العدد الحالي: أيار/ مايو 2018       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

نحو إطار مفاهيمي لضوابط الإنفاق العام

 

إن سلامة مالية الدولة ومعافاة اقتصادها تقتضي التزام مختلف الوحدات الحكومية المرتبطة بالموازنة العامة للدولة عند قيامها بالإنفاق العام بضوابط هذا الإنفاق.

تأتي الحاجة إلى ضبط الإنفاق العام لأغراض توفير الأموال وتوجيهها نحو الأنشطة التي تهدف الدولة إلى تحقيقها، وفي ظل تزايد الحاجة إلى الأموال وتباعا تزايد الدور الحكومي لتقديم خدمات تحقق الحياة الكريمة للشعب، ومع سواد ظاهرة عدم الرضا لدى جمهور دافعي الضرائب عن زيادة الأعباء الضريبية فقد أفرز كل ذلك ضرورات ملحة لصياغة ضوابط عامة للإنفاق للحد من إهدار أموال الإيرادات المحدودة وتوجيهها برشد ودقه نحو المشاريع والخدمات التي تفيد المواطنين.

إن تحقيق ضبط الإنفاق العام لا يتحقق بمجرد رفع الشعارات أو بمحض الصدفة أو بناء على عوامل التخمينات والتقديرات الشخصية حيال التطبيق، إنما هو أمر مرجعيته السلوك الواعي المدروس المبني على المبادئ العلمية المعيارية بما يسخر أفضل الآليات والتقنيات لتحقيق المقاصد العلمية لمضمونات ضبط الإنفاق العام. 

أهمية الدراسة: 

تنبع أهمية هذه الدراسة من واقع ارتباطها المباشر بالمصلحة العامة للمواطنين وذلك من خلال جذب الانتباه ولفت النظر إلى الأموال العامة المحصلة وكيفية ضبط إنفاقها بما يسهم في تحقيق الحد الأدنى من التبذير والإسراف وتلافي النفقات غير الضرورية ومكافحة الفساد وزيادة الكفاية الإنتاجية لقطاعات الاقتصاد والحكومة المحلية ومحاولة الاستفادة القصوى والكفؤة من الموارد الاقتصادية المتوفرة للدولة.

أهداف الدراسة: 

تهدف هذه الدراسة بشكل عام إلى المساهمة في تقديم إطار مفاهيمي مبسط لضوابط الإنفاق العام بما يسهم لاحقا في خدمة هذا المجال لتتبع أهداف واضحة ودقيقة للمشاريع والبرامج الحكومية ذات الصلة، وتحديد أولوياتها في ذلك بما يحقق الإشباع لحاجات الأفراد الملحة.

المدخل الأول: مفهوم وأنواع الإنفاق العام

مفهوم الإنفاق العام: الإنفاق العام هو مبلغ نقدي يخرج من الموازنات المالية للدولة سوى في صورتها العامة أو الخاصة داخل الوحدة الحكومية المرتبطة بالموازنة، وذلك بهدف إشباع حاجة عامة، ويتضح من هذا التعريف أن الإنفاق العام له ثلاث أركان:

أ. مبلغ نقدي: الدولة أو تنظيماتها المختلفة تحتاج إلى الإنفاق النقدي من أجل الحصول على الموارد الاقتصادية والخدمات التي تمكنها من أداء وظائفها المختلفة، فعلى سبيل المثال تدفع الدولة النقود في شكل مرتبات لموظفي الحكومة وللجنود كما تنفق النقود للحصول على الآلات والمعدات اللازمة لها. 

ب. صدور النفقة من الدولة أو أحد تنظيماتها: يجب أن يقوم بالإنفاق العام شخصية معنوية عامة، وتتمثل في الدولة على اختلاف أنظمتها وأنواعها ومؤسساتها وتنظيماتها، ووفقاً لهذا الركن لا يعد إنفاقاً عاماً تبرعات المواطنين لبناء المدارس والمستشفيات وتقديم خدمات البر أو ما في حكم ذلك من الإنفاق لخصوصية الأعمال. 

ج. تهدف النفقة العامةإلى إشباع حاجة عامة: هذا الركن الثالث والأخير حتى تصبح النفقة نفقة عامة، فينبغي أن تهدفإلى تحقيق مصلحة عامة، وهذه المصلحة العامة يمكن أن تتمثل في أحد الأنواع الثلاثة الآتية:

  • إشباع الحاجات الاجتماعية وهي التي يتم إشباعها بصورة جماعية لأفراد المجتمع كالحاجة إلى الدفاع والعدالة وحماية البيئة والعلاقات الدبلوماسية.
  • إشباع الحاجات الجديرة بالإشباع وتحقق منافع جانبية هامة كالتعلىم والصحة والكهرباء والمياه والطرق والكباري.
  • الحاجة إلى سداد الدين العام.

أنواع الإنفاق العام 

أولاً: الإنفاق الحكومي المباشر: يشمل جميع النفقات المباشرة للحكومة لشراء السلع والخدمات الاستهلاكية والنفقات الاستثمارية.

أ‌. الإنفاق الاستهلاكي ويشمل الرواتب والأجور والمكافآت والبدلات وجميع المصروفات الأخرى اللازمة لتسيير الجهاز الإداري والحكومي وتمثل عادة جزءاً كبيراً من إجمالي الإنفاق الحكومي وقد تصل إلى 30% في بعض الميزانيات، وعندما يكون حجم الإنفاق الاستهلاكي متزايداً مقارنة بحجم الإنفاق الاستثماري فإن لذلك آثاراً سلبية على نمو الناتج القومي الإجمالي وعلى التنمية.

ب‌. الإنفاق الاستثماري ويأخذ شكلين الأول إنفاق على المشاريع البنية التحتية من طرق وجسور وسدود ومشاريع الكهرباء... الخ وهي مشاريع هامة للاقتصاد ومساعدة في تسريع عملية التنمية، والشكل الثاني للإنفاق الاستثماري هو ما يتم إنفاقه على المشاريع الصناعية والزراعية القومية الكبرى، وكلما زاد الإنفاق الاستثماري مقارنة بالإنفاق الاستهلاكي أدى ذلكإلى زيادة النمو الاقتصادي بمعدلات أكبر.

ثانياً: الإنفاق التحويلي: يشمل جميع النفقات التي تدفعها الحكومة في شكل إعانات للأفراد أو القطاعات أي النفقات التي لا تحصل الدولة على مقابل لها، وتأخذ ثلاثة أشكال:

أ‌. الإعانات الاجتماعية: وهي تلك التي تدفع لفئة معينة من أفراد المجتمع لتحسين أحوالهم الاجتماعية وتشمل هذه الفئة العجزة والأرامل والمعاقين وتأخذ أشكالاً متعددة مثل المبالغ النقدية أو إعانات عينية كالمواد التموينية والملابس والمساكن...الخ.

ب‌. الإعانات الاقتصادية: وهي التي تقدمها الدولة للقطاعات والمؤسسات الإنتاجية بهدف تخفيض الأسعار وزيادة الإنتاج وتأخذ أشكالاً عديدة:

  • تقديم قروض بدون فوائد لبعض القطاعات.
  • تقديم الإعانات النقدية المباشرة وغير المباشرة.
  • تقديم الإعانات العينية مثل تقديم الأرض اللازمة لإقامة المشروع بالمجان أو بسعر رمزي.

ت‌. الإعانات والمساعدات الخارجية مثل الهبات والإغاثات والإعانات العينية أو النقدية والقروض بدون فوائد من دولة لأخرى لأسباب سياسية أو إنسانية.

المدخل الثاني: ضوابط الإنفاق العام

ضوابط الإنفاق العام: هنالك مجموعة من الضوابط التي تتحكم بالإنفاق العام للدولة مهما كان نوع هذا الإنفاق وتتمثل في الآتي:

1. ضابط تحقيق المنفعة العامة: ضرورة ربط الإنفاق العام بالمنفعة العامة للمجتمع، فعلى الدولة أن تحدد كل من حجم الإنفاق وجهة الإنفاق بحيث تتحقق المصالح العامة للأمة، ولا تتوجه إلى مصالح أفراد معينين حاكمين كانوا أو محكومين، ولا فئات معينة باستثناء من ضحوا بأرواحهم من أجل الوطن، فحق المواطنة يوجب على كل فرد من أفراد المجتمع أن يقوم بواجباته وعلى الدولة والمجتمع أن يضمن حقوقه فالواجب يقابل الحق والتضحية يقابلها العرفان الجميل.

2. ضابط الكفاءة: ضرورة ربط الإنفاق العام بالرؤية الاقتصادية الرشيدة أي تحقيق ضابط الكفاءة في الإنفاق العام يعني العمل على تحقيق المصلحة العامة بأقل إنفاق وثمن، فلا يكون إسراف ولا تبذير في الإنفاق العام، وتوضع النفقة في غير مواضعها الشرعية.

3. ضابط دعم المبادرة الخاصة ذات النفع العام: إن تدخل الدولة عن طريق الإنفاق العام وتخصيص جزء منه لتشجيع المبادرات الخاصة أمر مشروع ومطلوب على أن يتعارض والمصلحة العامة فالإفادة من المبادرات الشخصية للقطاع الخاص وعدم محاولة محله، بل دعمه وتنشيطه وهو أمر تدل علىه النصوص والأحداث والأحكام الكثيرة، سواء منها ما تعلق بتوزيع الغنائم وأحكام الزكاة والعطايا في العهدين النبوي والراشدي وأحكام أخرى كثيرة منها ما يتعلق بصيانة الأنهار العامة وفتح القنوات وغيرها.

4. ضابط الإجراءات القانونية: يعني التزام الوحدة الحكومية وهي بصدد تنفيذ مهام وإجراءات الإنفاق بالعديد من القواعد القانونية مثل: القواعد الدستورية خاصة اعتماد البرلمان والمصادقة على قانون الموازنة واعتماد الحسابات الختامية والقواعد القانونية الواردة باللوائح المالية في هذا الصدد، على أن تؤمن الدولة على تحقيق الالتزام بالضابط الإجرائي القانوني من خلال إجراءاتها الرقابية الفاعلة.

المراجع:

1. الرقابة المالية وضبط الإنفاق الحكومي – ورقة علمية مقدمة من د/ فياض حمزة محمد رملي – الندوة العلمية لطلاب زمالة الإدارة العلىا ( المحور المالي) – أكاديمية السودان للعلوم الإدارية – 2011م.

2. زينب عمر الشيخ الأمين، دور المراجعة في ضبط الإنفاق العام، بحث كمتطلب لنيل درجة البكالوريوس - كلية الاقتصاد والتجارة وإدارة الأعمال منشور- جامعة شندي - السودان، شندي، 2010م

3. د. فياض حمزة رملي، الرقابة المالية العامة، الخرطوم: 2018م