العدد الحالي: أيار/ مايو 2018       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

الحمية الاقتصادية

د. سامر مظهر قنطقجي

رئيس التحرير

 

لو عدنا إلى تصرفات الناس لرأينا فيها تطوير لما هو قديم، أو عودة نحو القديم بأسلوب أو بآخر، ويكأن الناس تدور في دائرة إهليليجية؛ تراهم لا يستغنون عن أشياء ولو كانت بسيطة.

يستفيد الإنسان مما حوله مثبتاً فعاليته باستمرار؛ فعندما رأى الطير ودقق في سرّ حركته وصل إلى تقليده، ومن منا لا يعرف (عباس بن فرناس) الذي حاول الطيران بنفسه، وقد صار ذلك الآن ممكناً.

وراقب الإنسان حيوانات أخرى ليقتبس منها ما يطور به حاله، وقصص نبي الله سليمان عليه الصلاة والسلام المذكورة في القرآن فيها العبر والدروس الكثيرة، بدءاً من النملة والطير وغيرهم مما خلق الله تعالى. بل لقد استفاد العلماء من دراسة مجتمعات (مستعمرات) النحل كما استفادوا من مجتمعات (مستعمرات) النمل، وطوّر الرياضيون خوارزميات سميت بأسماء تلك الحيوانات فكانت خوارزمية النحل وخوازرمية النمل ووضعوا تطبيقات تحاكي أداءها، وهذه أمثلة على سبيل الذكر لا الحصر. واكتشف العلماء أن لكل من تلك المجتمعات لغتها وقوانينها الجازمة والصارمة، وقد أشارت الآيات الكريمة إلى ذلك كله، فقال الله تعالى على لسان نملة: حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (سورة النمل: ١٨). كذلك يوحي الله لمخلوقاته تعليماً لها، فقد أوحى للنحل وظيفتها، فقال عزّ وجلّ في سورة النحل: وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ۚ يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ ۗ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩).

وعلى كل حال، ذكر لنا القرآن الكريم؛ مناهج استنباطية وأخرى تجريبية، ودلل بنماذج المحاكاة والاستقراء وغيرها على كثير مما طُلب من الإنسان أن يُطور بها نفسه تعلماً وفقهاً. وهذا منهج قرآني في تعليم الله تعالى لهذا الإنسان سبل عيشه دون إفساد؛ ومن الأمثلة التي ضربت فيه: لـمّا وقع هابيل صريعاً بفعل أخيه قابيل ظلماً وحسداً، أرسل الله غراباً يعلمه كيف يواري جثمان أخيه في الأرض، حماية للبيئة من التلوث، وإكراماً للإنسان الذي مات، جاء في سورة المائدة في الآية (٣١): فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ۚ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي ۖ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ.

إن الإنسان قد درس أكثر من ظاهرة وخرج بدراسات حققت له نتائج طيبة في غالب الأحيان، وعالج أموره الاجتماعية والاقتصادية بذكاء؛ فتارة نجده يعود إلى بداية عصر ظهور الإنسان ومحاولاته تحقيق الاكتفاء الذاتي (كما نادى أصحاب النظام الاشتراكي والشيوعي)، وتارة يقلّد أسلوب المقايضة حيث يندر النقد وأخواته كما في الغابات والصحارى والبلاد المنقطعة (كما تطبق المقاصة بين الدول والأشخاص والمؤسسات للاستغناء عن التداول النقدي للحد من التضخم أو لندرة النقد وأشباهه)، وتارة ينادي بالانفتاح وتحقيق العلاقات الحرة (كما حصل في ترويج العولمة)، ثم سرعان ما يتجه نحو الداخل (كما يحصل الآن في الدول التي تتجه نحو الشعوبية كبرامج الرؤساء: ترامب وماكرون وغيرهما)، ولربما سنراه ينادي للعيش بسلام بعد أن تتعبه الحروب بأنواعها وترهق كاهله، وذلك بعد تكون الحروب قد أفلست الدول المتحاربة.

ويعتبر الحصار الاقتصادي الذي تمارسه دول ضد غيرها هو أشبه بحرب؛ السلاح فيها اقتصادي وأدواته سياسات نقدية ومالية واقتصادية، قد مارسته قريش عندما حاصرت المسلمين في شِعب أبي طالب لسنين وقاطعهوهم  اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً. وليس كل حصار بالضرورة قد يأتي بنتائج حسب رغبة المحاصِرين لأن المحاصَر قد ينكفئ على نفسه متقشفاً، أو قد يُدخل نفسه في تحالفات حتى لو ضحى بثوابته.

كما أن الاقتراض من الغير غالباً ما يأتي على المقترض بشروط تسلبه كثيراً من حرياته، وهذا ما تفعله المؤسسات الدولية مع الدول المقترضة من المؤسسات؛ حيث تشترط عليها الشروط التي قد تكبلها وتأسرها، ولو أن الدول المقترضة صبرت على نفسها لربما حققت ذات النتائج، وحصدت ذات الآثار التقشفية إنما دون إكراه، ودون إذلال في غالب الأحيان. وقد تقشف المسلمون خلال مسيرتهم الحياتية وخاصة في مرحلة نشوء المجتمع الإسلامي، ويمكن أن نستلهم من سلوك رسول الله صلى الله عليه وسلم في شد الحجر على بطنه ما يشبه ذلك، فهو إنما يُعلم الناس بالتطبيق العملي بوصفه القدوة الحسنة، جاء في الحديث الصحيح: شكونا إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ الجوعَ ورفعنا عن بطونِنا عن حجرٍ حجرٍ فرفع رسولُ اللهِ عن بطنِه عن حجرينِ. وكذلك كان فعل عمر رضي الله عنه في عام المجاعة.

إن جسم الاقتصاد يتألف من أعضاء عديدة ومن مكونات ضرورية، إذا مرض عضو فيه تداعى له سائر الجسد؛ أسوة بجسم الإنسان؛ فكما أن الإنسان مهما عمل بمفرده فإنه لن يستطيع العيش بمعزل عن الآخرين؛ لابد له من التبادل؛ فإن اقتصاداً بمفرده لن يعيش ولابد له من مجموعة تسانده ويساندها. وكذلك إذا كانت ادخالات الجسم أكثر من إخراجاته؛ فمؤدى ذلك إلى التخمة، والتخمة كما نعلم دواؤها الناجع هو الصوم (الحمية)؛ لذلك فمن أصيب بالدسم الاقتصادي عليه أن يلجأ إلى الحمية والتخفيف من إدخالاته، ولربما يلجأ لبعض العقاقير ليكون شفاؤه أسرع. ومهما كان الدواء مُراً فإن على الجسم أن يصبر؛ على أساس أن فيه الشفاء الأكيد. ولابد من التدرب على التقشف والخشونة من الأدوية المرة؛ فالرخاء والكسل هما أحد الروافد التي تصب في النهاية في بحر المرض. وقد أشارت سورة الإسراء لذلك بقول الله تعالى: وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦).

لقد ذكرت احصائيات (الفاو) و(الأمم المتحدة) عن هدر الطعام في تقرير بثته قناة CNBC عربية، مفاده أن:

- المملكة العربية السعودية تتصدر البلدان العربية وهي الأولى عالميا من حيث الهدر الغذائي، فقيمة الغذاء المهدر (١٣.٣) مليار دولار سنوياً، حسب وزارة الزراعة السعودية وهو أكثر من الناتج المحلي الإجمالي لكل من (الصومال وجيبوتي وموريتانيا) مجتمعة، وبذلك تكون كمية الغذاء المهدر تعادل (٢٥٠) كيلو غرام سنويا للفرد الواحد، مقارنة ب (١١٥) كيلو غرام للفرد في الدول المتقدمة، و(١١) كيلو غرام في الدول الفقيرة.

- الإمارات العربية المتحدة (٤) مليارات دولار سنوياً.

- الكويت (١) طن سنوياً من الغذاء المهدر أي ما يقارب (٤٠٠) كيلو غرام عن كل فرد.

- قطر (١.٤) مليون طن سنوياً ما يعادل (٦٣٦) كيلو غرام عن الفرد الواحد، إضافة إلى (١٤٪) من الغذاء يتم اتلافه بسبب مشاكل التخزين، وانتهاء الصلاحية.

لذلك لابد من السهر على سلامة كل جسم، وهذا ليس واجباً على المجتمع بل أيضاً على كل فرد فيه؛ فالإخلال فيه ضرر عميم، وقد حذر صلى الله عليه وسلم من ذلك كله بقوله: لا ضرر ولا ضرار.

وعليه، فإن البحث عن الجسم الأفضل يكون في الأطراف الصحيحة غير المشوهة، وبالتالي لابد من الانطلاق من اللبنة الأولى، وهي الفرد؛ فعندما يوجد الفرد الصالح الذي يتمتع بخصائص لا تسمح له بالابتعاد كثيراً عن جادة الصواب نكون قد ابتعدنا عن شاطئ الضياع كثيراً، وبذلك نترك الأمواج العاتية تلعب خلف مركبنا. فلنعلّم أنفسنا الحمية الاقتصادية كما نصوم، ولنعلّم شعوبنا الحمية الاقتصادية أسوة بذلك.

 

حماة (حماها الله) بتاريخ ١١ رمضان ١٤٣٩ هـ الموافق ٢٧ أيار/مايو ٢٠١٨ م