A- A A+ : حجم الخط

تركيا في عين الإعصار

د. سامر مظهر قنطقجي

رئيس التحرير

لمحة اقتصادية عن تركيا:
تركيا أنموذج يحبه مستثمرو الأسواق الناشئة؛ فجيشها القوي له ترتيب عالمي، وصناعتها العسكرية والبحرية كبيرة؛ فهي تشارك في صناعة الطائرة الأكثر شهرة عالمياً F35؛ اقتصادها متوازن، يمثل الإنتاج الزراعي فيه ١٣٪ والصناعي ٣٠٪ والخدمي ٥٦٪؛ ينتظر قطاعها السياحي أن يصل عدد زواره ٤٠ مليون سائح سنوياً؛ هي عضو في نادي البلدان العشرين الأكثر غنى في العالم G20 ترتيبها فيه السابع عشر، ولديها طموح بالوصول لترتيب دون العشرة فيه. وهذا غيض من فيض..
يتجاوز عدد سكانها الـ ٧٥ مليون نسمة، فيه الفئة الفتية غالبة، ومعدل نموها السكاني ١.٥٪ سنوياً. وتنتشر الجاليات التركية بكثرة في دول الاتحاد الأوربي وأمريكا وكندا واستراليا.
تركيا ليس مجرد اسم لبلد ذو حدود جغرافية بل هو اسم يشير لعِرق وقومية موغلة في التاريخ والجغرافية. تتميز بمناخ يرتاده أربعة فصول يضفي على اقتصادها مزايا واضحة تنعكس في تنوع إنتاجه الزراعي وبالتالي تنوع إنتاجه الصناعي، فضلا عن تميزه بصناعة استخراجية متنوعة؛ كالفحم الحجري، والفحم النباتي، والحديد، والرصاص، والنحاس، والفضة. وهي من أكبر منتجي الكروم، ولديها احتياطيات نفط صغيرة في جنوب شرق البلاد. وقد استخرجت ٨٢ طناً من الذهب خلال العشر سنوات الأخيرة. 

ويُصنف الاقتصاد التركي بأنه اقتصادٌ ناشئٌ.

 

الإعصار جمعه أعاصير، رياحه حلزونية تدور عكس عقارب الساعة، وعين الإعصار مركزه، وكلما كان الإعصار قوياً كانت العين واضحةً وكبيرةً. 

يُمثل الإعصار - في حالتنا هذه - المدرسة التجارية (المركنتيلية) التي تحاول العودة بقوة؛ أما رياح الإعصار فأمريكية، وهي تسير بعكس الاتجاه العالمي مخالفة تنظيماته الشهيرة؛ كمنظمة التجارة العالمية ومنظمة الصحة العالمية ومنظمة البيئة العالمية … وغيرها. 

يضرب هذا الإعصار يُمنة ويُسرة؛ فلا يفرق بين حليف وعدو؛ فالجميع بمرتبة واحدة. يقوده (قوميون) انكفؤوا نحو قوميات محلية؛ متخلين عن نهج العولمة التي ثبت أن لا طعم ولا لون ولا ريح لها. 

وصدق الله تعالى القائل: وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ  (الأنفال: ٦٣)؛ فالمصالح لا تكفي لنشر العالمية وفكر العولمة.

 

أما تركيا فتمثل عين الإعصار..

يبدو أن هناك سيناريو يهدف للتحرك ضد الاقتصادات الناشئة، تكملة للسيناريو المشابه الذي حدث إبان تسعينيات القرن الماضي عندما اُستهدفت دول شرق آسيا. ولا يشترط أن يكون الاستهداف مباشراً؛ فطبيعة النظام النقدي العالمي أن فيه مؤسسات نقدية دولية تخطط لما سيكون وتأخذ دور الناصح المرشد للمحتاجين، لكن على الرغم من التنبيه والتحذير؛ فلا حياة لمن تنادي.

بالعودة لمقالنا الافتتاحي لعدد كانون أول ديسمبر ٢٠١٥ (العدد ٤٣) وعنوانه: الدفعة القادمة من ملحمة الديون العالمية، وكان هذا قبل ثلاث سنوات، توقفنا فيه عند مقال لرئيس تحرير مجلة الايكونوميست وعنوانه: (وقائع الديون) واصفا إياها بأنها: (قصة لا تنتهي). أما خلاصته فهي:

هناك دورة لكل ثلاث فترات من الدَّين، تبدأ بفيضان رأس المال عبر الحدود، ثم خفض معدلات الفائدة، ثم حفز نمو الائتمان؛ فيرتفع الدين في الأسواق الناشئة بنسب كبيرة؛ لتوشك بعدها بوادر الازدهار السائد على الانتهاء!؛ فتكون الاقتصادات الناشئة في واحدة من فئات ثلاث:

تتضمن الفئة الأولى الدول التي سيعقب فترة ازدهار ائتمانها آثار سيئة في المدى الطويل؛ كـ (كورية الجنوبية وسنغافورة)؛ وكذلك الصين؛ كمؤثر على الاقتصاد العالمي والتي تمتلك دفاعات قوية تتمثل بفائض ضخم في حسابها الجاري، واحتياطيها من النقد الأجنبي الذي يعادل ثلاثة أضعاف ديونها الخارجية. لذلك لدى صناع السياسات فيها القدرة على إنقاذ المقترضين ضمن حدود محددة، وعلى كل حال إذا أفلست الشركات وتعثرت قروضها فستتراكم في ميزانيات البنوك، مما سيضعف النمو، وينبئ بأزمة حادة.

ولأجل ذلك الخطر يُنظر إلى بلدان الفئة الثانية بأنها: تلك التي تفتقر إلى الوسائل نفسها لإنقاذ المقترضين الفاشلين أو لحمايتها من هروب رؤوس الأموال. ويُميز بين ثلاث اقتصادات كبيرة في هذه الفئة هي: البرازيل وماليزيا وتركيا. أما تركيا - كحالة مدروسة -؛ فتجمع بين: 

وتتكون الفئة الثالثة من بلدان الأسواق الناشئة التي قد تكون في مشكلة خطيرة، أو أنها قد ذهبت بالفعل للأسوأ. كالهند وروسيا والأرجنتين، للمزيد يراجع مقالنا الافتتاحي للعدد ٤٨: السياسات النقدية الروسية ترسخ السنة المائة.

لقد توقع صندوق النقد الدولي ارتفاع معدل النمو في الأسواق الناشئة للعام التالي للمقال (أي ٢٠١٦)؛ أما دورات الديون الماضية فأشارت - في حينها - لسنة أخرى من التباطؤ على الأرجح؛ ومرد ذلك:

أما الحلقة الرابعة فسببها الاقتصاد الأوروبي المفتوح وهو الأكثر تعرضاً لضعف الطلب في السوق الناشئة، والذي يُسوغ التسهيل النقدي هناك. 

أما معضلة السياسة الأميركية - الأكثر خطورة -؛ فتكمن باختلاف السياسة النقدية بينها وبين بقية العالم؛ مما سيضع ضغطا تصاعديا على الدولار؛ ليُضر بصادراتها ومكاسبها. أما رأس المال فسيتموج ثانية بحثاً عن المستهلك الأميركي كاختيار جديد للمقرضين. 

وهنا مكمن دهاء السياسة النقدية، فلا آثار ظاهرة لأي اعتداء على الاقتصاد التركي؛ فما يراه الجميع ويتكلم عنه الأترك مجموعة ظواهر غير مباشرة أشعرت أن تركيا في عين الإعصار الاقتصادي المتجلي بفقدانه لخُمس قيمة ليرتها في شهر واحد، وهذا مشابه لسيناريو تايلند بداية التسعينيات المذكور آنفاً. 

أما العقوبات الاقتصادية الأخيرة والمتتالية؛ فسرّعت سرعة الإعصار الضارب؛ وهذا مما يمكن تسميته بالمثل الشعبي: (ضربة معلم).

ويبدو أنه لم يُتوقع حجم ردة الفعل التركية وحجم التعاطف الشعبي والدولي معه، مما شكل عاملاً فاضحاً لهذه السياسة، مما سيتسبب في توقف ألاعيبها ضد باقي الأسواق الناشئة أو تأخيرها لفترة قادمة لتبدأ ملحمة ديون أخرى، ويكأن العالم لا يتعلم لا بالممارسة ولا بغيرها؛ فبريق المال يسبب عمى خاصاً، قال تعالى واصفاً الطغاة من الناس: وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (الفجر: ٢٠).

إن محاولة إدخال الاقتصاد التركي في أزمة ركود عميق، سيقابله ثلاثة مستويات من المخاطر: 

مما دعا تلك الأسواق للتشدد في سياساتها النقدية، وهذا ما يؤهل الأسواق العالمية فعلاً للعدوى.

سيعاني الأتراك في المدى القصير من ارتفاع الأسعار، وسيشعر كثير منهم بالفقر بسبب ذلك.

إن الخطيئات التي ارتكبتها تركيا من وجهة نظر النظام النقدي العالمي؛ هي:

وهذا ما أسمته الايكونوميست بـ (خداع تركيا للسياسة الاقتصادية الأصولية Economic-policy orthodoxy has been junked). وكأن هذه السياسة مسلمة من المسلمات التي لا يصح الخروج عنها!!؛ وحقيقة الأمر أن هذه ليست خطايا بل لعلها مزايا؛ فتركيا إن نجت؛ فستكون أول الخارجين الحقيقيين عن هذه السياسة الأصولية التي لا أساس لها من الصحة.

لكن وقبل طرح أية حلول مقترحة، لابد من وقفة جريئة أمام أخطاء السياسات الاقتصادية والنقدية والمالية التركية، والتي يتلخص بعضها بالآتي:

أما الحلول؛ فيمكن تلخيصها بالآتي:

وضعنا لمحة عن تركيا؛ وفيه ذكرنا بعض مؤشراته، للتأكيد على قوة اقتصادها، لكن ما في اقتصادها من أخطاء جعلته سهل الطعن فيه لذلك اُستغل هذا الضعف وحصل ما حصل؛ فعجلة الإنتاج التركي مستمرة في الدوران لكن معدل دورانها سيتباطأ، وسيتباطأ معه مصدر عملاتها الأجنبية. ويمكن لهذا الاقتصاد تلافي بعض ذلك إن استفاد من هبوط الليرة وخفض أسعار إنتاجه لا معادلتها بسرعة ليتمكن الميزان التجاري من تصحيح وضعه، بشرط أن لا يتم ذلك بالمديونية الربوية، ولا المديونية الخارجية المقومة بالدولار تفادياً لسعر الصرف المتخلخل، منعاً لنمو المديونية الأجنبية، للمزيد يراجع مقالنا الافتتاحي للعدد ٥٥، سعر الصرف كمكبر صوت مالي

لذلك فإننا نصح بـ:

ويضاف للعلاجات المقترحة؛ إصرار المركزي التركي على عدم استخدام سعر الفائدة وعدم لجوئه لصندوق النقد الدولي. وكذلك سعي الحكومة التركية لاستخدام العملة المحلية في علاقاتها التجارية مع الدول التي تتعامل معها والمتأثرة بالسياسات الأمريكية؛ كروسيا وإيران والصين وأوكرانيا.

 

فيا أيها الناس (جميع الناس).. ويا أيتها الشركات (كلها).. ويا أيتها الحكومات (جميعها):

ألزموا أنفسكم ضوابط التحليل الشرعي، الذي يضبط حجم الدين (الحلال) ضمن حدود تحوطية، والذي يُنهي المحرمات جميعها، مما يموضع الاقتصاد في مكانه الصحيح، لأنه وسيلة لا غاية.

ودعوا عنكم العقيدة الاقتصادية الأصولية (Economic policy orthodoxy) بما فيها سياسات مدرسة شيكاغو النقدية التي فيها مهالك الناس جميعهم؛ فالأزمات المتتالية شاهد على ما فيها من سوء، للمزيد يراجع مقالنا للعدد ٥٧: المذهب الاقتصادي لمدرسة شيكاغو النقدية - هل هو مذهب الأشرار؟.

إن في الاقتصاد الإسلامي سياسات مالية ونقدية واقتصادية كاملة متكاملة، تتسم بالعدالة والموضوعية، وفيها مرونة كافية لمقابلة أي طارئ بثبات وتُؤدة.

فسبحان الذي علّم بالقلم، علّم الإنسان ما لم يعلم. 

اِرضَ أيها الإنسان بالإسلام ديناً، دون طغيان، ولا تظنن أنك تستغني.

واسمع لقول المولى عزّ وجلّ وهو يصف دينه الذي ارتضاه لخلقه بالكمال والتمام:

الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا (المائدة: ٣).

ألا ترضى أيها الإنسان ما رضيه الله لك؟ بل رضينا بل رضينا، ندعوك الله بما دعاك به موسى عليه الصلاة والسلام: أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا (الأعراف: ١٥٥).

 

 

الأزمة المالية الآسيوية ١٩٩٧:

بدأت الأزمة في تايلند في أعقاب انهيار عملتها، إذ أُجبرت الحكومة على تعويمها بعد أن اختفت العملات الأجنبية التي كانت توازن معدلات تحويل العملة، لتنقطع الرابطة بين البات التايلندي والدولار الأمريكي. 

كانت تايلند تتحمل في ذلك الحين عبء ديون خارجية، مما قاد الدولة إلى حالة من الإفلاس، ليتبع ذلك انهيار عملتها. ثم انتشرت الأزمة لاحقاً؛ فبدأت عملات كامل جنوب شرق آسيا وكوريا الجنوبية واليابان بالتساقط، وانخفضت أسعار البورصات، مقابل ارتفاع كبير في القروض الخاصة.

 

 

حماة (حماها الله) ١٨ ذي الحجة ١٤٣٩ هـ الموافق ٣٠ آب/أغسطس ٢٠١٨

 

 

جميع الحقوق محفوظة لمجلة الاقتصاد الاسلامي العالمية 2018