العدد الحالي: آب/أغسطس 2018       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

التمويل بالوقف: بدائل غير تقليدية مقترحة لتمويل واستدامة التنمية المحلية - تجربة الجزائر

الدكتور صديقي أحمد

نائب عميد كلية الاقتصاد

الطيبي عبد الله

أستاذ باحث قسم الدكتوراه

مقدمة

 لقد شكلت الأوقاف عبر تاريخها الطويل إحدى دعائم البناء الاجتماعي والاقتصادي للأمة، وكان لها إسهام كبير في تحقيق التنمية الاقتصادية والرفاه الاجتماعي، وذلك من خلال إقامة الأساس المادي للخدمات والمنافع العامة وتمويل شبكة واسعة من المرافق والمشروعات الخدمية في مجالات حيوية شملت التعليم والصحة والثقافة والبنية التحتية، إضافة إلى الأنشطة الاجتماعية والترفيهية.

وللإجابة على هذه التساؤلات وحل الإشكال المطروح، نقدم تحليلا يقوم على محاور هي: أولا: الأوقاف والتنمية المحلية، ثانيا: الوقف ودوره في تمويل التنمية المحلية

أولا: الأوقاف والتنمية المحلية

مفهوم الوقف: الوقف في اللغة معناه " الحبس والمنع" مطلقا سواء كان ماديا آو معنويا. ويسمى التسبيل أو التحبيس وهو الحبس عن التصرف. أما الوقف في الاصطلاح الفقهي فقد قدمت تعريفات كثيرة للوقف متفاوتة، ومن جملة تلك التعريفات نختار ما يلي:

يعرفه "ابن عرفة" المالكي بقوله: (هو إعطاء منفعة شيء مدة وجوده لازما بقاؤه في ملك معطيه ولو تقديرا)، ويتضح من هذا التعريف لزوم الوقف، وهو على ملك معطيه أي الواقف.

وعرفه" أبو حنيفة" بقوله (حبس العين على ملك الواقف والتصدق بالمنافع على الفقراء مع بقاء العين)، فهو كالعارية عنده إلا انه غير لازم لو رجع الواقف صح عنده الرجوع.

أما "ابن قدامه المقدسي" فيعرفه في" المعنى" بقوله: (تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة) ويلاحظ من هذا التعريف انه لم يجمع شروط الوقف.

ولخص "محمد أبو زهرة " مختلف هذه المعاني التي جاءت بها التعاريف السابقة في تعريف جامع للوقف بقوله: (الوقف هو منع التصرف في رقبة العين التي يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها وجعل المنفعة لجهة من جهات الخير ابتداء وانتهاء). ويرى أن هذا التعريف هو أصدق تعريف مصور جامع لصور الوقف عند الفقهاء الذين أقروه.

أما الاقتصادي "منذر القحف" فيعرف الوقف بقوله: "الوقف هو: حبس مؤبد ومؤقت، لمال للانتفاع المتكرر به أو بثمرته في وجه من وجوه البر العامة أو الخاصة"، ويرى أن هذا التعريف يتناسب مع حقيقة الوقف القانونية وطبيعته الاقتصادية ودوره الاجتماعي وذلك من حيث أنه:

- الوقف هو صدقة جارية ما بقيت أو بقي أصلها.

- يعبر عن جميع أشكال الوقف وأنواعه فهو حبس عن الاستهلاك الشخصي ,بما يعني أنه ينشئ رأس مال اقتصادي قادر على إنتاج المنافع وهو يعبر وقف المنافع المتكررة عن رأس مال هذه المنافع ,وهو القيمة الحالية لمجموعة المنافع المستقبلية الموقوفة. وهو يعبر أيضا عن رأس مال منتج لخدمات أو سلع مستقبلية كالمجلات الدورية وحق المرور وغيرها من الخدمات والسلع.

- يقع الوقف على المال وهذا المال قد يكون ثابتا أو منقولا وقد يكون عينا كالآلات والسيارات وقد يكون نقدا كمال المضاربة أو الاقتراض كما يمكن أن يكون منفعة متمولة مثل منفعة نقل المرضى أو منفعة أصل ثابت.

- يتضمن حفظ المال الموقوف والإبقاء عليه حتى يمكن تكرار الانتفاع به أو بثمره وبهذا يتضمن معنى الاستمرارية وجود المال.

- يتضمن معنى تكرار الانتفاع والاستمرار حيث يعبر عن الجريان.

- يشمل الوقف المباشر الذي ينتج المنافع كما يشمل الاستثمار الذي يقصد بيع منتجاته وإنفاق إيرادها على أغراض الوقف. كذلك يشمل وجوه البر العامة الاجتماعية والاقتصادية.

مفهوم الوقف في البلدان الغربية:  شهدت المجتمعات الغربية - أوروبا وأمريكا - نموا مطردا في الأعمال الخيرية والأنشطة التطوعية غير الهادفة للربح، على مدى القرنين التاسع عشر والعشرون وتطورت تلك الأعمال والأنشطة على أساس عدد من الصيغ التنظيمية. وهذه بعض التعريفات لهذه الصيغ والتي هي شبيهة بالوقف:

ففي الموسوعة الدولية للعلوم الاجتماعية"International Encyclopedia of the Social Sciences " تحت عبارة (foundation) ومعناها (الأموال أو المؤسسة الوقفية)، فقد عرف الوقف بأنه" وسيلة لمشاركة مال خاص في غرض عام".

 أما القانون الفرنسي عرف الوقف الخيري بأنه: " رصد شيء محدد من رأس المال على سبيل الدوام، لعمل خيري عام أو خاص" ويكون العمل الخيري العام كإقامة مستشفى أو بناء مدرسة، أو منح جامعة مبلغا من المال أو عقارا، لإنشاء كراسي علمية أو للإنفاق على جوائز علمية.

وفي النظام الأنجلوأمريكي فهناك ما يعرف ب (Trust) وهو مصطلح يتضمن معاني التصديق والثقة والولاء والركون إلى شخص والاعتماد عليه وهو أيضا يستعمل بمعنى الثقة توضع في شخص ليكون المالك الاسمي لمال ممسوك لصالح شخص آخر، وهي أيضا الشركة التي يديرها أمناء.

ومن حيث التعريف فالكلمة الإنكليزية (Trust) والكلمة العربية"الوقف" متشابهتان، والتعبير عن هذا المصطلح موجود في عدد كبير من المراسيم والقوانين التنفيذية التي يتكون منها القانون الأمريكي ومن أمثلة ذلك يعرف (Trust) وفقا للمادة 1167 من القانون المدني لولاية نيويورك كما يلي:

"Trust is an obligation arising out of a personal confidence reposed in, and voluntarily accepted by ,one for the benefit of another"

أما تعريف الوقف من الناحية القانونية، فهو في القانون الأمريكي نوع من التصرفات المالية تسمى"الترست" trust" "، فقد عرفه المعهد القانوني الأمريكي بأنه (علاقة أمانة،خاصة بمال معين، تلزم الشخص الذي يحوز هذا المال، بعدة التزامات،تهدف إلى استغلاله لصالح شخص آخر،وتنشأ هذه العلاقة نتيجة للتعبير عن إنشائها)، ويمكن تعريفه أيضا بأنه (وضع مال في حيازة شخص معين يسمى: الأمين أو الوصي، ليستغله لمصلحة شخص آخر يسمى: المستفيد أو المستحق).

 وبإضافة معنى أفعال البر (Philanthropy) والخير (Charity) لأي من العبارتين السابقتين يجعلها تتضمن معنى غيريا بقوم على الإحسان للآخرين أو على أعمال النفع العام.

 وقد عرف مفهوم الوقف تطورا كبيرا مع بدايات القرن الماضي، حيث أخذت فكرة الوقف جذورا أعمق خاصة في أمريكا رائدة العمل الخيري والتطوعي العالم، وطرأ تغيير على مفهوم الوقف الخيري الثابت، إذ قامت أوقاف ذات مرونة كبيرة من حيث مجالات استخدامها، وركز النظام الجديد على أن أموال الوقف هي رأس مال خيري مخاطر، إذ يتم استثماره في أنشطة تتطلب مخاطرة وتوقعات لم تكن تتحملها الحكومة ولا الأفراد.

أنواع الوقف وتقسيماته

لقد أدى التوسع في إنشاء الأوقاف إلى تراكم وتنوع في الأوقاف، هذا التنوع شمل جوانب عدة يمكن إيجازها فيما يلي:

أ- التنوع الإداري: حيث تدار الأوقاف وفق أنماط إدارية عدة منها: إدارة الواقف نفسه أو وصيته. وإدارة القضاء أو من يعينه القاضي. والإدارة الحكومية للأوقاف.

ب- تنوع الواقفين: استقطب الواقفين فئات عدة من الواقعين في السلم الاجتماعي فهناك: أوقاف الأغنياء. والأرصاد: أوقاف الحكام من أملاك الدولة، وأوقاف من خلال الوصايا في حدود ثلث ما يتركه الناس من ثرواتهم.

ج- التنوع الاقتصادي: من حيث المضمون الاقتصادي فهناك نوعين هما: الأوقاف المباشرة وهي التي تقدم خدماتها مباشرة للمستفدين منها كالمستشفى والمدرسة وهي تعد رأس مال إنتاجي هدفه تقديم المنافع والخدمات. أما النوع الثاني من الأوقاف من حيث المضمون الاقتصادي فيتمثل في الأموال الموقوفة على استثمارات صناعية أو زراعية أو تجارية أو خدمية فهي لا تقصد بالوقف لذواتها، ولكن يقصد منها إنتاج عائد صاف يتم صرفه على أغراض الوقف.

د- التنوع من حيث الشكل القانوني: من حيث الشكل الفقهي أو القانوني فيمكن أن يصنف الوقف إلى: وقف عام ووقف خاص ومشترك، وذلك باستناد إلى شمول غرضه. ووقف دائم أو مؤقت من حيث زمن استمراره.

هـ- تنوع الوقف من حيث أغراضه وأهدافه: تنوعت الأوقاف من حيث أغراضها وتوسعت الأوقاف توسعا استوعب جميع أهداف الوقف القربية منها والتفصيلية،وهذه بعض الأنواع: أوقاف مياه الشرب وأوقاف الآبار والعيون على طرق السفر. وأوقاف الخدمات العامة والتي شملت تسبيل الطرق والمعابر والجسور وأوقاف لتقديم الخدمات الفندقية. وأوقاف لرعاية الطفولة. وأوقاف المدارس والجامعات. وأوقاف الخدمات الصحية. 

المضمون الاجتماعي والاقتصادي للوقف:

 لقد كانت الأوقاف عماد الحياة الاجتماعية وظاهرة من الظواهر الاقتصادية التي أسهمت بدور فعال في إقامة الأساس المادي للخدمات الاجتماعية والمنافع العامة، وتمويل شبكة واسعة من المؤسسات والمشروعات والأنشطة الخدمية.

اجتماعيا يمثل الوقف عملية جوهرية تهدف إلى إعادة التوازن بين أفرا المجتمع وشرائحه وقطاعاته المختلفة،كما أنه يعمل إلى جانب أدوات مساعدة أخرى(الزكاة، الوصايا، الصدقات، الهبات … الخ) يحقق كل منها أهداف وغايات بشكل نسبي في نشاطات التكافل الاجتماعي. 

 أما اقتصاديا فيعبر الوقف عن تحويل لأموال عن الاستهلاك واستثمارها في أصول رأسمالية إنتاجية تدر منافع وإيرادات تستهلك في المستقبل، جماعيا أو فرديا، فهو إذن عملية تجمع الادخار والاستثمار معا، فالوقف هو حبس الأموال عن الاستهلاك الآني وتحويلها إلى استثمار منتج بهدف إلى زيادة الناتج من السلع والخدمات والمنافع في المجتمع. فالمضمون الاقتصادي للوقف هو عملية تنموية حيث يتضمن بناء الثروة الإنتاجية من خلال عملية استثمار حاضرة لمصلحة الغير أو مصلحة المجتمع نفسه.

مفهوم التنمية المحلية وخصائصها:

تعرف التنمية المحلية ( LOCAL DEVELOPMENT) بأنها العملية التي بواسطتها يمكن تحقيق التعاون الفعال بين جهود المواطنين وجهود السلطات العمومية (الدولة) للارتفاع بمستويات التجمعات المحلية والوحدات المحلية اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وحضاريا من منظور تحسين نوعية الحياة في منظومة شاملة ومتكاملة.

كما تعرف التنمية المحلية بأنها" عملية التغيير التي تتم في إطار سياسة عامة محلية تعبر عن احتياجات الوحدة المحلية وذلك من خلال القيادات المحلية القادرة على استخدام واستغلال الموارد المحلية وإقناع المواطنين المحليين بالمشاركة الشعبية والاستفادة من الدعم المادي والمعنوي الحكومي، وصولا إلى رفع مستوى المعيشة لكل أفراد الوحدة المحلية ودمج جميع الوحدات في الدولة".

 وينطوي التعريف الأخير للتنمية المحلية على مجموعة من الخصائص نجملها في النقاط الآتية:

- التنمية المحلية هي عملية تغيير تتم بشكل مستمر ومتصاعد إشباع الحاجات والمطالب المتجددة للمجتمع المحلي.

- التنمية المحلية توجد في البلدان التقدمة كما توجد في البلدان النامية وهي تخص المناطق الحضرية كما تخص المناطق الريفية.

- تتسم عملية التنمية المحلية بالتكامل بين الريف والمناطق الحضرية وبين الجانب المادي والجانب المعنوي.

- تتميز التنمية المحلية بالشمول حيث تشمل جميع النواحي الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية كما تشمل أيضا كل قطاعات المجتمع المحلي تحقيقا للعدالة وتكافؤ الفرص. 

- لا تقتصر التنمية المحلية على توفير الخدمات الأساسية للمواطنين وتوزيعها بعدالة بل تتعداه إلى إقامة مشروعات إنتاجية لزيادة الدخول لسكان المجتمع المحلي،بالإضافة إلى توفير التدريب وكذا دعم المشروعات الاقتصادية القائمة على الجهود الذاتية واستثمار الموارد المحلية في المشروعات المدرة للأرباح.

ثانيا - الوقف ودوره في تمويل التنمية المحلية

الطبيعة التنموية للوقف:

أ- الوقف فكرة تنموية المنحى: ذلك أن الاحتياجات التي تعمل المؤسسات الوقفية لتلبيتها تتسم بالاتساع الكمي والكيفي ولا يمكن تلبية هذه الاحتياجات والوفاء بها إلا بنمو مستدام لأصول الوقف وموارده، فتسبيل المنفعة قائم على العمل الذي يضمن تراكما ونموا ماديا.

ب- الوقف مصدر للتمويل المحلي: كما أن عوائد استثمار أموال الوقف وتثميرها تشكل مصدرًا لتمويل دائم لشبكة واسعة من المشروعات ذات النفع العام والمرافق الخدمية في مجالات حساسة كالتعليم والصحة وتوفير الحاجات الأساسية خاصة لفقراء المجتمع، مما يتولد عنه مجموعة من الآثار الاقتصادية والاجتماعية تنعكس الأولى على مستوى النشاط الاقتصادي ودور الدولة الرعائي وميزانيتها العامة، وهيكل توزيع الثروة والدخل في المجتمع، والأخيرة تنعكس على التنمية البشرية المرتكزة على الإنسان كعامل فاعل ومتلقي للتنمية في نفس الوقف، إضافة إلى الحراك الاجتماعي الذي يثيره النشاط الوقفي في المجتمع. 

ج- اللامركزية والمحلية في مباشرة وإدارة النشاط الوقف: تقوم اللامركزية على تفويض أو نقل السلطة أو بعض الصلاحيات أو الاختصاصات من قبل المركز إلى الهيئات المحلية عند إدارة وتوجيه مختلف الأنشطة التنموية.مع توافر قدر من الحرية في التصرف واتخاذ القرارات وتحديد الاحتياجات.

إن ميزة اللامركزية شائعة في مختلف جوانب نظام الوقف وفي جانبه الإداري بصفة خاصة، حيث لم تتوفر لدى الأوقاف عبر مختلف مراحله التاريخية إدارة مركزية موحدة كانت مختصة بإدارة الأوقاف بل وجدت إدارات متعددة غلبت عليها الصبغة المحلية، وكان أساس عملها هو ( التسيير الذاتي) وفقا" لشروط الواقف وتحت إشراف القاضي" وبعيدا عن الاندماج في جهاز الإدارة الحكومية.

 إن تنظيم الأوقاف على أساس لا مركزي ومحلي سوف يحقق أهداف يتم من خلالها تقييم مدى فاعلية ونجاح المؤسسة الوقفية، من أهم هذه الأهداف:

- العمل على زيادة مساهمة الأفراد المجتمع المحلي في تطوير وتنمية المجتمع المحلي وذلك عن طريق المشاركة الفعالة للأفراد في العمل الوقفي والرقابة عليه.

- رفع مستوى الوعي الاجتماعي بأهمية العمل الوقف في خدمة المجتمع والتنمية.

- تحقيق التواصل والترابط بين المؤسسة الوقفية والمواطنين في المجتمع المحلي والتنسيق بهدف رفع كفاءة أداء المؤسسة الوقفي في تقديم خدماتها. 

- الاستغلال الأفضل للموارد الوقفية وتوجيهها الوجهة الصحيحة لتلبية الاحتياجات المحلية. 

مفهوم التمويل بالوقف والمستفيدون من التمويل الوقفي:

ينطلق مفهوم التمويل بالوقف من مفهوم الوقف ذاته، فالوقف في حد ذاته تمويل كما أنه في نفس الوقت استثمار، فالوقف كتمويل ظاهر من كونه مالا يتم حبسه وتسبيل منافعه على أعمال البر والخير، فهو مصدر تمويلي من جانبين: فالجانب الأول هو أصل الوقف ذاته، والجانب الثاني هو ما يدره ذلك الأصل في إيرادات توجه إلى أعمال الخير.أما الوقف كاستثمار ظاهر في كون صاحبه أي الممول- يسعى من خلاله إلى المحافظة على الأصل الموقوف ونمائه، وأن ما يستهلك هو الإيراد،كذا هو استثمار لمن أراد الحصول على ثواب الصدقة الجارية. أما المستفيدون من التمويل الوقفي فهناك:

- التمويل الأهلي (الذري): وهو تمويل يتم وقفه على الذرية والأهل.

 - التمويل الخيري: وهو تمويل يتم وقفه على أعمال الخير العامة لمصالح المجتمع كالفقراء وطلبة العلم والمرافق العامة في المجتمع ويدخل في ذلك ما وقف للاستثمار في مشروعات استثمارية بغرض الحصول على إيراد يتم إنفاقه في أوجه الخير المختلفة.

الأموال الوقفية: أشكالها وخصائصها 

أ- أشكال الأموال الموقوفة:

 المال الموقوف هو المال المسبل ( المحبوس) نفعه على الموقوف عليهم، ويشترط أن يكون متقوما ونفعه مباحا شرعا وغير معلن على شرط فاسد وأن يكون مملوكا ملكية باتة للواقف، ويتخذ المال الموقوف الأشكال التالية:

- الأصول الثابتة: كالأراضي والمباني والحائق والبساتين والمساجد والمصانع والمخازن والمتاجر وغيرها. 

- أصول شبه ثابتة: فهي ملحقة بأصل ثابت ولازمة له كالأبواب والنوافذ للعقار والأشجار للحدائق والبساتين وهكذا، ما يتعذر استعماله بدون أصله.

- عروض متداولة ( أصول منقولة): وهي العروض التي يمكن تداولها ونقلها، مثل الحيوانات والسيارات، من مكان إلى آخر دون أن تتلف. 

- عروض في صورة أثمان ( النقود الموقوفة): تتمثل في الأموال النقدية الموقوفة مثل الذهب والفضة والبنكنوت والصكوك وشهادات الاستثمار، وما في حكمها، والمحبوس عينها وعائدها على وجوه البر والخير.

- حقوق معنوية: وهي الأصول المعنوية التي تحقق إيرادا لصاحبها كحقوق التأليف، وبراءة الاختراع وبالنظر إلى هذه الأشكال يكون الوقف شاملا لجميع أنواع الأشكال التي يتخذها المال المتقوم شرعا.

ب- خصائص الأموال الوقفية:

للوقف طبيعة خاصة تختلف عن طبيعة الوحدات الاقتصادية العامة والخاصة ومن ثم لها سمات خاصة والتي لابد أن تؤخذ بعين الاعتبار عند التعامل مع الأوقاف تأسيسا أو إدارة أو استثمارا، ومن أهم هذه الصفات والخصائص ما يلي: 

- تنوع أموال الوقف بحيث قسمها الفقهاء إلى ثلاث مجموعات رئيسية وهي الأموال الثابتة والأموال المنقولة والنقود وما في حكمها.

- وقف أصل المال وتسبيل الثمرة، فالوقف يوجب المحافظة على الأصول المدرة للمنافع والعوائد وهذا يتطلب صيانة مستمرة وإحلال واستبدال الأصل المتهالك.

- عدم جواز نقل الملكية إلا في حالات الاستبدال إذا اقتضت الضرورة الشرعية لذلك، فالقاعدة الأساسية أن يضل المال الموقوف مملوك للجهة الموقوفة لها، وله شخصية اعتبارية ولا يجوز لناظر أو إدارة الوقف نقل ملكية الوقف إلى الغير إلا في حدود ما يسمح به الفقهاء لزيادة منافع الوقف واستمرارية عطاءه.

- تقليل مخاطر الاستثمار بإبعاد أموال الوقف عن المجالات والأنشطة ذات الدرجة العالية من المخاطر حتى لا تضيع الأموال ويخسر المنتفعون منافعهم وعوائدهم. 

الدور التمويلي والتنموي للاحتياطات المالية الوقفية:

لقد كانت الأوقاف مصدر التمويل الأساسي لكثير من المرافق الخدمية التعليمية والصحية والعسكرية، واليوم تتعاظم حاجة الحكومات في العالم الإسلامي لإحياء مؤسسة الوقف للقيام بهذا الدور المفقود.

 فالوقف يسهم الوقف في تنويع مصادر التمويل ومجالات استخدامها، كما أن استثمار أموال الوقف وتثميرها يمكن أن يؤدي دورًا مهما في التنمية الشاملة حيث يمكن أن تكون عوائدها مصدرًا لتمويل شبكة واسعة من المشروعات ذات النفع العام والمرافق الخدمية.

وقد أسهم الوقف في توفير التمويل اللازم للفقراء حيث تأسس في تركيا صناديق تعاونية للإقراض بفوائد بسيطة أو مساعدة المنكوبين أو لإقراض الفقراء لبدء مشاريعهم الإنتاجية كما كان للوقف في العصر الحديث دور أساسي في تأسيس بعض المصارف والمؤسسات المالية تعمل في هذا المجال، وقد كان للأوقاف النقدية دور في تأسيس بنك الأوقاف التركي عام ١٩٤٥، الذي يعد من أكبر المؤسسات البنكية في تركيا حاليا كما قام الوقف بتأسيس العديد من البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية مثل بنك البحرين الإسلامي وبيت التمويل الكويتي وبنك فيصل الإسلامي في مصر وبنك ناصر الاجتماعي في مصر وغيرها من المؤسسات التي ساهمت في التنمية الاقتصادية والاجتماعية. 

أما بالنسبة للدور التنموي للنشاط الوقفي فاستثمار أموال الوقف وتثميرها يمكن أن يؤدي دورًا مهما في التنمية الشاملة حيث يمكن أن تكون عوائدها مصدرًا لتمويل شبكة واسعة من المشروعات ذات النفع العام والمرافق الخدمية، مما يتولد عنه مجموعة من الآثار المالية والاقتصادية والاجتماعية، ويمكن تجلية الدور التنموي للنشاط الوقفي من خلال النقاط الآتية: 

- الدور التمويلي للوقف حيث يساهم الوقف بتمويله لعدد هام من المرافق الخدمية في المجتمع بتخفيف العبء المالي للدولة في مجال الإنفاق العام وتوفير الخدمات.

- دور الوقف في إحداث حركية اقتصادية ذات أثر توسعي، من خلال زيادة القوة الشرائية للأفراد جراء حصولهم على مستحقاتهم من ريع الأوقاف، إضافة إلى تلبية الحاجات الإنسانية الأساسية التي تضمنها المرافق الخدمية.

- الأثر الإيجابي للوقف على هيكل الثروة في المجتمع، ويتأتى ذلك من خلال محافظة الوقف على الأصول الرأسمالية المنتجة وعدم التصرف فيها وصيانتها إضافة إلى أن الوقف يعتبر أداة لعدم تفتيت الثروة والحفاظ على الكيانات الاقتصادية متماسكة وإيجاد التراكمات الرأسمالية.

- توفير الأمن الغذائي وتحقيق الحاجات الأساسية لأفراد المجتمع خاصة الفقراء منهم.

- إعادة توزيع الثروة والدخل وتقليل التفاوت بين طبقات المجتمع.

- توفير التعليم المجاني بجميع مراحله لعموم الناس من خلال المدارس والكليات التي أوقف لها الواقفون أمولا كثيرة.

- توفير الرعاية الصحية لأفراد المجتمع من خلال إقامة المشافي والإنفاق عليها.

- رعاية الفئات الخاصة في المجتمع وكفالتهم كاليتامى والمقعدين والمرضى والمساجين وغيرهم. 

- المساهمة في تطوير العمل الخيري في المجتمع من خلال العمل المؤسسي للجمعيات والمؤسسات الوقفية وزيادة قنوات المساعدة والعون في المجتمع.

- زيادة الطاقة الإنتاجية في المجتمع من خلال المشروعات الاستثمار الوقفية وما يترتب على ذلك من زيادة فرص العمل وتقليص البطالة في المجتمع.

خاتمة

 في ختام هذه الورقة نخلص إلى أن نظام الوقف ونظرا للمضمون الوقف التنموي وطبيعة نشاطه المحلي يمكن أن يسهم بقسط وافر في سد الحاجات الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع المحلي، وذلك من خلال طرحه مجموعة من الأساليب والصيغ التمويلية المبتكرة لتمويل المشاريع التنموية المحلية، والتي تراوحت بين صيغ التمويل المؤسسي والتمويل عن طريق الإصدار إضافة إلى التمويل التبرعي.

نسخة للطباعة