العدد الحالي: نيسان/ أبريل 83-2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

آليات القياس المحاسبي عن المسؤولية الاجتماعية

د. عقون عبد السلام

أستاذ محاضر "أ"

نجاة بن تركية

باحثة دكتوراه

تعتبر المحاسبة عن المسؤولية الاجتماعية أحدث مراحل التطور المحاسبي ولقد نشأ هذا التطور من منطلق أن المؤسسة جزء لا يتجزأ من المحيط والمجتمع الذي تنشط فيه،وعلى هذا الأساس فهي ملزمة بتحقيق الرفاهية الاجتماعية لأفراد المجتمع، وامتداد لهذا الفكر أصبحت المؤسسات بحاجة إلى الكشف عن نشاطها الاجتماعي والإفصاح عنه، في إطار ما يعرف بالقياس والإفصاح الاجتماعي.

وتهدف الدراسة إلى تحديد إطار مفاهيمي للقياس والإفصاح المحاسبي عن المسؤولية الاجتماعية للمؤسسة من حيث المفهوم والمتغيرات ومجال التطبيق وكذا التعرف على أساليب ومداخل القياس والإفصاح عن المسؤولية الاجتماعية، مع الإشارة إلى أهم المشاكل والصعوبات المتعلقة بالقياس والإفصاح عن الأنشطة الاجتماعية.

مقدمة:

أصبحت المسؤولية الاجتماعية تحظى بأهمية بالغة في الوقت الراهن، وذلك نتيجة لأثرها الفعال في المجتمع الذي تنشط فيه المؤسسة، على اعتبار أنها أداة فعالة لتحقيق التطور وتحقيق الرفاهية لأفراد المجتمع، فالمسؤولية الاجتماعية تفرض على المؤسسات ألا تكتفي باستغلال الموارد المتاحة لها بما يخدم أهدافها الخاصة فقط، بل تستوجب عليها مراعاة المتطلبات الاجتماعية للمجتمع الذي تتواجد فيه باعتبارها جزءا منه تؤثر وتتأثر به.

وبغية الوصول إلى تحقيق هذه الأهداف الاجتماعية وجب على المؤسسة الاهتمام بوظيفة جد مهمة، ويتعلق الأمر بوظيفة المحاسبة، هذه الأخيرة تمكن المؤسسة من تحديد مسؤولياتها اتجاه المجتمع وتقدير مختلف التزاماتها ومنافعها تقديرا دقيقا، كما تمكنها كذلك من قياس مدى مساهمتها في الأداء الاجتماعي لها، في إطار ما يعرف بمحاسبة المسؤولية الاجتماعية.

فالمحاسبة الاجتماعية أداة تمد المستفيدين ومتخذي القرارات بالمعلومات المحاسبية المتعلقة بالجانب الاجتماعي، لإعطاء صورة متكاملة عن أداء المؤسسة بحيث تظم بيانات تتعلق بالأداء الاجتماعي إلى جانب البيانات والمعلومات المالية الأخرى، عن طريق القياس والإفصاح المحاسبي الاجتماعي.

وعليه وبناءا على ما سبق جاءت فكرة هذه الورقة البحثية التي تقوم على تقديم وشرح مختلف طرق وأساليب الإفصاح عن المسؤولية الاجتماعية من المنظور المحاسبي، متبلورة في التساؤل الرئيسي التالي: كيف يتم القياس والإفصاح المحاسبي عن المسؤولية الاجتماعية؟

أولا: محاسبة المسؤولية الاجتماعية.

تعتبر المحاسبة عن المسؤولية الاجتماعية من أحدث مراحل التطور المحاسبي، ولقد نشأ هذا التطور الحديث نتيجة للازدياد في حجم وقرارات الشركات التي لها تأثيرات كبيرة على البيئة والمجتمع الذي تنشط فيهمن جميع النواحي.

1- مفهوم محاسبة المسؤولية الاجتماعية: لقد تعددت المفاهيم والتعاريف الخاصة بالمحاسبة عن المسؤولية الاجتماعية نبرز أهمها فيما يلي:

تعرف محاسبة المسؤولية الاجتماعية على أنها مجموعة الأنشطة التي تختص بقياس وتحليل الأداء الاجتماعي لمنظمات الأعمال وتوصيل تلك المعلومات للجهات المستخدمة والمستفيدة منها وذلك بغرض مساعدتهم في اتخاذ القرارات وتقييم الأداء الاجتماعي لتلك المنظمات[1].

محاسبة المسؤولية الاجتماعية هي عملية التقييم المنظمة للإفصاح عن أنشطة المؤسسة التي ينتج عنها آثار اجتماعية[2].

محاسبة المسؤولية الاجتماعية عملية اختيار تقوم بها المنظمة للمتغيرات والمقاييس وأساليب القياس، والعمل على التطوير المنظم للمعلومات المفيدة في تقييم الأداء الاجتماعي للمنظمة، وتوصيل هذه المعلومات إلى المجموعات ذات العلاقة سواء بداخل المنظمة أو خارجها[3].

2- الفروض والمبادئ الهامة لنظام محاسبة المسؤولية الاجتماعية:

يقوم نظام محاسبة المسؤولية الاجتماعية على أربعة فروض أساسية هي[4]

¯             أن على المنشأة التزامات تجاه المجتمع الذي تعمل فيه وبأنها أي المنشأة تقبل تحمل هذا الالتزام؛

¯             أن الموارد الاقتصادية للمجتمع نادرة ومحدودة، ولأنها كذلك يتوجب استغلالها بفاعلية قصوى وبشكل يؤدي إلى تعظيم العائد الاجتماعي المحقق من الاستثمار الاجتماعي؛

¯             اعتبار الموارد الاقتصادية العامة التي تستنفذها المنشأة في نشاطها الاستغلالي التشغيلي كالماء والهواء سلعا ليست مجانية وإنما موارد اقتصادية اجتماعية يتوجب على المؤسسة تعويض المجتمع عما تستنفذه منها؛

¯             للمجتمع الحق في الاطلاع على مدى تنفيذ المنشأة لالتزاماتها تجاهه وذلك ضمن الأسس والمبادئ المتعارف عليها للإفصاح المحاسبي.

3- مجالات محاسبة المسؤولية الاجتماعية:

يمكن تحديد مجموعات الأنشطة ذات المضمون الاجتماعي التي تقوم بها المنظمة على النحو التالي[5]:

أ. الأنشطة ذات العلاقة بالمجتمع:وتتمثل بالأنشطة التي تؤدي إلى تحقيق منافع لكافة أفراد المجتمع لغرض المساهمة بتنمية ورفاهية المجتمع كالأنشطة الخاصة برعاية المعوقين، وتدريب طلبة الجامعات، وتدعيم البرامج التي تحد من الأوبئة والأمراض؛

ب. الأنشطة ذات العلاقة بالعاملين: وتتضمن الأنشطة التي توجه لتلبية متطلبات العاملين بالمنظمة وتحسين أحوالهم بصفة عامة، لذلك فإن هذا المجال يمثل مجالا داخليا، ومن أمثلة هذه الأنشطة توفير الرعاية الصحية للعاملين وتهيئة ظروف للعمل تتصف بالأمن والسلامة؛

جـ. الأنشطة ذات العلاقة بالبيئة:وتشمل الأنشطة التي تؤدي إلى تخفيف أو منع التدهور البيئي والتي تهدف لحماية الموارد الطبيعية والبيئية المحيطة، والمحافظة عليها، ويعتبر الاهتمام بهذا المجال أمرا حيويا ليس فقط لأثره على نوعية الحياة بل لأثره على ما تتحمله الدول من نفقات للمحافظة على البيئة الطبيعية؛

د. الأنشطة ذات العلاقة بحماية المستهلك:وتشمل على الأنشطة المرتبطة بالعلاقات مع العملاء من حيث تحقيق رضاهم على المنتج أو الخدمة، والمحافظة على مصالحهم، ومنها على سبيل المثال تعريف المستهلكين بخصائص المنتج وطرق ومجالات استخدامه، ووضع بيانات على عبوة المنتج للتعريف بحدود ومخاطر الاستخدام وتاريخ عدم الصلاحية.

ثانيا. ماهية القياس المحاسبي عن المسؤولية الاجتماعية.

تهدف محاسبة المسؤولية الاجتماعية إلى تقييم مدى التزام المؤسسة بتنفيذ مختلف التزاماتها الاجتماعية، وهذا الهدف لا يمكن تحقيقه إلى عن طريق القيام بالقياس الكامل والدقيق لمختلف أنشطتها الاجتماعية، وهذا ما يتم عن طريق القياس الاجتماعي والذي يعتبر تعبيرا نقديا عن الأنشطة الاجتماعية التي تقوم بها المؤسسة، والتي يمكن قياسها بمقاييس نقدية وتحديد أثارها على القوائم المالية وفقا للمبادئ المحاسبية والتشريعات الاجتماعية.

1. مفهوم القياس المحاسبي:

يعرفالقياس بشكل عام على أنه: قرن الأعداد بالأشياء للتعبير عن خواصها وذلك بناء على قواعد طبيعية يتم اكتشافها إما بطريقة مباشرة أو بطريقة غير مباشرة[6]، كما عرف أيضا بأنه عملية مقابلة يتم من خلالها ربط أحداث اقتصادية بعنصر آخر محدد هو عدد حقيقي في مجال آخر هو نظام الأعداد الحقيقية وذلك باستخدام أدوات قياس مختلفة منها الكمية أو الزمنية أو النقدية، وبموجب قواعد اقتران وهي قواعد الاحتساب[7].

أما القياس المحاسبي فقد عرفته جمعية المحاسبة الأمريكية(AAA)كما يلي: يتمثل القياس المحاسبي في قرن الأعداد بأحداث المنشأة الماضية والجارية والمستقبلية وذلك بناءً على ملاحظات ماضية أو جارية وبموجب قواعد محددة، كما عرف أيضا بأنه: "تحليل الأحداث المتعلقة بأنشطة المنشأة الاجتماعية، ثم تسجيلها في تاريخ حدوثها، ثم تتبع حركة تبادل هذه الأحداث لتحديد آثارها على مصالح أطراف التبادل على شكل وحدات نقدية تماشيا مع فرض وحدة القياس"[8].

2- خطوات عملية القياس المحاسبي:

يمكن تحديد الخطوات الأساسية لعملية القياس كالتالي[9]:

أ. تحديد الخاصية محل القياس:الخاصية محل القياس بالنسبة للمشروع هي حدث اقتصادي تاريخي ذو أثر على المركز المالي، كما قد يكون حدثا مستقبليا ذو آثار اقتصادية متوقعة على المشروع، والمشكلة الأساسية التي يواجهها المحاسب والتي ستنعكس آثارها على جميع مراحل عملية القياس، تتلخص في عدم قدرة المحاسب في معظم الأحيان على تعريف أو تحديد الخاصية محل القياس تعريفًا أو تحديدًا دقيقا؛

ب. تحديد نوع المقياس المناسب لعملية القياس مع وحدة القياس المميزة للقياسات:يتوقف اختيار نوع المقياس المناسب وكذلك وحدة القياس المناسبة على أغراض عملية القياس، وعلى نوع الخاصية محل القياس، فإذا كانت أغراض عملية القياس محصورة في مجرد تبويب الحدث محل القياس، فالمقياس المناسب حينئذ لهذا الغرض هو مقياس اسمي، أما إذا كانت أغراض عملية القياس محصورة في المقارنة بين قيمة حدثين (أصلين مثلا) فالمقياس المناسب حينئذ هو مقياس الترتيب، وإذا ما تجاوزت أغراض عملية القياس ما سبق ذكره إلى تحديد المحتوى الكمي للحدث (قيمة كل من الأصلين مثلا) فحينئذ يستخدم مقياس نسبي؛

جـ. تحديد أسلوب القياس المناسب لعملية القياس:يتوقف أسلوب القياس المتبع في تنفيذ عملية القياس المحاسبي على عاملين، أولهما الهدف من عملية القياس، وثانيهما الأفق الزمني لعملية القياس، فإذا كان هدف عملية القياس مجرد تبويب الحدث محل القياس أو إثباته محاسبيا فقط، حينئذ لا يتعدى أسلوب القياس ما يعرف بأسلوب أو طريقة القياس المباشرة، أما فيما عدا ذلك فيستخدم أسلوب القياس المشتق أو غير المباشر، والذي بموجبه تحدد قيم القياسات، في إطار ما يسمى بعملية الاحتساب المبنية على علاقات رياضية.

بعد اتخاذ الإجراءات آنفة الذكر من قبل المحاسب، يمكنه حينئذ الشروع في تنفيذ عملية القياس المحاسبي وهنا يمكن لهذه العملية أن تمر في عدة مراحل يتوقف مداها على أغراض عملية القياس والتي تحدد بالتالي نوعية القياسات المطلوب توفيرها، ويُستفاد من خطوات عملية القياس المحاسبي في مجال التكاليف والمنافع المتعلقة بالأداء الاجتماعي بأنه يمكن أن ترتبط عملية القياس بالغرض المنشود من القياس المحاسبي لهذه المفاهيم من تكاليف ومنافع وصولا إلى صافي الاستثمارات الاجتماعية وفق الخصائص المتعلقة بالأداء الاجتماعي.

3. القياس المحاسبي الاجتماعي.

يعتبر القياس المحاسبي للمسؤولية الاجتماعية من أبرز المواضيع المعاصرة في الوقت الراهن، والذي يهدف بالأساس إلى إيجاد طرق واختيار إجراءات تمكن المؤسسات من قياس أدائها الاجتماعي، وتقييم مدى تنفيذها لالتزاماتها الاجتماعية، وبالرغم من أهمية عملية القياس المحاسبي إلا أنها مازالت تعاني من عدة مشاكل وصعاب تحول دون الوصول إلى تقديرات دقيقة للأداء الاجتماعي للمؤسسات، وتكمن هذه الصعوبات بالأساس في صعوبة القياس الكمي لكل من الإيرادات والتكاليف المتعلقة بالنشاط الاجتماعي للمؤسسة، إضافة إلى طول الفترة الزمنية الواقعة بين حدوث التكلفة الاجتماعية التي تتحملها وزمن العائد الاجتماعي المتحقق من تلك التكلفة، وكذا صعوبة تحديد مسؤولية المنظمة اتجاه المجتمع بشكل دقيق.

وعموما يمكن القول بأن عملية القياس المحاسبي الاجتماعي تتمحور في الأساس حول قياس كل من التكاليف الاجتماعية، بالإضافة إلى العوائد الاجتماعية.

أ. التكاليف الاجتماعية: يمكن حصر مفهوم التكاليف الاجتماعية على أنها: التضحية التي يتكبدها المجتمع نتيجة الأضرار والآثار السلبية المتولدة عن الأنشطة الاقتصادية للمنشآت، وبذلك فهي تعبر عن أضرار اجتماعية كان على المنشأة اتخاذ الإجراءات اللازمة مقدما لتجنب حدوثها، فهي بعبارة أخرى الأعباء التي ألقيت على عاتق المجتمع نتيجة للآثار السلبية الخارجية للنشاط الاقتصادي للمنشآت كالتلوث البيئي، والضوضاء وغيره من الأضرار التي يتولد عنها تكاليف إصلاح وعلاج يتحملها ذلك المجتمع[10].

أما في ما بتعلق بالقياس فهناك من يرى أن طريقة القياس المباشر غير ممكنة وغير عملية في تحديد قيمة هذه الأضرار وبذلك يجب الالتجاء إلى طرق غير مباشرة تمكن من الوصول إلى رقم كلفة يمكن اعتباره في ظل ظروف القياس الحالية بديلا للتكلفة الاجتماعية وذلك على النحو التالي[11]:

¯             تكاليف المنع:ويقوم هذا المفهوم على افتراض أنه كلما قامت الشركة أو المشروع بالإنفاق على منبع التلوث مثلا كلما انخفضت الأضرار التي تصيب المجتمع، وتكاليف المنع لا تكون عادة مساوية لقيمة الأضرار التي تصيب المجتمع، والمهم في هذا المجال هو التوصل إلى أرقام تعكس حقيقة التكاليف وذلك لغرض إثباتها في السجلات أو التقارير المحاسبية، ويفيد قياس التكلفة الحقيقية المخطط في اتخاذ قرار القبول أو الرفض؛

¯             تكاليف التصحيح: ويقصد بهذا المفهوم التكاليف التي يتحملها المشروع من أجل إعادة الشيء إلى ما كان عليه أو لإنشاء مورد يحل محل المورد الاجتماعي الذي تأثر بنشاط المشروع، ومثل ذلك التكاليف التي يتحملها المشروع في سبيل تطهير النهر من أثر التلوث بسبب ممارسة نشاط المشروع، ويؤخذ على هذا المفهوم بأنه يعتبر مفهوما غامضا نسبيا وذلك أنه في كثير الحالات قد لا يكون واضحا كيفية قياس تكلفة التصحيح أو إعادة الوضع إلى ما كان عليه.

ب. المنافع الاجتماعية: يقصد بالمنافع الاجتماعية تلك الآثار الموجبة الخارجية للمنشأة، كالآثار الناجمة عن تقليل الضوضاء الخاص بتشغيل الآلات يعتبر عائد اجتماعي يعود على المجتمع[12].

ويتم تحديد المنافع الاجتماعية محاسبيا على أساس قيمة الفوائد التي تحققت للمجتمع من خلال ممارسة المشروع لنشاطه، وسواء كان هذا العائد اقتصاديا أو غير اقتصادي، والمنافع الاجتماعية تتضمن كل المنافع التي قام المشروع بتوفيرها للمجتمع وحصل على مقابل لها يحصل في مقابلها على إيراد[13]، إلا أنه من الصعوبة بمكان قياس هذه العوائد التي تعبر عن حجم الإسهام الاجتماعي للشركات، وذلك بشكل مباشر ودقيق طبقا للمقاييس المحاسبية التقليدية المتعارف عليها، كذلك فإن هناك مشكلة تحديد الأطراف المستفيدة من هذه العوائد، حيث توجد أطراف داخلية وأخرى خارجية، وأطراف أخرى في البيئة المحيطة، وهذا يتوقف على نوع النشاط الاجتماعي الذي تؤديه الشركة، وما يترتب على ذلك من تقييم لدور المنشآت التي تتحمل مسؤوليتها الاجتماعية مقارنة بتلك التي لا تتحمل هذه المسؤوليات[14].

ثالثا. أساليب عملية القياس المحاسبي الاجتماعي:

يمكن إتباع عدة أساليب لعملية قياس أنشطة المسؤولية الاجتماعية (سواء التكاليف الاجتماعية أو العوائد الاجتماعية) في المنشآت، حيث يتوقف أي منها على أغراض عملية القياس، ويمكن حصر هذه الأساليب في ثلاثة أنواع رئيسية هي[15]:

1. أساليب القياس المباشرة: باستخدام هذا الأسلوب من أساليب القياس تحدد نتيجة القياس المحاسبية ممثلة بقيمة الخاصية محل القياس مباشرة دون الحاجة إلى ما يسمى بعملية الحساب المبينة أصلا على ضرورة توفر علاقة رياضية بين الخواص محل القياس، ومثال على ذلك: قياس تكلفة آلة لغرض اجتماعي، وذلك من خلال ثمنها الموجود على فاتورة الشراء.

2. أساليب القياس المشتقة (غير الأساسية):تستخدم هذه الأساليب عندما يتعذر على المحاسبين قياس قيمة الأثر الاجتماعي محل القياس بطريقة مباشرة، فعلى سبيل المثال: إذا تم تسعير أجزاء آلة وذلك لتحديد التكلفة الإجمالية لها، فحينئذ تقاس تكلفة هذه الآلة باستخدام القياس غير المباشر، وذلك للوصول إلى تكلفة الآلة كوحدة واحدة من خلال عملية احتساب تضم فيها أسعار الأجزاء معا للوصول بعد ذلك إلى تكلفة الآلة كوحدة،وتجدر الإشارة إلا أن المحاسب لا يستطيع القيام بعمل قياس غير مباشر إلا إذا كان مسبوقًا بعملية قياس مباشر، فمثلا إذا أراد المحاسب أن يقيس القيمة الإجمالية لأصلين، فحينئذ لا يمكنه تحديد هذه القيمة إلا بأتباع أسلوب القياس غير المباشر، وذلك بعد تحديد قيمة كل منهما على انفراد بأسلوب القياس المباشر، وعند ذلك تحدد بأسلوب القياس غير المباشر لمعرفة قيمتهما الإجمالية، وخير مثال على أساليب القياس غير المباشرة(المشتقة)، قياس تكاليف المنع، أي منع حدوث الأضرار الاجتماعية، وكذلك تكاليف إعادة الوضع إلى ما كان عليه، طالما يتعذر استخدام القياس المباشر وإن استخدامه غير ممكن عمليًا وحاليًا، وهذه المقاييس لا تعبر في الواقع عن الرقم الدقيق لقيمة الأضرار التي تصيب المجتمع، إلا أنها تمثل حاليًا أفضل رقم تقريبي لهذه الأضرار، أي أفضل رقم بديل للتكاليف الاجتماعية.

3. أساليب القياس التحكمية: تشبه هذه الأساليب في إجراءاتها أساليب القياس المشتقة، لكن الفرق الرئيسي ينحصر في أنه يوجد في أساليب القياس غير المباشرة قواعد موضوعية تحكمه أما الأساليب غير المباشرة فلا يوجد فيها مثل هذه القواعد، الأمر الذي يجعلها أكثر عرضة للتحيز الناتج عن تقديرات شخصية للقائمين بعملية القياس.

وفي ضوء كل ما سبق نجد أن هناك الكثير من المحاولات لقياس المسؤوليات الاجتماعية والمحاسبة عنها، ومع هذا لا يزال القياس لهذا النوع من المحاسبة غير واضح ودقيق للأسباب التالية[16]:

¯             خروج غالبية هذه النماذج والآراء عن الإطار العام للنظرية المحاسبية من فروض ومبادئ وسياسات كالقياس غير النقدي للأنشطة الاجتماعية أو الاعتراف بالتكاليف وإهمال المنافع أو القياس من وجهة نظر المجتمع لا من وجهة نظر الوحدة الاقتصادية؛

¯             إن النماذج المطروحة في الأدبيات المحاسبية لقياس المسؤوليات الاجتماعية حتى الآن لم تحظ بقبول المحاسبين أو الجمعيات والهيئات المهنية والأكاديمية بحيث يمكن تعميمها على الوحدات الاقتصادية والعمل بها؛

¯             اختلاف حجم الأنشطة الاجتماعية ونوعها وموضوع القياس.

الخاتمة:

حاولنا من خلال هذه الورقة البحثية إبراز مختلف طرق وأساليب القياس والإفصاح المحاسبي عن المسؤولية الاجتماعية، فالمسؤولية الاجتماعية أصبحت تحظى بأهمية بالغة في عالمنا المعاصر، وهذا ما ينعكس في السعي الدائم للمؤسسات إلى الاهتمام بمسؤوليتها الاجتماعية، وتحسين أدائها الاجتماعي والامتثال لمعايير الأداء الاجتماعي، وكذا جهود المحاسبين والأكاديميين في تطوير طرق وأساليب القياس والإفصاح عن مختلف المنافع والتكاليف الاجتماعية.

وقد تم التوصل على ضوء هذه الدراسة إلى بعض النتائج يمكن عرضها فيما يلي:

¯             يعتبر موضوع محاسبة المسؤولية الاجتماعية في المؤسسة الاقتصادية نشاطا أساسيا يمكن تقنينه وتحديد أساليب قياسه والإفصاح عنه بشكل موضوعي؛

¯             يتمحور القياس والإفصاح المحاسبي بالأساس حول تحديد قيمة التكاليف الاجتماعية وكذا المنافع الاجتماعية؛

¯             إن عملية القياس المحاسبي الاجتماعي بشكل عام سواء فيما يتعلق بالتكاليف أو المنافع الاجتماعية صعبة جدا، ويصعب تحديد قيمتها بدقة وقياسها قياسا نقديا لعدة أسباب أبرزها صعوبة التعبير الكمي عن المتغيرات الكيفية الاجتماعية؛

¯             بالرغم من المجهودات الكبيرة المبذولة من طرف الباحثين والأكاديميين إلا أنه ولحد الآن لم يتم التوصل إلى طرق محاسبية تتميز بالموضوعية في عملية القياس المحاسبي لمنافع الأنشطة الاجتماعية وذلك بسبب الصعوبات التي تتمثل في التعبير عن هذه المنافع بالقياس النقدي؛

¯             عدم وجود معايير يمكن الرجوع إليها في قياس التكاليف والمنافع الاجتماعية في المؤسسات بشكل فعال وسليم.

قائمة المراجع:



[1]. محمد عبد السلام الصبان، المحاسبة الاجتماعية، مجلة كلية التجارة للبحوث العلمية، جامعة الإسكندرية، العدد 1، السنة 15، مصر، 1987، ص 199.

[2]. Robert HA, Social Responsibility accounting time to get started, CA Magazine, February 1977, pp 28- 31

[3]. علاء جميل مكط الزحيم، دور آليات حوكمة الشركات في الرقابة على تكاليف المسؤولية الاجتماعية –دراسة تطبيقية في عينة من المصارف العراقية الخاصة، مجلة القادسية للعلوم الإدارية والاقتصادية، العراق، المجلد 17، العدد 1، 2015،  ص 167.

[4]. سعيد مخلد النعيمات وفارس جميل حسين، دور محاسبة المسؤولية الاجتماعية ومدى تطبيقها على قطاع البنوك التجارية في الأردن، مجلة كلية بغداد للعلوم الاقتصادية، العدد 28، 2011، ص ص 314- 315.

[5]. يوسف هارون وفاطمة عامر حماد، تطبيق محاسبة المسؤولية الاجتماعية ودوره في تحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية للشركات، مجلة العلوم الاقتصادية، العراق، المجلد 16 (2)، 2015، ص 137.

[6]- مطر محمد، السويطي موسى، التأصيل النظري للممارسات المهنية والمحاسبية، ط2، دار وائل للنشر والتوزيع، عمان،  2008، ص 128.

[7]. وليد ناجي الحيالي، نظرية المحاسبة، الأكاديمية العربية المفتوحة في الدنمارك، 2007.

[8]. كمال عبد العزيز النقيب، مقدمة في نظرية المحاسبة، دار وائل للنشر، الأردن، 2004،  ص327.

[9]. وليد ناجي الحيالي، مرجع سابق، ص ص 102-107.

[10]. بن عمارة نوال، طرق الإفصاح والقياس في المحاسبة عن المسؤولية الاجتماعية، مجلة الدراسات المالية والمحاسبية، المركز الجامعي بالوادي، العدد الأول، 2010 ص 100.

[11]. علي حسين الدوغجي، المحاسبة في المسؤولية الاجتماعية مع إشارة لما هو مطبق في العراق، مجلة الإدارة والاقتصاد، العراق، العدد 58، 2006، ص 123-124.

[12]. بن عمارة نوال، مرجع سابق، ص 101.

[13]. علي حسين الدوغجي، مرجع سابق، ص 124.

[14]. بن عمارة نوال، مرجع سابق، ص 101- 102.

[15]. نوفان حمد محمد العليمات، القياس المحاسبي لتكاليف أنشطة المسؤولية الاجتماعية والإفصاح عنها في القوائم المالية الختامية، أطروحة دكتوراه في المحاسبة، جامعة دمشق، سوريا، 2010، ص59-60.

[16]. لقمان محمد أيوب الدباغ، تقويم مدى ملائمة معايير المحاسبة الدولية في تطوير المحاسبة عن المسؤولية الاجتماعية، مجلة بحوث مستقبلية، العراق، العدد 15، 2006ـ، ص 50.