العدد الحالي: حزيران/يونيو 2018       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

وقف النقود والاستثمار

علية حامد الشمراني

ماجستير اقتصاد من جامعة الملك عبدالعزيز

كان للوقف الفضل الكبير في نهوض الحضارة الاسلامية في السابق،ولما له من أثر كبير في المجتمع الأسلامي سنجد الكثير من العلماء بمختلف المذاهب ناقشوة من جميع النواحي الاقتصادية والاجتماعية.

١- تعريف الوقف لغة واصطلاحاً: الوقف في اللغة هو الحبس والمنع.

الوقف بفتح الواو وسكون القاف، مصدر وقف الشيء وأوقفه بمعنى حبسه وأحبسه. وتجمع على أوقاف ووقوف(). وسمي وقفاً لما فيه من حبس المال على الجهة المعينة.

وفي الاصطلاح الفقهي هو: "حبس عين والتصدق بمنفعتها. وحبس العين يعني أن لا يتصرف فيها بالبيع أو الرهن أو الهبة ولا تنتقل بالميراث، ويعني التصدق بمنفعتها صرف منافعها أو ريعها لجهات البر بحسب شروط الواقف. والوقف جائز عند جميع الفقهاء().

من أقوال العلماء:

القول الأول: عدم صحة وقف النقود.

أقوال فقهاء الحنفية: قال الإمام أبو حنيفة: لا يجوز وقف المنقول أياً كان، وقال الصاحبان: يجوز من المنقول ما كان تابعاً للعقار، أو ورد به النص، كالكراع والسلاح، واستثنى الإمام محمد بن الحسن() رحمة الله تعالى أيضاً جواز وقف ما جرى فيه التعامل()، وتعارف الناس وقفه كالفأس والمنشار…، لأن القياس يترك بالتعامل، والنقود من المنقولات().

من أقوال الشافعية: قال الإمام الغزالي() رحمة الله عليه: (وشرطه أن يكون مملوكاً معيناً تحصل منه فائدة أو منفعة مقصودة دائمة مع بقاء الأصل)(). 

ثم قال: (قولنا: "مقصودة" احترزنا به عن وقف الدراهم والدنانير للتزيين، وفيه خلاف، كما في إجارته، لأن ذلك لا قصد منها)().

من أقوال الحنابلة: قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه(): (فكثير من أصحابة يعني "أصحاب الإمام أحمد" منعوا وقف الدراهم والدنانير، لما ذكره الخرقي ومن اتبعه)().

القول الثاني: صحة وقف النقود:

الإمام محمد بن شهاب الزهري رحمه الله(): روى ذلك عنه الإمام البخاري رحمه الله معلقاً، قال: (قال الزهري، فيمن جعل ألف دينار في سبيل الله ودفعها إلى غلام له تاجر يتجر بها وجعل ربحه صدقة للمساكين والأقربين، هل للرجل أن يأكل من ربح ذلك الألف شيئاً وإن لم يكن جعل ربحها صدقة في المساكين؟ قال: ليس له أن يأكل منها)( ).

بعض الحنفية: وعلى رأسهم محمد بن عبد الله الأنصاري () رحمه الله فقد جاء في غير مصدر من مصادر الحنفية: (وعن الأنصاري وكان من أصحاب زفر()، في من وقف الدراهم أو الدنانير أو الطعام أو ما يكال أو ما يوزن أيجوز؟ قال: نعم.

قيل: وكيف؟ قال: تدفع الدراهم مضاربة ثم يتصدق بها في الوجه الذي وقف عليه وما يكال وما يوزن يباع ويدفع ثمنه مضاربة أو بضاعة)(). 

المالكية:وصحة وقف النقود بلا كراهة هو أيضاً المعتمد عند المالكية، بناء على أن المعتمد عندهم صحة وقف كل منقول()، جاء في المدونة: (فقلت لمالك أو قيل له: فلو أن رجلاً حبس مائة دينار موقوفة يسلفها الناس ويردونها على ذلك جعلها حبساً هل ترى فيها الزكاة؟ فقال: نعم أرى فيها الزكاة)().

بعض الشافعية: هناك وجهان عند الشافعية في وقف النقود: وجه بالجواز، وآخر بالمنع، قال الشيرازي() رحمه الله (اختلف أصحابنا في الدراهم والدنانير، فمن أجاز إجارتها أجاز وقفها ومن لم يجز إجارتها لم يجز وقفها)().

وصحة وقف النقود أيضاً رواية عن الإمام أحمد: اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فقد روى عن إسماعيل بن سعيد قال: (سألت أحمد عن الوقف؟ فقال: هو جائز في كل شيء().

لقد تبين لنا رجحان مذهب الجمهور في جواز وقف المنقولات التي يمكن الإفادة منها مع بقاء عينها، وتأسيساً على ذلك يمكن القول بمشروعية وقف النقود، وليس في الشريعة ما يمنع من ذلك إلا إذا اشترط الواقف أن تبقى عينها ثابتة لا تتحرك ولا تستعمل إذ لا فائدة حينئذ منها.

بل يستحسن ألا يكون الوقف مركزاُ في الأصول العقارية التي تحتاج إلى ترميم وعمارة مستمرين، ولوقف الأصول العينية كالنقود والأسهم ونحوهما محاسن عديدة، فهي لا تحتاج إلى ترميم في أغلب الأحوال، ويمكن ضبط حساباتها بعناية، فتكون بمنأى عن السرقة والخيانة والتلاعب وبمنجاة عن مظنة التفريط والأهمال، كما أن وقف المنقولات السائلة لا يؤدي إلى التجميد الثروة وحبسها عن الجريان في شرايين الحياة الاقتصادية بخلاف وقف العقار الذي ينشأ عنه حبس الثروة العقارية عن التداول وهي العمود الفقري لاقتصاد المجتمع كما قد يعرضها لتعطيل أو تصنيع أو إساءة الاستثمار وما إلى ذلك من سلبيات.

ومع أن النقود مندرجة في المنقولات إلا أن كثيراً من العلماء من مختلف المذاهب قد خصوها بذكر().

٢- طرق استثمار وقف النقود:

تعريف الصناديق الوقفية:

الصندوق الوقفي هو وعاء تجتمع فيه أموال موقوفة تستخدم لشراء عقارات وممتلكات وأسهم وأصول متنوعة تدار على صفة محفظة استثمارية لتحقيق أعلى عائد ممكن ضمن مقدار المخاطر المقبول. والصندوق يبقى ذا صفة مالية إذ إن شراء العقارات والأسهم والأصول المختلفة وتمويل العمليات التجارية لا يغير من طبيعة هذا الصندوق لان كل ذلك إنما هو استثمار لتحقيق العائد للصندوق. فليست العقارات ذاتها هي الوقف ولا الأسهم. ومن ثم فان محتويات هذا الصندوق ليست ثابتة بل تتغير بحسب سياسة إدارة الصندوق. ويعبر عن الصندوق دائماً بالقيمة الكلية لمحتوياته التي تمثل مبلغاً نقدياً. وهذا المبلغ هو الوقف وهو بمثابة العين التي جرى تحبيسها. والأموال في الصندوق مقسمة إلى حصص صغيرة تكون في متناول الأفراد من المسلمين الراغبين في الوقف. وتوجه عوائد الصندوق إلى أغراض الوقف المحددة في وثيقة الاشتراك في الصندوق تحت إشراف ناظر الوقف ويكون للصندوق شخصية اعتبارية إذ يسجل على صفة وقف. فالصندوق الوقفي إذن هو وقف نقدي().

حكم وقف الأسهم والسندات:

وقف المشاع أما يكون قابلاً للقسمة وإما أن يكون غير قابل للقسمة.

فإن كان مما يقبل القسمة فيصبح وقفه عند الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة، هو أيضاً قول القاضي أبي يوسف ومن تبعه من الحنفية.

وذهب محمد بن الحسن ومن تبعه من الحنفية إلى عدم صحة المشاع إذا كان يقبل القسمة.

ومبنى الخلاف عند الحنفية على اشتراط القبض في الوقف، فمن شرطه قال بعدم صحة المشاع، لأن القسمة من تمام القبض، ومن قال بعدم اشتراط القبض قال بصحة وقف المشاع، ولكن إذا حكم القاضي بصحة ما يقبل القسمة صح اتفاقاً عندهم لأن قضاء القاضي في المجتهد فيه يرفع الخلاف().

وإن كان مما لايقبل القسمة فهدا أجازة الجمهور، واختلفت فيه أقوال المالكية فمنهم من قال مثل الجمهور بصحة وقف المشاع ومنهم من قال بعدم صحته، وهما قولان مرجحان في المذهب.

استدل الجمهور بأدلة منها:حديث عبدا لله ابن عمر رضي الله عنه: قال عمر للنبي صلى الله عليه وسلم: إن المائة سهم التي لي بخيبر لم أصب مالأً قط أعجب إلى منها، قد أردت أن أتصدق بها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (احبس أصلها وسبل ثمرتها)(). والحديث ظاهر في وقف المشاع.

فإن قيل:يحتمل أن ذلك كان مقسوماً.

يجاب عنه بأن سهام الصحابة بخيبر كلها كانت مشاعة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وقسمها عمر رضي الله عنه في خلافته().

حديث أنس رضي الله عنه: أمر النبي صلى الله عليه وسلم ببناء المسجد فقال: (يا بني النجار ثامنوني حائطكم هذا)، فقالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله().

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: (قال ابن المنبر: احترز عما إذا وقف الواحد المشاع، فإن مالكاً لا يجيزه لئلا يدخل الضرر على الشريك.

وفي هذا نظر لأن الذي يظهر أن البخاري أراد الرد على من ينكر وقف المشاع مطلقاً، وقد تقدم قبل أبواب أنه ترجم: إذا تصدق أو قف بعض ماله فهو جائز وقد وقف الواحد المشاع) وهناك أدلة أخرى ولعل فيما ذكرنا كفاية.

ولم يستدل محمد بن الحسن رحمة الله عليه تعالى ومن وافقه من الحنفية في عدم صحة وقف المشاع، إذا كان يقبل القسمة بأدلة نقليه، وإنما عمدتهم في ذلك قياس الوقف على الصدقة النافذة، فإنها لا تجوز عند الحنفية.

ويناقش هذا وجهين:

الأول: أنه قياس في مقابلة النص فلا يلتفت إليه.

الثاني: أن في الأصل المقيس عليه خلافاً بين أهل العلم، فذهب الجمهور إلى جواز هبة المشاع، خلافاُ للحنفية الذين قالوا: لا تصح هبة المشاع فيما تمكن قسمته ().

وبناء على ما تقدم فإن الراجح هو جواز وقف المشاع مطلقاً، سواء أكان مما يقبل القسمة أم لا ن فعليه يجوز وقف الأسهم وصكوك المقارضة وما شابهها، لأنها تمثل حصصاً شائعة معلومة لمالكيها في الشركة بشرط أن يكون أصل نشاط هذه الشركات مشروعاً يباح الانتفاع بها في غير حال الضرورة، كما يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها، فيتوافر فيها جميع شروط صحة الوقف.

وقد نص قانون الوقف المصري بجواز وقف الأسهم بالشرط المذكور، وكذالك القانون اللبناني، كما قال بجوازه من اطلعت على أقوالهم من الباحثين المعاصرين في المسألة .

٣- الوقف والاستثمار:

المفاهيم المتعلقة بالاستثمار: 

دالة الاستثمار:

هناك علاقة بين مستوى الدخل (Y) والاستثمار المحفز، بمعنى وجود ميل حدي للاستثمار موجب مشابه للميل الحدي للاستهلاك وعليه يمكن تعريف دالة الاستثمار على أنها علاقة دالية بين حجم الاستثمار ومستوى الدخل.

ويمكن كتابتها بالصيغة التالية():

I = f ( Y )

I = α + BY

معنى ومفهوم الاستثمار: للاستثمار وجهان متكاملان، فهو من حيث الأصل يعنى به عملية التكوين الرأسمالي الذي يقصد منه حيازة أو تكوين أصل للانتفاع به في المستقبل، ولذا جاء تعريف الاقتصاديين للاستثمار بأنه «الجهد الذي يقصد منه الإضافة إلى الأصول الرأسمالية»()، ومن وجه آخر يطلق الاستثمار على عملية استخدام هذه الأصول للحصول على المنفعة المقصودة منه وهذا ما يظهر في تعريفه لدى بعض الكتَّاب حيث يقول أحدهم «كلمة استثمار تستخدم لتعنى شراء - أو اقتناء - أية أصول يتوقع منها مكاسب في المستقبل»(). أي أن عملية الاستثمار تشمل كل من:

- تكوين أصل رأسمالي، ويتمثل ذلك بإنشاء الوقف ثم الإضافة عليه وتجديده وإحلاله للمحافظة على طاقته الإنتاجية ممثلة في ما يغله من منافع أو عوائد.

- عملية استخدام الأصل للحصول على الغلة.

يعرف الاستثمار على أنه الإضافة إلى رصيد المجتمع من رأس المال من خلال عملية إنتاج السلع الرأسمالية أو الاستثمارية مثل شراء الآلات والمعدات الجديدة والمباني والمصانع().

الهدف من الاستثمار: ربما يتصور البعض أن الهدف من الاستثمار هو الحصول على العائد أو الغلة فقط، ولكن في الحقيقة فإنه يسبق ذلك هدف أكثر أهمية وهو المحافظة على الأصل الذي يدر هذا العائد وهذا ما يقول به الكتَّاب المعاصرون في مجال الاستثمار حيث يقول أحدهم():

عندما ننشئ مشروعاً ونجمع له الأموال اللازمة فإننا نطلق على هذه العملية عملية استثمار - ثم يحدد الهدف منها بقوله - فالمطلوب أولاً المحافظة على الأموال المستثمرة، وفضلاً عن ذلك فإن أصحاب الأموال المستثمرة يتوقعون تعويضاً عن استخدام هذه الأموال يطلق عليه الدخل الذي تدره هذه المشروعات.

وهذا ما سبق به علماء الإسلام في تصور واضح حيث جاء: إن المقصود من التجارة: «سلامة رأس المال مع حصول الربح»(). وبتطبيق ذلك على الأوقاف نجده واضحاً في أقوال الفقهاء بالاتفاق بأن العمارة (المحافظة على عين الوقف) مقدمة على الصرف للمستحقين().

محددات الاستثمار( ):

سعر الفائدة: يعتبر سعر الفائدة على القروض الممنوحة للمستثمرين عن الكلفة المالية الداخلية في قرار الاستثمار، حيث أن العلاقة بين حجم الاستثمار ومعدل الفائدة هي عكسية.

وسعر الفائدة نوعين سعر فائدة الاسمي ويمثل السعر المعلن علية في البنوك، سعر الفائدة الحقيقي ويمثل القوة الشرائية للفائدة. والفائدة هي الربا المحرم في الشريعة الإسلامية.

الأرباح:علاقة مستوى الأرباح بالاستثمار علاقة قوية، حيث زيادة الأرباح تؤدي إلى زيادة الأموال المستثمرة في المشروعات.

أنواع الاستثمار( ):

النوع الأول: الاستثمار الاحلالي: هو القدر اللازم من الاستثمار لا يضيف إلى رصيد المجتمع من رأس المال بل يؤدي إلى زيادة القدر الإنتاجية للاقتصاد القومي وخاصة إذا كان الاستثمار في الآلات والمعدات التي تتميز بارتفاع مستوى التقنية.

النوع الثاني: هو الاستثمار الصافي والذي يمثل الإضافة الصافية إلى رصيد رأس المال.

الاستثمار الصافي = الاستثمار الإجمالي الاستثمار الاحلالي 

وتتعدد هذه الأنواع طبقاً لما يلي():

١- من حيث القطاع الاقتصادي: تنقسم إلى استثمارات زراعية، صناعية، تجارية، وخدمات مالية وغيرها، ولكل مال طبيعته في توجيهيه للقطاع الذي يناسبه فالأراضي للزراعة، والمباني للخدمات العقارية والنقود تتميز بالمرونة حيث يمكن استثمارها في شتى القطاعات.

٢- من حيث أساليب أو أوجه الاستثمار: بمعنى الطرق التي يتم استخدام مال الوقف بواسطتها للحصول على الغلة، وتنقسم إلى أوجه عدة منها ما هو متعارف عليه قديماً لدى الفقهاء وهو الإجارة، ومنها ما هو مستحدث مثل المشاركة والمساهمات والمتاجرة والإيداع في المصارف، والأوراق المالية وغير ذلك مما سنبينه بعد.

خصائص الاستثمار():

لأن الاستثمار عمل مستقبلي كما ظهر من تعريفه فإنه توجد خصائص يلزم مراعاتها ومنها:

  • أن النتيجة فيه تكون مجهولة فقد يتحقق العائد أو لا يتحقق.
  • أنه يعمل في ظل عدم التأكد وبالتالي يصعب على المستثمر أن يحدد بدقة العائد المتوقع على الاستثمار فهو يعمل في إطار الظن الغالب، وهذا ما يمثل أساساً لمحاسبة ناظر الوقف.
  • أنه يعمل في ظل مخاطر الكثير منها لا يمكن توقعها بدقة أو التحكم فيها بواسطة مدير الاستثمار ومن أهمها مخاطر السوق، ومخاطر تقلبات القوة الشرائية للنقود، ومخاطر التوقف عن سداد الالتزامات، ومخاطر الإدارة. وهذا يتطلب العمل على الاحتياط ضد هذه المخاطر بكل السبل.
  • أن الاستثمار يحتاج إلى مدة من الزمن مستقبلية لتحقيق العائد منه وأنه في ظل هذه المدة قد تحدث متغيرات تؤثر على حجم العائد، ومن هنا يلزم مراعاة أمرين:

أولهما: خاص باختيار المشروع الوقفي (الاستثمار في الوقف) حيث يلزم إعداد دراسة جدوى متكاملة ودقيقة، لأن الاستثمار في الوقف طويل الأجل ولا يمكن تعديله بعد قيامه بدون خسائر كبيرة.

ثانيهما: خاص باستثمار مال الوقف في أوجه استثمار مرنة يمكن تصفيتها بسهولة وبدون خسارة إذا قل العائد منها، أو يمكن تعديلها في ظل ما يحدث من متغيرات. وهذا ما يمكن ملاحظته في تناول الفقهاء لمسألة مدة الإجارة لأعيان الوقف.

معايير الاستثمار: ومما سبق يمكن القول إن معايير الاستثمار في الوقف ولمال الوقف تقوم على الآتي:

  • المشروعية: يعنى الالتزام بالأحكام الشرعية في إنشاء واستثمار ا لوقف.
  • تحقيق الهدف من الوقف بصفته مشروعاً استثمارياً وذلك بالمحافظة على أصل الوقف وتحقيق أقصى غلة ممكنه.
  • تنويع أوجه الاستثمار بما يناسب كل مال موقوف، والتنويع في محفظة الاستثمار لكل مال.
  • العمل على تقليل المخاطر إلى أدنى حد ممكن والاحتياط لها سلفاً.

وهكذا ننتهي من هذا المبحث الذي تضمن الخصائص الأساسية لكل من الوقف والاستثمار والتي تفيد في بيان كيفية استثمار الوقف في المباحث التالية.

استثمار غلة الوقف: إن استثمار غلة الوقف بمعني رسملتها وإضافتها إلى الوقف الأصلي الذي نتجت عن استغلاله بيناه في الفقرة السابقة ويجري عليه ما يجري على الوقف الأصلي من استثماره، وطبقاً لما ذكرناه في فقرة أساسيات التصرف في الغلة فإن الأصل هو صرفها بالكامل إلى مستحقيها وعدم تأخير ذلك ولكن خروجاً على هذا الأصل قد توجد حالات استثنائية تبقي الغلة في يد الناظر لفترة قصيرة، فهل يجوز استثمارها؟ بداية نوضح هذه الحالات الاستثنائية في الآتي():

١- الإيرادات المقبوضة مقدما: وصورتها كما أوردها الفقهاء في عبارات متعددة منها: «ولا يقسم من كراء الوقف إلا ماض زمنه.. وحاصلة:أن الحبس إذا كان على قوم معين وأولادهم فإن الناظر لا يقسم من غلته إلا الغلة التي مضي زمنها فإذا أجر الدار أو الأرض مدة فلا يفرق الأجرة إلا بعد مضي المدة() وهذا يسبق ما يقول به الفكر المحاسبي في أن الإيرادات المقدمة لا تظهر في قائمة الدخل في السنة المحصلة فيها.

٢- إذا كان الإيراد أو الغلة تحصل سنوياً والصرف على الوجوه المستحقة يتم شهرياً مثلاً وفى ذلك جاء من ضمن واجبات ناظر الوقف (وقسمتها أي الغلة على مستحقيها، ويراعى زمناً عيَّنه الواقف فلا يجوز له ولا لغيره أخذ معلوم قبل وقت استحقاقه وله جعل المال تحت يده من حيث الولاية لا الاستحقاق ليأخذ هو وغيره منه قدر معلومة في وقفه من شهر أو سنة أو غيرهما»().

٣- انقطاع المستحقين والبحث عن بديل لهم وتوافر غلة من الوقف في يد الناظر.

٤- غياب بعض المستحقين والاحتفاظ بالغلة حتى حضورهم.

وهنا نتساءل: هل يجوز استثمار هذه المبالغ استثماراً قصير الأجل حتى يحين موعد صرفها أم لا؟

إن هذه المسألة لم ترد في أقوال الفقهاء السابقين بشكل موسع جرياً على الأصل في ضرورة توزيع الغلة أولاً بأول، ولكن يمكن الاستئناس في ذلك بما ورد بخصوص استثمار المال المدخر من الغلة للعمارة، ومال الاستبدال حيث جاء «ويجب على ناظر الوقف ادخار شيء مما زاد من غلته لعمارته وشراء عقار بباقية، وأفتى بعض المتأخرين بجواز الاتجار فيه إن كان من وقف مسجد وإلا فلا»(). كما وردت إشارة عن استثمار مال الاستبدال نصها هو: «فإذا كان بيد ناظر الوقف مبلغ من النقود استبدل به عن عقار الوقف بالوجه الشرعي وبقى عنده ليشترى به عقاراً للوقف بدل الأول، فقام بعض مستحقي الوقف يكلف الناظر إلى كفيل يكفله بالمبلغ أو يكتبه الناظر على نفسه بالمرابحة، أو يدفعه له ولبقية المستحقين ليدفعوه بالمرابحة، فهل لا يكلف إلى ذلك بدون وجه شرعي ويبقى المبلغ تحت يده ليشترى به عقاراً للوقف؟ (الجواب) نعم ولا تصح الكفالة بالأمانات كمال الوقف كما في فتاوى المانوتى من الكفالة وبمثله أفتى الشيخ الرملي.. وأعقب ذلك بقوله: « لو لم يتجر الوصي بمال اليتيم هل يجبر على التجارة؟ قال: لا.» ().

ولا يوجد حسبما أعلم في الفتاوى الحديثة شيء من ذلك، ولكن يمكن الاستئناس بما ورد حول استثمار أموال الزكاة لوجود وجه شبه بينها وبين غلة الوقف في أن كلا منهما يصرف في وجوه الخير وأنها أمانة في يد المتولي حيث جاء في القرار رقم ١٥ (٣/٣) لمجمع الفقه الإسلامي الدولي أنه يجوز من حيث المبدأ توظيف أموال الزكاة في مشاريع استثمارية».

كما جاء في فتاوى بيت الزكاة الكويتي أربع فتاوى تجيز استثمار أموال الزكاة بضوابط من أهمها: أن يتم الاستثمار للأموال الزائدة عن الحاجات الفورية، وسهولة تسيل الاستثمارات عند الحاجة، وتحاشى الدخول في استثمارات هي مظنة للخسارة().

واستئناساً بذلك يمكن القول بجواز استثمار فائض الغلة في الحالات السابقة وبالطبع سوف يكون استثماراً قصير الأجل وفى أصول شبه سائلة (يمكن بيعها والتخلص منها بسهولة وبدون خسارة كبيرة) ويفضل أن تكون ذات عائد ثابت ومضمون وهذا يتحقق على الأخص في وثائق صناديق الاستثمار الإسلامية أو لإيداع في حساب استثماري بالبنوك الإسلامية أو شراء أوراق مالية إسلامية حكومية مثل صكوك الإجارة وصكوك السلم التي تطرحها إحدى الحكومات ().

التوصيات:

  • يجد الباحث من هذا البحث أنه لابد من إحياء دور الوقف الإسلامي لأنه سنة الرسول صلى الله عليه وسلم.
  • ويجد الباحث أن وقف النقود يساعد في تمويل مشاريع كبرى وضخمة إذا استخدم بشكل أمثل وبذلك يحل مشكلة عجز الحكومات في تمويلها.
  • ويجد أن وقف النقود يحل الكثير من المشاكل التي تواجها المشروعات ومنها سعر الفائدة ( الربا ) الذي ينتج عنه التضخم وغيرها من المشكلات.
  • ويجد أن وقف النقود يساعد في التنمية الاقتصادية من خلال تمويل المشاريع الصغرى التي تساعد الفقراء والمحتاجين في تحسين دخلهم وبذلك عن طريق صندوق الوقفي الذي يعطي قرض حسن لكل مستثمر.
  • ويجد الباحث بأن وقف النقود يساعد في الحد من مشكلة البطالة المنتشرة في عالمنا الإسلامي.
  • ويقترح الباحث أنه لابد من إضافة صفه رسمية على صندوق الوقفي لنقود وربطة بوزارة الأوقاف لأن ذلك يكسبه أكثر جدية ومحاسبة من قبل الحكومة. 
  • ويجد الباحث من خلال الدراسة أن هناك مشكلة يواجها الوقف الإسلامي وهو عدم الأعلام عنها لذلك هناك كثير من الأوقاف اندثرت أو أهملت.

الخاتمة:

الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين،

في خاتمة البحث " وقف النقود والاستثمار" الكثير من الجوانب الفقيهة بحيث أنه ناقش في الفصل الأول أهمية الوقف وأركانه وشروطه وأنواعه وأنواع الاستثمار وطرقه.

أما في الفصل الثاني ناقش وقف النقود وأراء العلماء فيها وطرق الاستثمار وقف النقود والأحكام الشرعية عليها، وأعتمد الباحث على الكثير من الدراسات السابقة.

ويهدف هذا البحث إيجاد حلاً للمشكلات المعاصرة التي يواجها الاقتصاد العالمي بسبب تطبيق الاقتصاد التقليدي الذي يهمل الجانب الأخلاقي والإنساني.