العدد الحالي: آب/أغسطس 2018       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

دور الشمول المالي في اطار التنمية

احمد نبيل الحسيني

صحفي اقتصادي - مصر

دور الشمول المالي في اطار التنمية

احمد نبيل الحسيني 

 

تتجة الحكومة المصرية الي تنفيذ برنامج الاصلاح الاقتصادي الذي بدأ منذ اربع سنوات بخطى سريعة لتحقيق التنمية الشاملة، ويعتمد في الاساس على رفع الدعم وزيادة الضرائب لمحاولة زيادة موارد الموازنة العامة والايرادات وتخفيض المصروفات لتوجيه الفائض في عملية التنمية والصرف علي مشروعات البنية التحتية.

وبالطبع أول آثار تنفيذ برنامج الاصلاح الاقتصادي هو زيادة التضخم ونسب البطالة والتي تنعكس بالسلب على مستوى المعيشة للأفراد وهذا هو الدواء المر الذي يجب علي الشعوب تجرعه حتي يتعافى الاقتصاد ويتغير وجه الحباة ولتظهر الثمار على الأشجار وتجنى ثمار من قبل الأفراد.

وقد بادرت الحكومة المصرية بالمساعدة لتخفيف الآثار المترتبة على التضخم وزيادة الاسعار حيث قامت برفع أسعار الفائدة في المصارف إلى ١٧.٢٥٪ على شهادات الاسثمار ذات العائد المتغير في عام ٢٠١٨. 

وبادر البنك المركزي بتسوية مديونيات الشركات والأفراد حيث استفاد من هذة المبادرة اكثر من ٣٥٠٠ شركة وما يزيد عن ٣٣٧٠٠٠ شخص. 

ولكن مازال تحقيق الشمول المالي الإجراء الأصعب والتحدي الحقيقي لتغير ثقافة الاستثمار واستخدام الدخل لدى الشعب المصري ودمج الاقتصاد الموازي مع اقتصاد الدولة الرسمي، والسؤال هنا كيف تستطيع الدولة تشجيع الفئات الصغيرة والمتناهية الصغر على الاندماج في اقصاد الدولة وخلق ادوات مالية جديدة لتحقيق التوازن في استخدمات موارد الدولة؟ والمشكلة الرئيسية تكمن في قطاع المصارف والخدمات المالية التي لا تستطيع حتى الآن استخدام ما يقرب من ٥٠٠٠ مليار جنيه مكدسة لدي البنوك ولا تستطيع تقديم الخدمات اللازمة لتحريك رؤس الاموال وزيادة معدل دوران رأس المال الذي بدوره يحفز التجارة وتجارة التجزئة التي تنعش تحريك الأموال في القنوات الاقتصادية.

إن الوصول للشمول المالي واستخدام المنتجات المالية المتنوعة وتبسيط إجراءات استخدمات هذه المنتجات وإبداء الثقة للمتعاملين يشجع الأفراد على محاولة تنويع الدخل لمواجهة توحش التضخم ورفع مستوى المعيشة لذلك لابد من دمج الفئات الصغيرة في دفع عجلة الاقتصاد.

إن حلول تنويع الدخل لدى الأفراد بالذات أمر لابد منه لزيادة وتوعية الثقافات لدى الشعوب لتحسين مستوي المعيشة، ومن هنا جاءت اتجاهات الدولة للشمول المالي وإضافة الأوعية التمويلية لعصب الاقتصاد وهي بداية لتعريف الأفراد والمتعاملين بالمنتجات المالية الحديثة، وعلي سبيل المثال نجد أن دول العالم الذي بدأ باستخدام المنتجات المالية الإسلامية وزيادة معدلات المعاملات الإسلامية لدى المصارف خاصة الصكوك التمويلية التي تجعل من أصحابها شركاء في العنل والإنتاج ولاقت استحسان المتعاملين. 

والجدير بالذكر عند اندلاع الأزمة المالية العالمية في نهاية عام ٢٠٠٨ وجدت الدول استخدام آليات ومبادئ الصيرفة الاسلامية الحل لانقاذ اقتصادياتها والبدء بإطلاق آليات جديدة مثل التكافل والمشاركة من خلال الصكوك في الخدمات البنكية وكان منها مجموعة الستي جروب الأمريكية والبنك الألماني دوتشيه بنك ومجموعة البنوك البريطانية، واعترفت تركيا عند مواجهه الازمة المالية التركية عام ٢٠٠١ أن اللجوء للنظام المصرفي الإسلامي أدى إلى تحقيق المؤسسات الصيرفة الاسلامية لنجاح في معدلات النمو غير مسبوقة حيث بات معدل النمو السنوي للاصول ٤٠٪ وقفزت عمليات التمويل الي ٥٣٪ وزادت الودائع إلى ٤٩٪ وفقا لبيانات جمعية بنوك المشاركة التركية.

لذلك يمكن تحقيق الشمول المالي باستخدام أدوات المنتجات المالية في الاقتصاد الاسلامي.

دعنا نتحدث قليلا عن العوائق التي تقف في طريق تطبيق استخدام المنتجات المالية الاسلامية في الاقتصاد المصري، حيث أن توجه الحكومة المصرية في تنفيذ برنامج الاصلاح الاقتصادي يعتمد في الأساس علي زيادة ايرادات الدولة من الاستثمارات الاجنبية المباشرة وغير المباشرة لكسب الزيادة الممكنة في العملة الاجنبية من خلال التعامل المباشر في العقود والاتفاقيات بين مؤسسات الدولة المختلفة لتوفير المحفزات والتسهيلات في العائد على تلك المشروعات. وهذه المحفزات لا تتناسب في بعضها مع برامج وقواعد الاقتصاد الاسلامي لأنها تعتمد على الفائدة المحسوبة مسبقا وهذا يتنافى مع مبادئ الشريعة الإسلامية لأن هذة المباديء مبنية علي المشاركة وتحمل الأرباح والخسائر لجميع الاطراف.

ومن مبدأ المشاركة يجب الدولة التوجه نحو تشجيع تحقيق الشمول المالي وادخال اكبر شريحة من الأفراد في الشراكة الحقيقية للمشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر وتشجيعيهم في الدخول إلى القطاع المصرفي واستخدام جميع المنتجات المالية المتاحة وأبرزها المشاركة في الأوعية الاستثمارية ذات العائد المتغير ولا ننسى دور التوعية والتدريب للأفراد وعمل الفاعليات والأنشطة التي من شأنها استقطاب رغبة الأفراد في التدريب والتعليم والتوعية لكيفية تنويع الدخل وزيادة الإنتاج.

 ومن أهم هذه التدريبات كيفية استخدام العائلات والأفراد التخطيط لأهدافهم وتحقيق التنمية لمتطلبات حياتهم للوصول إلى توفير المصروفات اللازمة لسداد احتياجاتهم السنوية خاصة أن الأسر المصرية تعاني من المصروفات الدراسية وحالات الطوارئ والمصروفات الصحية وكل هذا لا يتم الا بتعليم هذه الأسر كيفية التخطيط لإدارة الثروات الصغيرة، وهذا من أهداف الشمول المالي.

إن استخدام المنتجات المالية المتعددة والتي منها أدوات مالية مطلقة لمبادئ الشريعة الاسلامية من شأنها تنمية وزيادة مصادر الدخل وهي الطريقة المثلى لمواجهة زيادة الأسعار وارتفاع نسب التصخم وزيادة الاحتياجات المستمرة مع دخول القطاعات الاستثمارية الجديدة التي تستخدمها الدول للتنمية الشاملة.

اذن كيف للدول سد الفجوة بينها وبين رغبات الأفراد في تنمية دخولهم المحدودة، فالدولة لا تستطيع وحدها تحقيق التنمية المستدامة دون دخول وانخراط الافراد في عجلة التنمية وممارسة أدوارهم خاصة الطبقة الفقيرة وتشغيل مدخراتهم بل وخلق وعاء ادخاري حقيقي خاصة أن البنوك كما ذكرنا تمتلك أكثر من ٥٠٠٠ مليار جنيه ودائع لا تستطيع إيجاد استثمارات لهم فإذا استخدمت البنوك المنتجات المالية الاسلامية كآلية لإقراض الأشخاص بطريقة المشاركة أو المرابحة بحيث تستطيع جذب الأفراد كشركاء في المشروعات الاستثمارية المختلفة ذات العائد الجيد الذي من شأنه انعاش أسواق التجزئة وزيادة دوران رؤوس الأموال.

ومن المهم كذلك محاولة القطاع المصرفي مع الدولة من جهة الاتجاه نحو ميكنة واستخدام التكنولوجيا الحديثة في تقديم الخدمات المصرفية لمحاولة توسيع قاعدة العملاء وادخال شريحة كبيرة من المتعاملين.

ومن الحلول لزيادة قنوات الدخل بعيدا عن القطاع المصرفي واللجوء إلى المتجات المالية ذات الدخل المتغير هو دخول سوق الاوراق المالية وخاصة الأسهم المطابقة للشريعة الإسلامية حيث مساهمة الأفراد في تملك الشركات المدرجة في البورصة والاستفادة من التحركات السعرية وتحقيق أرباح رأسمالية ويوجد وسطاء ماليون يقدمون النصائح والمشورى للأفراد الذين لا يمتلكون الخبرة الكافية لإدارة محافظهم المالية، حيث تعتبر التجارة والمضاربة في الأسهم من أهم قنوات الدخل وزيادة الثروة ولا تحتاج إلى إجراءات وتعقيدات مثل القطاع المصرفي ومنها تستطيع الدولة زيادة الوعاء المستخدم لتحقيق التنمية الشاملة.

وهذا القطاع أيضا بحتاج إلى مبادرات للتوعية والتدريب لتشجيع الأفراد في الانخراط في الاقتصاد الكلي للدولة لذلك لابد من استخدام الاعلام الذي من شأنه توصيل وتوضيح هذة المعلومات وتوضيح البيانات اللازمة والمطلوبة لدعم قرارات الأفراد في الدخول في الحياة الاقتصادية والمالية وتوضيح المخاطر المحيطة بهذة القرارات.

ونلخص مما سبق أن دور الحكومة في تحقيق الشمول المالي يتطلب منها:

اولا : المبادرات والإجراءات السريعة واستخدام الإعلام في التوعية والتدريب وإقامة فعاليات ومنتديات للتعليم وكذلك تبسيط الإجراءات لتنشيط دور المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر لدخول أصحابها في القطاع المصرفي ودعم ايرادات الموازنة العامة.

ثانيا : الانتهاء من التشريعات اللازمة والقوانين الفاعلة في دعم الاستثمار والتخلص من البيروقراطية التي تعرفل العمل وتشجيع المستثمرين لفتح المزيد من الشركات لتشغيل أقصى ما يمكن من العمالة والتوظيف.

ان دور الدولة في اصدار التشريعات والقوانين اللازمة لتحفيز هذة المنتجات المالية للوصول إلى أكبر عدد من الأفراد والعائلات التي هي المستفيد الرئيسي من حركة التنمية ولا ننسى أن تلك العائلات هي التي تقوم بدور انعاش حركة الاموال وهي التي تدفع الضرائب وهي الفئة العاملة التي تنفق على احتياجاتها وهي المستهلك الرئيسي. 

ثالثا : دعم المزيد من التطوير والبحث العلمي لتوسيع أفق الأفكار والإبداع في مجال زيادة الشريحة العاملة والتخلص من الفقر.

رابعا: وضع التحفيزات الضريبية للمشروعات الكبيرة والمصانع في مقابل تشغيل حد أدنى من العمالة واجبار أصحاب هذه المشروعات بدفع رواتب الموظفين والعمال عن طريق القطاع المصرفي وإلغاء الطرق التقليدية القديمة.

خامسا: ادخال التكنولوجيا الحديثة والميكنة في جميع مؤسسات الدولة والوزارات والهيئات والمعاملات الحكومية واستخدام الدفع الالكتروني لتحفيز الجمهور للتوجة إلى البنوك ومن ثم تسهيل عرض الاستفادة من المنتجات المالية لدى القطاع المصرفي.

سادسا: دمج البيانات الشخصية للموظفين مع مستلزماتهم المالية في البنوك حيث تستطيع الدولة معرفة البيانات الصحيحة اللازمة لتوفير المعلومات التي تدعم القرارات الاقتصادية الصحيحة.

سابعا: استخدام المؤسسات والهيئات لمحاولة الوصول إلى جمع أموال الزكاة والصدقات لتوجيهها الي مستحقيها لتحقيق العدالة في توزيع الدخل من خلال بطاقات الكترونية صادرة من البنوك لدمج شريحة جديدة في الاقتصاد الرسمي.

ثامنا: تعزيز دور الصيرفة الإسلامية في تمويل الافراد والمشروعات المتناهية الصغر بنظام المرابحة لتشجيع الأفراد والفقراء في خلق مصادر جديدة للدخل ودمجهم في الانتاج.

تاسعا : تحسين جودة التعليم للصغار والكبار ومحو الأمية حيث أن دور التعليم والمعرفة وزيادة الثقافة العامة هي المحرك الأساسي في توعية الأفراد ومعرفتهم عن إدارة أموالهم بالطريقة السليمة.

عاشرا: زيادة مبادرات الدولة في محاربة الفقر وتحقيق العدالة الاجتماعية والجدير بالذكر هنا مبادرة صندوق تحيا مصر بسداد جميع ديون الغارمين والموقوفين بسبب عجزهم عن سداد ديونهم، ومن شأن هكذا مبادرات مساعدة الفقراء في المساهمة في الإنتاج في المجتمع وتحسين حالاتهم المعيشية، ومبادرة الدولة في دعم المشروعات المتناهية الصغر بتقديم ١٠٠ ألف قرض للحرف والمشروعات وتشغيل ١٠٠ ألف شاب. ويجب محاولة دمج هذة الشريحة الكترونيا في القطاع المصرفي لتوجية وتدريب هذة الفئة المستفيدة من هذة المبادرة لكيفية الاستفادة من هذه القروض. 

وأخيراً وليس آخرا يجب المحاولة دائما في تحقيق الشمول المالي لدعم التنمية وتحقيق العدالة الشاملة لرفعة الوطن وتحقيق العيش الكريم لكل المواطنين على أرض طيبة ووطن لابد أن يستمر.