العدد الحالي: تشرين 1/اكتوبر 2018       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

بيتٌ للزكاة ومصلحةٌ للضرائب والأسئلة الشائعة لصندوق النقد الدولي

د. سامر مظهر قنطقجي

رئيس التحرير

نشرت كتاباً في عام ٢٠٠٥ بعنوان: (سياستا تحصيل الزكاة والغاء الضرائب الماليتين) (رابط التحميل)، تعرضت فيه لفكر (ابن خلدون) المالي ومناقشته المستفيضة لنقصان واردات الدولة وجبايتها، ثم ما توصل إليه (أرثر لافر) عام ١٩٧٤ في أن: (الضريبة تقتل الضريبة)، وقد شغل (لافر) مستشار الرئيس الأمريكي (ريغان) عام ١٩٨٤، طبقت الإدارة الأمريكية حينها رؤيته المالية وحققت نمواً واضحاً. كما تناول الكتاب أيضاً تطبيق السياستين المذكورتين على ميزانيتي (ماليزيا وسوريا) كحالتين دراسيتين.

إن معدل الضرائب يرتفع في الدول الفقيرة المستدينة عادة؛ فالضرائب هي الطريقة الأريح لتحصيل الواردات، وهي تناسب قلة حيلة القائمين عليها، وتتناغم مع انتشار الفساد فيها.

تتجاوز معدلات الضرائب في الدول الفقيرة (٣٠٪) وغالباً ما يُزاد عليها ضرائب القيمة المضافة؛ لتصل معدلاتها إلى (٥٠٪). وهذا يتجاوز معدلات ضرائب بعض البلدان الغنية، مع فارق جليّ: فالرقابة الصارمة على النفقات العامة في الدول الغنية يقابلها غياب تلك الرقابة في الدول الفقيرة؛ ما يتيح للدول الغنية تسويغ فرض الضرائب من خلال ما تقدمه لشعوبها، أما الدول الفقيرة فتتمادى في زيادة معدلات الضرائب سنوياً وبشكل مضطرد بما يناقض الفكر المالي التقليدي الذي شرعن الضرائب؛ حيث يجب خفض معدلات الضرائب في ظل دورات الانكماش. 

وبما أن الدول الفقيرة المستدينة مضطرة لتوجيه وارداتها نحو وفاء الديون الخارجية؛ فهي لن تستطيع إنشاء البنى التحتية لبلادها. أما ارتفاع معدلات الضرائب؛ فمؤداه إحجام الشركات الأجنبية والمحلية عن بناء المصانع والمعامل؛ لأن الضرائب تقتل أي إيراد تحققه تلك الشركات،  فإن أُعفيت الشركات الأجنبية من الضرائب - كما تفعل قوانين الاستثمار - فهي تستفيد من فترة إعفاءها؛ ثم سرعان ما تنهي أعمالها، ويزداد انحسار الشركات المحلية، ويتحول ما بقي منها لخدمة الشركات الأجنبية هرباً من دفع الضرائب (انظر الشكل).

وبسبب الحاجة المستمرة للاقتراض تحاول الدول الفقيرة أن تبدو بصورة جيدة أمام الدول المقرضة، وأنها قادرة على جمع الأموال لسداد القروض ومستحقاتها؛ لتكسب مزيداً من القروض؛ فتدمر اقتصادها وتُدخله في كارثة اقتصادية. 

وما هو معلوم للجميع: أن الاقتراض العام دون سبب وجيه ومبرر؛ فيه ظلم للأجيال القادمة على حساب توسع الأجيال الحالية، وهذا ليس من العدل، وينطبق عليه القول الشعبي: (الآباء يأكلون الحصرم والأبناء يضرسون).

دور الدول وحكوماتها:

مما لا خلاف عليه أن الدول وحكوماتها هي ممثلة لشعوبها ومصالحهم، مهمتها الحفاظ على تلك المصالح وحمايتها، وحقيقة الأمر أن الحكومة بجميع أفرادها أُجراء لدى الناس وهم مستأمنون على أرباب عملهم وليس العكس صحيحاً.

وللأجير أجراً لقاء عمله، ويده يد أمانة ما لم يتعد أو يقصر، فإن تعدى أو قصّر تحولت يده إلى يد ضمان، وعليه ما أحدثه نتيجة تعديه وتقصيره. وليس له أن يستخدم من الموظفين والأجراء دون حاجة، كما ليس له أن ينفق دون سبب وجيه.

لقد استحدثت شريعة الإسلام بيتاً لمال المسلمين أوجدت له واردات ينفق وليهم منها على ما يعينه على خدمتهم، وهذا فارق جوهري في الفكر المالي الإسلامي، فهو قائم على أساس نظرية الإيرادات، وليس الحال كما هو عليه الفكر المالي التقليدي، الذي يقوم على أساس نظرية النفقات، وهذا ديدن جميع الحكومات المعاصرة في العالم؛ فهي تحتسب حاجتها للنفقات ثم تعمل على استصدار قانون عبر قنواتها التشريعية؛ يسمى بقانون الموازنة، يتقرر بموجبه فرض ضرائب على قطاع الأعمال؛ لتمويل ما تم اعتماده من نفقات. وإنه كلما استشرى الفساد زادت ويلات هذه النظرية وسقط العدل من يدها. أما نظرية الإيرادات فتتناسب وأبسط الأمثلة الشعبية: (على قد بساطك مد رجليك)، هذا إذا سلمنا الأمر ببساطة.

إن لبيت مال المسلمين واردات تخصه وعلى ولي الأمر أن يتدبر أمر موازنته في حدودها، فإن صادفته سنوات قحط وجدب، فله أن يستدين ليرفع الحيف والحاجة عن الناس، كما له أن يفعل ذلك إن أصاب العجز بيت ماله.

وشريعة الإسلام ضبطت سلوك الحاكم في مجابهة تصرفات من تولى أمر الناس في جمع الواردات، فهو مخير بين فرض الرسوم على الناس أو أن يستدين لأجلهم، ولا يعتبر من الإنفاق الإسراف والتبذير؛ لنهي الآية الكريمة صراحة عنه: << وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا >> (الفرقان: ٦٧).

السياسات المالية الكلية في الاقتصاد الإسلامي:

كان (عمر الفاروق رضي الله عنه) مخيراً في عام المجاعة بين أمرين: أن يفرض على الناس رسوماً (سوى الزكاة)، أو أن يستدين، لكن ذكاءه المالي ذهب لتطبيق سياستين ماليتين غير الخيارين السابقين، فهو:

  • توجه نحو الاستدانة الداخلية من أموال الزكاة مقدماً؛ ليصرفها على الناس حتى يعود حالهم بأحسن مما هم عليه.
  • شدّ الحجر على بطنه تأسياً بسيد الخلق (محمداً صلى الله عليه وسلم) وهذا كناية عن التقشف الحكومي للحد من الإنفاق. وقد خاطب (رضي الله عنه) بطنه عندما قرقرت جوعاً وتضوراً؛ قائلاً لها: (قرقري أو لا تقرقري، لن تذوقي اللحم حتى يشبع أطفال المسلمين). وقد تعرضنا في مقالنا الافتتاحي للعدد الماضي لـ: الحمية الاقتصادية لبيان أهمية سياسة تقشف اقتصاد المسلمين أسوة بسنة صيامهم (رابط التحميل). 

واللافت للنظر عدم توجه (الفاروق رضي الله عنه) نحو الاستدانة من الخارج أو تسرعه بفرض ما (سوى الزكاة)؛ وذلك لأنه تربى في مدرسة (النبي صلى الله عليه وسلم)، الذي ربى الناس ثلاثة عشر سنة على أن لا يتمادوا في الدَين عندما كان يبني المجتمع، ثم مع بنائه للمجتمع المدني؛ جاءته آية الزكاة تشريعاً إلهياً، وفيها مصرف للفقراء والمساكين كما فيها مصرف الغارمين ليشترك المجتمع في حلّ هذه الإشكاليات التي قد يقع بها الناس، ثم قرر (صلى الله عليه وسلم) سياسة مالية في خطبة وداعه: بأن من ترك مالا أو ضياعاً فهو عليه (صلى الله عليه وسلم)؛ بصفته الاعتبارية كولي لأمر الناس، ويحل محله بيت المال؛ فكان من واجبات بيت المال فك الغُرم عن الغارمين.

إن الاستدانة الداخلية من أموال الزكاة عن سنوات قادمة، هو تكليف على الأغنياء دون الفقراء فالزكاة تُفرض على الأغنياء فقط، كما أن لجوئه (رضي الله عنه) لمصدر الزكاة دون سواها؛ إنما ليشارك المسلمون الأغنياء بطيب خاطر وليس قسراً مقهورين. وقد قرر الفقهاء - لاحقاً - سياسة مالية أسموها: (التوظيف على بيت المال)، حيث لبيت المال واردات (سوى الزكاة) إنما بشروط شرطوها؛ بأن يكون بيت المال فارغاً، والأمة في جائحة، وأن يفرض على الأغنياء، وأن تتوقف هذه السياسة الاستثنائية إذا لم يعد بيتالمال فارغاً أو بانقضاء الجائحة.

أسئلة شائعة نشرها موقع صندوق النقد الدولي في ١٣-٦-٢٠١٨:

إنه وبإلقاء نظرة على أسئلة شائعة أثارها المواطنون الأردنيون إثر الأحداث الأخيرة التي شهدها الأردن أوردها صندوق النقد الدولي على موقعه (رابط)؛ نجد الآتي:

- (حث صندوق النقد الدولي المجتمع الدولي والجهات المانحة الإقليمية مرارا على تحمل قدر أكبر من الأعباء الناشئة عن استضافة الأردن لما يزيد على مليون لاجئ سوري وتحقيق استتباب الأمن في المنطقة، وقد فرض ذلك كله ضغوطا استثنائية على الموارد العامة للأردن).

وبالنظر لسلوك مفوضية اللاجئين UNHCR في سورية عام ٢٠١٦ عندما شحت مواردها لمساعدة اللاجئين في توجهها نحو زكوات المسلمين؛ نجدها زينت صفحتها (رابط) بالآية الكريمة: << خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا >> (التوبة: ١٠٣). كما وضعت المفوضية فتاوى لعلماء معروفين ولدور إفتاء شهيرة في موقعها تدعم توجهاتها. وقد نجحت عام ٢٠١٦ في جمع ٢.٦ مليون دولار.

وقد أوضحت كيف يستفيد اللاجئون من الزكاة وذلك كالآتي: 

- وفقاً للتقييم والرصد الذي تجريه المفوضية في الأردن بشكل دوري، ينفق اللاجئون أكبر نسبة من المساعدات النقدية التي يتم توزيعها عليهم لتغطية نفقات الإيجار (٦٤٪)، وتأمين الغذاء (١١٪)، يليها فواتير الكهرباء والماء (٩٪)، وتكاليف الاستشفاء (٧٪)، وسداد الديون (٣٪).

- وفقاً للتقييم والرصد الذي تجريه المفوضية في لبنان، ينفق اللاجئون أكبر نسبة من المساعدات النقدية التي يتم توزيعها عليهم لتغطية تكاليف الغذاء (٣٣٪)، يليها تكاليف الإيجار (٢٦٪)، والاستشفاء (١٨٪)، وسداد الديون (١٣٪). 

المصدر موقع صندوق النقد الدولي (رابط)

ويُستدل من الإحصائيات أن الإشارة للاجئين كسبب لعجز الموازنة أمر يحتاج مزيداً من التمحيص؛ فالإحصائيات تدل على مساهمة فاعلة للاجئين في الاقتصاد المحلي للدول المستضيفة فضلا عن المساهمات الدولية والأممية في تمويل أكثر احتياجاتهم.

ومن المفيد الإشارة لما تفعله مصر هذا العام، حيث توجهت إلى شعبها بإعلانات مكثفة لجمع الزكوات والصدقات وأنشأت المشافي ومؤسسات تقديم الطعام واللباس وغيرها من أموال الزكوات والصدقات.

 

إن السياسة المالية الكلية في الاقتصاد الإسلامي تقوم على ركيزتين:

١- زكاة المال، وهي تُجمع من أغنياء المسلمين وتُرد على فقرائهم، وقد ذكرنا ما فعلته مفوضية اللاجئين في سورية حيث استعانت بأموال الزكاة عندما شحت أموال المانحين، وبهذا يقوم المجتمع الإسلامي بمساهمته الاجتماعية في حلّ قضية استعصت على أكبر مؤسستين دوليتين، فمن يزر موقع البنك الدولي يرى شعاره: (من أجل عالم خالٍ من الفقر)، شعار رفعه البنك منذ تأسيسه في أربعينيات القرن الماضي، وها نحن يفصلنا عن تأسيسه أكثر من سبعين عاماً والفقر قد استشرى في عواصم بلدان عالمية كبرلين وباريس ونيويورك وغيرها. ويكأن المؤسسات النقدية الدولية تسبح عكس ما تشتهيه بشعاراتها. ففي تقرير لقناة بي بي سي تاريخ ٢٠-١٢-٢٠١٢ ذكر أن نسبة الفقر ارتفعت في بريطانيا من ١٤.٣٪ عام ٢٠٠٩ إلى ١٥.١٪ في عام ٢٠١١. وأن الفقر في نيويورك عام ٢٠٠٧ تجاوز ١.٣ مليون ممن لا يجدون طعاماً كافياً. وفي دراسة نشرها المعهد الفرنسي للإحصاء نشرته قناة فرانس ٢٤ عام ٢٠٠٩ أوضح أن نسبة الفرنسيين الذين يعيشون تحت خط الفقر ارتفع ليبلغوا ١٣.٥٪ من سكان البلاد. 

فلله درّ (الصديق أبو بكر رضي الله عنه) في محاربته لمانعي الزكاة؛ فأي فهم مالي كان فهمه؟ وأي رؤية  مالية كانت رؤيته؟

٢- إيرادات بيت المال، والخراج أهمها، وهو أشبه بنظام BOT المنتشر حالياً، فالدولة وهي أكبر الملاك عادة، لها ملكيات عامة، تستطيع تأجير أراضيها الصالحة، كما يمكنها إعادة استصلاح غيرها من الأراضي بما عرف في الفقه الإسلامي بـ (إحياء الأرض الموات)، فيستثمرها محيي الأرض ويدفع لقاء انتفاعه بها خراجاً لبيت المال طالما هي تحت تصرفه؛ فإن أعادها للدولة أعطيت لغيره، وهكذا. وقد أسماها (عمر الفاروق رضي الله عنه) بالـ (جرية)؛ أن أنها إيراد جارٍ لبيت المال لا ينقطع ما دام المسلمون قائمون، وهم ببركة الله محفوطون قائمون ما قامت الدنيا لأنه الله تعالى تعهد حفظ دينه، والدين لا يحفظ إلى على من يقوم به، وهم المسلمون.

وبالعودة للأسئلة الشائعة؛ فإن الصندوق أَمِلَ أن تُسهم حزمة المساعدات التي تعهدت بها بعض الدول الخليجية: (على تنفيذ إصلاحات جريئة لمعالجة البطالة المرتفعة، وخاصة بين الشباب والنساء، وتنشيط النمو الاقتصادي مع حماية الفقراء والطبقة المتوسطة). وهذا دليل على أن الضرائب لا تؤدي إلى نموٍ اقتصادي، ولا تعالج بطالة، ولا تستأصل فقراً. إنما هي عكس ذلك كله. وهي كما ذكر الصندوق: تشكل مصدراً صريحاً للقلق الاجتماعي كالاضطرابات التي حدثت، وهذا ما شهدته كثير من دول العالم الفقير. وقد ذكر الصندوق صراحة: (ضرورة زيادة التركيز على ميسوري الحال، وفي نفس الوقت حماية محدودي الدخل … وأن ينصب التركيز في المرحلة القادمة على ضريبة الدخل، وخاصة على الأغنياء، بدلا من الضرائب على الاستهلاك، التي غالبا ما تُحْدِث آثارا سلبية أكبر نسبياً على الفقراء). 

وهذا ما أرساه الفكر المالي الإسلامي الكلي منذ أكثر من ١٤٠٠ عام؛ لكن صندوق النقد يعاود الدوران في مكانه، ويكأن الفكر المالي التقليدي يحصر نفسه في حلقة مفرغة تمنع الابتكار وتخذله وتصادر أركانه، فتراه بعد أسطر قليلة يذكر: (في ظل ارتفاع الدين العام، وانخفاض الإيرادات الضريبية، وتراجع المنح الخارجية لدعم الموازنة، والاحتياجات الاجتماعية الشديدة والمتطلبات الكبيرة من البنية التحتية، يتعين أن تظل الموارد المالية للأردن مرتكزة على توسيع الوعاء الضريبي حتى يتسنى اقتسام العبء على نطاق واسع، وذلك بوسائل منها إلغاء الإعفاءات الضريبية). وذكر أيضاً: (تصحيح أوضاع المالية العامة بعيدا عن تطبيق ضرائب على الاستهلاك التي تضر في الغالب بالفقراء والطبقة المتوسطة وتوجيهه نحو ضرائب الدخل، وخاصة أولئك الأقدر على دفعها) !!. 

تبلغ نسبة واردات الموازنة من الضرائب حسب دليل المواطن الذي تصدره دائرة الموازنة العامة الأردنية ٦٠٪ لعام ٢٠١٨ (صفحة ٣٣ وصفحة ٣٥)، وذكر أن زيادة الواردات الضريبية حققت ١٣.٨٪ في عام ٢٠١٨ عن العام الذي سبقه (صفحة ٣٥) وهذا مغاير لما جاء في الأسئلة الشائعة لصندوق النقد الدولي كما أوضحت الفقرة السابقة.

 

أمام هذا الشطط الفكري بنت شريعة الإسلام حاجزاً مانعاً لأي ارتداد، فقد:

١- ذكر صلى الله عليه وسلم: < لا يدخلُ صاحبُ مَكْسٍ الجنَّةَ > (رواه المنذري في الترغيب والترهيب، وكذلك في سنن أبي داوود)، وذكر صلى الله عليه وسلم في نهاية حديث الغامدية التي أقيم عليها حد الزنى: < لو تابها صاحبُ مُكْسٍ لغُفِرَ لهُ > (صحيح مسلم).

٢- جُعل مال المسلم محرماً على الأخذ منه دون رضاه، قال صلى الله عليه وسلم: < كلُّ المسلمِ علَى المسلمِ حرامٌ، دمُهُ، ومالُهُ، وَعِرْضُهُ > (صحيح مسلم).

٣- جُعل من مات دون ماله شهيداً، قال صلى الله عليه وسلم: < من قُتِلَ دونَ مالِهِ فهوَ شهيدٌ > (صحيح البخاري).

 

لذلك يجب على الدول وحكوماتها مراعاة عقائد مواطنيها المسلمين؛ بأن:

  • تأخذ منهم زكاة أموالهم، فتضعها في بيت مال يخصه اسمه بيت مال الزكاة؛ ولهذا البيت مصارف حددتها الآية الكريمة: << إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ >> (التوبة: ٦٠)، وهذا يساعد في رفع الفقر عن الناس بتعاون الناس أنفسهم، أما مهمة أولياء الأمر فهي إدارة ذلك؛ فإن لم يفعلوا فيفعلها الناس بأنفسهم لأن الزكاة ركن من أركان إسلامهم. وللأسف؛ ها هي مفوضية اللاجئين تقدم أنموذجها في إدارة بيت مال الزكاة.
  • تأخذ من غيرهم الضرائب وما شابهها، وهذه تذهب لبيت مال المسلمين - أو حسبما يتم تسميته - لتصرف على شؤون الحكم. 

وهذا مفهوم متقدم في تخصيص الواردات يحسب للفكر المالي الإسلامي.

فإن رغبت الدولة وحكوماتها بتقديم خدمات فيها الراحة والرفاهية لشعوبها؛ فلا بأس بذلك، ولها أن تأخذ من المستفيد أجوراً لقاء ذلك، وهذا يشابه ما تقوم عليها الحكومات الالكترونية، وهذا عدل. وقد أشار  صندوق النقد الدولي في أسئلته الشائعة لذلك قائلاً: (بعض إجراءات السياسة التي ناقشناها تتضمن وضع إطار لتقديم تحويلات موجهة إضافية تصاحب الإصلاحات الضريبية، بغية تجنب زيادة العبء الضريبي على شرائح السكان محدودي الدخل. كذلك يتضمن البرنامج حداً أدنى لمستوى الإنفاق الاجتماعي الموجه لتغطية تكاليف المرض والعجز، والشيخوخة، والأسر والأطفال، والمسكن، وأعمال البحث والتطوير في مجال الحماية الاجتماعية). وقد أوضحت الحكومة الأردنية في دليل المواطن لماذا هي تقترض؟ وسردت منهجها في تعزيز حقوق الإنسان والنوع الاجتماعي والطفل ودعم العاملين (صفحة ٥٥ وما بعد) وهذه شفافية مميزة، إلا أن تمويلها لا يجب أن يكون من جميع مواطنيها، فإما أن تأخذها من المستفيد مباشرة، أو أن تأخذها من الأغنياء دون الفقراء.

إن المأمول من الحكومات العربية والإسلامية عموماً هو تبني سياسات رشيدة متأسية بمنهجية (الصديق أبو بكر والفاروق عمر رضي الله عنهما)، ومن ذلك:

  • ضغط النفقات العامة طبقا للقاعدة: (لا سرف ولا تبذير)، ولعل ما ذهبت إليه الحكومة الأردنية الجديدة التي جاءت نتيجة قانون الضريبة بخفض الإنفاق الحكومي (١٥٠) مليون دينار هو سياسة في الاتجاه الصحيح؛ مع العلم أن هذا الخفض يعادل (٠.٠١٧) من إجمالي نفقات ٢٠١٨ حسب دليل المواطن للموازنة العامة للسنة المالية ٢٠١٨ (صفحة ٣٨)، وقد اتخذت الحكومة المنصرمة نفس الإجراءات (صفحة ٢٤) إلا أن الأرقام تبقى متواضعة جداً أمام ازدياد النفقات العامة. 
  • تعتبر المساعدات من الأخوة والأشقاء واجب لتعزيز واقع البلدان بعضها بعضا؛ لذلك فالمساعدات الخليجية هي بمثابة حلّ إسعافي.
  • تفعيل بيت الزكاة؛ لتجبى إليه الزكوات، إلى جانب صندوق تجبى إليه (الضرائب والإيرادات الحكومية الأخرى) يكون أشبه ببيت المال.
  • يُعفى الملتزم بالزكاة من سداد الضرائب، مراعاة للقاعدة المالية التقليدية (لا ازدواج في الضريبة)، التي أصلها قاعدة مالية شرعية: (لا ثني في الصدقة) كما في كتاب الأموال لأبي عبيد بن سلام.
  • يصرف بيت مال الزكاة لمصارفه المحددة بالآية الكريمة (٦٠) في سورة التوبة.
  • أحدثت الشريعة الإسلامية إيرادات لبيت المال - أو حسبما يتم تسميته - ؛ وأهمها خراج الأراضي. كما يمكن للحكومات أن تستثمر الأموال العامة، كما تفعل وزارات مالية خليجية تدير صناديق استثمارية سيادية تحقق لها وارادات لخزينتها؛ فبحسب موقع تصنيف صناديق الثروة السيادية، توجد أربعة صناديق خليجية وفق بيانات سنة ٢٠١٧ ضمن الحكومات العشر الأوائل عالمياً، وهي: الصندوق الإماراتي (أبو ظبي) في المرتبة الثالثة عالمياً بحوالي ٨٢٨ مليار دولار، يليه الصندوق الكويتي في المرتبة الرابعة بحوالي ٥٢٤ مليار دولار، ثم الصندوق السعودي في المرتبة الخامس بحوالي ٤٩٤ مليار دولار، والصندوق القطري في المرتبة العاشرة بحوالي ٢٩٥ مليار دولار (رابط). 
  • تعتاش الحكومة وأفرادها من بيت مال مصلحة الضرائب - أو حسبما يتم تسميته -.

 

أخيراً؛ نقول لجميع أولياء الأمر؛ إن تبني المدخل التجريبي المقتبس (من هنا وهناك) للتطبيق على الناس أسوة بالتجارب التجريدية والتجارب العلمية أمرٌ لا يصح؛ فالتاريخ لا يرحم، ودقة الحساب الآخر وشدته وهلاك من سيُناقش تفاصيله يدعو الجميع لاعتبار الثوابت الراسخات، قال (صلى الله عليه وسلم): < مَنْ نُوقِشَ الحسابَ هلكَ > (صحيح مسلم).

حماة (حماها الله) بتاريخ ٥ شوال ١٤٣٩ هـ الموافق ٢٠ حزيران/يونيو ٢٠١٨ م