العدد الحالي: ايلول/ سبتمبر 2018       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

اقتصاد الدودة الشريطية

د. سامر مظهر قنطقجي

رئيس التحرير

   

لماذا ننسب الاقتصاد لدودة شريطية؟ 

لقد سبق واستعرنا (وصف الشرنقة) في كلمة العدد (٢٧): (الشرنقة الاقتصادية وإدارة الاقتصاد) مستعيرين وصف الشرنقة بوصفها مرحلة تمر بها بعض مخلوقات الله في طور يعقب اليرقة قبل أن يكتمل نموها لتصير فراشة كاملة، وهذا تشبيه معبّر ومناسب.

والدودة الشريطية (حسب الويكيبيديا): هي جنس من أجناس الديدان الشريطية وأحد أنواع الطفيليات. أما عن دورتها الحياتية؛ فجسمها يتألف من عُقد، في كل عقدة يوجد أعضاء تناسلية كاملة، فإذا امتلأت العقدة بالبيوض انفصلت عن جسم الأم وخرجت من الجسم؛ فإن تلوث بها علف الحيوان أو غذاؤه تحولت في أمعائه إلى يرقة لتنتقل من الأمعاء إلى عضلاته؛ لتتمركز فيها على شكل أكياس؛ فإن أكل الإنسان لحوماً تحتويها ولم تكن مطبوخة جيدا يبدأ تطور اليرقة في أمعائه إلى دودة كاملة، تفرز فيما بعد عقداً مملوءة بالبيض انتظاراً لبدء دورة تطور جديدة وهكذا. والدودة الشريطية قد تكون قاتلة إذا تركت لفترة طويلة دون علاج. فهذه قضية لا تنتهي!!

 

نحن نعيش اقتصاد الدودة الشريطية، حيث النخب الاقتصادية هم الدودة، وباقي الناس طعامهم، أما أهم عناصر هذا الاقتصاد فهي: التوسع في الديون، وتسخير الدِين لخدمة مصالح القلة في الأسواق.

أولا: الديون والتوسع فيها ..

يلعب النظام المصرفي والنقدي دوراً مهماً في توسيع الديون؛ فبالديون يتم إخضاع الناس والتحكم بهم

فكيف ذلك؟

على مستوى البنوك المركزية وما يتبعها من مؤسسات مالية:

يعتبر عرض النقود والتحكم به دون ضوابط (العرض والطلب) على أقل تقدير سبباً لتوسيع حجم الديون؛ فالمصارف القادرة على خلق النقود الائتمانية أداة العرض وتوسيعه برعاية ووصاية البنوك المركزية. 

إن الأصل في البنوك المركزية أنها مؤسسة تساعد على استقرار الاقتصاد بعيداً عن السياسة، تعمل بحيادية لمصلحة المواطنين، وأنها ليست وسيلة حكومية تعبث بأموال الناس وممتلكاتهم. إلا أن أغلب البنوك المركزية مربوطة ربطاً تاماً بالدولار الأمريكي وتخضع لسلطته، ويخضع الدولار - بدوره - لمؤسسة أمريكية خاصة يمتلكها ويديرها كارتل عائلي هم: (آل روتشلد، آل مورغان، آل روكفلر وآخرون)، وهم أنفسهم منشؤو الاحتياطي الفيدرالي عام ١٩١٠؛ أنشأوه كمنظمة خاصة ذات سلطة احتكارية لخلق المال دون أي محاسبة، بل مدعومة بحكومة لديها سلطة عسكرية احتكارية، حيث تتلاقى مصالح الطبقتين السياسية والمالية.

ومثال ذلك أن العالم قد شهد أكبر كمية من المال المزيف المطبوع في التاريخ عام ٢٠٠٨، وبذلك سدد الناس ديون الساسة للبنوك. فالفدرالي الأمريكي يطبع المال نيابة عن الخزينة، بناء على نظام مبني على الديون لا على حاجة سوق السلع والخدمات؛ أي السوق الحقيقي.

والاقتصاد السليم، هو أشبه بالجسم السليم المتوازن. أما الاقتصاد الذي نعيشه فهو متغير يحاول دوماً تحسين نفسه، لكنه يحوي في داخله دودة شريطية تعمل كما تعمل الدودة الشريطية في جسم الإنسان؛ فتراها تفرز مواداً تجعلك تشتهي الطعام الذي يفيد الدودة لكنه ضار لك، والنتيجة أنه لديك كائن طفيلي متلاعب يغذي نفسه على حساب الجميع.

يسرق البنك المركزي الناس عن طريق إحداث التضخم والتحكم بسعر الدولار من خلال قدرته الشرائية فيذهب معظم المال للقلة القليلة، سواء تمثلت القلة بالحكومة نفسها أو بمجموعة أصحاب مصالح.

 

البنك المركزي مهمته رعاية مصالح الناس لا تحقيق النفع منهم أو على حسابهم

 

مثال ذلك: 

  • قامت النخبة الاقتصادية الأمريكية بسحب أسهمها من سوق البورصة قبل الركود الاقتصادي في عام ١٩٢٩؛ بعد ذلك استعمل ذات المال لشراء أسهم رخيصة وبنوك مفلسة بـبنسات معدودة، مما ضخم ثروات المصرفيين. 
  • تكرر نفس السيناريو في عام ٢٠٠٨، مع نفس المصرفيين الذين استفادوا في الأعوام قبل الانهيار فجمعوا القروض السيئة وتبادلوها مع علمهم بأنها ستفشل في النهاية، فكان ذلك أشبه بوضع برتقال فاسد في صندوق ثم بيعه كبرتقال طازج. والمقرضون يعلمون أن المسألة مسألة وقت، فبفتح الصندوق سيعلم ملاك الصندوق أنه بدون قيمة، وسيتأثر كل من اشترى أو باع أو موّل ما يتعلق بهذا الصندوق، أي أن كل الناس تأثرت؛ بفقدانها عملها، ومنازلها، ومتاجرها، ومعاشها؛ أما البنوك التي أوجدت المشكلة بداية الأمر فقد تم انقاذها.
  • هناك بعض الحكومات التي تفعل ذات الشيء نهاية الشهر وبداية الشهر الذي يليه لتحصل موارد تسدد بها نفقاتها ورواتب الناس من جيوبهم.

وتتلاعب البنوك المركزية بالدورات الاقتصادية على عدة مراحل؛ كالآتي:

المرحلة الأولى: رمي السنّارة؛ ويكون ذلك بضخ مال كثير في السوق من خلال خفض معدلات الفوائد، لدعم منح القروض. فإذا توفر المال في أيدي الناس، سيتولد نشاط اقتصادي يزيد من معدلات التوظيف؛ فيزيد الطلب على السلع بازدياد الانفاق، فتزيد الشركات من اقتراضها؛ لتزيد انتاجها لمقابلة زيادة الطلب، عندئذ يصبح الناس أكثر طمأنينة على مستقبلهم، ويزداد استهلاكهم.

إلا أن البنوك سرعان ما تشرع بتغيير قواعد اللعبة، منتقلة إلى المرحلة التالية.

المرحلة الثانية: سحب السنّارة؛ ويكون ذلك برفع معدل الفوائد؛ فينخفض عدد المقترضين، وبنفس الوقت تزيد المصارف من شروط طلب القرض بجعله أكثر صعوبة. وبرفع معدلات الفوائد، يتوجه جزء كبير من الناس نحو سداد القروض ليتخلصوا من عبء فوائدها، وليس نحو شراء السلع الجديدة، فتنخفض حجم الأموال المتداولة، مما يخفض عدد الأشياء المشتراة أي يتقلص حجم الشراء؛ فتبدأ أرباح الشركات بالانخفاض، ثم يبدأ تقليص عدد الوظائف، وتدخل بعض الشركات حالة الإفلاس؛ ثم بفقد الناس وظائفها، لا يعودون قادرين على دفع أقساط قروضهم التي اقترضوها في أوقات الرواج.

النتيجة بعد إفلاس الشركات والأفراد تحصل البنوك على الثروة الحقيقة؛ من مصانع، وأراضي، وعقار…

وتعتبر سياسة رمي وسحب السنارة أو إغراق السوق بالمال ثم تجفيفه التي تعمل منذ قرون، هي المسؤولة عن سرقة الثروة الحقيقية للعالم وتركزها في أيدي قلة منهم. وهذه العمليات تمارس في الدول وعلى المستوى الدولي أيضاً.

أما على المستوى الدولي:

يستغل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي البنوك المركزية لخلق مزيد من المال، لاستغلال موارد البلدان التي يقومون بإقراضها وإفلاسها خلال ذلك، بتكرار نفس السيناريوهات السابقة.

لذلك تسعى الصين وروسيا للخروج من عباءة النظام المالي العالمي بعد الخلاف الأمريكي ومختلف العالم إثر العقوبات المفروضة على إيران ومعاقبة الشركات التي تتعامل معها وتأثر مصالح الاتحاد الأوروبي وغيره بشدة إثر ذلك.

ولعل ذلك أول ملامح الشرنقة الاقتصادية العالمية

فقد مضى على بحث مسألة تشكيل نظام مالي عالمي جديد أعواماً عديدة، حيث لم يتم التوصل إلى نتائج حتى الآن؛ فالولايات المتحدة مازال بإمكانها إقناع العالم للعمل بالنظام القديم والحفاظ عليه ما أمكن، على الرغم من كون هذا النظام لا يتناسب ومصالح دول كروسيا والصين، لأنه في مصلحة الولايات المتحدة فقط، فالدول المقرضة تدفع الثمن بشرائها السندات الأمريكية، فتدعم اقتصادها بالديون وأمريكا تحصل على أرباح خيالية من خلال طباعة الدولار. لكن بتجاوز إصدار الدولار حدود المعقول؛ فإن أي دولة عليها التفكير ملياً: هل من مصلحتها التعامل بالدولار غير المدعوم بأي شيء؟ فالتضخم - في هذه الحال - واقع لا محالة وسيتمثل بارتفاع أسعار المنتجات المشتراة بالدولار وانخفاض أسعار السندات، ومن سيستمر في ذلك سيخسر أكثر، وللخروج بأقل الخسائر يجب اتخاذ القرار بسرعة، وهذا ما يفعله كثير من الدول حيث تشتري أصولاً حقيقية.

 

ثانيا - العقيدة والدِين في خدمة مصالح القلة في الأسواق ..

هدفت النظم التقليدية من (أدلجة) مصطلحاتها دينياً إلى التحكم بسلوك الأتباع أولاً، ثم تعميم ذلك على جميع المتعاملين خدمة لمصالح القلة في السوق وليس ضبطاً لعمل السوق وحسن سيره، ويعتبر قول (لويد بلانكفاين) الرئيس التنفيذي لـ (جولدمان ساكس)، في أعقاب أزمة ٢٠٠٨، مثال على ذلك: إن أصحاب البنوك يقومون بعمل الله "doing God’s work"

ذكرت ذلك (لين ستاوت) أستاذة القانون بمقال عنوانه: هل (وول ستريت) تقوم بعمل الله؟، اعتبرت (لين) أن مقولة (لويد) بمثابة جزء هام من شعار (وول ستريت)؛ وإجراء تشغيلي قياسي لمديري البنوك؛ فهو (أشبه بـترنيمات متكررة)، تعلن وبصوت عال أن: (وول ستريت) أمر حيوي لاقتصاد البلاد؛ لأنها تؤدي إلى: 

  • خدمات ذات قيمة اجتماعية من خلال زيادة رأس المال..
  • وتوفير السيولة للمستثمرين..
  • وضمان تسعير الأوراق المالية بدقة حتى تتدفق الأموال إلى المكان الذي ستكون فيه أكثر إنتاجية.

وتذهب (لين) إلى تفنيد تلك الادعاءات وتثبت ما يغايرها، وخلاصة ذلك كالآتي:

١- إن (وول ستريت) لا تساعد الشركات على زيادة رأس المال: 

بلغت أرباح الأوراق المالية من الاكتتاب في الأسهم والسندات الجديدة أقل من ١٠٪ في عام ٢٠٠٩، بينما بلغت أكثر من ٩٠٪ من العمولات التجارية وأرباح التداول. وهذا يعكس عدم التوازن بين ضآلة سوق الإصدار وهو سوق الاستثمار، وضخامة سوق التجارة الثانوية؛ فالتداول في السوق الثانوية هو في الأساس لعبة محصلتها صفر؛ إذا جني المال عن طريق الشراء المنخفض والبيع المرتفع، ولا يحقق المجتمع من هذا التداول في السوق الثانوية أي منافع سوى تبادل الملكية بين أفراده.

٢- إن (وول ستريت) لا تساعد الشركات على توفير السيولة للمستثمرين:

يقول المصرفيون إننا نحصل على السيولة من خلال قدرة المستثمرين على بيع استثماراتهم بسرعة نسبية. لكن (وول ستريت) توفر السيولة بسعر باهظ؛ فتبلغ رواتب عامليها النصف تريليون دولار. إن معظم الأموال المستثمرة في الأسهم والسندات والأوراق المالية الأخرى مصدرها مدخرات تقاعد الأفراد، إما عن طريق الاستثمار المباشر أو من خلال المعاشات التقاعدية والصناديق المشتركة. ولا يحتاج هؤلاء على المدى الطويل الكثير من السيولة، كما أنهم لا يحتاجون سوقاً تتم فيه بيع ١٦٥٪ من الأسهم كل عام. 

٣- إن تداول (وول ستريت) لا يساعد على تخصيص موارد المجتمع بشكل أكثر كفاءة:

يملك التاجر معلومات متفوقة؛ تمكنه من تحريك الأسعار في الاتجاه "الصحيح"؛ فتاجر عقود القمح المستقبلية الذي يقوم بالبحث عن أنماط الطقس؛ قد يتوقع الجفاف؛ فيقوم بشراء عقود قمح مستقبلية، ما يؤدي إلى ارتفاع أسعار القمح، ويدفع المزارعين لزراعة مزيد من القمح. وعليه فأرباح المتداول من المضاربة في عقود القمح المستقبلية هي مجرد تعويض عن توفير "اكتشاف الأسعار"، وهذا يعني أن المصرفي غير مدعوم بأي دليل مهم. والأهم من ذلك، أن التاجر الذي لديه معلومات متفوقة؛ يمكنه تحريك الأسعار في الاتجاه "الصحيح" وهذا لا يعني بالضرورة أن المجتمع سوف يستفيد. كل ذلك مسألة توقيت. 

إن معظم تداول (وول ستريت) في الأسهم والسندات والمشتقات ينقل المعلومات إلى الأسعار أياما وأحيانًا ميكروثانية فقط قبل وصولها، وعلى أي حال لا يتم إعادة تخصيص موارد حقيقية في مثل هذا الوقت القصير.

 

وبنظرة مقارنة لما في الاقتصاد الإسلامي؛ فإننا نقول:

إن ما يميز الشريعة الإسلامية ضوابطها، فالثوابت فيها تمنع انزلاق الكبير والصغير، والغني والفقير، فلا ربا ولا غرر، ولا أكل لحقوق الناس، ولا تضييع لأموالهم، كما أن انضباط السوق وانسياب بياناته الصحيحة بشفافية حق لكل عناصر السوق، والجميع أفراداً وشركات وحكومات منضوون تحت تلك الضوابط. بما في ذلك منع تلاعب البنوك المركزية بالدورات الاقتصادية كما أسلفنا؛ فالعدل أساس الملك وأساس كل حياة في شريعة الإسلام. وقد اهتمت شريعة الإسلام بالمال فضبطته كسباً وإنفاقاً بوصفه الفتنة الأكبر لبني البشر والتي تسبق الولد والأهل. وهذا ما لم تفعله النظم الأخرى حيث وقع فيها الفقير في براثن الغني، والغني في براثن الأكثر غنىً، وهكذا صار العالم غابة لا يحكمها سوى ضابط مصلحة الأقوى، والقوة المقصودة آتية من التحام مصالح الطبقة السياسية بمصالح طبقة الأثرياء. وبالتالي ضياع مصالح الطبقات الأخرى، وهذا ما نهت عنه الآية الكريمة: وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (البقرة: ١٨٨).

وشتان شتان بين دِين يعمل على إرساء العدل بين الجميع، وبين أيديولوجيا يستخدمها أصحاب المصلحة حسب أهوائهم بدعوى أنها دِينَهم، قال الله تعالى: فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ۚ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (القصص: ٥٠).

 

حماة (حماها الله) التاسع من ذي القعدة ١٤٣٩ هـ  الموافق الثاني والعشرين من تموز/يوليو ٢٠١٨ م