العدد الحالي: ايلول/ سبتمبر 2018       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

ضوابط حماية الملكية في الاقتصاد الإسلامي

د. عامر محمد نزار جلعوط

دكتوراه في الاقتصاد المالي الإسلامي

 

لقد أقر الإسلام الملكية بكافة أنواعها ووضع لها الوسائل المناسبة لحمايتها بعد ثبوتها فالنفس البشرية تميل في كثير من الأحيان إلى الاعتداء على حقوق الغير سواء أكانت تلك الحقوق مالية أم غير مالية، لذلك جعل الإسلام حفظ المال من الضروريات الخمس ومن مقاصد الشريعة الكلية ورتب تشريعات لحفظ المال سواء من مالكه في بعض الأحيان إن كان مبذراً أو سفيهاً أو من غيره سواء بالاعتداء عليه أو بأكله بالباطل. قال الشاطبي: (تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق وهذه المقاصد لا تعدو ثلاثة أقسام أحدها أن تكون ضرورية والثاني أن تكون حاجية والثالث أن تكون تحسينيةثم قال: ومجموع الضروريات خمسة وهي حفظ الدين والنفس والنسل والمال والعقل وقد قالوا إنها مراعاة في كل ملة). وقال الغزالي: ومقصود الشرع من الخلق خمسة وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة

تعريف الملكية:

الملكية لغة: مأخوذة من ملك الشيء ملكاً، بمعنى حيازته وانفراد التصرف فيه، وجمع الملْكِ بفتح الميم مُلوك وجمع المَلِك أَمْلاك وجمع المَلِيك مُلَكاء وجمع المالِكِ مُلَّكٌ ومُلاَّك والأُمْلُوك اسم للجمع. والمَليك: صاحب المُلك جمعه مُلكَاء ومليك الخلق: ربهم ومالكهم، والمَلِكُ: الله تعالى، وهو المالك المطلق وهو مالك يوم الدين وهو مَلِيكُ الخلق أي ربهم ومالكهم، والمُلْكُ معروف وهو يذكر ويؤنث. قال تعالى: )قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [آل عمران: ٢٦]. فالذي يفهم من المعنى اللغوي أن الملكية والملك لفظان متداخلان في المعنى، فالأول مستمد من الثاني. ويمكن أن أعرّف الملكية في الاصطلاح بأنها (صلة شرعية بين الإنسان وشيء ما تجعله مختصاً به، ويتصرف فيه بكل التصرفات السائغة له شرعاً - أصالة أو توكيلاً - ما لم يوجد مانع من التصرف). وللحديث عن حماية الملكية سأذكر بداية حماية الملكية الخاصة ثم حماية الملكية العامة وملكية بيت المال.

أولاً- حماية الملكية الخاصة

لقد حث الإسلام على احترام كل ذي حق حقه وتقع حماية الملكية الخاصة في إطار واضح بين في الشريعة الإسلامية وذلك في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والإجماع

أما في الكتاب فقد قال تعالى: )وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ([البقرة: ٨٨]. قال تعالى: )يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا([النساء: ٢٩]. كذلك فإن آيات الميراث تدل على مشروعية الملكية الخاصة فقال ربنا تعالى )لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا([النساء: ٧]. وكذلك الآيات التي حثت على المحافظة على مال اليتامى تدل على أهمية المحافظة على الملكية لكل الناس بما فيهم الضعفاء قال ربنا تعالى: )وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ([الأنعام: ١٥٢]. وقال ربنا تعالى: )إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا( [النساء: ١٠]. وكذلك أمر الإسلام بالمحافظة على ملكية النساء كالمهر وغيره فقال ربنا تعالى: )وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا * وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا) [النساء: ٢٠-٢١].

وأما في السنة فقوله صلى الله عليه وسلم: فعن عبد الله بن السائب عن أبيه عن جده أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يأخذن أحدكم متاع صاحبه جاداً ولا لاعباً وإذا وجد أحدكم عصا صاحبه فليرددها عليه. قال التوربشتي: وإنما ضرب المثل بالعصا لأنه من الأشياء التافهة التي لا يكون لها كبير خطر عند صاحبها ليعلم أن ما كان فوقه فهو بهذا المعنى أحق وأجدر. وقال صلى الله عليه وسلم: (من أخذ شبراً من الأرض ظلماً، فإنه يُطَوَّقُه يوم القيامة من سبع أرضين).

قال القرطبي: اتفق أهل السنة على أن من أخذ ما وقع عليه اسم مال قل أو كثر أنه يفسق بذلك، وأنه محرم عليه أخذه.

ضوابط شرعية لحماية الملكية الخاصة

سأعرض جملة من الضوابط التي جاء بها الإسلام لتعزيز حماية الملكية الخاصة للأموال منها

  1. الاحتراز مع الأخذ بالأسباب من قبل صاحب الملكية: فقد شاءت حكمة الله أن يجعل من أكبر سنن هذا الكون نظام السببية، فكل سبب له نتيجة، وكل نتيجة لها سبب، ويعد الاحتراز مع التوكل الحقيقي على الله من أهم أسس حفظ الملكية والحرز هو ما يحفظ فيه المال عادة كالدار والحانوت والخيمة أو الشخص بنفسه والمراد من الحرز ما لا يعد صاحبه مضيعاً، وأرجع الإمام مالك الحرز إلى العادة ولقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم ربط الناقة حرزاً لصاحبها فعن أنس رضي الله عنه قال: رجل يا رسول الله أعقلها وأتوكل أو اطلقها وأتوكل؟ قال اعقلها وتوكل. وعمرو بن أمية عن أبيه قال: قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم أرسل ناقتي وأتوكل قال اعقلها وتوكل. 
  2. توثيق الديون حفظاً لحقوق الأطراف في الأموال وذلك من خلال الكتابة والإشهاد قال تعالى: )يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ( [البقرة: ٢٨٢]. وهذا دليل وبرهان على مراعاة حفظ الأموال وتنميتها في أطول أية في كتاب الله. ويدخل في هذا التوثيق كتابة الوصية عن سالم عن أبيه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما حق امرئ مسلم له شيء يوصى فيه يبيت ثلاث ليال إلا ووصيته عنده مكتوبة). قال عبد الله بن عمر ما مرت على ليلة منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك إلا وعندي وصيتي.
  3. إباحة قتال الإنسان دون ماله وقد جاء في الحديث عن أبي هريرة قال جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت إن عُدِىَ على مالي قال فانشد بالله قال فإن أبوا علي قال فأنشد بالله قال فإن أبوا علي قال فانشد بالله قال فإن أبوا علي قال فقاتل فإن قتلت ففي الجنة وان قتلت ففي النار. 
  4. حرّم التعدي عن مال الغير وشرع لذلك حدوداً منها حد السرقة وحد الحرابه وحرم الغصب وحرم الغش والضرر والربا وحرم الترف والشح والرشوة وأكل مال اليتيم
  5. الحجر على مال السفيه، حيث أنه لولي الأمر أو الدولة الحق في منع السفيه من التصرف في ماله بما يضر المجتمع
  6. نظام الميراث: حيث أنه نظام واضح وشفاف ودقيق ويضمن انتقال الثروة بشكل سلمي إلى الورثة بعد وفاة المورّث

ثانياً- حماية الملكية العامة وملكية بيت المال

أقر الإسلام الملكية العامة وحافظ على وجودها واحترامها وقرر لحمايتها أموراً عديدة، ومن أهم الأمور التي قررها الإسلام لحماية الملكية العامة وملكية بيت المال ما يلي

  1. الحرز والحراسة: لقد عمل الخلفاء الراشدون على حماية الأموال العامة وأموال بيت المال بأقوالهم وأفعالهم فكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه أول من اتخذ بيتاً للمال، وكان قد اتخذه في السُّنْحَ ، فقيل يا خليفة رسول الله ألا تجعل على بيت المال من يحرسه؟. فقال: لا يُخاف علــيه، فقيل لم؟ قال: عليه قفل. وعن أبي بكر العبسي قال: دخلت حين الصدقة مع عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، فجلس عثمان في الظل، وقام عليّ على رأسه يملي عليه ما يقول عمر، وعمر قائم في الشمس في يوم شديد الحر، عليه بردتان سوداوان، متزر بواحدة وقد وضع الأخرى على رأسه، وهو يتفقد إبل الصدقة، فيكتب ألوانها وأسنانها. فقال علي لعثمان: أما سمعت قول ابنة شعيب في كتاب الله عز وجل: ( إن خير من استأجرت القوي الأمين)، وأشار علي بيده إلى عمر، فقال: هذا هو القوي الأمين
  2. حرم الإسلام الاستيلاء على الأموال العامة واعتبره سرقة أطلق عليه اسم الغلول وجاءت الآيات والأحاديث تتوعد مَن غل أي من خان بالعقاب يوم القيامة. فمن الآيات قول الله تعالى: )وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ( [الأنفال الآية: ١٦]. لقد عملت هذه الآية القرآنية الكريمة عملها في تربية المجتمع المسلم وأنشأت مجتمعاً من الناس تتمثل فيهم الأمانة والورع والتحرج من الغلول في أية صورة من صوره كما لم تتمثل قط في مجموعة بشرية، وقد كان الرجل من أفناء الناسمن المسلمين يقع في يده الثمين من الغنيمة لا يراه أحد فيأتي به إلى أميره لا تحدثه نفسه بشيء منه خشية أن ينطبق عليه النص القرآني المرهوب وخشية أن يلقى نبيه على الصورة المفزعة المخجلة التي حذره أن يلقاه عليها يوم القيامة! وأما من الأحاديث فقد استعمل النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً من الأزد يقال له ابن اللتبية على الصدقة، فلما قدم قال هذا لكم، وهذا أهدى لي. قال: (فهلا جلس في بيت أبيه أو بيت أمه، فينظر يهدى له أم لا والذي نفسي بيده لا يأخذ أحد منه شيئا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته، إن كان بعيرا له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر( ثم رفع بيده، حتى رأينا عفرة إبطيه)اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت ثلاثا. وعن عبد الله بن عمرو قال كان على ثَقَل- الغنيمة- النبي صلى الله عليه وسلم رجل يقال له كركِرة فمات فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم( هو في النار). فذهبوا ينظرون إليه فوجدوا عباءة قد غلّها. وعنه رضي الله عنه يقول: افتتحنا خيبر ولم نغنم ذهباً أو فضة إنما غنمنا البقر والإبل والمتاع والحوائط ثم انصرفنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وادي القرى ومعه عبد له يقال له(مِدْعَم) أهداه له أحد بني الضباب، فبينما هو يحط رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه سهم عائر حتى أصاب ذلك العبد فقال الناس هنيئاً له الشهادة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بل والذي نفسي بيده إن الشملة التي أصابها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه ناراً)فجاء رجل حين سمع ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم بشراك أو بشراكين فقال هذا شيء كنت أصبته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم( شراك - أو شراكان - من نار ). 
  3. تفعيل مبدأ المحاسبة والرقابة المالية التي تخص المال العام: وعندما رجع معاذ من اليمن إلى المدينة واستقبله الصديق وكان من عادته وسياسته مراقبة عماله ومحاسبتهم بعد فراغهم من عملهم قال الصديق لمعاذ: ارفع حسابك فقال معاذ: أحسابان حساب الله وحساب منكم؟ والله لا آلي لكم عملاً أبداً(فتوح الشام). وخرج أبو بكر الصديق يمشي إلى جنب راحلة عمرو بن العاص وهو يوصيه وكان مما أوصاه: ولا تجبن وتقدم في الغلول وعاقب عليه، وكتب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى يزيد بن قيس الأرحبي محذراً إياه من المساس بمال بيت المال: (أما بعد، فإنك أبطأت بحمل خراجك، وما أدري ما الذي حملك على ذلك. غير أني أوصيك بتقوى الله وأحذرك أن تحبط أجرك وتبطل جهادك بخيانة المسلمين، فاتق الله ونزه نفسك عن الحرام، ولا تجعل لي عليك سبيلاً، فلا أجد بداً من الإيقاع بك..). ويُعد الخليفة العباسي المهدي أول من وضع ديوان الزِّمام عام ١٦٢هـ، واسمه الحقيقي ديوان زمام الأزمة، ( فكان ديوان الزمام الديوان الأعلى المشرف على بقية الدواوين الفرعية، ويمكن تشبيهه بديوان المحاسبة في زماننا أو اللجنة العليا).
  4. جعل الإسلام الملكية العامة مستقلة عن ملكية بيت المال: ولم يكتف النظام المالي الإسلامي بالفصل بين الملكية العامة وملكية بيت المال بل فصل بين ملكيات بيت المال حسب قاعدة التخصيص المالي ونقل ابن عابدين عن الشرنبلاني فقال: قال الشرنبلالي في رسالته: ذكروا أنه يجب عليه أن يجعل لكل نوع منها بيتا يخصه، ولا يخلط بعضه ببعض، وأنه إذا احتاج إلى مصرف خزانة وليس فيها ما يفي به يستقرض من خزانة غيرها، ثم إذا حصل للتي استقرض لها مال يرد إلى المستقرض منها، إلا أن يكون المصروف من الصدقات أو خمس الغنائم على أهل الخراج وهم فقراء فإنه لا يرد شيئا لاستحقاقهم للصدقات بالفقر، وكذا في غيره إذا صرفه إلى المستحق
  5. 5.منع متولي المالية العامة من التصرف فيها إلا بموجب مصالح مقررة لا تخرج عن مقاصد الشريعة الكلية فلا يملك ذاك المتولي أن يوّسع أو يضيّق من نطاقها حسبما يشاء بل يراعي ما يتطلبه الصالح العام للمسلمين لأن الإمام مخير تخيير مصلحة لا تخيير شهوة. وقد جاء في القواعد الفقهية: (التصرف على الرعية منوط بالمصلحة)أي إن نفاذ تصرف الراعي على الرعية ولزومه عليهم متوقف على وجود الثمرة والمنفعة في ضمن تصرفه دينية كانت أو دنيوية. قال عمر رضي الله عنه: (إني أنزلت نفسي من مال الله تعالى بمنزلة ولي اليتيم إن احتجت أخذت منه فإذا أيسرت رددته فإن استغنيت استعففت).
  6. 6.العناية المالية الآجلة من خلال رعاية التنمية الاقتصادية العامة ولو كان على حساب الواردات المالية العاجلة قال سيدنا علي رضي الله عنه في خطاب إلى الأشتر النخعي حين بعثه إلى مصر والياً: (وليكن نظرُك في إعمار الأرض أبلغَ من نظرك في استجلاب الخراج، لأن ذلك يُدَركُ بالعمارة ومن طلب الخراج بغير عمارة أضر بالبلاد وأهلك العباد ولم يستقم أمره إلا قليلاً، فإن شكوا ثقلاً أو علة أو انقطاع شرب، أو إحالة أرض اغتمرها غرق، أو أجحف بها عطش، خفَفتَ عنهم بما ترجوا أن يصلح به أمرهم)..

إن حفظ الملكية في الإسلام لا يقتصر على ما مضى فحسب بلتكون أيضاً من خلال أداء الحقوق المالية الواجبة والتطوعية للملكية والحذر من الظلم وأذكر الأمثلة التالية من كتاب الله تعالى في هذا الشأن.

  1. قال الله تعالى عن قوم ثمود: (فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) [ النمل: ٥٢].
  2. وقال تعالى عما حل في قارون وملكيته: (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ) [ القصص:٨١].
  3. ولقد ضرب الله في القرآن الكريم مثلاً واضحاً عن أصحاب البستان الذي عزم أهله عن منع المساكين من خيره قال تعالى: (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلَا يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ * فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ * أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ * فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ * أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ * وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ * فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ * قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ * قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ*فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ * قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ * عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ * كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) [القلم ١٧ إلى ٣٣].
  4. وذكر القرآن الكريم كذلك العبرة في رجلين جاءت ملكية لأحدهما فاستكبر وأعرض عن الحق فذهب عنه جوهر ملكيته قال الله تعالى نسخة للطباعة