العدد الحالي: تشرين 1/اكتوبر 2018       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

أدب الدنيا: التنمية الشاملة

د. سامر مظهر قنطقجي

رئيس التحرير

أدب الدنيا: التنمية الشاملة
لأبي الحسن علي بن محمد حبيب البصري الماوردي (توفي 450 هـ)
التعقيب والمقاربة الاقتصادية: الدكتور سامر مظهر قنطقجي
تعقيب:
أوضحنا في العدد السابق تناول الماوردي للحاجات، وإشباعها، وحد الكفاية وذلك من وجهة نظر الاقتصاد الجزئي، ثم تناول الماوردي آليات تشكُّل الاقتصاد الكلي وسبل رسمه، فوضح أن الخلل على المستوى الجزئي (أي بين الوحدات الاقتصادية بما فيها الأفراد)، مؤداه اختلالات على مستوى الاقتصاد الكلي. فالصلاح طريق العمران (أو ما نصطلح عليه هذه الأيام بالتنمية)، أما الفساد فسبيل التخلف والبؤس.
ونُُتابع مع كلام الماوردي عن رسمه للعلاقة بين الاقتصاد الجزئي والاقتصاد الكلي، معتبراً أن التنمية ترتكز على أمرين لا ينفصلان عن بعضهما لتحقيق التنمية الشاملة. يقوم الأول على تنمية الفرد نفسه، والثاني يقوم على تنمية المجتمع كله. ولابد من الانسجام بين كلا التنميتين.
وقد ربط الماوردي بين مصطلحي الصلاح والفساد عند كل قول، وإن مصدر ذلك إنما هو الآية الكريمة رقم 110 من سورة آل عمران: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ)، فالأمر بالمعروف سبيل الصلاح والإصلاح والتطوير، والنهي عن المنكر سبيل إبعاد الفساد ووقف نزيفه. أما النتيجة التي يقررها الماوردي فهي: أن اختلال التنمية على المستوى الكلي (MACRO) وصلاحها على المستوى الفردي (MICRO) لن تحقق التنمية الشاملة، وهذا شأنه شأن اختلال حال الفرد وتحقق التنمية الكلية، فمساهمة الفرد ستنصرف عن الجماعة ويتوقف دوره، وبتعميم ذلك على جميع الأفراد، نكون أمام فساد لا صلاح. وفي ذلك يقول:       
صلاح الدنيا بشيئين:
وَاعْلَمْ أَنَّ صَلاَحَ الدُّنْيَا مُعْتَبَرٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَوَّلُهُمَا: مَا يَنْتَظِمُ بِهِ أُمُورُ جُمْلَتهَا. وَالثَّانِي: مَا يَصْلُحُ بِهِ حَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِهَا. فَهُمَا شَيْئَانِ لاَ صَلاَحَ لِأَحَدِهِمَا إلا بِصَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ مَنْ صَلُحَتْ حَالُهُ مَعَ فَسَادِ الدُّنْيَا وَاخْتِلاَلِ أُمُورِهَا لَنْ يَعْدَمَ أَنْ يَتَعَدَّى إلَيْهِ فَسَادُهَا، وَيَقْدَحَ فِيهِ اخْتِلاَلُهَا؛ لِأَنَّ مِنْهَا مَا يَسْتَمِدُّ، وَلَهَا يَسْتَعِدُّ. وَمَنْ فَسَدَتْ حَالُهُ مَعَ صَلاَحِ الدُّنْيَا وَانْتِظَامِ أُمُورِهَا لَمْ يَجِدْ لِصَلاَحِهَا لَذَّةً، وَلاَ لِاسْتِقَامَتِهَا أَثَرًا؛ لِأَنَّ الإنْسَانَ دُنْيَا نَفْسِهِ، فَلَيْسَ يَرَى الصَّلاَحَ إلا إذَا صَلَحَتْ لَهُ وَلاَ يَجِدُ الْفَسَادَ إلا إذَا فَسَدَتْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ نَفْسَهُ أَخَصُّ وَحَالَهُ أَمَسُّ. فَصَارَ نَظَرُهُ إلَى مَا يَخُصُّهُ مَصْرُوفًا، وَفِكْرُهُ عَلَى مَا يَمَسُّهُ مَوْقُوفًا.
الاختلاف سبب للتعاون:
وَاعْلَمْ أَنَّ الدُّنْيَا لَمْ تَكُنْ قَطُّ لِجَمِيعِ أَهْلِهَا مُسْعِدَةً، وَلاَ عَنْ كَافَّةِ ذَوِيهَا مُعْرِضَةً؛ لِأَنَّ إعْرَاضَهَا عَنْ جَمِيعِهِمْ عَطَبٌ وَإِسْعَادُهَا لِكَافَّتِهِمْ فَسَادٌ لِائْتِلاَفِهِمْ بِالاخْتِلاَفِ وَالتَّبَايُنِ، وَاتِّفَاقِهِمْ بِالْمُسَاعَدَةِ وَالتَّعَاوُنِ. فَإِذَا تَسَاوَى جَمِيعُهُمْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُهُمْ إلَى الاسْتِعَانَةِ بِغَيْرِهِ سَبِيلاً، وَبِهِمْ مِنْ الْحَاجَةِ وَالْعَجْزِ مَا وَصَفْنَا، فَيَذْهَبُوا ضَيْعَةً وَيَهْلَكُوا عَجْزًا. وَإِذَا تَبَايَنُوا وَاخْتَلَفُوا صَارُوا مُؤْتَلِفِينَ بِالْمَعُونَةِ مُتَوَاصِلِينَ بِالْحَاجَةِ؛ لِأَنَّ ذَا الْحَاجَةِ وُصُولٌ، وَالْمُحْتَاجَ إلَيْهِ مَوْصُولٌ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إلا مَنْ رَحِمَ رَبُّك وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ}. قَالَ الْحَسَنُ: مُخْتَلِفِينَ فِي الرِّزْقِ فَهَذَا غَنِيٌّ وَهَذَا فَقِيرٌ، وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ يَعْنِي لِلِاخْتِلاَفِ بِالْغِنَى وَالْفَقْرِ. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَاَللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ}. غَيْرَ أَنَّ الدُّنْيَا إذَا صَلَحَتْ كَانَ إسْعَادُهَا مَوْفُورًا، وَإِعْرَاضُهَا مَيْسُورًا. إلا أَنَّهَا إذَا مَنَحَتْ هَنَتْ وَأَوْدَعَتْ وَإِذَا اسْتَرَدَّتْ رَفَقَتْ وَأَبْقَتْ. وَإِذَا فَسَدَتْ الدُّنْيَا كَانَ إسْعَادُهَا مَكْرًا، وَإِعْرَاضُهَا غَدْرًا؛ لِأَنَّهَا إذَا مَنَحَتْ كَدَّتْ وَأَتْعَبَتْ، وَإِذَا اسْتَرَدَّتْ اسْتَأْصَلَتْ وَأَجْحَفَتْ. وَمَعَ هَذَا فَصَلاَحُ الدُّنْيَا مُصْلِحٌ لِسَائِرِ أَهْلِهَا لِوُفُورِ أَمَانَاتِهِمْ، وَظُهُورِ دِيَانَاتِهِمْ. وَفَسَادُهَا مُفْسِدٌ لِسَائِرِ أَهْلِهَا لِقِلَّةِ أَمَانَاتِهِمْ، وَضَعْفِ دِيَانَاتِهِمْ. وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ فِي مَشَاهِدِ الْحَالِ تَجْرِبَةً وَعُرْفًا، كَمَا يَقْتَضِيهِ دَلِيلُ الْحَالِ تَعْلِيلاً وَكَشْفًا، فَلاَ شَيْءَ أَنْفَعُ مِنْ صَلاَحِهَا، كَمَا لاَ شَيْءَ أَضَرُّ مِنْ فَسَادِهَا؛ لِأَنَّ مَا تَقْوَى بِهِ دِيَانَاتُ النَّاسِ وَتَتَوَفَّرُ أَمَانَاتُهُمْ فَلاَ شَيْءَ أَحَقُّ بِهِ نَفْعًا، كَمَا أَنَّ مَا بِهِ تَضْعُفُ دِيَانَاتُهُمْ وَتَذْهَبُ أَمَانَاتُهُمْ فَلاَ شَيْءَ أَجْدَرُ بِهِ ضَرَرًا.
تعقيب:
كما أنه لا يمكن تحقيق الرفاهية لجميع الناس لأن ذلك سبيل فسادهم، فلا يتحقق البؤس لجميعهم أيضاً لأن ذلك يُهلكهم. فالاختلاف والتباين باعث على الاتفاق والمساعدة والتعاون.  ومرتكز ذلك كله هو (الحاجة) لأن صاحب الحاجة يسعى لسدها والمحتاج إليه موصول وفي ذلك يقول الله تعالى: وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ [هود: ١١٨- 119].
واختلاف الناس معناه اختلاف حاجاتهم، وهذا يؤدي إلى خلق الطلب بين أصحاب الحاجات ومن ثم سعي بعضهم إلى تلبية ذلك الطلب مما يؤدي إلى إيجاد العرض ومن ثم تتشكل آليات السوق وتنمو، ويبدو أن هذا سبب من أسباب الخلق لتقوم الحياة وتزدهر طالما أن ذلك يتم كما يريد الخالق الصانع.
ثم إن التفضيل والمفاضلة بين الناس هو أمر الله تعالى خالق الناس وخالق حاجاتهم وهذه من نعمه عليهم ولو غاب ذلك عن كثيرٍ منهم. قال تعالى: وَاللّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاء أَفَبِنِعْمَةِ اللّهِ يَجْحَدُونَ [النحل: 71].
وقد ختم الماوردي بأبيات أُنشدت تُلخص حال الناس في كل زمان:
وَأَنْشَدْت لِأَبِي بَكْرِ بْنِ دُرَيْدٍ:
النَّاسُ مِثْلُ زَمَانِــــــــــهِمْ        قَدُّ الْحِذَاءِ عَلَى مِثَالـــــــــــهْ
وَرِجَالُ دَهْرِك مِثْلُ دَهْـــ    ــــرِك فِي تَقَلُّبِهِ وَحَالِـــــــــــــهْ
وَكَذَا إذَا فَسَــــــدَ الزَّمَـــــا    نُ جَرَى الْفَسَادُ عَلَى رِجَالِهْ
للكلام بقية..
———
الماوردي، أبو الحسن علي بن محمد حبيب البصري، (أدب الدنيا والدين)، شرح وتحقيق سعيد محمد اللحام، منشورات دار ومكتبة الهلال ببيروت، 1988، الصفحات 130-132.