العدد الحالي: نيسان/ أبريل 83-2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

التنازع الفقهي حول حقيقة فكرة دولية عقود الدولة من عدمها

د. خنفوسي عبد العزيز

أستاذ محاضر قسم"ب"

عيسى لعلاوي

أستاذ جامعي

إن العقود الدولية تخضع في شكلها العام لأحكام القانون الدولي الخاص، والتي من خلالها يمكن للأطراف المتعاقدة أن تقوم باختيار القانون الواجب التطبيق عليها، وبالتالي نجد أن الصفة الدولية الملازمة للعقد تعتبر شرط جوهري وضروري لتأكيد صحة اختيار الأطراف للقانون الذي يسري على العقد، ومنه لا نستطيع الحديث عن القانون الواجب التطبيق، إلا بعد أن نتأكد من أننا أمام عقد دولي، وهذا باعتبار أن هذا النوع من العقود هو الذي يثير لنا مشكلتي تنازع القوانين، وتنازع الاختصاص القضائي(1).

وللإجابة على مسألة دولية عقد الدولة من عدمها، نجد أن الفقه قد انقسم بين رافض لفكرة دولية عقود الدولة ومؤيد لها، وبين من يضفي على هذه العقود الصفة الدولية الجزئية.

أولا: الاتجاه الرافض لفكرة دولية عقود الدولة

 لقد ذهب أنصار هذا الاتجاه إلى القول بأن فكرة رفض تدويل عقود الدولة تقوم على أساس إنكار الشخصية القانونية الدولية عن المتعاقد مع الدولة، وأن العقد وفي أغلب الأحوال لا يمكن أن يتجاوز النطاق الداخلي للدولة المتعاقدة.

01- عرض رأي الاتجاه الرافض لفكرة دولية عقد الدولة

 حسب رأي أصحاب هذا الاتجاه، نجد أن الدولة هي الوحيدة المخول لها التمتع بالشخصية القانونية الدولية، وبالتالي فإن العقود التي تبرمها مع المتعاقد الأجنبي لا تعدو أن تكون إلا بمثابة تصرفات قانونية داخلية - عقود إدارية(2)- تخضع للقانون الوطني للدولة المتعاقدة(3).

هذا، وقد استند أصحاب هذا الاتجاه في عرض رأيهم حول رفض فكرة دولية عقود الدولة على قرار محكمة العدل الدولية، والصادر بخصوص قضية القروض الصربية والبرازيلية عام 1929، والذي قضى بما يلي: " كل عقد لا يكون بين دولتين باعتبارهما أشخاصا للقانون الدولي، إنما يجد أساسه في قانون وطني لدولة ما، ومسألة تحديد هذا القانون تعتمد على القانون الذي سمي اليوم عادة بالقانون الدولي الخاص أو نظرية تنازع القوانين، والذي قد تشترك قواعده بين عدة دول، وقد تنشأ من الاتفاقات أو العرف الدولي، وقد تحمل في هذه الحالة الأخيرة صفات القانون الدولي الصحيح، الذي يحكم العلاقات بين الدول، بيد أن هذه القواعد تشكل جزءًا من القانون الوطني"(4).

01- الحجج التي تقدم بها أصحاب الاتجاه الرافض لفكرة دولية عقود الدولة.

لقد حاول أصحاب الاتجاه الرافض لفكرة دولية عقود الدولة تقديم مجموعة من الحجج تتمثل في: السوابق القضائية، وعوائق التدويل القانونية.

أ- السوابق القضائية(5):تقوم حجج أصحاب هذا الاتجاه من أجل عرض موقفهم الرافض لفكرة تدويل عقود الدولة على بعض السوابق القضائية نستعرض بعضا منها فيما يلي:

أ-1-القضية المشهورة المتعلقة بالشركة الأنجلو- إيرانية للبترول، وهذا بشأن الخلاف الذي وقع بين الحكومة الإيرانية والبريطانية حول طبيعة عقد الامتياز المتعلق باستغلال النفط، والمبرم في: 29/04/1939(6)، وقد قضت محكمة العدل الدولية بشأنه ما يلي: " هذا العقد لا يعدو أن يكون أكثر من عقد امتياز بين حكومة وشركة أجنبية...وأن العقد لا ينظم روابط بين الحكومتين بحال من الأحوال"(7).

أ-2- نجد أن مجلس قضاء باريس سنة 1932 ذهب إلى تكييف عقد أبرم بين طرفين من خلال الأتي: " كل شخص يتعاقد مع دولة ذات سيادة يخضع نفسه لقوانين هذه الدولة بمجرد التعاقد معها"(8).

ب- عوائق التدويل القانونية:بالإضافة إلى حجة السوابق القضائية هناك أيضا حجة عوائق التدويل القانونية، والتي من أهمها أن الفقه قد اعتبر الطرف المتعاقد مع الدولة يملك في الأساس طبيعة تختلف تماما عن أشخاص القانون الدولي، وهذا لأن قواعد القانون الدولي لا يمكن أن تسري إلا على أشخاصه، ومنه ولما كان الطرف الخاص الذي تعاقد مع الدولة ليس من أشخاص القانون الدولي، فإنه في هذه الحالة لا يمكن أن يتمسك بقواعد القانون الدولي في مواجهة الدولة الطرف في العقد، والتي تعد شخصا من أشخاص هذا القانون(9).

 وفي هذا الصدد يرى الفقيه" جارسيا أمادور" بأنه توجد قرينة تؤكد تطبيق القانون الداخلي للدولة المتعاقدة، وهذا بقوله: " من المقبول به حاليا في الفقه، ومما يجري عليه العمل أن العقود بين حكومة إحدى الدول، وأحد الأجانب يحكمها فيما يتعلق بنشأتها وتنفيذها القانون الداخلي للدولة المتعاقدة، وليس القانون الدولي"(10).

ثانيا: الاتجاه المؤيد لفكرة دولية عقود الدولة.

01- عرض رأي الاتجاه المؤيد لفكرة دولية عقود الدولة.

يذهب أصحاب هذا الاتجاه إلى القول بضرورة تدويل(11) العقود التي تقوم بإبرامها الدولة مع الأشخاص الأجنبية، وبناءًا عليه يجب أن تمنح صفة الشخص الدولي للمتعامل الأجنبي مع الدولة، ليتم في الأخير الاعتراف بأن هذا المتعاقد الأجنبي هو شخص من أشخاص القانون الدولي.

ولقد ظهرت بوادر وإرهاصات منح الصفة الدولية للمستثمر الأجنبي إثر العلاقة الاستثمارية التي جمعته مع الدول المستقلة بهذه الاستثمارات بفضل العديد من الفقهاء الذين على رأسهم الفقيه " سيلس" الذي قال في سنة 1943 بأنه: " كل شخص مهما كان نظامه القانوني بصفته مواطنا، يخضع بصفة مباشرة لنظام القانون الدولي ويحمى به"(12).

ومن جهة أخرى نجد الأستاذ " كافار" الذي ذكر في سنة 1956 بأن: " القانون الدولي باعتباره ينظم فقط العلاقات ما بين الدول فكرة لم تعد صالحة"(13).

أما الأستاذ " فايل"، فقد اعتبر وفي نفس الوقت أن: " بعض العقود التي يمكن وصفها باتفاقات التعاون الاقتصادي تنتمي بحسب خاصيتها إلى نظام قانوني لا يمكن أن يكون سوى النظام القانوني الدولي"، ودعا في الأخير إلى ضرورة إنشاء قانون دولي للعقود يكون مشتملا على مجموعة من قواعد القانون الدولي العام خاصة بالعقود التي تبرم بين الدولة وشخص أجنبي(14).

2- المبررات التي تؤيد وجهة نظر الاتجاه المؤكد لفكرة دولية عقود الدولة.

أ-إن الاتفاق الذي تبرمه الدولة مع المستثمر الأجنبي يجد أساسه القانوني، وسند قوته الإلزامية في قاعدة من قواعد القانون الدولي العام، والتي تتمثل في مبدأ قدسية العقد الذي يعتبر قاعدة أساسية صالحة لكل نظام قانوني متمدين.

ب-يتعين استبعاد القانون الداخلي للدولة المتعاقدة كلية من مجال تحديد القانون الواجب التطبيق، وهذا على أساس وجود قاعدة إسناد خاصة قوامها الاختيار السلبي الذي يوجب استبعاد تطبيق قانون الدولة المتعاقدة.

ج-يتكون النظام القانوني الذي يحكم عقود الدولة مع أطراف خاصة أجنبية من مجموعة من المبادئ العامة للقانون المعترف بها في العالم المتمدين، والتي يتم استخلاصها من دراسة مختلف نظم القانون الخاص في أهم الدول المتمدنة(15).

ثالثا: الاتجاه الذي يضفي الصفة الدولية الجزئية على عقود الدولة.

 لقد جاء الاتجاه الثالث من أجل الوقوف موقف وسط بين الاتجاهين السابقين، وكذا محاولة منه التخفيف من شدة تعنت كل من الرأيين السابقين، وفي هذا السياق سنحاول قدر المستطاع أن نستعرض ما جاء به هذا الاتجاه من خلال الوقوف على عرض مضمون رأيه، وكذا تقييم جل الانتقادات التي وجهت إليه بخصوص فكرة إضفاء الصفة الدولية الجزئية على عقود الدولة.

01- عرض رأي الاتجاه الثالث (الاتجاه الوسطي).

 في خضم جملة الانتقادات التي وجهت للرأيين السابقين نستطيع القول أن هناك مجموعة من الفقهاء حاولت أخذ موقف وسط من فكرة دولية أو عدم دولية عقود الدولة، واعتبرت أن هذه العقود هي ذات طبيعة خاصة، فلا هي عقود دولية ولا هي عقود داخلية إدارية.

وكان من بين هؤلاء الفقهاء الذي سلكوا هذا المسلك، وخاضوا تجربة رائدة في هذا الاتجاه الوسطي، نجد الأستاذ " بازارشي" ومعه مجموعة أخرى من الفقهاء الذين أكدوا على أن جل الاتفاقات التي تبرم بين الدول والأشخاص الأجنبية، إنما تخضع في شكلها العام إلى القانون الداخلي للدولة المتعاقدة، لكن لوجود بعض الضروريات والاشتراطات يتم تضمينها ضمن بنود العقد، وهذا مثل إجراء التحكيم أو تحديد القانون الواجب التطبيق أو تحديد الجهة القضائية المختصة، يتوجب علينا أن نضع هذه الاتفاقات تحت موضع حماية القانون الدولي(16).

 ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل نجد كذلك الأستاذ " فردروس" الذي انضم سنة 1958 إلى هذا الاتجاه، وحاول أن يتبنى أفكاره وآرائه من خلال إطلاقها لتسمية أو تعبير" الاتفاقات شبه الدولية" على العقود التي تبرم بين الدولة والأطراف الأجنبية الخاصة.

 ولتأكيد جل ما تقدم به أصحاب الاتجاه الثالث، نجدهم أنهم قد استندوا إلى بعض الأحكام الصادرة في هذا الشأن، والتي من بينها الحكم الصادر في قضية " أرامكو" الذي اعترف بإمكانية تطبيق قواعد القانون السعودي كقانون داخلي في بعض المسائل الثانوية للعقد، ومن جهة أخرى نجد أن المحكم في هذه القضية توصل من جهة ثانية إلى إمكانية تطبيق المبادئ العامة الموجودة في قواعد القانون الدولي العام، وهذا باعتبار أن القواعد القانونية المنظمة لعقود امتياز البترول تعلو في الأساس على قواعد القانون السعودي(17).

 خلاصة القول أنه، وحسب هذا الاتجاه تقع عقود الدولة في منطقة وسط يحدها من جهة اليمين الاتفاقيات المبرمة بين الدول ومن جهة اليسار العقود المبرمة بين الأشخاص، فلا يمكن أن نطبق عليها القانون الدولي بصورة كلية، وهذا لمجرد أن أحد أطرافها هو دولة، كما أنها لا تعتبر عقودًا داخلية محضة تستدعي منا تفضيل العنصر الأجنبي الذي يؤدي معه الأمر في الأخير إلى تطبيق القانون الوطني الداخلي بصفة آلية وقطعية.

02- الانتقادات التي وجهت إلى أصحاب الاتجاه المنادي بفكرة الدولية الجزئية لعقود الدولة.

بالرغم من أن غالبية الفقه والقضاء الدوليين لم ترحب كثيرًا بكل الأفكار التي تأسس من خلالها اتجاه فكرة الدولية الجزئية لعقود الدولة، إلا أنه يظل فيه بعض الايجابية من ناحية أنه مستوحى من إرادة الطرفين المتعاقدين سواء الدولة أو الشخص الأجنبي، لكن بالرغم من كل ما تقدم به هذا الاتجاه، نجد أن بعض العقود لا تخضع لقانون وطني، وليست محكومة بقواعد القانون الدولي، وهذا باعتبار أنها تشكل مجموعة ثالثة تخضع في تركيبتها لنظام قانوني ثالث ينشأ بناءًا على إرادة الأطراف، ويستمد قوته القانونية من المبدأ المعروف في قواعد القانون المدني، والذي يقوم على أن: " العقد شريعة المتعاقدين".

وفي هذا الصدد، نجد أن الأستاذ " لاليف" حاول أن يعطينا وصفا لهذا النظام القانوني الثالث المقترح من خلال نصه على الآتي: " إن القانون المقترح ما هو إلا نظام قانوني ثالث لا يزال في طور التكوين، وأنه يقع في وسط الطريق بين القانون الدولي بالمعنى الضيق والقانون الداخلي، ويستمد مضمونه جزئيا من القانون الداخلي، وجزئيا من نصوص العقد نفسه، وجزئيا من المبادئ العامة...ويضيف أن القانون المقترح يستجيب للتطور في العلاقات الاقتصادية التجارية الدولية، كما أن القانون المقترح من شأنه هدم التفرقة التقليدية بين النظام القانوني الداخلي والنظام القانوني الدولي، وذلك بإضافة نظام ثالث جديد"(18).

الخاتمة:

 بالرغم من ظهور الاتجاهات الفقهية الثلاث، والتي تنازعت حول فكرة دولية عقود الدولة من عدمها، إلا أنه لم يكتب لها الرواج في العديد من المناسبات، فهي لم تكن في كل الأحوال أحسن حالا من محاولات التدويل المباشر، كما أنه لم يتم الاتفاق عليها سواء من حيث ماهيتها أو أسسها أو مضامينها، بالإضافة إلى أن القضاء التحكيمي والقضاء الدولي، وفي العديد من المواطن لم يجتمعا على رأي واحد من أجل تكريسها بصفة نهائية وقاطعة، وهذا دون الاعتداد بتلك الأحكام التحكيمية التي لا يمكن أن نصفها إلا بالمتحيزة، والتي خالفت مبادئ النزاهة والحياد.

الهوامش والمراجع:

(1)- انظر: محمد حسين منصور، العقود الدولية، دار الجامعة الجديدة للنشر، الإسكندرية، مصر، 2006، ص: 12.

(2)- انظر: معاشو عمار، الضمانات في العقود الاقتصادية الدولية في التجربة الجزائرية (في عقود المفتاح والإنتاج في اليد)، أطروحة لنيل درجة دكتوراه دولة في القانون الدولي والعلاقات الدولية، معهد العلوم القانونية والإدارية" بن عكنون"، جامعة الجزائر، الجزائر، 1998، ص، ص: 34، 35.

(3)- انظر: عدلي محمد عبد الكريم، النظام القانوني للعقود المبرمة بين الدول والأشخاص الأجنبية، رسالة لنيل شهادة دكتوراه في القانون الخاص، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة أبي بكر بلقايد بتلمسان، الجزائر، السنة الجامعية: 2010/2011، ص: 49.

(4)- انظر: محمد عبد العزيز بكر، منازعات الاستثمار في آسيا بين القانون والمصلحة – بحث تحليلي لأحكام منازعات الاستثمار في آسيا-، ط1، دار النهضة العربية، القاهرة، مصر، 2001، ص: 15.

(5)- انظر: عدلي محمد عبد الكريم، المرجع السابق، ص: 50.

(6)- انظر: حفيظة السيد الحداد، العقود المبرمة بين الدول والأشخاص الأجنبية- تحديد ماهيتها والنظام القانوني لها-، دار الفكر الجامعي، الإسكندرية، مصر، 2001، ص- ص: 712- 714.

(7)- انظر: معاشو عمار، المرجع السابق، ص- ص: 34- 37.

(8)- انظر: عدلي محمد عبد الكريم، المرجع السابق، ص: 51.

(9)- انظر: حفيظة السيد الحداد، المرجع السابق، ص- ص: 686- 689.

(10)- انظر: عدلي محمد عبد الكريم، المرجع السابق، ص: 53.

(11)- لقد اتفق الفقهاء على مختلف مشاربهم على أن المقصود بالتدويل بصفة عامة هو إخراج الواقعة القانونية من المجال القانوني الوطني الذي كان يتحكم بها في الماضي إلى غاية الوقت الحالي، وإخضاعها لقواعد القانون الدولي.

(12)- انظر: معاشو عمار، المرجع السابق، ص- ص: 37- 39.

(13)-« Regarder le droit international public comme réglementant exclusivement les relations entre Etats est une conception singulièrement dépassée aujourd’hui ».

(14)- انظر: عدلي محمد عبد الكريم، المرجع السابق، ص: 56.

(15)- انظر: وفاء مزيد ملحوظ، المشاكل القانونية في عقود نقل التكنولوجيا إلى الدول النامية، ط1، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، لبنان، 2008، ص: 882.

(16)- انظر: عدلي محمد عبد الكريم، المرجع السابق/ ص: 69.

(17)- انظر: محمد عبد العزيز بكر، المرجع السابق، ص: 53.

(18)- انظر: معاشو عمار، المرجع السابق، ص، ص: 38، 39.