العدد الحالي: تشرين 1/اكتوبر 2018       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

عظمة الفن الإسلامي والحضارة الإسلامية

د. محمد حسان محمد فائز السراج

دكتوراة في تاريخ العمارة الإسلامية - جامعة أريس

تُعْتَبَرُ الفنون بصفة عامَّة مظهرًا مهمًّا من مظاهر الثقافة السائدة في المجتمع، وبصفة خاصَّة فإن الفنَّ الإسلامي يُعَدُّ من أنقى وأدقِّ صور التعبير عن الحضارة الإسلامية، بل مرآة ناصعة للحضارة الإنسانية حيث يُعْتَبَرُ الفنُّ الإسلامي من أعظم الفنون التي أنتجتها حضارات العالم في القديم والحديث، وهو مع ذلك لم يَلْقَ من الدراسة والتحليل والشرح ما هو جدير به، بل إن كثيرًا من الذين كتبوا عنه لم تكن كتاباتهم قائمة بالفعل على المعايير الفكرية والثقافية التي قام عليها الفنُّ الإسلامي، وإنما على معايير أخرى غربيَّة. 

ومن عظمة الحضارة الإسلامية وتكاملها،أنها لم تغفل عامل الجمال كقيمة مهمَّةٍ في حياة الإنسان؛ فقد تعاملت معه من منطلق أن الإحساس بالجمال والميل نحوه مسألة فطرية متأصِّلة في أعماق النفس الإنسانية السويَّة، تلك التي تحبُّ الجمال وتنجذب إلى كل ما هو جميل، وتنفر من القبح، وتنأى عن كل ما هو قبيح.

ولا ريب في أن الإبداع الجمالي يُشكِّل بُعْدًا أساسيًّا في الحضارة الإنسانية، فالحضارة التي تخلو من عنصر الجمال وتنتفي فيها وسائل التعبير عنه، هي حضارة لا تتجاوب مع مشاعر الإنسان، ولا تُشبع رغباته النفسية، والمشتاقة دائمًا إلى كل ما هو جميل فإن روعة العمارة تعبر عن روعة الحضارة التي أنشأتها، وذلك قانون تاريخي كما يقول ابن خلدون: "إن الدولة والمُلْكَ للعمران بمنزلة الصورة للمادَّة، وهو الشكل  الحافظ لوجودها، وانفكاك أحدهما عن الآخر غير ممكن على ما قُرِّرَ في الحكمة ؛ فالدولة دون العمران لا يمكن تصوُّرها، والعمران دونها مُتَعَذَّرٌ، فاختلال أحدهما يَسْتَلْزِم اختلال الآخر، كما أن عدم أحدهما يُؤَثِّرُ في عدم الآخر..

فالفن هو موهبة وإبداع وهبها الخالق لكل إنسان، لكن بدرجات تختلف بين الفرد والآخر، بحيث لا نستطيع أن نصنف كل الناس بفنانين،إلا الذين يتميزون منهم بالقدرة الإبداعية الهائلة، والموهبة العظيمة، فكلمة الفن هي دلالة على المهارات المستخدمة لإنتاج أشياء تحمل قيمة جمالية،فالمصطلحات على تعريفة غنية  التعريفات، إذ أن الفن مهارة،حرفة، خبرة، إبداع، حدس، محاكاة..

والفن الإسلامي - هو الفن الذي يعتمد على الإنتاج الفني الذي نشأ مع وقع الهجرة عام (٦٢٢ ميلادي) وحتى القرن التاسع عشر، في منطقة تمتد من إسبانيا الى الهند.

ويطلعنا تاريخ الحضارة الإنسانية على الكثير من النماذج والأمثلة من تراثنا الفني، الذي هو تعبير عن الحضارة ولسان حال المجتمع، فإن يد الزمان تطوي الأجيال البشرية جيلا بعد جيل، غير أن التراث المادي يظل متمثلا في الرمز الفني، والصناعة المادية،وتشهد بما كان عليه حال الحضارات، وبالتالي فإنها تساعدنا في التوصل إلى معرفة أسرار هذه العلمية والإقتصادية والعسكرية والفنية وغيرها.

ويعتبر الفن الإسلامي المرآة العاكسة لنشاط الفنانين المسلمين الذين تأثروا بعد الفتوحات بفنون البلاد التي فتحوها، فامتزجت حضارتهم الفنية بفنون هذه البلاد، حيث خلف المسلمون عبر  العصور آثار معمارية بديعة وزخارف رائعة ظهرت على جميع ما خلفوه لنا،من أدوات وأبسطه ومعادن وزجاج وغيرها،حيث عمل خلفاء الدولة الأموية (٤١ هـ - ٦٦١م، ١٢٩هـ - ٧٤٩م). على جلب مواد البناء واليد العاملة من الولايات المجاورة لإقامة المدن الجديدة،وإنشاء القصور والمساجد فاستعانوا بعمال من سوريا وبيزنطة،لبناء الجامع الأموي وتجميله بالفسيفساء، وتشهد بعض الآثار المعمارية الإسلامية على التأثير القوي للفن البيزنطي والساساني خاصة في فسيفساء قبة الصخرة ببيت المقدس، وواجهة قصر المشتى التي ترجع إلى القرن الثامن كما كان هناك قصر) قصي عمرة ( وهو قصر صغير ينطوي على آية في الفن الإسلامي، وغيرها من الآثار المعمارية المبدعة التي تدل على اهتمام المسلمين بالفنون والجماليات، وعلى هذا النحو يتضح لنا وجود نهضة فنية في العالم الإسلامي تشهد بذلك ما ترجمته عنهم آثارهم المعمارية والزخرفية.

إن المتأمل في علاقة الفن بالصناعات يدرك التداخل العميق بين الموضوعين، فالصناعة لا تعد نقطة بدأ للفن فحسب، بل تلعب دورا جوهريا في إبرازه، والشائع أن كل صناعة موجودة لا بد أن تدخلها لمسة فنية.

ومن خلال ما تقدم يمكن القول أن الإبداع الفني الإسلامي، هو محاولة الفنان أن يعبر تعبيرا جماليا في إطار عقيدته، حيث خلف لنا هذا الأخير متحفا كبيرا قاعاته ممتدة من اليابان والصين شرقا،إلى المحيط الأطلسي غربا، لينتشر في إفريقيا جنوبا وأوروبا شمالا، فهو موجود حيث استقرت جماعات إسلامية، التي نقلت معها اقباسا من هذا الفن ممزوجة بروح الإسلام.

إن مجال تلك الفنون هو العالم، ورسالتها أن تطبع بإبداعاتها كل الأشياء المرئية فلذلك نجد أن جماليته موحدة في مظهرها العام ورسالتها أن تطبع العمائر الدينية والمدنية وفنون الكتب والمنتجات الحرفية، وتنتظم بصفتها مظهرا من مظاهر حياة المسلمين المادية والروحية حول مفهوم االله كمركز، ونجد فيه مفتاح معانيها العميقة فتتطابق مركزية االله في العالم الروحي مع مركزية الكعبة الشريفة على الأرض،كما يتوسط المسجد المدينة ويتوسط المحراب جدار القبلة، وتبدو هذه الدوائر المتراكزة كمراحل مادية وروحية في حركة المؤمن الدائبة نحو االله، ونجد هذا المعنى الحركي في الطواف الروحي والجسدي للأمة حول الكعبة، كما توحي بها أيضا وحدات الرقش النباتية والأطباق النجمية الهندسية الدائرة حول مراكزها.. 

وللفن خصائص يتميز عن غيره من فنون الحضارات، فهو فن قائم على أساس التوحيد،فلا مكان للوثنيات والأساطير، فهو يقدم صورة كاملة عن الإنسان والحياة، ولعل من أهم ملامح هذا الفن كراهية التصوير والتجسيد، فيم يخص الكائنات الحية، وهو بمفهومه يبتعد عن الفراغات بين الرسومات ولنقوش والزخارف، بل يعتمد على التكرار في النمط المرسوم، وخاصة في رسومات الزخارف (المساجد - القصور - القلاع..الخ).

والفن الإسلامي له أقسام، (فن العمارة - فن الخطوط العربية - فن الكتابة والشعر - فن الزخرفة الإسلامية بأشكالها الهندسية والخطية والنباتية). 

فللعلم ترى فنون الإسلام لا ترتكز على الدين،فالفن الإسلامي يُعتبر فن حضاري أكثر منه فن ديني، علي نقيض الفكرة الشائعة بأنه يوجد رسومات بشرية وحيوانية وحتي عن الرسول محمد عليه الصلاة والسلام: حُظرت هذه الرسومات تماماً عن الأماكن والكتب الدينية (المساجد، المدارس الدينية,المصاحف) بالرغم من وجود بعض الاستثناءات.

والحضارة بمفهوم الدكتور عبد العزيز عثمان التويجري بأنها تعدّدت تعريفات مصطلح الحضارة تبعاً لاختلاف المدارس الفكريّة ووجهات النظر المختلفة، إلّا أن المفهوم العام لمصطلحِ الحضارة يُعرّفها بأنّها عبارة عن مجموعةٍ من العقائد والمبادئ المنظِّمة للمجتمع، وتُمثّل ناتج النشاط البشري في مختلف المجالات كالعلوم، والآداب، والفنون، وما ينجم عن هذا النشاط من ميول قادرة على صياغة أساليب الحياة المختلفة، والأنماط السلوكيّة، والمناهج المختلفة في التفكير، وقد تطوّر مصطلح الحضارة مع تعاقب العصور وتعدّدت تعريفاته والرؤى الخاصة به، فرأى ابن خلدون أن الحضارة هي التفنّن في الترف بما يشمل الملابس، والمباني، والمطابخ، وكلّ ما يخص المنزل والأمور التابعة له، كما يُعرَّفها ابن خلدون بأنّها أحوال عادية من أحوال العمران تزيد عن الضروري بدرجات مختلفة ومتفاوتة تبعاً لتفاوت الرفاهية، وتفاوت الأمم بقلّتها وكثرتها.

وكان في مفهوم الدكتور حسين مؤنس أن الحضارة بمفهومها السليم بأنه توجيه الذهن إلى قضايا جديرة بأن توضع موضع التأمل والبحث.

فإذا وفق هذا الكتاب إلى بعث الأذهان على الـتـفـكـيـر فـي الـقـضـايـا الـتـي تعرض لها وإثارة الإهتمام بمواصلة البحث في هذه القضـايـا فـقـد أوفـ على الغاية من تأليفه، ومثل هذا الكلام قاله مونتسكيو أكثـر مـن مـرة فـي سياق كتابه المبدع عن (روح القوانين) وكوندورسيه في كلامه الـطـويـل عـن التقدم ومعناه ومغزاه،وهو أيضا ما قاله آرنولد توينبي في آخر كتبه المسمى: (البشر وأمهم الأرض)، ويعرفها الحضارة بأنها لا تتمثل فحسب في عظام المنشآت كالأهرام أو قصور فرساي أو العمـائـر الـشـاهـقـة الـتـي تصعد في الجو،كأنها تنطح السحاب في نيويورك بل هي تتمثل في صورةأوضح وأصدق في صغار الاكتشافات التي تقوم عليها حياة البشر، فرغيف الخبز مثلا أنفع للبشر من الوصول إلى القمر،وبالفعل أنفقت الإنـسـانـيـة عشرات الألوف من السنين حتى وفقت إلى صنع رغيف الخبز أو إناء من الفخار، وانتقلت نتيجة لذلك من حقبة من التاريخ إلى حقبة أخرى جديدة والعبرة في منجزات البشربما ينفع أكبر عدد من الناس وييسر لهم أسباب الاستقرار والأمن لا بما يبهر العيـون ويـرد الإنـسـان إلـى الـشـعـور بـالـقـلـق وانعدام الأمن،لأن الذين ينفقون الملايين ليهبطوا على سطح القمر، قصدوا أول ما قصدوا إلى إظهار امتيازهم على غيرهم وسبقهم لبقية الناس فـي ميدان التقدم،وهذا زهو وغرور ينطـويـان عـلـى شـر فـهـمـا فـي الحـقـيـقـة تهديد للآخرين إذ أن الصاروخ الذي دفع مركبة القمر في الفضـاء يـقـوم على النظرية نفسها التي يقوم عليها الصاروخ الذي يعبر القارات ليخـرب المدن ويقضي على ألوف الناس..فالحضارة-في مفهومنا العام-هي ثمرة كل جهد يقوم به الإنسان لتحسين ظروف حياته سواء أكان المجهود المبذول للوصول إلى تلك الثمرة مقـصـودا أم غيـر مـقـصـود،وسـواء أكـانـت الـثـمـرة مـاديـة أم معنوية، وهذا المفهوم للحضارة مرتبـط أشـد الارتـبـاط بالتاريخ،لأن التاريخ كما سنرى هو الزمن والثمرات الحضارية التي ذكرناها تحتاج إلى زمن لكي تطلع أي أنها جزء من التاريخ،أو نتاج جانـبـي لـلـتـاريـخ وكما أن ثمر الـزروع والأشـجـار لا يـطـلـع إلا بـفـعـل الزمن، إذ لا يمكن أن تزرع وتحـصـد ثـمـرة مـا فـي نفس الوقت، فإن ثمار الحضارة لا تظهر إلا بإضافة الزمن إلى جهد الإنسان.

 فمع بداية العهد العباسي والتي استمرت حتى منتصف القرن الرابع للهجرة، وتتمثل في الإلتقاء الحضاري والثقافي الذي حدث ما بين الحضارة الإسلامية وغيرها من الحضارات والشعوب، حيث اهتم المسلمون العرب بعلوم وثقافات الشعوب الأخرى وبدئوا بالتتلمذ على أيدي علمائهم ومثقفيهم واكتساب المعرفة المتنوعة منهم في مختلف مجالات العلوم والحساب والفلك، وتمكنوا من تفهم عناصر الحضارات الأخرى ومكنوناتها، وعملوا هم وغيرهم من المسلمين العجم على بناء حضارة عظيمة ومزدهرة محتفظين بروح الدين الإسلامي والمثل العليا المكوّنة له.

وتمثلت أيضاً في مرحلة الفتوحات الإسلامية التي بدأها الخلفاء الراشدون وتابعها الخلفاء الذين قدموا فيما بعدهم، وشكلت هذه المرحلة دوراً مهماً في توسيع رقعة الدولة الإسلامية ونشر حضارتها في بقاع واسعة من العالم بفضل ما حملته هذه الفتوحات من تبليغ وتعليم لأسس حضارة الإسلام للأمم الأخرى، والتي تمثلت في الدين الإسلامي واللغة العربية، ووصلت هذه المرحلة إلى أوجها خلال العهد الأموي.

وبدأت محلة الإبداع المتنوع مع منتصف القرن الرابع للهجرة واستمرت حتى بدايات القرن الثامن للهجرة، وتتمثل في التأثير الكبير الذي أحدثته الحضارة العربية الإسلامية في الحضارة الأوروبية آنذاك، إلا أنّ الغزو المغولي المتكرر لها والتهديد الذي أحاط بها على أعقاب ذلك منع من استمرار هذه المرحلة وتطورها، ثمّ عقبها مرحلة الحضارة التي سادت في فترة الحكم العثماني وتسببت في تمايز الشعوب العربية الإسلامية كما حدث في مصر والبلاد الفارسية والهند.

إذاً كان لظهور الدين الإسلامي الحجر الأساس في قيام الحضارة العربية الإسلامية، حيث لعبت الحضارة الإسلامية العربية دوراً كبيراً ومهماً في تكوين الحضارة الإنسانية العالمية وتوجيهها وصولها إلى ما هي عليه في عصرنا الحالي من تطور وتقدم، وذلك لما اشتملت عليه الحضارة الإسلامية من تطور علمي وثقافي ورق إنساني سريع وشامل لكافة مجالات الحياة والعلوم.

وللحضارة الإسلامية خصائص تتميز عن غيرها من الحضارات الأخرى بصفات حساسة ومهمه، وقد تطرق لهذه الخصائص الكثير من الكتاب والمؤخرين،وتداخلوا بتصنيفها بمفاهيم كثيرة ومصادر عديدة، منها مستلهمة من الشرع، ومنها من العادات والتقاليد الاجتماعية، ومنها القوانين والتشريعات، ولنتطرق إلى معظم جوانبها. ومن أهمها:

- حضارة مصدرها الوحي: أي تعتمد على الإيمان بالله تعالى والتوحيد الكامل والمُطلق، فتعطي لمختلفِ الأنظمة في الحياة الطابع التوحيدي القائم على الوحدة في العبوديّة، والربوبيّة، والتشريع، والنظر إلى الكونِ والإنسان الذي يعيش فيه.

- حضارة إنسانيّة: فتكرم الإنسان وتخدمه، وتهدف إلى التقدّم والرّقي في مُختلفِ نواحي الحياة، وتضم مختلف الأجناس دون التفريق بينهم، وتعطيهم فرصاً متساوية في الحياة. 

- حضارة أخلاقيّة: وهي حضارة لا تعبث بالقيم الإنسانيّة من خلال تبني مسمى النسبيّة، بل يتساوى النّاس تحت لوائها دون الخضوع إلى معايير مزدوجة، وإن القيمَ الاخلاقيّة هي التي تحكمها وتنظّمها، ومنها العدل، والصّدق، والوفاء بالعهود، وغيرها من القيم الأُخرى التي حثَّ عليها الرسول الكريم صلّى الله عليه وسلّم. 

- حضارة عقليّة وعلميّة: وهي حضارة تحثّ على العبادة بالتفكّرِ والتأملِ وإعمال العقل، كما يتفقُ فيها العقلُ مع الوحي، والعلمُ والدّين، ولا يناقض أو يصادم كلٌّ منهما الآخر، بل يأتي التصادم من تداخل الأهواء وقلّة الوعي أو نقص موضوعيّة العقل. 

- حضارة تقوم على التسامح: إذ لم تظهر حضارة قبلها اتصفت بالتسامح كما اتصفت بها الحضارة الإسلامية، وخصوصاً التسامح بين الأديان؛ حيث تعايشت الحضارة الإسلاميّة مع الأديان الأُخرى.

- حضارة العدل والمساواة والرحمة: لأنها تعتمد على تكامل الجانب المادي والجانب المعنوي، وجميع الأفراد في الحضارةِ الإسلاميّة أمام شرع الله سواء، كما أنها توازن بين الرّجل والمرأة، وبين العقل والوحي، وبين الفرد والمجتمع، وبين الدّين والدُّنيا، فلا تصادم فيها بينهم، وهي بذلك حضارة قائمة على التكامل.

- حضارة حيوية: أي ترفض اليأس من الحياة، وتسعى إلى تحقيق السعادة في الدُّنيا والآخرة، وتنادي بإعمارِ الأرض باسمِ الله تعالى. 

- حضارة شاملة: فتشمل أحكامها الدُّنيا والآخرة والكون بأكمله، وليس الإنسان فقط، كما أنها حضارة تتفاعل مع الحضارات والعقائد الأُخرى؛ حيث نقلت العديد من الفنون والعلوم إلى أنحاء أوروبا، وقد استفادت من الحضارات الأخرى وأفادتها. 

- حضارة تراعي عادات المجتمع: ولكن يجب ألّا تُخالف هذه العادات والتقاليد الدّين والشرع. حضارة تدرك قيمة الزَّمن: فقد حثَّ الرسول صلّى الله عليه وسلّم على الاهتمامِ بقيمة الوقت والزَّمن، فالإنسان سيُسأل عن عُمره فيما أفناه، وعلمه فيما عمل به، وماله كيف كسبه وكيف أنفقه، وجسده فيما أبلاه.

- حضارة صالحة لكلِّ زمان ومكان: فلا تقتصرُ على منطقةٍ مُعينةٍ أو فئةٍ مُحدّدةٍ من النّاس. حضارة اللغة العربيّة لغتها الأصلية: وهي لغة الدّين، والعلوم، والأحكام، والثقافة؛ حيث إنها لغة ذات أصول ثابتة وقابلة للتجدّدِ دائماً.

إذا فعظمة الحضارة الإسلامية تمحور على ما قدمه الإسلام للمجتمع البشري من قيمٍ ومبادئ، وقواعد ساعدت على الرفع من شأنه وتقدّمه في جميع الجوانب، وتهدف الحضارة الإسلامية إلى تحقيق السعادة الروحية للبشر كافةً وتعمير الأرض وتنميتها وفقاً لشريعة الله تعالى، مصداقاً لقوله عزّ وجلّ: (هُوَ أَنْشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) [هود: ٦١] وترتكز على الجوانب المادية التي يدرك الإنسان ثمارها بحواسه، وعلى كل ما تحمله الإنسانية من معنى دون التمييز بين الناس على أساس اللغة أو الجنس أو الوطن.

وكما نلاحظ فإنّ المسلمون قد كانوا بإسلامهم العظيم مصدراً للإشعاع الحضاري والإنساني على مستوى العالم بأسره، حيث انتقل نور حضارتهم للعلم، وكان ذلك بفضل فهمهم لرسالة الإسلام العظيمة، وفهمهم للدور العظيم الملقى على عاتقهم، فامتثلوا أوامر ربهم وحملوا بحق رسالتهم، وكانت كتبهم تترجم إلى اللغات الأخرى وتدرس في مدارس الأمم الأخرى، وعندما انحرفت البوصلة لدى الأمّة بشكل عام، تراجع العرب وتراجعت حضارتهم، واليوم وفي غمرة التقدّم العلمي الكبير هناك واجب ومسؤوليّة ملقاة على عاتق الجميع بالنهوض من جديد كلّ في موقع عمله ومجال تخصصه، انطلاقاً من التعليم ونظمه ووسائله، مروراً بالعصر وتقنياته المختلفة، وانتهاء بالإعلام ودوره العظيم، ونظم الحكم الصالحة والراشدة، هي الضمانة لتحقيق ذلك كله، فامتنا بإسلامها، وأصالة عروبتها هي قويّة، فنحن أمّة لا يستقيم عودها ولا تكون عزتها إلا بما أعزّها الله به، بالقرآن والسنة النبوية الشريفة.

وقد مرت على الحضارة العربية الإسلامية العديد من الفترات الهامة التي سطع فيها نجمها بين سائر الأمم والحضارات الأخرى، فقد كان العرب والمسلمون متميزون من وجوه عدة لا حصر لها، وكانت أمتهم أمة راقية ذات طابع خاص، ومن هنا فإنّ أياديهم البيضاء، وآثارهم العظيمة لا تزال موجودة حتى يومنا هذا، فقد أسس العرب والمسلمون لنهضة حقيقية عالمية شاملة استفادت منها الحضارات الأخرى، وعلى رأسها الحضارة الغربية، ومن أبرز المحطات العظيمة في التاريخ العربي الإسلامي محطة الأندلس، حيث استطاع الأسلاف تأسيس حضارة عظيمة امتدت على مدى قرون طوال، تركت العديد من المظاهر لهذه الحضارة.

ومن أبرز ما تمثلت به الحضارة الإسلامية تفاعل جميع القيم والتعاليم الإسلامية مع المجتمع البشري؛ وهي تلك النظم التي قامت عليها تلك الحضارة الإسلامية، والتي شملت أمور الحكم والإدارة، والسلام، والحب، والاجتماع، والاقتصاد، وكل ما يتصل بتنظيم أمور الدولة المسلمة، التي هي المحتوى العلمي لقيم الحضارة الإسلامية, وحديثنا في هذا المقام عن النظام الاقتصادي في الحضارة الإسلامية.

وهكذا نرى أن المنظومة الاقتصادية في الحضارة الإسلامية كانت تمثل معلمًا بارزًا من معالم تلك الحضارة، ضمنت لتلك الحضارة وتلك الدولة المسلمة الإستقلالية والإستمرارية والتوسع والإنتشار، وأيضًا الشفافية في التعامل والحرية في اتخاذ قراراتها، فإن الدولة متى اعتمدت على غيرها في المساعدات والقروض، فقد تخلَّت طواعية عن سيادتها واستقلاليتها لصالح من تأخذ منه الأموال، وهذا وقع بالفعل لكثير من بلاد المسلمين الآن، وهذا رغم تراثهم العظيم والحافل من رصيد التجربة في الحضارة الإسلامية.