العدد الحالي: تشرين 1/اكتوبر 2018       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

التَّوقِيع الإلكتروني كآلية للحماية في التّعاملات التّجارية الإلكترونية

د. طريف أمينة

دكتوراه في التسويق

د. عطوات سلمى

دكتوراه في التسويق

حجوجة سارة

دكتوراه في التسويق

لقد أدَّت ثورة الاتِّصالات والمعلومات عبر استخدام شبكة الانترنت إلى تطور كبير في مجال المعاملات والتجارة الإلكترونية، وأفضت تلك الثَّورة إلى ضرورة حتمية على كافة إقتصاديات الدول بالولوج إلى عالم الرقمية، وتفعيل مختلف آلياته وتقنياته، فكما حلَّت التِّجارة الإلكترونية محل التّجارة التقليدية، بما تقدمه من مزايا عديدة، قلَّصت الزّمان والمكان بين البائع والمشتري، فلقد حلَّ ما يسمى بالتَّوقيع الإلكتروني محل التَّوقيع الخطِّي التّقليدي في إجراء التعاملات التجارية،والقانونية، والعقود عبر الوسائل التقنية الحديثة.

كما أدى ذلك التطور التّقني إلى إحداث تغييرات في العديد من المفاهيم والتصرفات القانونية، وأصبحت معظم التعاملات المالية والتجارية تتم بواسطة الكتابة الإلكترونية.

ومع انتشارهذا النوع من العقود الإلكترونية، استوجب ذلك على المشرّعين في الدول المختلفة وضع الأطر والقواعد التي تكفل التّعرف على الأشخاص المتعاملين أثناء تبادلهم للمعلومات، والتحقق من شخصيتهم وهويتهم، منعا لإفشاء أسرارهم أو التعامل غير المشروع في التصرفات القانونية التي تتم بينهم.

وفي نفس السِّياق، سَعت الجزائر في خطوات واضحة وجلية إلى بناء اقتصاد رقمي، وإلى تبنِّي الرَّقمية في شتَّى المجالات، ففي مجال شبكات الاتصال والهاتف النّقال تبنّت تقنية الجيل الثّالث والرّابع، وفي مجال الإدارة والخدمات استحدثت جواز السفر البيومتري وبطاقة الشّفاء، وبطاقات الدّفع الممغنطة والبطاقة الذّهبية، بالإضافة إلى خدمات البنوك والتأمينات، فضلا عن اعتماد العديد من المؤسسات الكبرى على نمط التسيير الرقمي، على غرار مؤسسة سونلغاز ومؤسسة سوناطراك، إضافة إلى تجربة شركة سيور"Sior"في وهران في تسيير الموارد المائية بواسطة التكنولوجية الرقمية، كما نجد أن هذه الأخيرة قد مسَّت قطاع التعليم العالي في الجامعات والمعاهد، فيما يطلق عليه بالتعليم عن بعد (E.Learning)، حيث تمَّ تطبيقها في معهد تكنولوجيا الإعلام والاتصال بجامعة وهران، ولقد حققت نتائج ملموسة في مجال تبادل المعلومات والمعارف.

إن كلّ التّجارب سابقة الذكر-على سبيل المثال لا الحصر-تعكس محاولات جدية أبدتها الجزائر بغية تفعيل الرّقمية في مجالات الإدارة والخدمات والاتصالات،من أجل مواكبة التطور التقني الحاصل، وبهدف تمكين المواطن من أن يكون عنصرا فاعلا في العالم الرّقمي، إلا أن هذا يبقى غير كافٍ ما لم تُبذل جهودًا أكبر وتُسّخر إمكانيات أجْدر، ويتمُّ التّخطيط الفَاعل من أجل تفعيل كافَّة تقنيات وآليات الرّقمنة،مع تأمين وحماية أكبر لتلك التّعاملات المالية والتجارية، ولعل التوقيع الإلكتروني يُعد من أهمِّهذه الآليات، وهذا ما سيكون محور دراستنا هذه، حيث سنتساءل حول"ماهية التّوقيع الإلكتروني، وأشكاله، وماهية الأطر والقواعد التي وضعها المُشرّع الجزائري، من أجل تفعيل هذه الآلية وسريانها في مجال التعاملات التجارية لتوفير الحماية للمستهلك المتعاقد الكترونيا؟"

وللإجابة على هذا الإشكال؛ تناولنا في هذه الورقة البحثية العناصر التالية: 

  1. مفهوم التّوقيع الإلكتروني: وفيه تعريف التّوقيع الإلكتروني؛ خصائص التّوقيع الإلكتروني؛ وظائف التّوقيع الإلكتروني؛ أشكال التّوقيع الإلكتروني؛
  1. القواعد والقوانين المُنظمة للتّوقيع الإلكتروني في القانون الجزائري.
  1. مفهوم التوقيع الإلكتروني

يعتبر التوقيع الإلكتروني أحد اهم مخرجات التقنية الحديثة، بحيث أصبح بديلا للكتابة التقليدية عند التعامل الإلكتروني، لذلك سنتطرق في التالي لتوضيح أهم التعاريف التي اسندت لهذا المصطلح،
وخصائصه التي تميزه عن التوقيع التقليدي، مع معرفة أهم الوظائف المنوطة إليه،والأنواع المعتمدة في التعامل الالكتروني.

١-تعريف التوقيع الإلكتروني

هناكتعريفات عديدة نسبت في محاولة لتعريف التوقيع الإلكتروني كل حسب الزاوية التي ينظر إليها للتعريف، فمنها من يراه علىأنه وسيلة، ومنها من ينظر إليه على أنه وظيفة، لذلك سنحاول إبراز بعض التعريفات التي تناولها الباحثون وأهل الاختصاص.

عُرِّف التّوقيع الإلكترونيعلىأنه: "كل توقيع يتم بطريقة غير تقليدية ويتم استخدام معادلات خوارزمية يتم معالجتها من خلال الحاسب، الذي ينتج شكلا معينا يدلّ على شخصية صاحب التوقيع".

هنا ركز التعريف على الناحية الشكلية للتوقيع الإلكترونيأي الكيفية أو الطريقة التي يتم أوينشأ من خلالها التوقيع الإلكتروني، ولم يتطرق الى الشكل البيوميتري له الذي قد يكون باستخدام تقنية بصمةالاصبع أوبصمة الصوت أوتقنية شبكة العين.

فللتوقيع الإلكتروني وظائف يقوم بها من تحديد هوية الموقع والتأكيد على قبولهعلى مضمون الوثيقة الالكترونية؛ وهذا ما جاء في التعريف التالي: " هو إشارة أو رمز أو صوت الكتروني يرتبط منطقيا برسالة بيانات الكترونية لتعيين الشخص المنشئ للتوقيع وتأكيد هويته وبيان موافقته على المعلومات التي تتضمنها رسالة البيانات".

كما عرّفه البعض الآخر على أنّه: " مجموعة الإجراءات التقنية التي تسمح بتحديد شخصية من تصدر عنه هذه الإجراءات، وقبوله بمضمون التّصرف الذي يصدر التّوقيع من أجله".

فهذا التعريف ركّز على الإجراءات التي تحقق وظائف التّوقيع الإلكتروني بثقة وأمان، دون تحديد ذلك بشكل أو رمز. 

أما في الجزائر؛ فقد أُدرج التّوقيع الإلكتروني لأول مرة من قبل المشرِّع، ولكن ليس بصفة صريحة وبدون تفصيل سنة ٢٠٠٥، حيث نصت المادة ٣٢٣ مكرر ١ بأنه: " يعتبر الإثبات بالكتابة الإلكترونية كالإثباتعلى الورق بشرط إمكانية التأكد من هوية الشّخص الذي أصدره، وأن تكون معدة ومحفوظة في ظروف تضمن سلامتها".

بالإضافةإلى المادة ٢٢٧/٢، بينما في المادة ٢ الفقرة ١ من القانون ١٥-٠٤، فعرّفت التّوقيع الإلكتروني بأنه:" بيانات إلكترونية في شكل إلكتروني مرفقة أو مرتبطة منطقا ببيانات إلكترونية أخرى تستعمل كوسيلة توثيق".

فالمُشرّع الجزائري بإصداره لهذا القانون قد فتح المجال إلى المبادرة للتعاملات التجارية التي فرضتها التطورات التكنولوجية الحالية. 

إن الفكرة الكامنة وراء التوقيع الإلكتروني هي نفسها كما في التوقيع التقليدي، إذ يستخدم لتصديق وتوثيق الحقائق والبيانات المرسلة بين الأطراف، فهو إذن وسيلة لإثبات الهوية الإلكترونية.كما لا يوجد تعريف بسيط للتوقيع الإلكتروني، وإن وجد فيمكن أن يكون كالتالي: "هو طريقة اتصال مستقرة تعمل على توثيق المعاملات التي تتم عبر الانترنت".

٢-خصائص التوقيع الإلكتروني

لقد ظهر التّوقيع الإلكتروني بديلا عن التوقيع التقليدي كأحد الضمانات التي يُتحقق منها من شخصيّة المتعاقدين، ولكن بخصائص مختلفة فرضتها الإجراءات والمحدِّدات التّقنية التي أضفتها التّكنولوجيا الرّقمية على المعاملات، نذكر أهم هذه الخصائص:

  • يتكون التّوقيع الإلكتروني من عناصر متفردة وسمات خاصة بالموقع تتخذ شكل أرقام أو حروف أو إشارات، أو رموز،أوغيرها، وهذا ما يسمى بالتَّشفير فهو فرع من الرّياضيات التطبيقية يحول الرّسائل إلى أشكال؛
  • أنه يُحدّد شَخصية المُوقِّع ويميّزه عن غيره؛
  • أنه يُعبّرعن رِضا المُوقِّع بمضمون المُحرّر؛
  • التّوقيع الإلكتروني يتّصل برسالة الكترونية وهي عبارة عن معلومات يتم إنشاؤها أو إرسالها أو استلامها أو تخزينها بوسيلة إلكترونية؛
  • التّوقيع الإلكترونييحقق أغراض ووظائف التّوقيع التقليدي، متى كان صحيحا وأمكن إثبات نسبته إلى مُوقِّعِه؛
  • أنه يحقّق الأمان، والخُصوصية، والسّرية، في نسبته للموقع بالنسبة للمتعاملين مع أنواعه، وخاصة مستخدمي شبكة الانترنت وعقود التجارة الدولية، ويتم ذلك عن طريق إمكانية تحديد هُوية المُوقّع، ومن ثمَّ حماية المؤسسات من عمليات تزوير التّوقيعات.

3-وظائف التّوقيع الإلكتروني

نظرا لطبيعة التّوقيع الإلكتروني الذي يعمل كوسيلةإثبات للمعاملات التي تبرم عبر الانترنت، فإن الوظائف المنوطة إليه تختلف عن تلك الوظائف التييختص بها التّوقيع التقليدي، فهذه الوظائف تتمثل في:

1.3- تحديد هوية المُوقِّع:حتى يكون التّوقيع كدليل قانوني في الإثبات، يجب أن يكون عبارة عن علامة مميّزة للشّخص المُوقِّع تُمكن من تحديد هويته وتميزه عن غيره، ونجد أن التّوقيع الإلكتروني يحقّقه سيما في ظل ما يتميز به من قدرة تقنية تعتمد علىأرقام سرية خاصة بكل مُوقِّع. فالتّوقيع الإلكتروني يرتبط بالتّشفير ارتباطا عضويا، والتّشفير عملية تغيير في البيانات، بحيث لا يتمكن من قراءتها سوى الشخص المُستقبِل وحده باستخدام مفتاح الفك التّشفيري، يتوفر المفتاح ذاته لدى المُرسل والمُستقبِل، ويستخدم في عمليتي التّشفير وفك التّشفير.

٢.٣-التعبير عن رضى المُوقّع: فبمجرد أن يتمّ التّوقيع، فهذا يدل على الرّضا والالتزام على العقد المتفق عليه،فالتّوقيع الإلكترونيقادر على التعبيرعن إرادةصاحبه في الموافقة على مضمون السّند، ومن ثمّ الرضى بالتّعاقد والالتزام به.

٣.٣-التّوقيع يدل على حضور صاحبه: هنا تظهر المفارقة بين التّوقيعين التّقليدي والإلكتروني،فالأول يُلزم صاحبه الحضور بنفسه أومن ينوبه للتّوقيع، في حين الثاني(الإلكتروني) لا يشترط الحضور الشخصي،فالتّوقيعالإلكتروني يُلزم صاحبه بمجموعة من الإجراءات التي تعدّ دليلا على حضوره، حيث يقوم صاحب بطاقة الائتمان بالعملية القانونية بإدخال البطاقة مع الرقم السّري، ثم إجابته للجهاز عن قيمة المبلغ المطلوب سحبه، يعد هذا الإجراء في حد ذاته توقيعا منه، ودليلا على أنه صدر منه شخصيا، وكان فعلا موجودا حين صدر منه التّوقيع في صورة أرقام سرية لا يعلمها إلا صاحب التوقيع.

فالتّوقيعالإلكتروني يعتمد على برامج معلوماتية متطورة تعمل على تشفيره وتحصينه، يكون مرهونا بحماية سرية كلمة السّر ومفتاح التّشفير،وبالتالي يصعب بل يستحيل تزويره.

ومنه نستنتج أن التّوقيع الإلكتروني يؤدي نفس الوظائف التي يؤدّيها التّوقيع التقليدي في عمومه،مما يجعله يتمتّع بنفس القوّة والحجِّية في الإثبات.

٤- أشكال التوقيع الإلكتروني

تعددتأشكال التّوقيعات الإلكترونية المستخدمة،وأخذتأبعاداً مختلفة تقوم على استخدام تقنيات تجمع بينها الوسائط الإلكترونية، التي تحوّل الأرقام والحروف إلى بيانات تخص صاحبها يستخدمها لتوقيع العقود الإلكترونية لإتمام الصفقات التي أبرمها عن بعد.

وفي ما يلي، سنحاول التّركيز علىأهمّأشكال التّوقيع الإلكترونيوأكثرها انتشارا بدون الخوض في التفاصيل:

١.٤-التّوقيع الرّقمي

يعتبر من أهم صور وأشكالالتّوقيع الإلكتروني، يُستخدم في المجال البنكيوالمعاملاتالماليةعموما، فهو عبارة عن مجموعة من الأرقام التي ترتبط برسالة بيانات، فتُحولها من رسالة مقروءةإلى رسالة غير مقروءة(مشفرة) لا يمكن فك تشفيرها إلا من قِبل الشّخص الذي لديه المفتاح الذي يفك هذا التّشفير، فالمعاملات الإلكترونية تتم عن طريق تبادل رسائل البيانات بين الأطراف بشكل مشفر يضمن السرية والخصوصية.فالتوقيع الرّقمي يعتمد على التّشفير،وهو نوعان تشفير مماثل وتشفير غير مماثل.

فالتّشفير المُماثل هو الذي يقوم على فكرة الرّقم السرّي والمعلوم من قبل صاحب التّوقيع والجهاز فقط، بينما التّشفير غير المماثل يعتمد على زوج من المفاتيح، مفتاح عام يسمح لكل شخص القيام بقراءة الرّسالة عبر الانترنت دون الاستطاعة من إدخالأي تعديل عليه، ومفتاح خاص وهو الذي لا يملكه إلاصاحب التّوقيع الرقمي،إذ لا يمكن لأي شخص آخر إجراء أي تعديل على الرّقم، وأن المفتاح الخاص يعتمد من قبل الجهة المختصة بإصداره للتّحقق من شخصية المُوقّع.

ومنه نستنج أن التّوقيع الرّقمي يقوم علىأساس أرقام سرية تُعالج بطريقة رياضية تجعل رسائل البيانات المتبادلة مشفرة غير مقروءة،مما يضمن سرّية المعلومات،كما أن وجود هيئة مختصة بتوثيق التّوقيعات الإلكترونية وتصنيفها يوفر درجة عالية من الموثوقية والمصداقية كما ذكرنا ذلك سابقا.

٢.٤-التّوقيع البيومتري

كما أن التّوقيع الرّقمي يعتمد على أرقام سرية، فالتّوقيع البيومتري (أوالتوقيع باستخدام الخواص الذاتية) يرتبط بجسم الإنسان كبصمة أصبعه أو صوته، أو الشّبكية في عينه، فهذه الخصائص البيولوجية هي التي تميّز الشخص عن الآخر، ما يجعله يتمتع بدرجة عالية من الموثوقية.

تتم طريقة التّوقيع البيومتري بتخزين بصمة الشّخص داخل دائرة إلكترونية للجهاز الذي يتم التعامل معه، بحيث لا يتم الدّخول إلا عند وضع بصمة الأصبع المتفق عليها،أو بصمة الشّفاه،أو بنطق كلمات معينة، ولا يتم التعامل بها إلا عندما يتأكد الجهاز من عملية المطابقة التامة.

ويتم التحقق من صحة التّوقيع عن طريق قيام نفس البرنامج الذي تم التّوقيع بواسطته، بفك رموز التّشفير البيومترية، ومقارنة المعلومات مع التّوقيع المخزن، ثم إرسالها إلى برنامج الكومبيوتر الذي يعطي الإشارة فيما إن كان التوقيع صحيحا أم لا.

٣.٤-التّوقيع بالقلم الإلكتروني

يقوم المُرسِل بكتابة توقيعه الشّخصي باستخدام قلم إلكتروني خاص على شاشة جهاز الحاسب الآلي، ويتم التّحقق من صحة التّوقيع من خلال برنامج خاص،اعتمادا على حركة هذا القلم والأشكال التي يتخذها، والتي قد يكون سبق تخزينها بالحاسب الآلي.

فالتّوقيع بالقلم الإلكترونييعتمد أساسا على استخدام حركة اليد للتّوقيع الذي يتم تشفيره وتخزينه الكترونيا،ليُعاد استرجاعه عندما يقوم المُوقِّع على التّوقيع على إحدى الوثائق الإلكترونية، فيقوم البرنامج الآلي المخزن في الكومبيوتر بمطابقة التّوقيعين للتّأكد من صحة هذا التّوقيع.

انطلاقا مما سبق يتأكد لنا أن التطورات المتلاحقة والمستمرة في مجال التّجارة الإلكترونية فرضتأشكالا عديدة من التّوقيعاتالإلكترونية وصولا إلى أفضل الحلول التي يمكن أن تضفي مزيدا من الخصوصية والسرية، للتّعبير عن إرادة المتعاملين في الالتزام بما وقّعوا عليه، بعد تحديد هُويتهم، وبالتالي سيادة عنصر الثقة لديهم. 

II- القواعد والقوانين المُنظمة للتّوقيع الإلكتروني في القانون الجزائري لحماية المستهلك المتعاقد إلكترونيا

إن المُشرّع الجزائري وتماشيا مع التّطورات التي مسّت ميدان الاتصال والتعاقد فيإطار التجارة الإلكترونية وما يتعلق بها، جعله يعترف بحجية التّوقيع الإلكتروني كوسيلة للإثبات، شأنه شأن التّشريعاتالأخرى،إلاأنّه تأخر في إصدار القانون الذي ينظم المعاملات الخاصة به -التّوقيع الإلكترونيوالتّصديق- مقارنة بالتشريعات العربية والأجنبية الأخرى- ويظهر ذلك في القانون ١٥-٠٤ أن المشرع الجزائري تناول نوعين من التّوقيعالإلكتروني،أحدهما عادي أو بسيط، والثّاني موصوف، فلم يُعط تعريفا محددا للتوقيع البسيط، أما في المادة ٦ من القانون المدني في المادة ٧ فقد ذكر شروط التّوقيع الإلكتروني الموصوف، حيث تنص هذه المادةعلى أن : "التوقيع الموصوف هو التّوقيع الإلكتروني الذي تتوفر فيه المتطلبات التالية:

-أن ينشأ على أساس شهادة تصديق الكتروني موصوفة؛

-أن يرتبط بالمُوقِّع دون سواه؛

-أن يكون مصمما بواسطة آلية مؤمَّنة خاصة بإنشاء التّوقيع الإلكتروني؛

-أن يكون مُنشأ بواسطة وسائل تكون تحت التحكم للمُوقع؛

- أن يكون مرتبطا بالبيانات الخاصة به، بحيث يمكن الكشف عن التغيرات اللاحقة بهذه البيانات."

من خلال قراءتنا لنص هذه المادة؛ يتبين لنا أن المشرع الجزائري حدد الشروط العامة الواجب توفرها في التّوقيع الإلكترونيلإضفاء الحجّية،وتتمثل أساسا في:

١- سيطرة المُوقِّع على التوقيع

لكي يؤدي التوقيع الإلكتروني الوظائف المنسوبة إليه، يجب أن يرتبط ارتباطا مباشرا بالمُوقع دون سواه، وهذا بموجب شهادة تصديق إلكترونية التي هي: " عبارة عن سجل إلكتروني صادر عن سلطة تصديق معتمدة، تحتوي على معلومات خاصة بالشّخص الذي يحملها، والجهة المُصدرة، وتاريخ صلاحيتها، وأيضا المفتاح العام للشّخص، فهي بمثابة الهُوية التي يصدرها شخص محايد لتعرّف بالشخص الذي يحملها، وتصادق على توقيعه الإلكتروني خلال فترة معينة، وكذا على المعاملات التي يجريها عبر الشبكات المفتوحة كالانترنت".

كماأن المشرع الجزائري حدد المتطلبات الواجب توافرها في شهادة التصديق الإلكترونية في المادة ١٥ من القانون ١٥-٠٤ كما يلي:

- أن تُمنح من قِبل طرف ثالث موثوق أو من قبل مؤدي خدمات التصديق الإلكتروني طبقا لسياسة التصديق الموافق عليها؛ 

-أن تمنح للمُوقع دون سواه؛

-أن يكون مرتبطا بالبيانات الخاصة به، بحيث يمكن الكشف عن التغيرات اللاحقة بهذه البيانات.

كما تتحقق هذه السيطرة؛إذا كان بإمكان المُوقّع السيطرة على الوسيط الإلكتروني المتضمن هذا التوقيع، وذلك لضمان أن يكون صاحب التوقيع منفردا به سواء عند التوقيع أو استعماله بأي شكل من الأشكال.

كما يتعين أن يُوضَع التّوقيع الإلكتروني بواسطة آلية لإنشائه، وأن تكون صلاحيته مثبتة بشهادة المطابقة، مع ضرورة الإشارةإلى معطيات التحقق من هذا التوقيع الآمن في الشهادة الإلكترونية الآمنة.

٢- تصميم التوقيع الإلكتروني بواسطة آلية مؤمنة خاصةبإنشاء التوقيع الإلكتروني

لقد بينت المادة ١١ من القانون ١٥-٠٤ المقصود بآلية الإنشاء المؤمنة، وحددت الشروط والمتطلبات الواجب توافرها كالتالي:

  • أن تضمن بواسطة الوسائل التقنية والإجراءات المناسبة على الأقل ما يلي:
  • ألا يكون عمليا مصادفة البيانات المستخدمة لإنشاء التوقيع الإلكترونيإلا مرة واحدة، وأن يتم ضمان سريتها بكلالوسائل التقنية المتوفرة وقت الاعتماد؛
  • ألا يمكن إيجاد البيانات المستعملة لإنشاء التّوقيع الإلكتروني عن طريق الاستنتاج، وأن يكون هذا التوقيع محميا من أي تزوير عن طريق الوسائل التقنية المتوفرة وقت الاعتماد؛
  • أن تكون البيانات المستعملة لإنشاء التّوقيع الإلكتروني محمية بصفة موثوقة من طرف الموقع الشرعي من أي استعمال من قبل الآخرين؛
  • يجب أن لا تُعدل البيانات محل التّوقيع، وأن لا تمنع أن تُعرض هذه البيانات على الموقع قبل عملية التوقيع.

من خلال ما ورد في نص المادة ١١ سالفة الذكر يتبين أن المشرع الجزائري حدد الشروط لاعتبار آليةإنشاء التوقيع الكتروني مؤمنة للحصول على شهادة تصديق الكترونية المرخصة من سلطات التصديق ( كما ذكرنا ذلك سابقا).

٣- إنشاء التوقيع الإلكتروني بواسطة وسائل خاصة تحت سيطرة المُوقِّع 

لكي يتمتع التّوقيع الإلكتروني بالحُجّية في الإثبات، يجب أن يتم إنشاؤه بواسطة أدوات تكون خاضعة لسيطرة المُوقع وحده، بحيث لا يستطيع أي شخص معرفة فك رموز التوقيع الخاصة به أو الدخول إليه، سواء عند استعماله لهذا التوقيع أو عند إنشائه.

إذن فإن الشّرط اللّازم حتى يتمتع التّوقيع الإلكترونيبالحجية في الإثبات،يجب أن يتم إنشاؤه بوسائلتكون تحت سيطرة الموقع الذي تتم في دائرته المعاملات الجارية بالسّرية التّامة، ويحقق الأمان والخصوصية، فإذا فقد الموقع هذه السّيطرة لأي سبب من الأسباب، فإن البيانات تفقد السّرية وتُكشف لكل الأشخاص فتكون مشكوك فيها، وبالتالي يفقد التّوقيعالإلكتروني حجيته في الإثبات.

٤- ارتباط البيانات الخاصة به، بحيث يمكن الكشف عن التغيرات اللاحقة بهذه البيانات

يتضمن هذا الشرط مسألة هامة يجب على التوقيع الإلكتروني أن يستوفيها لاعتباره توقيعا موصوفا لضمان سلامة بيانات إنشائه وهي سلامة محتوى المحرر الإلكتروني.

فالمُوقع يضع توقيعه عادة في نهاية المُحرر الإلكتروني، بحيث ينسحب التّوقيع على كافة البيانات الواردة بالمحرر، ولكن هذا لا يمنع من وضع التوقيع في أي مكان من المحرر،إذا اتفق الأطراف على ذلك، ولكن يلزم أن يكون التوقيع متصلا اتصالا ماديا ومباشرا بالمحرر المكتوب.

ومن أجل تحقيق الأمان والثّقة في التّوقيع الإلكتروني، يجب أن يتم كتابة المُحرّر الإلكترونيوالتوقيع عليه باستخدام نظم أو وسائل من شأنها المحافظة على صحة وسلامة المحرر الإلكتروني المشتمل على التوقيع، وتضمن سلامته وتؤدي إلى الكشف عن أي تعديل أو تغيير في بيانات المحرر الذي تم التوقيع عليه إلكترونيا.

من خلال ما سبق يتضح لنا جليا، أن المشرع وضع شروطا لابد من توافرها في التوقيع الإلكتروني حتى يمكن أن نصبغ عليه صفة الحجية في إثبات عقود التجارةالإلكترونية، وقد تم الاعتراف له بهذه الحجية، وهو ما ذهبت إليه التشريعات الأخرى سواء الأجنبيةأو العربية الصادرة في هذا المجال،بحيث اتفقت جميعها على مبدأ واحد هو توفر مجموعة من الشروط التي يستخدم للإثبات،وإلا سقطت صفة الحجية منه عند الإثبات.

خاتمة

لا شك أن التحول الهائل الذي مسَّ عالم الاتصالات،أدَّى إلى تغير الطُّرق والأساليب التي تتم بها المعاملات التجارية، فتغيرت معها وسائل التعبير عن الإدارة، حيث أصبح التبادل الإلكتروني للبيانات بديلا عن المستندات الورقية؛

كما أصبحت هذه الوسيلة البديلة عن التوقيع التقليدي، من أهم الوسائل التي كرست مبدأ الخصوصية وحفظ سرية المعلومات والرّسائل المرسلة، بحيث يمنع على أي شخص آخر الإطلاع أوالتعديل أو تحريف الرّسائل مع ضمان التأكد من شخصية ومصداقية وهوية طرفي العلاقة، وتحقيق وزيادة مستويات الأمان في التعاملات الإلكترونية في ظل التطور في مجال نظم المعلومات والاتصالات، وهذا ما يقودنا للقول بأن التقنيات الحديثة أصبحت تقوم بذات الوظيفة التي يمكن أن تقدمها الوسائل التقليدية في الإثبات، بل تفوقت عليها في بعض الأحيان إذا ما تعلق الأمر بالمعاملات الإلكترونية، ويبقى التحدي قائما أمام الجزائر في تجسيد التعاملات الإلكترونية على أرض الواقع وفي شتى المجالات، مع التأكيد على ضرورة تفعيل الآليات والتقنيات لحماية لهاته التعاملات، وضمان فضاء إلكتروني آمن لجميع المتعاقدين والمتعاملين.

توصيات الدراسة:

  • ضرورة تفعيل الآليات الداعمة لحماية التعاملات الاليكترونية.
  • توفير البنية التحتية للازمة لتوفير التعاملات الاليكترونية ومن ثم التوقيع الاليكتروني.
  • توسيع دائرة التعامل بالبطاقات الاليكترونية للتوفير في السيولة النقدية.
  • توفير قاعدة الأمان وصياغة القوانين والمراسيم القانونية لحماية طرفي التعامل.
  • توسيع دائرة الوعي بتطبيق التعاملات الاليكترونية من خلال اقامة الندوات والمؤتمرات الشارحة لهذه العملية وتوضيحها.

المراجع والهوامش:

  1. خالد مصطفى فهمي، النظام القانوني للتوقيع الإلكتروني في ضوء التشريعات العربية والاتفاقيات الدواية، دار الجامعة الجديدة، الاسكندرية2007،