) وأخذت في الاعتبار خصوصية الأطفال والنساء.

وفي سنة (١٨٣٠-١٨٥٠) شهدت ولادة التخطيط الحديثة في انكلترا وبعدها في أوربا نتيجة الحاجة الى تخطيط المدن حيث كان المستوى متدني بالنسبة للمهاجرين الجدد.

وبنيت محطات القطار والبنوك والمجمعات السكنية والمستشفيات حيث كانت الحاجة الى الأبنية الجديدة وخاصة العامة، وكانت هنالك حاجة الى سرعة الإنجاز، فقد ظهرت السكك الحديدية في انكلترا كأول طريق لسكك الحديد عام ١٨٢٥، وفي فرنسا والولايات المتحدة سنة ١٨٣٥ وروسيا ١٨٣٨ وايطاليا وهولندا ١٨٣٩ م.

ويمثل المدلول الجمالي مرحلة زمنية بقدر ما تظهر تأثيراته وملامحه في الأعمال المنتجة، خصوصاً فيما يتعلق بالعمارة والعمران، فهي التعبير الأقوى عن التطور الفني والعلمي والثقافي؛ وعلى اعتبار أن مفهوم الجماليات الكلاسيكية يعود إلى الحضارة اليونانية، انطلاقاً من مبادئ ومفاهيم ومقاييس ثابتة ومحددات قوية تنطلق من حدود الطبيعة والآلهة؛ وقد تغيرت المفاهيم الجمالية بتأثير تراكم فلسفات متسلسلة، ما فتح المجال أمام مفهوم الجماليات والذائقة الجمالية لأنها مجرد قواعد وحسابات ونسب وبزوغ أو استحواذ أو انحسار شيء أو أسلوب مفضل؛ وخير شاهد على  ذلك المنتج الفني خلال فترة الحداثة التي تعد فترة مفصلية في تطور الفنون، أعلنت انتهاء عصر كلاسيكي، وبداية آخر مختلف، ومن تربتها الخصبة نمت عمارة اليوم، التي ما تزال تردد أصداء الحداثة بوتيرة عالية.

فالتيارات الفكرية السياسية التي صاحبت الثورة الصناعية هي ظهور طبقة العمال، والطبقة البرجوازية، وهم أصحاب رؤوس الأموال، بينما الطبقة الأرستقراطية علاقتها انحصرت بالإنسان والأموال، وأصبحت المباني تبنى لعمر محدود على أساس السوق، بينما سابقا كانت المباني تدوم، ومفهوم الاستثمار أوجد سوق الأرض، وأصبحت الأرض تعامل على أساس قدرتها الإنتاجية وليس على أساس كونها جزأً من المبنى.

ومن التوجهات المعمارية التي كانت مهدا للحداثة المعمارية كان التوجه التطبيقي التجريبي أو التوجه التكنلوجي، وبه يمثل المعماري المهندس الذي تعامل مع البناء والمواد الجديدة، حيث يتبع هؤلاء الحسابات الهندسية التي قادت الى استخدام الأشكال المتناظرة (حيث يعطي هذا التأثير الكلاسيكية الجديدة) وكونها أعدت بطرق بناء ومواد بناء جديدة، مثال برج إيفل، حيث يقول إيفل: أن قوانين القوى تكون في توافق مع أسرار قوانين التجانس وانتقال القوى، يكون بتناغم مع الشكل، وهذه النظرية التطبيقية كرستها الجسور والمعارض الحديثة في منتصف القرن التاسع عشر، وهناك أصبح انفصال بين العمارة والهندسة، وقد نشأ مفهوم الاستثمار في البناء، والمعماري اعتبر نفسه فنانا في تلك الفترة والهدف هو البناء الأقل كلفة والتصميم أصبح شكليا من الخارج فقط لتغطية الهيكل الإنشائي.